أرامكو السعودية تبدأ إعادة هيكلة جذريّة لأصولها، تتضمن بيع حصص في مرافق تصدير وتخزين النفط وأصول عقارية بمليارات الدولارات، وذلك بسبب تراجع أسعار النفط بنسبة 20% منذ بداية العام. تسعى الشركة، التي اعتادت على تمويل توسعها من أرباحها، إلى توفير سيولة وسط ارتفاع التزاماتها المالية. تتوقع المصادر بدء عمليات البيع في عام 2024، وهو إجراء كان غير معتاد في السابق. في الوقت نفسه، تواصل أرامكو استثمارها في مشاريع استراتيجية رغم الضغوط المالية الحادة التي تواجهها نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية.
الاقتصاد العربي | شاشوف
تدخل أرامكو السعودية مرحلة غير معتادة من إعادة هيكلة أصولها، مع تسارع الجهود لبحث بيع حصص في مرافق تصدير وتخزين النفط، بالإضافة إلى أصول عقارية تقدر بمليارات الدولارات. ويحدث هذا في ظل تراجع حاد لأسعار النفط بمعدل يقارب الخُمس منذ بداية العام، مما يفرض ضغوطاً مباشرة على التدفقات النقدية للشركة الأكثر تأثيراً في الاقتصاد السعودي.
وحسب مصادر تحدثت لوكالة بلومبيرغ، فقد طلبت أرامكو من بنوك عالمية تقديم عروض لإعداد دراسات جدوى لعمليات بيع قد تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار، في خطوة تعكس الحاجة الملحة لتوفير سيولة بعد تراجع أسعار الخام حسب اطلاع شاشوف. ورغم أن الشركة اعتادت تمويل توسعها عبر أرباحها الضخمة، إلا أن تزامن هبوط الأسعار مع زيادة التزامات التمويل يضعها في وضع مالي أكثر حساسية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه المملكة من ضغوط متزايدة لتمويل مشاريع ‘رؤية 2030’ في ظل ارتفاع تكاليف التنفيذ وضعف الإيرادات النفطية، مما يدفع الشركة الوطنية الأكبر إلى التحرّك سريعاً لتحرير رأس المال من أصول ثابتة كانت تُعتبر سابقاً استراتيجية يصعب الاقتراب منها.
صفقة أشبه بـ”الجافورة”… لكن بظلال مالية قاتمة
تشير مصادر بلومبيرغ إلى أن أرامكو تدرس خيار جمع رأس مال جديد عبر بيع حصص في مرافق تصدير وتخزين النفط، باستخدام هيكل مشابه للصفقة السابقة المتعلقة بمشروع غاز الجافورة بقيمة 11 مليار دولار. ولكن النسخة الجديدة من هذه الخطوة تأتي في سياق أكثر قتامة، بعد أن فقدت الشركة جزءاً من قوتها النقدية مع تراجع أسعار النفط.
وقد جذبت الصفقة السابقة اهتماماً واسعاً من شركات البنية التحتية العالمية، مما شجع المصرفيين على اقتراح خطط إضافية لبيع أصول أرامكو وسط عطش صناديق الاستثمار الدولية للأصول المستقرة.
لكن حقيقة أن الشركة تعود للخيار ذاته خلال فترة قصيرة تثير تساؤلات حول حجم السيولة الحقيقية التي تمتلكها ومدى الضغط المالي الذي تواجهه.
وتتوقع المصادر أن تبدأ أرامكو عملية البيع في وقت مبكر من العام المقبل، في خطوة تُعتبر أكبر عملية تخارج للشركة منذ طرح أسهمها للاكتتاب. ورغم الخطة المعلنة لتوجيه العائدات نحو المشاريع الاستراتيجية، إلا أن الظروف الحالية تجعل الخطوة أقرب إلى محاولة لاحتواء آثار تراجع الأسعار.
بيع عقارات… والبحث عن سيولة أينما كانت
بالتزامن مع بيع أصول الطاقة، تدرس أرامكو التخارج من جزء من محفظتها العقارية داخل المملكة حسب قراءة شاشوف، وهي خطوة كانت مؤجلة لسنوات طويلة لكنها عادت إلى الواجهة بعد الضغوط الأخيرة. وتُقدّر هذه الأصول بمليارات الدولارات، وقد تصبح مصدر سيولة سريع في وقت تواجه فيه الشركة ضغوطاً مزدوجة من تراجع أسعار النفط وتزايد الالتزامات الحكومية.
تشير المصادر إلى أن هذه الخطوة تمثل خروجاً عن نمط الشركة التقليدي، إذ لم تكن الأصول العقارية ضمن الأولويات. لكن توجه الرياض لتحرير الأصول وتوفير السيولة لمشاريع التحول الاقتصادي يعزز الضغوط نحو بيعها، خاصة في ظل تراجع الإيرادات النفطية.
ولا تزال المحادثات في مراحلها الأولية، ولم تتخذ الشركة قراراً نهائياً. لكن اللجوء إلى استغلال الأصول العقارية – خطوة كانت بعيدة عن أجندة أرامكو لسنوات – يعطي مؤشراً إضافياً على الحاجة إلى السيولة مع انخفاض العوائد النفطية.
أصول مربحة تُباع تحت ضغط الواقع
تمتلك أرامكو شبكة ضخمة من مرافق التصدير والتخزين تمتد من رأس تنورة على الخليج العربي إلى منشآت أخرى على البحر الأحمر، إضافة إلى مرافق دولية في هولندا ومصر وأوكيناوا اليابانية.
وتعتبر هذه الشبكة واحدة من أهم مصادر ربحية الشركة، مما يجعل التفكير في بيع أي جزء منها أمراً غير مألوف لولا الضغوط المالية الحالية.
يجذب هذا النوع من الأصول صناديق الاستثمار العالمية نظراً لاستقرار تدفقاته وعقوده طويلة الأجل. غير أن بيع أصول مربحة في وقت انخفاض أسعار النفط يُظهر مفارقة واضحة: الشركة تمتلك بنية تحتية قوية، لكنها مجبرة على التخارج منها لتعويض انخفاض الإيرادات الناتج عن انهيار الأسعار.
وفقاً للمصادر، قامت أرامكو خلال الفترة الماضية بتأجيل عدد من المشاريع وسعت إلى بيع أصول لتحرير السيولة. وهذا يوضح أن الشركة، رغم قوتها التاريخية، تتعامل اليوم مع مزيج من التحديات المالية التي تدفعها نحو قرارات لم تكن مطروحة في فترات الوفرة النفطية.
مشاريع مستمرة… لكن بتمويل مُقيّد
تؤكد المصادر أن أرامكو مستمرة في الاستثمار بمشاريع الغاز والبتروكيماويات، وعلى رأسها مشروع الجافورة الذي يبدأ الإنتاج هذا العام حتى الوصول للطاقة القصوى في 2030 وفق متابعة شاشوف. غير أن هذه المشاريع – رغم أهميتها الاستراتيجية – باتت بحاجة أكبر إلى السيولة عقب التراجع الحاد في الإيرادات.
تواصل الشركة التوسع في الخارج عبر حصص في مصافي ومرافئ عالمية، لكن هذا التوسع أصبح أكثر حساسية للضغوط المالية الداخلية. كل مشروع يحتاج إلى تمويل مستمر، مما يجعل بيع الأصول خياراً لا مفر منه للحفاظ على جدول الأعمال الاستثماري.
في الوقت ذاته، تعاني الحكومة من ارتفاع تكاليف مشاريع رؤية 2030 حسب التقارير التي تتناولها شاشوف، مما يزيد من اعتمادها على توزيعات أرامكو الضخمة. ومع انخفاض أسعار النفط، تجد الشركة نفسها بين حاجتين متعارضتين: الاستمرار في المشاريع المستقبلية، وتمويل ميزانية الدولة، مما يعزز الضغوط نحو التخارج الحالية.
تعكس خطط أرامكو لبيع أصول بمليارات الدولارات واقعاً مالياً أكثر صرامة مما تعترف به الشركة رسمياً، حيث يبدو أن انخفاض أسعار النفط دفعها إلى خيارات كانت مستبعدة قبل سنوات قليلة.
ورغم أن الخطوة ستوفر سيولة ضرورية، إلا أنها تكشف كذلك مدى حساسية الشركة للانخفاضات المتكررة في الأسعار.
بينما تستعد الأسواق لمتابعة تفاصيل التنفيذ في العام المقبل، يبدو أن أرامكو تتحرك الآن من موقع دفاعي أكثر منه هجومي، محاولةً الحفاظ على توازنها المالي وسط تراجع العوائد وضغوط تمويل مشاريع الدولة، في فترة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة عملاق النفط على التكيف مع دورة أسعار غير مريحة.
تم نسخ الرابط
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));
