الوسم: مهندس

  • بول دانز: مهندس التغيير الإداري في الولايات المتحدة ومفكر “الترامبية” الحديثة

    بول دانز: مهندس التغيير الإداري في الولايات المتحدة ومفكر “الترامبية” الحديثة


    في يوليو 2024، استقال بول دانز من مؤسسة “هيريتيج” تحت ضغط حملة ترامب، لكن تأثيره استمر رغم رحيله. باحث ليبرالي سابق، دانز أصبح رمزا لمشروع “تفويض القيادة 2025″، الذي يسعى لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة الأميركية بيد محافظين على استعداد لتولي السلطة. المشروع، الذي يتضمن تدريب الكوادر وإعادة تصنيف موظفين حكوميين، يهدف لتجاوز عقبات البيروقراطية. ورغم تنصل حملة ترامب منه، استمرت ارتباطات دانز وتأثيراته في السياسات. المشروع حظي باهتمام عالمي كأداة للسيطرة الإدارية، ما يجعل إرثه مؤثرا في اليمين المحافظ خارج الولايات المتحدة.

    في إحدى ليالي يوليو/تموز 2024، غادر بول دانز مقر مؤسسة “هيريتيج” في واشنطن وهو يحمل متعلقاته الشخصية، بعد أن أصبح مضطراً للاستقالة تحت ضغط حملة ترامب الرئاسية. بدا ذلك وكأنه نهاية مسيرته القصيرة والمثيرة في دوائر اليمين الأميركي.

    لكن في الواقع، كان قد زرع بذوراً عميقة، وها هي تنمو بسرعة غير مسبوقة. ففي الأشهر التالية، بدأت ملامح مشروعه الذي أطلق عليه “تفويض القيادة 2025” تظهر في العديد من قرارات إدارة ترامب الثانية، وأصبح بول دانز واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في واشنطن رغم عدم وجود منصب رسمي له.

    هذا المقال يسعى إلى استكشاف شخصية دانز، قراءة مسيرته الفكرية والمهنية، وتحليل المشروع الذي قاده، واللحظة السياسية الأوسع التي جعلته رمزاً لتحول راديكالي في الدولة الأميركية.

    من جذور ليبرالية إلى حامل لواء ثورة المحافظين

    في زمن هيمنت فيه الليبرالية في أميركا، وُلد بول دانز قبل أقل من ستين عاماً في عائلة تعكس نموذج النخبة العلمية الليبرالية. والده بيتر طبيب بارز وأستاذ في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز.

    أما والدته كوليت ليزوت، التي تنحدر من أصول كندية فرنسية، فقد عملت مُعلمة لغة فرنسية وعالِمة كيمياء، قبل أن تتجه نحو المنظومة التعليمية. ولم يكن متوقعاً أن أحد أبنائهم سيتحول إلى شخصية بارزة تسعى لتقويض النظام الحاكم الليبرالي الذي استفادوا منه، كما يقول منتقدوه.

    كان دانز في شبابه شغوفاً بالمناقشات، محباً للتاريخ الأميركي، وبدأ بطرح تساؤلات غير تقليدية حول سلطة الدولة ودور المواطن، متأثراً بنزعة نخبوية محافظة تعتقد أن أميركا انحرفت عن مبادئها الأصلية.

    التحق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لدراسة المالية، حيث حصل على درجة الماجستير في تخطيط المدن، وركزت أطروحته على إعادة تطوير المناطق الصناعية. خلال تلك الفترة، تعرف على زملاء من جمعية الطلاب الجمهوريين، ووصف تلك السنوات بأنها “مرحلة التشكيل الفكري”. ثم انتقل إلى كلية الحقوق بجامعة فيرجينيا للحصول على دكتوراه مهنية، وانضم إلى جمعية الفيدراليين، حيث شارك في نقاشات حول كيفية إعادة صياغة دور القانون في الدولة.

    كان دانز قارئاً نهمًا ومتحدثاً لبقاً، يجمع بين الصرامة القانونية والبلاغة المخ überzeugende. كتب مقالات نقدية في مجلة القانون بجامعة فيرجينيا حول “ارتفاع الأسعار البيروقراطي” و”انفلات الهيئات المستقلة”، مأنذراً من تحول النظام الحاكم الإداري إلى طبقة حاكمة. هذه الأفكار لم تكن شائعة، لكنها أصبحت لاحقاً جوهر فلسفته في إدارة الدولة.

    في بداية حياته المهنية، عمل دانز في مكاتب محاماة كبرى في نيويورك، مدافعاً عن شركات النفط مثل شيفرون ضد دعاوى بيئية، مما أكسبه سمعة باعتباره مدافعاً عن القطاع التجاري الحرة بين الجمهوريين. لكنه شعر بعد فترة بالضيق من ثقافة الشركات الكبرى، واصفاً إياها بأنها “ليبرالية في القيم، انتهازية في المالية”.

    جمع دانز بين صفات متناقضة: ثقافة قانونية نخبوية، خلفية عائلية محافظة من الطبقة المتوسطة، تجربة في القطاع الخاص، وتعرض مبكر للصراعات الأيديولوجية في الجامعات. وقد جعله ذلك يتبنى موقفاً نقدياً تجاه الليبرالية الأميركية. وفي عام 2012، أنشأ مكتبه الخاص في تشارلستون بولاية ساوث كارولينا، واندماج في الحياة السياسية المحلية، وعمل كمستشار قانوني للمرشحين المحافظين، حيث كانت رسالته واضحة: “لن نحكم حتى نحرر المؤسسات من داخلها”.

    من هامش الإدارة إلى مفصل السلطة

    مع صعود ترامب، وجد دانز فرصته في شخصية القائد الجمهوري الجديد. كتب أوراقاً خلف الكواليس تناقش كيف يمكن للرئيس استخدام سلطاته في التعيين والفصل لتجاوز مقاومة الدولة العميقة، وظل يتواصل مع البيت الأبيض بعروض للمساعدة.

    بعدما لم يُستجب له في البداية، أتيحت له فرصة في أواخر عام 2018، عندما حضر اجتماعاً للجمعية الفيدرالية في واشنطن وتعرف على جيمس بيكون، الذي كان مساعداً لوزير الإسكان والتنمية الحضرية آنذاك.

    خلال إدارة ترامب الأولى، أنشأ دانز شبكة من المتعاونين داخل وكالات متعددة، وجمع تقارير عن مدى مقاومة بعض الدوائر لسياسات القائد، خاصة في مجالات الهجرة، وتنظيم البيئة، والمنظومة التعليمية (أسوشيتد برس)

     

    بمساعدة بيكون، انضم دانز في يوليو/تموز 2019 إلى مكتب التخطيط والتنمية المواطنونية التابع لوزارة الإسكان والتنمية الحضرية كمستشار أول، مما أتاح له فرصة مراقبة آلية اتخاذ القرار بشكل قريب، دون أن يكون جزءاً من المواجهةات الداخلية بين مؤيدي الإدارة. وأظهر التزاماً بتنفيذ أجندة ترامب بلا ضجة، ما أكسبه ثقة بعض رموز الجناح المحافظ.

    ومع ترقية بيكون إلى مكتب شؤون الموظفين الرئاسي، انضم دانز إليه، ليصبح بحلول فبراير/شباط 2020 ضابط الاتصال بين البيت الأبيض ومكتب إدارة شؤون الموظفين، المسؤول عن إدارة الموارد البشرية للحكومة الفيدرالية، وتحديد قواعد التوظيف والتدريب والتقييم والتأديب لنحو مليوني موظف حكومي.

    مكنه هذا الموقع من اكتشاف ما اعتبره “الصدع القائدي” في الدولة، حيث أدرك أن المواجهة لا يدور فقط حول السياسات، بل حول من ينفذها.

    رأى دانز أن مكتب شؤون الموظفين، مثل غيره من البيروقراطيات، قد تحول إلى حصن يعيق الإرادة السياسية للبيت الأبيض، محصناً موظفين مع توجهات ليبرالية، يستخدمون سلطتهم لإبطاء السياسات الجمهورية.

    أصبح لديه إطلاع على المعلومات الداخلية واكتشف أن تعيين موظفين موالين للرئيس يواجه سلسلة طويلة من الإجراءات التي تتحكم بها لجان داخلية، وأن حتى ترقية موظف أو فصله قد يستغرق العديد من الأشهر أو يعرقله القادة الإداريون داخل الوكالات الحكومية.

    رأى دانز أن هذه الهيكلة لم تكن صدفة بل نتيجة لعقود من التشريعات والقرارات التنفيذية التي تبني استقلال الخدمة المدنية وتقيّد سلطات القائد. كان يعتقد أن هذه المنظومة نشأت من عقلية تكنوقراطية ترى نفسها حامية للدولة أمام تقلبات الإستراتيجية. ولكن من وجهة نظره، فإن ذلك يؤدي إلى إنشاء دولة بلا مساءلة؛ حيث يفوز القائد بالاستحقاق الديمقراطي، لكنه يفشل في تنفيذ سياساته.

    كان رد فعل دانز جريئًا، إذ اقترح إعادة تصنيف فئات وظيفية عليا ضمن جدول جديد يسمى “الجدول F”، الذي يسمح بإخراج هؤلاء الموظفين من نظام الحماية الإدارية، وتحويل تصنيفهم إلى مناصب سياسية قابلة للتغيير. كان التقدير الأولي أن نحو 50,000 موظف قد يتأثرون بهذا التصنيف، ما يتيح للرئيس تطهير الوكالات التنفيذية من معارضيه، أو على الأقل من أولئك الذين لا يؤمنون بأجندته.

    ولم يكتفِ دانز بإعداد الاقتراح، بل دفع نحو تنفيذه. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، قبل أسابيع معدودة من الاستحقاق الديمقراطي، وقع القائد ترامب على أمر تنفيذي بإنشاء “الجدول F”، ورغم أن إدارة بايدن ألغته لاحقًا، اعتبر دانز أن الفكرة وُلدت ولا يمكن التراجع عنها.

    خلال إدارة ترامب الأولى، أسس دانز شبكة من المتعاونين في وكالات مختلفة، وجمع معلومات حول مقاومة بعض الدوائر للسياسات، خاصة في مجالات الهجرة، وتنظيم البيئة، والمنظومة التعليمية.

    بدأ بلورة رؤيته لمشروع يعيد تشكيل آليات تعيين وتدريب موظفي الدولة ككل، واعتبر أن تصحيح المسار يتطلب ثورة تنظيمية وليس مجرد إصلاح إداري. تبلورت لديه فكرة المشروع الكبير؛ الموظفون هم الإستراتيجية، والسلطة تعتمد على الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة.

    مشروع أميركا 2025

    اعتبر بول دانز أن تجربته القصيرة في مكتب إدارة شؤون الموظفين لم تكن النهاية، بل بداية لفهم أعمق لمشكلة أكبر، حيث أن القائد القادم، حتى لو كان جمهورياً، لن يتمكن من الحكم دون خطة متكاملة لتوجيه الدولة.

    بعد خروجه من إدارة ترامب الأولى، بدأ في البحث عن منصة فكرية وتنظيمية تمكنه من تحويل هذا الإدراك إلى مشروع عملي. وجد ضالته في مؤسسة “هيريتيج”، واقترح على قيادتها تبني مبادرة لإعادة بناء الدولة الأميركية.

    كتب بول دانز في مقدمة مشروع 2025 أن الغاية ليست مجرد تقديم توصيات، بل إعداد جيش إداري محافظ جاهز لتولي مفاصل الدولة في اللحظة الحاسمة (أسوشيتد برس)

     

    لم يكن المشروع معنيًا فقط بوضع السياسات، بل بتحديد من سيطبقها، وكيف، وبأي أدوات. وبالتالي وُلد مشروع “تفويض القيادة 2025” كمنصة تنفيذية أيديولوجية. في يناير/كانون الثاني 2023، اجتمع 15 شخصًا لمدة ثلاثة أيام في مؤسسة “هيريتيج” للبدء في بناء الإدارة الجمهورية المقبلة، أي قبل عامين من اعتلاء القائد الجمهوري منصبه مجددًا.

    كان هدف دانز واضحًا: إنشاء إدارة مستعدة مسبقًا، لا تُكرر أخطاء 2016 عندما فاز ترامب دون أن يمتلك فريقًا مؤهلاً. أراد أن يتحول المشروع إلى “لينكد إن المحافظين”، وأن يشكل ما يشبه جيشًا من الكوادر العقائدية لتسيير الدولة من الداخل.

    احتوى المشروع على أربعة مكونات رئيسية:

    • وثيقة سياسات: تألفت من أكثر من 900 صفحة، وأشرف على إعدادها نحو 400 خبير وباحث، حيث تناولت مجالات حكومية متنوعة من وزارة العدل إلى المنظومة التعليمية، ومن الإستراتيجية الخارجية إلى الموازنات، مع توصيات تفصيلية حول ما يجب فعله في كل مؤسسة بدءًا من اليوم الأول.
    • قاعدة بيانات للمرشحين: أنشأ الفريق ما يشبه بنك كفاءات يضم أكثر من 10,000 اسم، جُمعت من شبكات المحافظين، وشملت اختبارات أيديولوجية للمرشحين تتعلق بمواقفهم من قضايا عدة.
    • أكاديمية القيادة المحافظة: تأسست برامج تدريبية قصيرة للمرشحين لتعليمهم مبادئ “القيادة التنفيذية المحافظة”، مع دروس في استخدام سلطات الطوارئ، وفهم النظام الحاكم الإداري، وكيفية مجابهة مقاومة البيروقراطية من الداخل.
    • خطط تنفيذية مفصلة: وُضعت لكل وكالة حكومية خطة تتضمن اليوم الأول، والإسبوع الأول، وأول 100 يوم، مع سيناريوهات جاهزة لمواجهة المعارضات القانونية أو الإعلامية.

    كان طموح المشروع واضحًا. فقد كتب دانز في مقدمة المشروع أن الغاية ليست مجرد تقديم توصيات، بل تشكيل جيش إداري محافظ جاهز لتولي مفاصل الدولة في اللحظة المناسبة. وقد أُطلق على المشروع في الصحافة الأميركية “أطلس انقلابي إداري”، مُصمم للاستيلاء على السلطة بشكل قانوني، لكنه يحمل طابعًا جذريًا في جوهره.

    في مقابلات إعلامية، أقرَّ دانز بأنه استلهم النموذج من خطة روزفلت في الثلاثينيات، التي نقلت البلاد نحو الدولة الاجتماعية الحديثة، محاولاً عكسها عبر تفكيك الدولة الحديثة والعودة إلى ما يعتبره الفلسفة الأصلية للجمهورية الأميركية القائم على إرادة الناخبين.

    القائد الأميركي السابق فرانكلين روزفلت (مواقع التواصل)

     

    عمل دانز في قلب هذه العملية، بصفته مدير المشروع، فتنقل بين ورش العمل، وأشرف على وضع المعايير، مؤكدًا في كل مناسبة أن هذه ليست مجرد تمرين فكري، بل خطة تعبئة سياسية وإدارية متكاملة.

    وبذلك تحول المشروع من ورقة على الشاشة إلى ماكينة تعيين وتدريب وتوجيه أيديولوجي، تهدف إلى بناء طبقة بيروقراطية محافظة تستبدل التشكيلة الحالية. في عام 2022، أطلق دانز مشروع “تفويض القيادة 2025” من داخل مؤسسة “هيريتيج”، بدعم من رئيسها كيفن روبرتس.

    السقوط الخادع

    مع قرب الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية لعام 2024، بدأت حملة ترامب تدرك أن ارتباطها الوثيق بمشروع 2025 قد يشكل عبئًا انتخابيًا. بدأت وسائل الإعلام تسلط الضوء على المشروع باعتباره انقلاباً بيروقراطياً يغلف الشرعية، يهدف إلى إقامة دولة سلطوية يمينية. تزايدت المقارنات بين مشروع 2025 وأجندات الأنظمة الاستبدادية التي تستخدّم أدوات إدارية لتصفية الخصوم.

    في هذه الأجواء، قررت حملة ترامب الابتعاد علناً عن المشروع، حيث أصدرت التصريحات من المتحدثين باسم الحملة أن القائد لا يعرف تفاصيل المشروع، ولم يشارك في صياغته، وأن “البيت الأبيض هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن وضع السياسات”. زعم ترامب نفسه مرارًا أنه لم يقرأ مشروع 2025، ولا يعرف من يقف وراءه. يبدو أن هدف هذه التصريحات، كما لفتت عدة صحف أميركية، هو امتصاص الانتقادات، خصوصًا من الناخبين المعتدلين الذين يشعرون بالقلق من الأفكار الجريئة التي يتضمنها المشروع.

    لكن وراء الكواليس، وفقًا لمراقبين، استمرت خطوط الاتصال. كانت الشخصيات التي ساهمت في صياغة مشروع 2025 جزءاً من الفريق الذي يعد لعودة ترامب إلى البيت الأبيض. فعّلت قاعدة بيانات المرشحين، وبدأت فرق التقييم تقدم توصياتها إلى الفريق الانتقالي غير الرسمي.

    في يوليو/تموز 2024، بعد عدة تصريحات استفزازية من بول دانز، قال في إحدى المقابلات: “نحن في خضم الثورة الأميركية الثانية، والتي ستبقى بلا دماء إذا سمح اليسار بذلك”. أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة مما دفع دانز للاستقالة من منصبه في مؤسسة “هيريتيج”. لكنه أدرك أن الاستقالة ليست النهاية، بل فرصة للانسحاب من الأضواء، وترك المؤسسات التي أسسها تعمل من تلقاء نفسها، حيث اكتملت قاعدة المعلومات، وتدربت الكوادر، وتم وضع الخطة.

    استمرت أفكار المشروع في التسلل إلى مراكز صنع القرار. وفي أول 100 يوم من ولاية ترامب الثانية، ظهرت آثار مشروع 2025 بوضوح: إعادة تعريف النوع الاجتماعي والأسرة، ومحاولات تفكيك وزارة المنظومة التعليمية، واستعادة “الجدول F” مما يسمح بإعادة تصنيف آلاف الموظفين المدنيين كمعينين سياسيين، لتسهيل فصلهم واستبدالهم بمواليين للإدارة، وتعيين شخصيات ساهمت في صياغة المشروع في مناصب بارزة مثل راسل فوغت رئيس مكتب الإدارة والميزانية، وجيمس برايد مدير مكتب الشؤون التشريعية، وبيتر نافارو مستشار التجارة للرئيس، وجون راتكليف مدير وكالة المخابرات المركزية.

    مجمل القول، قُدرت عدد من المراقبين بأن إدارة ترامب نفذت أو بدأت في تنفيذ 153 من أصل 532 توصية تنفيذية موجودة في المشروع.

    حتى مع مغادرته منصبه، ظل دانز حاضراً في الخلفية. في مقابلات لاحقة، عبّر عن رضاه الكبير قائلاً: “ما يحدث الآن يفوق كل آمالي الجامحة. كنا نأمل، نحن الذين عملنا على مشروع 2025، أن يستغل القائد المحافظ القادم هذه الفرصة، ولكن ترامب يستغل كل دقيقة”. ونوّه دانز أن المشروع لم يكن خاصاً بترامب، بل “بالمبادئ المحافظة التي تأخرت كثيراً في استعادة الدولة”.

    مستقبل المشروع

    بعد أكثر من عامين على انطلاقه، أصبح واضحًا أن مشروع 2025 تجاوز كونه مجرد خطة لولاية رئاسية واحدة، بل تحول إلى مدرسة فكرية ومؤسسية داخل التيار المحافظ.

    بدأت علامات التأثير البعيد المدى تظهر بين الجمهوريين الفئة الناشئة، خاصة أولئك الذين تلقوا تدريبهم داخل الأكاديمية التي أسسها دانز.

    هذا الجيل الجديد من المحافظين ينظر إلى وثيقة 2025 كدستور موازٍ للحكم التنفيذي، ويعتبرون أن الدولة الإدارية هي التحدي الأكبر أمام تنفيذ أي أجندة محافظة، وأن أدوات التغيير لا تكمن فقط في الكونغرس، بل تشمل أيضاً مكاتب التوظيف، الميزانيات، واللوائح.

    في ضوء ذلك، تُطرح تساؤلات جدية داخل الحزب الجمهوري حول إمكانية تحول المشروع إلى برنامج دائم لما بعد ترامب. بينما يُعتبر ترامب قائداً شعبياً، يُنظر إلى دانز كمنظر يوفر ركائز مؤسسية للشعبوية.

    تُطرح تساؤلات جدية داخل الحزب الجمهوري حول ما إذا كان مشروع 2025 قد يتحول إلى برنامج دائم لما بعد ترامب (الفرنسية)

    شهدت أصوات شبابية داخل الحزب الجمهوري تدعو إلى جعل المشروع مؤسسياً، وتحويله إلى هيئة مستقلة تُدرّب القيادات وتنتج السياسات، على غرار ما فعله الديمقراطيون في السبعينيات عبر معاهدهم البحثية. وبالتالي، فإن إرث بول دانز قد يتجاوز نطاق ولاية واحدة ليصبح بداية لبناء طبقة بيروقراطية يمينية تؤمن بأن الدولة يجب أن تُحكم من الداخل، وفق عقيدة محددة.

    الجدل حول دانز ومشروعه

    في الصحافة الليبرالية، وُصف دانز بأنه “الوجه البيروقراطي للسلطوية الأميركية الناشئة”. خصصت مجلة “ذي أتلانتيك” تحقيقًا موسعًا حوله بعنوان: “الرجل الذي يريد ترويض واشنطن”، حيث صورته كمخطط لانقلاب صامت يُنفذ بالأوامر التنفيذية وقواعد التعيين بدلاً من القوة العسكرية. بينما أنذرت صحيفة “نيويورك تايمز” من مشروع 2025 باعتباره محاولة لإحياء الحقبة المكارثية، مع مطاردة فكرية للموظفين غير الموالين.

    شخصية بول دانز نفسها أصبحت موضوعًا للجدل. فبعضهم يرونه تكنوقراطياً عبقريًا يقود ثورة إدارية من الداخل، في حين يصوره الآخرون كمنظر سلطوي يسعى لبناء دولة الحزب الواحد. وعلى الرغم من أن مشروع 2025 مصمم لإعادة هيكلة الدولة الأميركية من الداخل، إلا أن صداه بدأ يتردد على نطاق أوسع.

    في أوروبا، لاحظ اهتمام متزايد من الحركات اليمينية المحافظة بالمقاربة التي ابتكرها بول دانز، خاصة في المجر وبولندا، حيث لفت بعض السياسيين والكتّاب إلى أهمية “السيطرة على الدولة من الداخل” بدلاً من الاعتماد فقط على الفوز بالاستحقاق الديمقراطي.

    في إسرائيل، أعرب بعض أعضاء حزب الليكود عن إعجابهم بمفهوم “الجدول F” كوسيلة للقضاء على البيروقراطية من خصوم السلطة التنفيذية في القضاء والإعلام والأوساط الأكاديمية. وظهرت تحليلات في الصحافة العبرية تقارن بين جهود نتنياهو للحد من سلطات المحكمة العليا وسعي دانز لفرط قوة البيروقراطية الأميركية.

    يشير كل ذلك إلى أن مشروع بول دانز، رغم جذوره المحلية، قد يصبح نموذجًا للحكم اليميني الجديد، الذي يسعى لاختراق الدولة وإعادة توجيهها عبر أدوات قانونية وإدارية. وفي ظل صعود اليمين المستمر، فإن تأثير دانز قد يتجاوز حدود واشنطن بكثير.


    رابط المصدر

  • جوزيف ناي: مهندس القوة الناعمة التي تؤثر بعمق أيضاً


    جوزيف ناي، عالم الإستراتيجية الأميركي، طور مفهوم “القوة الناعمة” ليعكس أهمية الثقافة والقيم في التأثير على الدول الأخرى، معتبرًا أن الجاذبية الثقافية تفوق القوة العسكرية. خلال اجتماعات في البنتاغون، طرح ناي أفكارًا حول كيفية تحقيق الولايات المتحدة أهدافها من خلال الإقناع بدلاً من الإكراه. انتقد ناي سياستَي بوش وترامب، مشيرًا إلى أن تراجع الجاذبية الأميركية داخليًا قد يضعف القوة الناعمة للولايات المتحدة. عُرف ناي كجسر بين الواقعية والليبرالية، حيث نوّه على ضرورة تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والناعمة لضمان استمرارية الهيمنة الأميركية.

     

    “القوة تشبه المناخ، يتحدث الجميع عنها ويعتمدون عليها، لكن قلة هم من يفهمونها. في عصر المعلومات، ليس المهم أي جيش ينتصر، بل المهم أي رواية تسود”.

    في خريف عام 1994، وقف عالم الإستراتيجية جوزيف ناي تحت أضواء النيون الباردة في غرفة اجتماعات بلا نوافذ في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، يتحدث عن مفهوم جعل كبار المسؤولين العسكريين يشعرون بعدم الارتياح في مقاعدهم.

    لم يكن ناي، الذي عُين حديثًا كمساعد لوزير الدفاع لشؤون الاستقرار الدولي ضمن إدارة القائد بيل كلينتون، موجودًا للحديث عن ميزان الردع أو إعادة تموضع القواعد العسكرية الأميركية، بل كان يطرح فكرة نظر إليها على أنها أكثر استدامة وأعمق تأثيرًا: قوة الإقناع المستندة إلى الثقافة والقيم والسرديات. قال ناي موضحًا وهو يوجه حديثه إلى الضباط الأميركيين: “أكثر أشكال القوة فعالية هي أن تجعل الآخرين يرغبون في ما تريده أنت”.

    كان هذا النوع من التفكير غير مألوف بين العسكريين الأميركيين. ومع ذلك، بدا ناي، في بدلته الرسمية، أقرب إلى أستاذ جامعي منه إلى مسؤول عسكري، وهو في الحقيقة كذلك. لم يكن ناي يحاول التظاهر كمفكر ثوري، بل كان يسعى لتقديم فكرة يراها بديهية. في زمن كانت فيه مطاعم الوجبات السريعة الأميركية تفتح أسرع من السفارات، وكان يتم بث البرامج الأميركية وأغاني مايكل جاكسون إلى شقق موسكو أو نوادي القاهرة، وتتبادلها الفتيات في بيروت والطلاب في جاكرتا.

    كان ناي يعتقد أن القوة الحقيقية للولايات المتحدة ليست في حاملات الطائرات، بل في جاذبيتها: في أفكارها، وثقافتها، ومؤسساتها. وأسماها “القوة الناعمة”.

    شهدت جلسة استماع في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، في مبنى الكابيتول بواشنطن العاصمة، شهادتي نائب وزير الخارجية السابق ريتشارد أرميتاج (يسار) وجوزيف ناي (يمين). (غيتي)

    كان المفهوم غريبًا بالنسبة للعسكريين الأميركيين، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لناي، فقد صدر قبل سبع سنوات من ذلك، في عام 1987، كتاب للمؤرخ البريطاني بول كينيدي بعنوان “صعود وسقوط القوى العظمى”، تنبأ فيه بسقوط الولايات المتحدة بسبب تفوق الإنفاق العسكري على التنمية الاقتصادية في الإنتاج المحلي. وأنذر كينيدي من أن الولايات المتحدة، مثل الاتحاد السوفياتي، ستنفق على القوات المسلحة إلى الحد الذي يضعف الدولة تدريجياً. تطابق تحذيره مع الأزمات التي كانت تعاني منها الدولة السوفياتية في ذلك الوقت، مما أدى إلى سقوط جدار برلين بعد عامين وانهيار الاتحاد عام 1990.

    كانت تلك النبوءة مرعبة للأميركيين، لذا كان هناك بعض أبرز مفكريهم ردًا على كينيدي. وكان أقوى الردود في عام انهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، حيث أصدر جوزيف ناي كتابًا بعنوان “حتمية القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية”.

    في كتابه، جادل ناي بأن الولايات المتحدة هي القوة رقم 1 في العالم، وستظل كذلك بلا منافس يلوح في الأفق، ويرجع ذلك إلى سعيها للنجاح في القوة الناعمة. بعد أحداث 11 سبتمبر والتدخلات العسكرية الأميركية، أصدر ناي كتابه الذي يشرح فيه نظريته بشكل مفصل، وهو “القوة الناعمة: سبل النجاح في الإستراتيجية العالمية” الذي صدر في عام 2005.

    قبل الغوص أكثر في حديثنا عن ناي، يجب الإشارة إلى وجود نظريتين تهيمنان على الإستراتيجية الدولية منذ بداية القرن العشرين.

    الأولى هي الواقعية، التي تعتبر أن تصرفات القوى الإقليمية والدولية هي نتاج موازين القوة دون أي اعتبارات أخلاقية، حيث ترسم القوة وحدها ملامح النظام الحاكم العالمي، ولا تستطيع الدول الهيمنة إلا من خلال القوة، بينما لا يمتلك الضعفاء سوى التكيف مع واقع الأقوياء. أما النظرية الثانية فهي المثالية الليبرالية، التي ترى أن النظام الحاكم العالمي نتاج تفاعلات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، مما يتيح التفكير في الأخلاق والحريات ضمن حدود المنظمات الدولية وأطرها.

    من بين قائمة طويلة من الأسماء المعروفة في الإستراتيجية الدولية، مثل هنري كيسنجر وصمويل هنتنغتون وجون ميرشايمر وزبيغنيو برزينسكي وفرانسيس فوكوياما، تميز اسم جوزيف ناي كحلقة وصل بين الواقعية والليبرالية، حيث اعتبر أن القوة تتجاوز مجرد القوة الصلبة، وهو ما يمثل إسهامه الفكري الأكثر بروزًا في فهم القوة الناعمة والقوة الذكية وأثرهما على الإستراتيجية العالمية.

    توفي جوزيف ناي عن عمر يناهز 88 عامًا في الثامن من مايو/أيار، وفي نعيه كتبت سوزان نوسل، المديرة التنفيذية السابقة لـ”پِن أميركا” (PENAmerica)، في مجلة “فورين بوليسي”: “جوزيف ناي كان له تأثير في تشكيل مفهوم القوة الناعمة في الإستراتيجية الخارجية الأميركية على مدى عقود، حيث تمسك هو وحلفاؤه بفكرة أن أميركا لا تستطيع أن تحقق نجاحًا دون التوفيق بين حلفائها، والبراهين المقنعة، والالتزام بالأخلاقيات، والتغلب على المنافسين في لعبة الشطرنج الثلاثية الأبعاد”، في إشارة إلى مزيج القوة الصلبة (العسكرية) والقوة الماليةية والناعمة (الثقافية) التي اعتقد ناي أن هيمنة الولايات المتحدة بنيت عليها.

    باختصار، عرف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على إقناع الآخرين برغبتهم في ما تريد. فهل نجحت الولايات المتحدة في ذلك؟

    في مذكراته، قال جوزيف ناي إن القوة الأميركية “حتى لو ظلت مهيمنة في الخارج، فمن الممكن أن تفقد قيمها الداخلية وجاذبيتها للآخرين”. (غيتي)

     

    سيرة مُنظِّر الهيمنة الناعمة

    “يمكنك فعل كل شيء بالحِراب، إلا الجلوس عليها”.

    • شارل موريس تاليران، وزير خارجية فرنسا في عصر نابليون

    وُلِد جوزيف ناي في 19 يناير/كانون الثاني عام 1937 في بلدة زراعية صغيرة في نيوجيرسي، وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة برينستون عام 1958، ثم درس في جامعة أوكسفورد قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد عام 1964 بعد أن كتبها تحت إشراف هنري كيسنجر.

    بدأ ناي حياته الأكاديمية في هارفارد في نفس السنة، وتولى منصب مدير مركز العلوم والشؤون الدولية في كلية كينيدي للإدارة الحكومية بين 1985-1990، وشغل منصب العميد المساعد للشؤون الدولية في الجامعة بين 1992-1998، وعميد كلية كينيدي بين 1995-2004.

    كان كتاب جوزيف ناي “القوة والترابط: الإستراتيجية العالمية في مرحلة انتقالية” مرجعًا تاريخيًا مهمًا في مضمونه وفي توقيت صدوره (1977)، حيث اعتُبر ناقدًا للواقعية السائدة التي دافع عنها كيسنجر. انطلق ناي في كتابه من تجربة الولايات المتحدة في فيتنام وتجربة حظر النفط العربي خلال حرب أكتوبر 1973، وجادل بأن الترابط العالمي المتزايد يفرض تحديات لا يمكن مواجهتها بالقوة الماليةية أو العسكرية بل تتطلب التعاون وبناء المؤسسات المشتركة. هنا، سلط ناي الضوء لأول مرة على مفهوم “القوة الناعمة”، مشيرًا إلى قدرة الدول على تشكيل سياساتها من خلال القدرة على الإقناع الثقافي والأخلاقي بدلاً من الإكراه المباشر.

    في كتابه “حتمية القيادة”، نوّه ناي أن قيم الولايات المتحدة الدستورية وابتكاراتها يؤهلانها للاستفادة من مصادر قوة أقل عنفًا من القوة العسكرية. ودافع ناي عن دور القوة الناعمة طوال مسيرته، مؤمنًا بأن للولايات المتحدة موارد فريدة تمكنها من قيادة العالم في عصر ما بعد الحرب الباردة.

    ولفت ناي إلى أن القوة الناعمة أي دولة تنبع من ثلاثة مصادر رئيسية: ثقافتها وقيمها السياسية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسياساتها الشرعية التي تتوافق مع مصالح الآخرين، والقبول المتبادل للشراكة. واعتبر أن القوة الناعمة تكمل القوة الصلبة، حيث تحتاج القوة العسكرية إلى بعد ثقافي لزيادة فعاليتها.

    لذلك، رأى ناي أن الإمبراطورية الرومانية حافظت على استمراريتها بالاعتماد على قوتها العسكرية، وأيضًا بجاذبية ثقافتها. كما انتصرت الولايات المتحدة في الحرب الباردة بفضل قوتها العسكرية والماليةية، وأيضًا بفضل جاذبية أفكارها.

    في محاضراته، استخدم ناي حلوى “إم آند إمز” كرمز، مشيرًا إلى أنها كانت السبب في أن المراهقين في برلين الشرقية كانوا يستمعون إلى الراديو من الغرب. لكن هذا الرأي قوبل بنقد لاذع لاحقًا.

    في عام 2003، كتب المؤرخ نيال فيرغسون في “فورين بوليسي” منتقدًا: “المشكلة مع مفهوم القوة الناعمة هي أنها، فعليًا، ناعمة! يمكنك أن ترى في كل أنحاء العالم الإسلامي أطفالاً يستمتعون بشرب الكوكاكولا وتناول ماكدونالدز، لكن، هل تجعلهم هذه الروابط يحبون الولايات المتحدة؟ الإجابة هي لا!”.

    لم يكن ناي مجرد مدافع نظري عن القوة الناعمة بل كان ينفذ أفكاره في الإستراتيجية. منذ عام 2004، لاحظ تراجع دور الولايات المتحدة تحت إدارة جورج بوش الابن، بسبب اعتمادها المتزايد على القوة العسكرية وكراهية الثقافة الأميركية حول العالم.

    في مذكراته “حياة في القرن الأميركي”، كتب ناي أن الهيمنة الأميركية قد تستمر لعقود ولكنها ستظهر بشكل مختلف، وأعرب عن قلقه من عوامل داخلية قد تضر بالقوة الناعمة الأميركية. وذكر أن “القوة الأميركية، حتى لو ظلت مهيمنة، قد تفقد قيماً داخلية وتجذب الآخرين”.

    من ناي إلى ترامب: عصا وجزرة بدون عسل

    “الخطر الأكبر المحيط بقوة أميركا ليس الصين أو التطرف، بل فشلنا في الالتزام بقيمنا وحماية تحالفاتنا”.

    في 9 سبتمبر/أيلول الماضي، قال جوزيف ناي في استطلاع آراء الخبراء حول ما ينبغي توجيهه للرئيس الأميركي القادم قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، حيث فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب،: “سيدتي أو سيدي القائد، سيكون عليك التنمية الاقتصادية في القوة الناعمة الأميركية، وهي القدرة على تحقيق أهدافك من خلال الجذب بدلاً من الإكراه. عندما نشرت مقالتي الأولى عن القوة الناعمة عام 1990، كان المفهوم جديدًا، لكن السلوك كان قديمًا كما تاريخ البشرية، حيث تسود القوة القاسية غالبًا على المدى القصير، بينما تكون القوة الناعمة ضرورية لنجاح الإستراتيجية الخارجية على المدى الطويل”.

    قبل أسبوع من وفاته، كتب ناي: “أخشى أن القائد ترامب لا يفهم القوة الناعمة. إذا كنا نظن أن القوة مزيج من العصا (العسكرية) والجزرة (الماليةية) والعسل (الناعمة)، فإن ترامب يتجاهل العسل. إذا تمكن من جعل هذه العناصر الثلاثة تعمل معًا، فسيحقق الكثير. يمكن للاقتصاد أيضًا أن يمكن استخدام العصا والجزرة إذا كانت مقترنة بجاذبية العسل، وعندما تلغي شيء مثل المساعدات الإنسانية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أو تخفض صوت أميركا، فإنك تحرم نفسك من أداة رئيسية في القوة”.

    ذكر ناي أن القوة الناعمة الأميركية بدأت تتآكل مع تدخلات جورج بوش الابن العسكرية. (رويترز)

    قارن ناي بين ترامب وعدد من الرؤساء اللاحقين، مشيرًا إلى أن وودرو ويلسون سعى إلى سياسة خارجية تؤمن الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، في حين أن جون كينيدي شجع الأميركيين على التفكير فيما يمكنهم القيام به لبقية العالم، فأنشأ فيلق السلام عام 1961، وجعل جيمي كارتر حقوق الإنسان من أولويات الإستراتيجية الخارجية، ثم اعتمدت استراتيجية جورج بوش الأب على بناء مجتمع عالمي متنامٍ من الديمقراطيات والترويج للحرية والعدالة. لكن هذه الأمور شهدت تآكلًا بسبب سياسة جورج بوش الابن وحصرية ترامب.

    كان ناي مشغولاً بمستقبل العالم، حيث كتبت مقالاته الأخيرة عام 2025 عن قضايا مثل الانتشار النووي والتغيير في النظام الحاكم العالمي، مع تساؤلات حول كيفية تعزيز القوى الكبرى للتعاون وتعزيز القيم الديمقراطية. وكتب في مقالة حول العولمة: “وجدت بعض الدراسات أن ملايين الوظائف فقدت نتيجة المنافسة الأجنبية، لكن هناك أيضًا تأثيرات من الأتمتة”.

    لفتت بيانات ناي إلى أن الشعبويين يجدون من الأسهل إلقاء اللوم على الأجانب بدلاً من لوم التقنية. ونوّه أن الاعتماد المتبادل سيبقى حقيقة قائمة ما دامت التقنية موجودة، مشيراً إلى أن العولمة الماليةية لديها جذور تمتد لقرون.

    في مقالة “مستقبل النظام الحاكم العالمي”، قال ناي: “أثرت سياسات ترامب كثيرًا على مستقبل النظام الحاكم الدولي المُعتمد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انحازت إدارته إلى روسيا التي غزت أوكرانيا. وقد خلقت تهديداته بشأن الرسوم الجمركية شكوكًا حول التحالفات القائمة والنظام الحاكم التجاري، وأدى انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الرعاية الطبية العالمية إلى تقويض التعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود.”

    هل ندخل عصرًا جديدًا من التراجع الأميركي، أو أن هجمات إدارة ترامب على مؤسسات القرن الأميركي ستمثل مجرد تراجع دوري مؤقت؟ قد لا نعرف الجواب قبل عام 2029.”.

    قدم ناي تحذيرات عن تأثير سياسات ترامب في بالحكم على النظام الحاكم العالمي في مقالاته، حيث لفت إلى أن الولايات المتحدة تمتلك ما يقرب من نصف المالية العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن القوة العسكرية كانت متوازنة مع قوة الاتحاد السوفياتي. مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، أصبحت الولايات المتحدة “القوة العظمى الوحيدة”، لكن توسعها في الشرق الأوسط أسفر عن سوء إدارة استقر في الأزمة المالية عام 2008.

    قال ناي: “روسيا والصين غيرتا استراتيجياتهما بسبب اعتقادهم أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة انحدار، حيث غزا بوتين جورجيا عام 2008، بينما اتبعت الصين سياسة دبلوماسية أكثر جرأة. نمّت الصين اقتصادها بشكل قوي، ما جعلها قريبة من القوة الأميركية.”

    مع استمرار الولايات المتحدة في الحفاظ على تحالفاتها مع اليابان وأوروبا، فإن مجموعهم يمثل أكثر من نصف المالية العالمي، في الوقت الذي تمثل فيه الصين وروسيا مجتمعًا 20%. هل ستحافظ إدارة ترامب على هذا المورد الفريد من نوعه؟ ستكون الأعوام 1945 و1991 و2008 نقاط تحوّل فارقة، وإذا أضاف المؤرخون عام 2025 إلى تلك القائمة، ستكون النتيجة نتيجة سياسة أميركية ومشاكل ذاتية، وليس نتيجة أي تطور حتمي.”

    حدود الواقعية-الليبرالية الرشيدة

    “إن الهيمنة، حتى وإن كانت تحت قناع إنساني، تبقى هيمنة”.

    عمل جوزيف ناي في السلطة التنفيذية الأميركية، حيث شغل منصب نائب وكيل وزارة الخارجية للمساعدات الاستقرارية والعلوم والتقنية خلال رئاسة جيمي كارتر بين عامي 1977-1979، ثم ترأس مجموعة من مجلس الاستقرار القومي بشأن حظر انتشار الأسلحة النووية، وحصل على جائزة الشرف المتميزة من وزارة الخارجية عام 1979. وكان رئيسًا لمجلس الاستخبارات الوطني بين 1993-1994 تحت إدارة بيل كلينتون، وحاز على ميدالية الخدمة المتميزة. بعد ذلك، عُين مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستقرارية الدولية حتى عام 1995.

    في أكتوبر 2014، عينه وزير الخارجية جون كيري في مجلس الشؤون الخارجية خلال رئاسة أوباما، وهي مجموعة كانت تجتمع بانتظام لمناقشة القضايا الاستراتيجية.

    في كتابها “الحرب الباردة الثقافية: الاستخبارات المركزية الأميركية والفنون والآداب” (1999)، كشفت الصحفية البريطانية فرانسيس سوندرز تفاصيل المواجهة الذي شنته وكالة الاستخبارات ضد السوفيات عبر القوة الناعمة، باستخدام كتاب ومثقفين في المجالات الثقافية. هذا النموذج لفت إليه ناي في كتابه عندما ناقش سياسات كينيدي. وقد كشفت سوندرز عن مجموعة بارزة من المثقفين اليساريين الذين اجتذبتهم واشنطن ثم مولت نشاطاتهم الأكاديمية والفنية لمواجهة النموذج السوفياتي.

    إذن، القوة الناعمة التي نظّر لها ناي ليست مجرد انتقاد للهيمنة، بل هي أداة للهيمنة المستخدمة من قبل الولايات المتحدة، حيث انتقد استخدام القوة الخشنة فقط، مظهرًا نموذجًا أكثر ليبرالية للهيمنة الأميركية. يعتبر ناي مُنظِّرًا واقعياً مؤسسيًا وثقافياً، لكنه لم يكن ناقداً جذرياً للسياسات الأميركية إلا عندما انحرفت نقطة التعريف الخاصة به عن الهيمنة، كما حدث مع إدارة ترامب وبوش الابن. لا ينتقد ناي بما فيه الكفاية توزيع القوى الأميركية العسكرية والماليةية والثقافية حول العالم، إذ إن حضوره الثقافي لطالما جنى ثماره من دول حليفة، في حين حصلت دول أخرى على فتات المساعدات.

    في معظم دول الجنوب العالمي، تجسدت القوة الأميركية كقوة غير رشيدة، حيث تقوضت الحقوق السيادية للشعوب عبر تدخلات عسكرية في أفغانستان، وفي نفس الوقت، ترتبط العلاقات الماليةية السطحية مع النخب الصغيرة بأزمات اجتماعية أدت إلى احتجاجات كبرى مثل الثورات العربية في عام 2011. لذا، يظل اسم جوزيف ناي مهمًا لفهم التوجهات المختلفة داخل المؤسسات الأميركية الأكاديمية والحكومية، وكيف يتصور الديمقراطيون الهيمنة، إضافة لفهم آفاق الخطاب الليبرالي الناقد للجمهوريين وحدوده في الوقت ذاته.

    على الرغم من اختلاف ناي عن الصقور الجمهوريين والمحافظين الجدد، إلا أنه لا ينفصل عن إدراكه لأهمية الهيمنة والسيطرة، بيد أنه يرى لها تجليات مختلفة. اعتبر ناي أن القوة الأميركية تتمثل في جعل الآخرين يشعرون بأن لديهم خيارات، رغم أن الخيارات غالبًا ما تكون ضمن حدود ما تريده الولايات المتحدة، وهو الوهم الذي يمنح القوة الناعمة فعاليتها!


    رابط المصدر

Exit mobile version