إسبانيا تشهد ‘معجزة اقتصادية’ ‘صامتة’ تعيد تصور النمو خلال فترات الأزمات – شاشوف

إسبانيا تشهد معجزة اقتصادية صامتة تعيد تصور النمو خلال فترات


في ظل تباطؤ اقتصادات أوروبا وزيادة مخاوف الركود، تبرز إسبانيا كنموذج مضاد، مُحققة نمواً اقتصادياً بنسبة 0.6% في الربع الثالث، متجاوزةً متوسط منطقة اليورو. تعتمد مدريد على سياسة اقتصاد ذكي تشمل استثماراً في الطاقة المتجددة، وفتح باب الهجرة كأداة تنمية. كما خفضت الدين العام بشكل ملحوظ. رغم التحديات السياسية والاجتماعية كارتفاع أسعار العقارات والبطالة، تؤكد التجربة الإسبانية إمكانية تحقيق النمو في أوروبا عبر السياسات الجريئة، مثل جذب العمالة الماهرة والاستثمار في تطوير الاقتصادات البديلة، مما يشير إلى ضرورة إصلاحات جديدة للنمو المستدام في القارة.

تقارير | شاشوف

بينما تتباطأ اقتصادات أوروبا وترتفع مخاوف الركود، تأتي إسبانيا كنموذج مُعبر يخالف التيار السائد، حيث تقدم دروساً ملهمة حول كيفية تحفيز النمو بالرغم من الضغوط العالمية. في الوقت الذي تبتلى فيه اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وفرنسا بتحديات تباطؤ الإنتاجية والركود، اتبعت مدريد مساراً بديلاً ووضعت إدارة اقتصادية ذكية في المقدمة.

كان الربع الثالث من العام علامة فارقة في تأكيد هذه الصورة. فقد سجل الاقتصاد الإسباني نمواً قدره 0.6% على أساس ربع سنوي وفقاً لبيانات مرصد “شاشوف”، ما يعد تفوقاً على متوسط منطقة اليورو والذي لم يتجاوز 0.2%.

هذا الأداء المتميز ليس مجرد حالة عابرة، بل هو نتيجة لسنوات من السياسات المدروسة، ويعزز هذا الاتجاه صندوق النقد الدولي الذي اعتبر إسبانيا أسرع اقتصادات العالم المتقدم نمواً.

بينما يتوقع صندوق النقد أن يحقق الاتحاد الأوروبي نمواً لا يتجاوز 1.2% في عام 2025، تشير التوقعات في مدريد إلى إمكانية وصول النمو إلى 2.9% في العام القادم، بعد تحقيق نمو قوي بلغ 3.5% في 2024.

هذه الفجوة الكبيرة ليست مجرد أرقام، بل تعكس أن أوروبا التي تعاني من مشاكل الإنتاجية والشيخوخة وارتفاع تكاليف الطاقة قد تجد في النموذج الإسباني مخرجاً جديداً.

بالتزامن مع هذا النمو، نجحت مدريد في تقليص الدين العام إلى الناتج المحلي بشكل ملحوظ، حيث انخفض من 119% في 2020 إلى أقل من 102%، مع توقعات بالنزول إلى ما دون 100% قبل نهاية العقد. في قارة تعاني من مخاطر الدين العام، يعد هذا التطور إنجازاً يستوجب الانتباه.

الهجرة.. ورقة رابحة في معركة النمو السكاني والإنتاجية

بينما تسير دول أوروبية كبرى نحو تقليص الهجرة وتضيق سياسات الدخول، اختارت إسبانيا السير عكس الاتجاه، حيث اعتبرت الهجرة وسيلة تنموية وليست تهديداً. هذه النظرة عوضت التراجع الطبيعي في عدد السكان الناتج عن الشيخوخة، خصوصاً مع ارتفاع متوسط الأعمار وانخفاض معدلات الولادة في أوروبا.

تشير البيانات إلى أن 8.2 مليون شخص قد انضموا إلى السكان في إسبانيا بين عامي 2000 و2024، معظمهم من خلال الهجرة. لولا ذلك، لكانت الكثافة السكانية ثابتة أو حتى متراجعة، مما كان سيقيد القدرة الاقتصادية ويقلل من توفر العمالة الشابة.

الأهم من ذلك، أن العمالة الوافدة لم تشكل عبئاً على الميزانية العامة، إذ تمثل فقط 1% من الإنفاق الحكومي، بينما تساهم بشكل واضح في الإنتاج المحلي والضمان الاجتماعي.

جزء كبير من هذه النتائج يعود إلى التركيز على العمالة الماهرة وتوجيه الهجرة نحو القطاعات الأكثر حاجة، مثل التكنولوجيا والخدمات المتطورة. كما استفادت مدريد من قدرتها على جذب كفاءات ناطقة بالإسبانية من أمريكا اللاتينية، مما منحها ميزة تنافسية ثقافية ولغوية مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى.

هذه السياسة لم تؤدي فقط إلى تحسين الإنتاجية، بل زادت من النمو المحتمل للاقتصاد من 1.4% إلى 2% وفقاً لتقديرات بنك إسبانيا، التي راجعها مرصد شاشوف. في قارة شنقت بين تباطؤ القدرات الإنتاجية، أصبحت الهجرة المنظَّمة أحد أسرار القوة الاقتصادية الإسبانية.

الطاقة النظيفة.. من الشمس والرياح إلى اقتصاد المستقبل

لم تقتصر مدريد على معالجة الأمور الديموغرافية والمالية، بل وضعت الأساس لنمو مستدام من خلال الاستثمارات المكثفة في الطاقة المتجددة. مع توفر الشمس الوفيرة والرياح القوية، أصبحت إسبانيا واحدة من الدول الرائدة في إنتاج الكهرباء من مصادر طاقة نظيفة.

تسعى السياسات الحكومية إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050، حيث تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر لا يعزز فقط توليد الطاقة، بل يوفر فرص عمل ويدعم البحث والتطوير ويجذب الاستثمارات العالمية. تتضح ثمار ذلك في أسعار الكهرباء المنخفضة نسبياً، مما يمنح الصناعات المحلية ميزة تنافسية.

كما أن قطاع السيارات يمثل نجاحاً إضافياً. بعد إطلاق خطة بقيمة 5 مليارات يورو لجذب صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، بدأت الشركات العالمية تتجه نحو إسبانيا، مثل فولكس فاغن من ألمانيا وشيري وكاتل من الصين.

تشير تسريبات السوق إلى أن شركة BYD الصينية قد تكون التالية وفقاً لموقع شاشوف، مما قد يعزز من مكانة مدريد كقاعدة صناعية أوروبية للسيارات الكهربائية.

رغم انقطاع الكهرباء الكبير الذي حدث في أبريل الماضي، والذي أظهر الحاجة إلى تطوير شبكات الطاقة، لم يكن هذا الحادث كافياً لتغيير التوجهات. فصعود الطاقة المتجددة أصبح العنصر الأكثر حيوية في قصة النمو الإسبانية.

تحديات سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها

رغم هذه النجاحات، تواجه الحكومة الإسبانية تحديات جدية قد تعيق المسار إذا لم تُعالج بشكل جيد. فقد ارتفعت أسعار العقارات بشكل حاد، مما جعل شريحة واسعة من المواطنين خارج دائرة القدرة على التملك، مما أدى إلى خلق توترات اجتماعية. ورغم تراجع البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ 2008، إلا أنها لا تزال تلامس 2.5 مليون شخص وفقاً لتحليلات مرصد شاشوف، وهو رقم مرتفع قياساً بدول متقدمة.

أما المشهد السياسي، فإنه يمر بمرحلة حساسة. تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب الشعب المحافظ على الحزب الاشتراكي بزعامة بيدرو سانشيز قبل انتخابات 2027، ما يعبّر عن شعور عام بالإرهاق من استمرار الحكومة بالرغم من النتائج الاقتصادية الجيدة. كما أن قضايا الفساد التي تنفيها الحكومة تزيد من الغموض وتساهم في تصاعد الاستقطاب.

مع ذلك، يرى المراقبون أن التجربة الإسبانية أثبتت أن أوروبا ليست مقدّرةً للركود، وأن هناك نماذج بديلة قادرة على كسر الحلقة التقليدية المتعلقة بالشيخوخة وتباطؤ الإنتاجية وارتفاع الدين. في النهاية، التحدي الأكبر أمام مدريد هو إقناع المجتمع بالحفاظ على هذا المسار.

لم تحقق إسبانيا نجاحها الاقتصادي من خلال ضربة حظ أو دورة مواتية، بل عبر مزيج من السياسات الجريئة: جذب العمالة الماهرة بدلاً من طردها، الاستثمار في الطاقة النظيفة بدلاً من الموارد الأحفورية، الاستخدام الفعّال لأموال التعافي بدلاً من تضييعها، وبناء سوق عمل قادر على إضافة قيمة.

السؤال الآن: هل ستقتنع بقية أوروبا بأن الطريق إلى النمو يمر عبر الانفتاح بدلاً من الانغلاق، ومن خلال دعم الاقتصاد المنتج وليس فقط الأنظمة المالية، ومن خلال استقبال المستقبل بدلاً من مقاومته؟ إذا كانت تجربة إسبانيا تحمل رسالة، فهي أن الإصلاح الاقتصادي ممكن، حتى في قارة تشيخ مؤسساتها وتُعرقل محركاتها.

يبقى أن الوقت سيحدد ما إذا كانت مدريد ستظل نموذجاً يُحتذى أم ستتعثر تحت ضغط السياسة قبل أن تضمن مكاسبها. لكن المؤكد أن أوروبا بدأت تتجه نحو الجنوب، ليس فقط بحثاً عن الشمس، بل بحثاً عن وصفة للنهوض.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version