الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات جديدة بسبب تعثر اتفاق التجارة الحرة مع ‘ميركوسور’، مما يعكس مأزقًا أعمق للقارة في ظل التوترات مع الولايات المتحدة والصين. بعد 25 عامًا من المفاوضات، كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تأمل في توقيع الاتفاق، لكنها واجهت معارضة من إيطاليا بسبب مخاوف زراعية. حال نجاح الاتفاق، سيشمل 780 مليون مستهلك، لكن التوترات الداخلية قد تؤدي إلى فشله، مما يهدد مصداقية الاتحاد كقوة عالمية. الفشل قد يعني أن أوروبا تقف عاجزة عن استغلال الفرص الجيوسياسية، بينما تسعى ميركوسور لشراكات جديدة مع دول أخرى.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يواجه الاتحاد الأوروبي مرة أخرى تحديات بسبب الترددات الداخلية والضغوط الخارجية، حيث أدى فشل توقيع اتفاق التجارة الحرة مع تكتل “ميركوسور” إلى كشف أعمق عن الأزمات التي تواجهها القارة القديمة، مما يجعلها تسعى للهروب من نظام عالمي يعاد تشكيله بفعل “دونالد ترامب” من جهة، واستقطاب حاد بين الولايات المتحدة والصين من جهة أخرى.
وأفادت وكالة بلومبيرغ، في تقرير اطلعت عليه “شاشوف”، أنه بعد 25 عاماً من المفاوضات مع الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي، كان من المقرر أن توقّع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في 20 ديسمبر، أكبر اتفاقية تجارة حرة في تاريخ الاتحاد.
لكن بدلاً من الاحتفالات، وجدت نفسها في سباق ضد الوقت لإنقاذ الاتفاق عبر حشد الدعم في اللحظة الأخيرة، في ظل اعتراضات متجددة زعمت إيطاليا أنها تعكس مخاوف من تأثيرات محتملة على القطاع الزراعي المحلي.
أثار هذا التعثر استياء كبيراً في أمريكا الجنوبية، حيث أشار الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى “نفاد الصبر”، قائلاً: “الوقت مناسب الآن أو لن يكون مناسباً أبداً”، في دلالة على أن تكتل ميركوسور لن ينتظر أوروبا إلى ما لا نهاية.
وفي رسالة رسمية إلى لولا، اعترفت فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعدم الالتزام بالموعد النهائي الذي حدّدوه بأنفسهم، مؤكدين في الوقت ذاته أنهما “يعملان بفعالية” لإتمام الاتفاق، مع محاولة جديدة للتوقيع في 12 يناير، لكن دون أي ضمانات.
ميركوسور هو تكتل اقتصادي في أمريكا اللاتينية يهدف لتحقيق التكامل بين الدول الأعضاء، التي تشمل البرازيل، الأرجنتين، أورغواي، وباراغواي.
اتفاق تجاري.. ورهان جيوسياسي
تتجاوز أهمية اتفاق ميركوسور الأرقام المتعلقة بالتجارة، حيث كان يُفترض أن يكون دليلاً عملياً على قدرة الاتحاد الأوروبي على أن يكون قوة عالمية مستقلة قادرة على التحرك خارج نفوذ الصين والولايات المتحدة، في وقت تصاعدت فيه التوترات التجارية مع الطرفين.
ووصفت فون دير لاين هذه اللحظة بأنها “لحظة استقلال أوروبا”، مما يشير إلى أن بروكسل ترى في الاتفاق أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن دعم أوكرانيا أو إعادة تشكيل سلاسل التوريد. إلا أن الواقع عكس هشاشة هذا الطموح أمام الانقسامات الداخلية.
أوروبا بين الصين وأمريكا
تأتي هذه الأزمة في سياق دولي حساس للغاية، إذ ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الصين كمنافس اقتصادي وخصم منهجي، وقد شهدت العلاقة بين الطرفين تصعيداً تمثل في فرض رسوم جمركية متبادلة، بالإضافة إلى فرض بكين قيوداً على تصدير المعادن النادرة والمواد الحيوية، مما أظهر هشاشة الصناعات الأوروبية واعتمادها على الخارج.
وعلى الجانب الآخر، وجدت أوروبا نفسها تقبل، الصيف الماضي، اتفاقاً تجارياً غير متوازن مع الولايات المتحدة، حيث وافقت على فرض رسوم بنسبة 15% على معظم صادراتها، مقابل تعهد أمريكي بإلغاء الرسوم على السلع الصناعية الأمريكية، وهي خطوة اعتبرها الكثيرون تنازلاً أوروبياً تحت الضغوط.
ووفق تقرير “بلومبيرغ إيكونوميكس”، فإن فشل إقرار الاتفاق سيؤثر اقتصادياً على دول ميركوسور بمعدل أكبر من تأثيره على الاتحاد الأوروبي، لكنه سيمثل في المقابل انتكاسة جيوسياسية لبروكسل بينما تتزايد الضغوط من واشنطن وبكين، كما ترى “شاشوف”، مما يعني أن الخسارة ليست تجارية بل تمس صورة الاتحاد وقدرته على الالتزام بوعوده وبناء شراكات طويلة الأمد.
وكان الاتفاق سيؤدي إلى إنشاء سوق متكاملة تضم حوالي 780 مليون مستهلك، وتقليل الرسوم الجمركية على سلع استراتيجية مثل السيارات، وتوفير وصول أوسع لأوروبا إلى الزراعات والموارد الضخمة في دول ميركوسور.
والأهم من ذلك، كان سيمنح الاتحاد الأوروبي سلاسل توريد وروابط اقتصادية تقلل اعتماده على الولايات المتحدة والصين، وتُظهره كبديل اقتصادي موثوق للدول الراغبة في تنويع شراكاتها.
وتقف إيطاليا في قلب هذا التعثر، حيث أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني أنها تحتاج لمزيد من الوقت للحصول على موافقة داخلية، مما جعل روما في موقع “بيضة القبان”.
وحذرت أغاث ديماراي، كبيرة الباحثين السياسيين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، من أن اقتصادات نامية أخرى تراقب هذا المشهد، وستلاحظ مدى صعوبة تمرير أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي.
في برلين وعواصم أوروبية أخرى، تُعتبر ميلوني تحاول انتزاع أكبر قدر من المكاسب، خصوصاً لصالح القطاع الزراعي الإيطالي، مستفيدة من دورها المحوري.
ونقل لولا عن ميلوني قولها إنه لا تحتاج سوى “لبضعة أيام أخرى”، لكن الانقسام الأوروبي بين متفائلين بإعطاء إيطاليا الضوء الأخضر في النهاية، ومتشائمين يرون أن الوقت قد ينفد، لا يزال مستمراً.
وعبر بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، عن ذلك بقوله: “إذا لم يتم توقيع الاتفاق في 20 ديسمبر، فإنه سيموت، وسينعكس ذلك على علاقات التجارة المستقبلية للاتحاد الأوروبي مع دول العالم”.
محاولات إنقاذ بلا نتيجة
في محاولة أخيرة لتمرير الاتفاق، وافق البرلمان الأوروبي وحكومات الاتحاد على إضافة ضمانات جديدة لحماية المزارعين الأوروبيين من صدمات مفاجئة في الأسعار أو الواردات. إلا أن هذه التنازلات لم تكن كافية لتبديد المخاوف أو إنهاء الجمود.
وفي الشارع، عبّر الآلاف من المزارعين عن رفضهم خلال قمة بروكسل عبر احتجاجات قاموا خلالها بإشعال الإطارات ورمي البطاطس في الطرقات، مما عكس حجم التوتر بين الطموحات الجيوسياسية للنخب الأوروبية والمخاوف الاجتماعية-الاقتصادية في الداخل.
إذا استمر الجمود، وفق بلومبيرغ، قد يتجه الطرفان إلى مسارات أخرى. وقد أكد الرئيس البرازيلي أن إنهاء مفاوضات استمرت 26 عاماً “لن يكون ممكنًا دون إرادة سياسية وشجاعة”، مشدداً على أن التكتل سيستمر في العمل مع شركاء آخرين.
ويخطط تكتل ميركوسور لعقد اتفاق محتمل مع الإمارات، حسب متابعة “شاشوف”، كما يسعى إلى شراكات مع كندا والمملكة المتحدة واليابان. وفي المقابل، يحاول الاتحاد الأوروبي إغلاق صفقة طال انتظارها مع الهند، التي هي أيضاً قيد التفاوض منذ حوالي عقدين، مما يعكس بطء الآلة التفاوضية الأوروبية.
واختصر المستشار الألماني فريدريش ميرتس الموقف الأوروبي بقوله: “إذا أراد الاتحاد الأوروبي الحفاظ على مصداقيته في سياسة التجارة العالمية، يتعين اتخاذ القرارات الآن”.
ما يحدث اليوم هو ليس مجرد خلاف حول بنود زراعية أو رسوم جمركية، بل اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على الانتقال من قوة تنظيمية مترددة إلى فاعل جيوسياسي مركزي.
إن فشل اتفاق ميركوسور، إن حدث، سيكون رسالة سلبية للعالم مفادها أن أوروبا لا تزال أسيرة اعتبارات داخلية، وغير قادرة على استغلال اللحظات التاريخية عند توفرها.
وإذا تمكنت بروكسل من إنقاذ الاتفاق في يناير 2026، سيكون ذلك انتصاراً تأخر كثيراً، لكنه ضروري لإثبات أن لحظة استقلال أوروبا ليست مجرد شعار، بل خيار سياسي قادر على الصمود أمام الضغوط والاختبارات الصعبة.
تم نسخ الرابط
