برز الإنتاج الافتراضي كمبتكر رئيسي في صناعة السينما والتلفزيون، بفضل دمج البيئات الحقيقية بالرقمية عبر محرك “أنريل إنجن”، مما يسمح بإنشاء مشاهد تفاعلية. يساهم هذا النهج في تقليص تكاليف الإنتاج وتسريعها، بجعل الإنتاج الافتراضي خياراً مفضلاً للمنتجين. تتضمن العملية مراحل عدة تشمل “التصور المسبق” و”محاكاة الحركة” و”المسح البصري”. كما أظهرت التجارب، مثل مسلسل “سنوفول”، تخفيضات ملحوظة في النفقات الزمنية والمادية. يتيح الإنتاج الافتراضي مرونة إبداعية، مما يحسن من جودة الأعمال الفنية دون الانتقاص من دور العنصر البشري، ويعتبر نموذج “إيكو هانتر” مثالاً على ذلك.
25/6/2025–|آخر تحديث: 22:58 (توقيت مكة)
مع التطورات المتسارعة في عالم التقنية في مجالات السينما والتلفزيون، يصبح الإنتاج الافتراضي أحد الابتكارات القائدية التي تعيد تعريف أساليب التصوير والإخراج. تعتمد هذه التقنية على دمج البيئات الحقيقية مع الرقمية باستخدام محرك الألعاب “أنريل إنجن” (Unreal Engine)، مما يمكّن المخرجين من خلق مشاهد تفاعلية تمزج بين الواقع والعالم الافتراضي بشكل فوري.
يساعد هذا المنهج في تقليل الحاجة إلى مواقع التصوير الفعلية، مما يساهم في خفض التكاليف وتسريع عملية الإنتاج. ولهذا السبب، أصبح الإنتاج الافتراضي الخيار المفضل لعدد كبير من صناع السينما، سواء للأعمال الكبيرة أو الإنتاجات المستقلة ذات الميزانيات المحدودة.
كيف يعمل محرك الألعاب في الإنتاج الافتراضي؟
محرك الألعاب “أنريل إنجن” يُستخدم لإنشاء بيئات رقمية تفاعلية ثلاثية الأبعاد، ذات رسومات متطورة، تُستخدم في مختلف مراحل الإنتاج، قبل وأثناء وبعد التصوير في مواقع التصوير، مما يتيح للممثلين التفاعل في بيئات قريبة من الواقع.
تقنية الإنتاج الافتراضي تعتمد على مراحل متكاملة تبدأ بمرحلة “التصور المسبق” (Previs)، حيث يتم تصميم البيئة الرقمية التي سيُصور فيها العمل استنادًا إلى التفاصيل التي يحددها فريق الإنتاج مثل الإضاءة والظلال ودقة أبعاد المكان، بغرض تقديم رؤية أولية للموقع المطلوب محاكاته.
تتبع ذلك مرحلة “محاكاة الحركة والتصوير التقني” (Techvis)، التي تستخدم أجهزة استشعار لمتابعة حركة الكاميرا والممثلين في الوقت ذاته، مما يسمح بتعديل البيئة الرقمية بشكل فوري للتكيف مع التغييرات على أرض الواقع أثناء التصوير.
ثم تأتي مرحلة “المحاكاة البصرية في موقع التصوير” (On-Set Visualizations)، حيث تُعرض البيئة الرقمية على شاشات “إل إي دي” (LED) كبيرة تحيط بموقع التصوير، لتوفير خلفية تفاعلية للممثلين، مما يقلل من الحاجة إلى التعديلات في مرحلة ما بعد الإنتاج.
بعد الانتهاء من التصوير، يصار للانتقال إلى مرحلة “تصور ما بعد الإنتاج” (Postvis)، حيث يتم دمج المقاطع المصورة مع العناصر الرقمية، بغرض تكوين تصوّر أولي في الشكل النهائي للمشاهد.
وأخيرًا، يتم العمل على مرحلة “البيكسلات النهائية” (Final Pixels)، خلال التي تندمج جميع عناصر المشهد – كمزيج من الصورة والصوت والمؤثرات البصرية – لإنتاج النسخة النهائية الجاهزة للعرض.
محرك الألعاب “أنريل إنجن” يُستخدم لإنشاء بيئات رقمية تفاعلية ثلاثية الأبعاد برسوم عالية الجودة (شترستوك)
الجدوى الماليةية من الإنتاج الافتراضي
يمثل الإنتاج الافتراضي تغيّرًا كبيرًا اقتصاديًا في صناعة السينما والتلفزيون، حيث يمكنه تقليل التكاليف اللوجستية مثل نفقات السفر واستكشاف المواقع عبر محاكاة أي بيئة افتراضيًا دون الحاجة لترك موقع التصوير. وقد تجلى ذلك بشكل واضح في مسلسل “سنوفول” (Snowfall)، حيث ساهمت التقنية في توفير حوالي 49 ألف دولار من ميزانية كل حلقة، وقللت من عمليات المؤثرات البصرية في مرحلة ما بعد الإنتاج، مما أدى إلى توفير نصف مليون دولار من ميزانية الموسم الخامس وحده.
فيما يخص الحفاظ على الوقت، أظهر الإنتاج الافتراضي القدرة على تقليص مدة التصوير بشكل ملحوظ، من خلال إتاحة المعاينة الفورية للمشاهد، مما يقلل من الحاجة لإعادة التصوير. ويعتبر فيلم “إيكو هانتر” (Echo Hunter) مثالاً بارزًا لذلك؛ حيث تم تصويره في غضون 10 أيام فقط، اعتمادًا بالكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويمزج الفيلم، الذي لا تتجاوز مدته 30 دقيقة، بين الأداء الصوتي البشري والصور الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
تم إنتاج الفيلم باستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي “أركانا” (Arcana)، بهدف إثبات إمكانية إنتاج عمل فني عالي الجودة، بقصة متماسكة وإخراج احترافي، دون الحاجة لميزانيات ضخمة أو جداول تصوير طويلة. حيث تم تزويد المخرج كافان كاردوزا وفريقه النموذج ببيانات صوتية وتعليمات فنية، مما جعل “أركانا” ينتج مشاهد متكاملة تتناسب مع السياق الدرامي للعرض.
رغم التوفير المالي والزمني، تكمن القيمة الأهم للإنتاج الافتراضي في المرونة الإبداعية التي يوفرها. فعند دمج هذه التقنية مع الرؤية الفنية للمبدعين، يمكن تحويل الأفكار الطموحة إلى مشاهد بصرية عالية الجودة، مع تخفيف الأعباء التقنية عن العنصر البشري. وهو ما يعزز من جودة الإنتاج، دون التأثير على دور الإنسان في العملية الإبداعية.
حقق فيلم “فلو” (Flow) المستقل نجاحًا كبيرًا، متجاوزًا إيراداته 50 مليون يورو عالميًا، مما يجعله من بين أكثر أفلام الرسوم المتحركة المستقلة ربحًا. عبّر المخرج جينتس زلبالوديس عن امتنانه للنجاح، مؤكدًا أن الفيلم أظهر شغفاً كبيراً بالقصص الأصلية. جمع “فلو” أرقامًا قياسية في عدة أسواق، مثل فرنسا وألمانيا والمكسيك. يُذكر أن الفيلم يتناول قصة قطة ناجية من فيضان، ويُبرز تجربة بصرية فنية دون حوار، معتمدًا على الموسيقى والصورة. حصل على جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة في جوائز الأوسكار 2025 وترشيح لأفضل فيلم أجنبي، مؤكداً مكانته في السينما المستقلة.
حقق فيلم الرسوم المتحركة الحائز على جائزة الأوسكار “فلو” (Flow) إنجازًا عالميًا، بعدما تجاوزت إيراداته حاجز 50 مليون يورو (نحو 57 مليون دولار) في شباك التذاكر حول العالم، وفقًا لما صرحته شركة التوزيع “شارادز”.
ويُعد هذا الرقم نقطة محورية جعلت من “فلو” أحد أكثر أفلام الرسوم المتحركة المستقلة المرشحة للأوسكار تحقيقًا للإيرادات في السنوات الأخيرة.
من جانبه، أبدى المخرج جينتس زلبالوديس سعادته بهذا النجاح، حيث صرح لمجلة “فارايتي” بأنه ممتن لهذا التقدير العالمي و”رد الفعل العالمي على “فلو” تجاوز حتى أكثر توقعاتنا تفاؤلا. أعتقد أن هذا النجاح يكشف عن شغف كبير بالقصص الأصلية والشخصية، ويظهر أن أفلام الرسوم المتحركة المستقلة التي تنتجها فرق صغيرة قادرة على الوصول إلى جمهور واسع عالميًا”.
وتابع: “آمل أن يمنح هذا الإنجاز الفرصة لمزيد من صناع الأفلام لإنتاج أعمال فريدة تدفع بالنطاق الجغرافي نحو آفاق جديدة”.
إنجاز غير مسبوق
وحقق فيلم “فلو” (Flow) نجاحًا ملحوظًا في عدة أسواق عالمية، مسجلاً أرقامًا قياسية في الإيرادات. فقد جمع أكثر من 5.9 ملايين دولار في فرنسا، و2.7 مليون دولار في المملكة المتحدة، إلى جانب 2.5 مليون دولار في ألمانيا، وأكثر من 2.1 مليون دولار في لاتفيا، موطن إنتاج الفيلم، حيث أصبح الأعلى مشاهدة في تاريخ البلاد بعد بيع أكثر من 365 ألف تذكرة.
وفي أميركا الشمالية، بلغت إيرادات الفيلم 4.8 ملايين دولار. أما في أميركا اللاتينية، فقد وصلت الإيرادات إلى 14.6 مليون دولار، منها أكثر من 7 ملايين دولار في المكسيك وحدها.
وفي آسيا، سجل الفيلم 3.91 ملايين دولار في الصين، إلى جانب مساهمات إضافية من كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وأسواق آسيوية أخرى. ويُعتبر هذا الرقم إنجازًا ملحوظًا لفيلم “فلو” (Flow)، الذي كسر القاعدة السائدة بأن أفلام الرسوم المتحركة المستقلة التي تحصد الجوائز والتقدير الفني لا تحقق بالضرورة نجاحًا تجاريًا. فقد استطاع “فلو” الدمج بين التميز الفني والإيرادات العالية، ما يجعله حالة استثنائية في هذا النوع السينمائي.
باستثناء فيلم “الصبي ومالك الحزين” (The Boy and the Heron) للمخرج هاياو ميازاكي، يعد “فلو” الأعلى إيرادًا بين أفلام الرسوم المتحركة المستقلة المرشحة لجائزة الأوسكار في السنوات الأخيرة.
وفي مقارنة لافتة بين أفلام الرسوم المتحركة المستقلة التي لاقت استحسانًا نقديًا، بلغت إيرادات فيلم “أحلام روبوت” (Robot Dreams) عام 2023 نحو 4.7 ملايين دولار عالميًا، بينما حقق فيلم “مارسيل القوقعة التي ترتدي حذاء” (Marcel the Shell with Shoes On) في 2021 ما يقارب 6.9 ملايين دولار.
أما فيلم “فلو”، فينقل المشاهد إلى عالم خالٍ من البشر، حيث تنجو قطة من فيضان مدمر وتجد نفسها على متن قارب صغير مع مجموعة من الحيوانات المشردة. ومن هنا تبدأ رحلة عبر بيئة موحشة بحثًا عن الأمان.
ما يميز الفيلم هو أسلوب المخرج جينتس زلبالوديس (Gints Zilbalodis) الذي حوله إلى تجربة بصرية خالصة، أقرب إلى لوحة فنية متحركة، رغم بساطة الإنتاج بميزانية لم تتجاوز 3.5 ملايين يورو (3.7 ملايين دولار). وعلى مدار الفيلم، لا يُسمع أي حوار، ومع ذلك نجح الفيلم في إيصال مشاعر إنسانية عميقة، بالاعتماد فقط على الموسيقى، والصورة، وإيقاع الحركة.
وقد حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة في حفل جوائز الأوسكار 2025، كما نال ترشيحًا في فئة أفضل فيلم أجنبي (غير ناطق بالإنجليزية)، ليؤكد حضوره كأحد أبرز إنجازات السينما المستقلة في السنوات الأخيرة.
فيلم وثائقي بعنوان “حياة ذهبية” يكشف عن انتهاكات حقوق الأطفال في مناجم الذهب ببوركينا فاسو، حيث يُجبرون على العمل في ظروف قاسية. يتناول الفيلم حياة المراهق راسماني (16 عامًا) الذي ينزل يوميًا إلى آبار عمقها 100 متر، مما يؤثر سلبًا على صحته. يستعرض الفيلم الروابط الإنسانية بين العمال رغم ظروفهم الصعبة، ويبرز مشاعرهم ورغباتهم البسيطة كشراء ملابس جديدة. يُظهر الفيلم كيف تُقتل براءة الطفولة تحت ضغط الطمع والاستغلال، في بلد غني بالذهب لكنه يعاني من قلة التنظيم والفوضى بسبب التطرف والتمرد المسلح.
29/5/2025–|آخر تحديث: 08:59 (توقيت مكة)
كشف فيلم وثائقي جديد بعنوان “حياة ذهبية” (A Golden Life) عن الانتهاكات الشديدة التي يعاني منها الأطفال في مناجم الذهب ببوركينا فاسو، حيث يُجبرون على القيام بأعمال شاقة والنزول إلى أعماق تصل إلى 100 متر تحت الأرض.
الفيلم الذي أخرجه بوبكر سانغاري سيُعرض يوم الجمعة 30 مايو/أيار الحالي، ويسلط الضوء على الكوارث التي يواجهها المراهقون السنةلون في منجم بانتارا، حيث تُنتهك طفولتهم في سباق لا ينتهي نحو الثروة المعدنية.
يدور الفيلم حول الفتى راسماني، الذي يبلغ من العمر 16 عامًا، ويُفرض عليه يوميًا النزول في بئر عميقة تصل إلى 100 متر، مما يؤدي إلى دخول أنفاق ضيقة تعاني من الأوحال.
تحت وطأة العمل المكثف وساعات العمل الطويلة، يسوء حاله الجسدي، ولا يجد سوى كوخ من القش والبلاستيك للراحة، ومع مرور الوقت، يبدأ في تناول الأدوية لتخفيف آلامه المتزايدة.
من خلال أسلوب سينمائي يركز على اللقطات الحية، يربط الوثائقي بين التعب الجسدي للعمال والندوب العميقة التي تنجم عن عمليات الحفر.
على الرغم من قساوة الظروف، يُظهر الفيلم الجانب الإنساني من خلال الصداقات التي تتشكل بين العمال، حيث تصبح هذه الروابط ملاذًا نفسيًا يخفف عنهم وطأة الواقع.
قتل الطفولة
يكشف الوثائقي عن الملامح الحقيقية للطفولة التي تدفن تحت وطأة العمل الشاق، من خلال لقطات مؤثرة لأطفال يتمنّون أشياء بسيطة مثل شراء بنطال جينز جديد.
يسعى فيلم حياة ذهبية لتقديم شهادة حية على واقع تُنتهك فيه براءة الطفولة عبر العمل القسري، في ظل الطمع والاستغلال والجشع.
تُصنف بوركينا فاسو كواحدة من دول غرب إفريقيا الغنية بالذهب، حيث يعتمد الناس على أساليب بدائية في العمل، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيارات أرضية تتسبب في وقوع قتلى وجرحى.
ورغم تعهد رئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي يدير البلاد منذ عام 2022 بتنظيم العمل في مناجم الذهب وإعلان قدرة الدولة على إدارة مواردها بعيدًا عن الشركات الأجنبية، إلا أن مشاكل التطرف والتمرد المسلح لا تزال تُعرقل السلطة التنفيذية عن التركيز على تنظيم معادن الذهب المتناثرة عبر البلاد.
فيلم “8 أكتوبر” الوثائقي، من إخراج ويندي ساكس، يتناول الأحداث من منظور يميني متطرف، حيث يُشوه معاداة السامية لتقويض حركة الاحتجاج ضد الإبادة في فلسطين. تشير النقادة الدكتورة شكوفه رجب زاده إلى أن الفيلم يهدف لإثارة الذعر وتعزيز القمع ضد الناشطين الطلابيين. يعمق الفيلم الفجوة بين موقف داعمي إسرائيل ونشاطات الحركة الفلسطينية، مُظهرًا الاحتجاج ككراهية لليهود. في النهاية، يُظهر الفيلم نجاح الحركات الطلابية في نقل قضية فلسطين، مسلطًا الضوء على الأجندات المعادية للديمقراطية والحقوق المدنية، ويترك أثرًا حول مستقبل المواطنون ودعوات التحرر الجماعي.
في منتصف مارس/آذار المنصرم، بدأت عروض فيلم “8 أكتوبر” (الوثائقي) الأميركي في دور السينما. الفيلم، الذي أخرجته ويندي ساكس، يمتد على 100 دقيقة، وتم إنتاجه بواسطة شركة براياركليف إنترتينمنت لعام 2025.
لفت بعض النقاد إلى أن فيلم “8 أكتوبر” يشوه الحقائق المتعلقة بمعاداة السامية بهدف استهداف حركة الاحتجاج ضد الإبادة الإسرائيلية في فلسطين، ترويجًا لأجندة يمينية متطرفة تُعارض تحرير فلسطين وتفكيك نظام الفصل العنصري الصهيوني، كما أنها تماهي مع العنف والاستيطان والإبادة الجماعية، وتعارض حقوق المدنيين وبرامج “التنوع والمساواة والشمول” التي تتوافق مع الحقوق المشروعة الفلسطينية وتتصدى للاستعمار والاستيطان ومع مختلف قضايا المستضعفين.
وبحسب الناقدة والأكاديمية، الدكتورة شكوفه رجب زاده، فإن هدف فيلم “8 أكتوبر” لا يكمن في نقل المعلومات، بل في إشاعة حالة الذعر، وهو ذعر يأمل صناع الفيلم أن يدفع المشاهدين لدعم حملات القمع العنيف، التي نشهدها حاليًا في الولايات المتحدة ضد الطلاب الناشطين في قضية فلسطين.
منذ وصول ترامب إلى سدة الحكم، ألغت إدارته ما لا يقل عن 300 تأشيرة طلابية، واحتجزت سلطات الهجرة والجمارك الأميركية طلابًا، بينهم مقيمون دائمون بشكل قانوني. يأتي هذا في وقت تُجبر فيه الجامعات على الرضوخ لمبادرات متطرفة معادية للتعليم والديمقراطية ومؤيدة لإسرائيل للحصول على تمويل فدرالي.
على سبيل المثال، لم توافق جامعة كولومبيا على “تطوير مركزها في تل أبيب” فحسب، بل عينت أيضًا نائبا أول لرئيس الجامعة لمراجعة المناهج والبرامج بأقسام الدراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، مقابل 400 مليون دولار من التمويل الفدرالي الذي كان مقررًا سابقًا. ومع ذلك، وفي خضم هذه الحملات الاستبدادية على حرم الجامعات وحياة الطلاب الناشطين، يصور الفيلم الجديد “8 أكتوبر” من إخراج ويندي ساكس حرم الجامعات كمساحات تعاني من الفوضى، حيث تُترجم الفوضى إلى كراهية وعنصرية، والضحايا الوحيدون هم الطلاب اليهود الصهاينة!
تشير رجب زاده إلى أن حجة الفيلم تفتقر إلى المنطق وغامضة. المشاركون في المقابلات التي أوردها الفيلم يقدمون ادعاءات تبدو مروعة، لكن اللقطات التي تليها تدحض هذه الادعاءات. لكن هذا لا يبدو مهمًا، فهدف فيلم مثل “8 أكتوبر” هو إثارة حالة من الذعر الواسع، ذعر يسعى صناع الفيلم لجعله مستمرًا ومتزايدًا ويظل في أذهان المشاهدين بعد انتهاء الفيلم، وأن يدفعهم لدعم حملات القمع العنيف وانتهاك حقوق الطلاب التي تحدث حاليًا في البلاد.
لا تنجح حجج فيلم “8 أكتوبر” إلا في حال اعتقد المشاهد أن拒 الصهيونية وإنكارها هو انكار لليهودية والهوية اليهودية (غيتي)
خلط معاداة السامية بمعاداة الصهيونية
يبدأ الفيلم بلقطات خام من الهجمات التي وقعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. يتبع ذلك سرد شخصي للهجمات على لسان إيريت لاهاف، إحدى السكان في كيبوتس نير عوز. تظهر لنا الغرفة التي اختبأت فيها مع ابنتها، وكيف أغلقت الباب وأطفأت الأنوار لساعات. خلال ذلك، وفي الظلام، تقرأ رسائل واتساب من دردشة مجتمعها: “أطلقوا النار على زوجي”، “إنهم في منزلي”، “أصيب زوجي بالرصاص. إنه ينزف”. ينتقل الفيلم بعدها إلى شقة شاي دافيداي في نيويورك، ونوا تيشبي في لوس أنجلوس، وتيسا فيكسلر، دعاة جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، حيث تروي كل منهن تجربتها في السابع من أكتوبر.
بعد أقل من 10 دقائق من بدء الفيلم، تتحد إسرائيل ومدن نيويورك ولوس أنجلوس وسانتا باربرا في تجربة جماعية لهجمات السابع من أكتوبر. تختتم تيشبي المقطع بربط أحداث أكتوبر بالهولوكوست، إذ تقول ربطًا غير منطقي: “إنها جميعها قصص سمعناها وكانت جزءًا من تربيتنا. ولكن هذه المرة جرى تصويرها بالفيديو”.
بعد رسم الفيلم مقارنة بين السابع من أكتوبر والهولوكوست، ينتقل إلى الشوارع، حيث تظهر أولى لقطاته مُتظاهرين يهتفون “الحرية لفلسطين!”. هنا، يدعي الكاتب المؤيد لإسرائيل، دان سينور، أن “الغضب كان مُوجهًا نحو اليهود لاعتراضهم على الذبح”. ومع ذلك، تُظهر المشاهد خلال لحظات مكرو-ثانية المتظاهرين يهتفون من أجل “فلسطين حرة”، رافعين لافتات تقول “أوقفوا كل المساعدات لدولة إسرائيل العنصرية”. حتى في هذه المقاطع، يتضح أن الحركة من أجل “فلسطين حرة” لا ترتبط بكراهية اليهود، بل هي دعوة لـ”حرية فلسطين” وتغيير الإستراتيجية الخارجية الأميركية.
يتحدث شاي دافيداي عن المظاهرة التي جرت بساحة جامعة كولومبيا، قائلاً: “لم أرى جدلًا أيديولوجيًا بين طرفين، بل كنت أرى كراهية”. لكن اللقطات تُظهر مجموعتين من المتظاهرين في مواجهة سلمية، يواجهان بعضهما البعض في ساحة. الهتافات كانت “فلسطين حرة حرة!” و”ندعا بالتحرير!”.
من جهته، يُؤكد أورين سيغال من “رابطة مكافحة التشهير” أنه لم يُسمح للطلاب اليهود بالتجول بحرية في الحرم الجامعي. لكن اللقطات اللاحقة تُظهر دعاًا يهوديًا يسأل ناشطًا يقف عند مدخل أحد المخيمات: “إذن، لن تسمح للطلاب اليهود بالدخول؟” يُجيب الناشط: “لدينا طلاب يهود هنا، هل أنت صهيوني؟” ليس من المستغرب عدم السماح لصهيوني يدافع عن الإبادة الجماعية بالدخول إلى مخيم مناهض للإبادة الجماعية.
يتعمد فيلم “8 أكتوبر” خلط معاداة السامية بمعاداة الصهيونية، محاولًا تقديم التضامن مع فلسطين والاحتجاجات ضد الإبادة ككراهية لليهود (غيتي)
أحداث سحب الثقة
قد يكون أضعف مثال على معاداة السامية في الفيلم هو الأكثر أهمية في حجته. تلك هي الأحداث المحيطة بسحب الثقة من رئيسة اتحاد الطلاب، تيسا فيكسلر، بجامعة كاليفورنيا، في سانتا باربرا.
بعد الهجمات التي وقعت في السابع من أكتوبر، صرحت فيكسلر دعمها لإسرائيل ودعات ناخبيها بأن يحذوا حذوها. بينما بدأ العديد من طلاب الجامعة يشعرون بالحزن إزاء القتل غير المبرر للأطفال من قبل إسرائيل، لم تُظهر فيكسلر أي اهتمام لمعاناتهم، ولم تدعا الجامعة بسحب استثماراتها من شركات تصنيع الأسلحة. بل، كانت مُركّزة على صهيونيتها من خلال التأكيد الدائم على دعمها لإسرائيل وعبر التعاون مع جماعات عدوانية مؤيدة لإسرائيل مثل جماعة “كل إسرائيل”.
نتيجة لذلك، بدأ الطلاب في تصميم ملصقات (بوسترات) تُغالي في تمثيل موقفها السياسي: “تيسا فيكسلر تدعم الإبادة الجماعية”. “تبا لمحايد كرئيس”. وتقول فيكسلر في حديثها: “بعد ذلك، تفاقم الوضع”. وبالتالي، يتوقع المرء في هذه المرحلة أن يكون هناك هجوم يستهدف دينها أو هويتها اليهودية.
بدلاً من ذلك، تُخبر فيكسلر: “أتذكر أنني تلقيت رسالة نصية في الساعة الثانية صباحًا: هناك أشخاص يتجولون بأقنعة يضعون منشورات في صناديق البريد بالقرب من منزلي”. وتظهر الرسالة النصية التالية، المنشور: “اعزلوا تيسا فيكسلر”. بعد ذلك، تناولت الشبكات الإخبارية هذا الخبر: “جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا تحقق في لافتات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو أنها تستهدف رئيسة اتحاد الطلاب”.
حملة المدعاة بالعزل ليست تعبيرًا عن كراهية، ولا عنصرية، ولا تمييز. في الحقيقة، هي جوهر الديمقراطية، وجزء حيوي من “الضوابط والتوازنات”. نعم، تم الإشارة بوضوح إلى رئيسة اتحاد الطلاب بسبب تصرفاتها خلال فترة ولايتها، وهكذا تجري عملية العزل أو سحب الثقة. في النهاية، لم تتم عملية سحب الثقة بسبب صوت واحد امتنع عن التصويت. ومع ذلك، يمثل ألم فيكسلر محوريًا خلال بقية الفيلم.
ختامًا، توضح رجب زاده أن حجج فيلم “8 أكتوبر” تظل غير فعّالة، إلا إذا اعتقد المشاهد أن رفض الصهيونية وإنكارها يعني أيضًا رفض اليهودية والهوية اليهودية. القضايا التي تركز على النشاط الجامعي، والتي تشكل أساس الفيلم، لا تقدم أي أمثلة على العنصرية المعادية لليهود. بل يسلط الفيلم الضوء على الطريقة التي يفسّر بها الصهاينة تحركات الحرم الجامعي المدعاة بحقوق فلسطين، وكيف يتفاعلون معها، ويتعرضون لتهديد (مزعوم) من قبلها. من خلال هذا، تنكشف الأجندة الحقيقية للفيلم.
لقطة من فيلم “8 أكتوبر” تُظهر تيسا فيكسلر، رئيسة اتحاد طلاب جامعة كاليفورنيا، في سانتا بارbara (مواقع التواصل)
دعم أوسع لأجندة يمينية
هذا الاهتمام بالاحتجاجات ضد الإبادة في فلسطين يأتي في مقابل تجاهل أمثلة حقيقية خطيرة على معاداة السامية. على سبيل المثال، لم يتناول الفيلم إلا منشورات باتريك داي العنيفة بجامعة كورنيل، والتي تحرض على قتل اليهود، لكن لم يتم التركيز عليها. ويعود ذلك لعدم وجود أي جهة أو منشور، بما في ذلك صحيفة “نيويورك بوست” (الموالية للصهاينة)، قادرة على ربط هذا الدعا بالنشاط الفلسطيني.
في الواقع، إن تجاهل معاداة السامية الحقيقية التي يمارسها العنصريون البيض، وتشويه حركة سحب الثقة عن رئيسة اتحاد طلاب جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، هما ليسا التحركين الوحيدين المعاديين للديمقراطية المقدمة من قبل فيلم المخرجة ويندي ساكس.
يصل تهافت فيلم “8 أكتوبر” إلى حد إلقاء اللوم على برامج “التنوع والمساواة والشمول” (DEI) في زيادة معاداة السامية. يحاول سكوت غالاوي، أستاذ التسويق في كلية إدارة الأعمال بجامعة نيويورك، إثارة إشكالية حول هذه البرامج من خلال شرح كيف تعمل ديناميات القوة العرقية. يقول غالاوي: “بدأت برامج “التنوع والمساواة والشمول” بدوافع صحيحة”. “المشكلة أن نخلق هذه الأرثوذكسية غير الصحية حيث قررنا أن هناك مستكبرين ومستضعفين (مضطهدين)، وليس هناك الكثير من الفروق الدقيقة هنا”.
يشير تلميح غالاوي هنا، وفقًا لرجب زاده، إلى أن جهود “التنوع والمساواة والشمول” قد شجعت الناس على تبسيط القضايا المعقدة بشكل مفرط، مثل الهجوم الإسرائيلي على غزة. لسوء الحظ، لا يقدم غالاوي فروقًا دقيقة تعفي أحد أقوى جيوش العالم -والمسؤول عن إبادة جماعية واحتلال وفصل عنصري ومقتل 50 ألف شخص وأكثر في 18 شهرًا- من وصفه بالظالم.
تتابع نوا فاي، الدعاة بكلية برنارد، هذه النقطة الأوسع، مشيرة إلى أن بناء التحالف الواسع بين حركة حقوق فلسطين والحركات الاجتماعية الأخرى ليس نتيجة للاعتراف الجماعي بأن الأنظمة القمعية تعمل وتتفاعل معًا، بل لأن حركة “طلاب لأجل العدالة لفلسطين” قد “تلاعبت بالمظالم واستغلتها”، وفي هذه العملية “اختطفت كل قضية استضعاف في العالم”.
وجهات النظر هذه ليست غريبة. حيث يتضمن برنامج فيلم “8 أكتوبر” أيضًا قائمة من المتحدثين اليمينيين الذين هَوّنوا من شأن معاداة السامية لدى اليمين. من بينهم رابطة مكافحة التشهير، التي وصفت إلقاء تحية إيلون ماسك النازية بأنها “تصرف غريب في لحظة حماسة”؛ وباري فايس، مؤسسة دورية “الصحافة الحرة”، التي تعتبر خصمًا واضحًا لـ”التنوع والمساواة والشمول”، ودعت إلى “تصويت الديمقراطيين لترامب”؛ والممثل مايكل رابابورت الذي دعم ترامب علنًا في انتخابات 2020، من بين آخرين. حتى الشعار “الكفاح من أجل روح أمريكا” الموجود على الملصق (بوستره) يردد صدى رغبة ترامب في “إعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى”.
لقد حققت الحركات الطلابية في الجامعات نجاحًا باهرًا في نقل قضية فلسطين ورؤى التحرير إلى مركز النقاش (الفرنسية)
شرعية إسرائيل على المحك!
تلفت رجب زاده إلى أن إحدى النقاط القوية غير المقصودة في فيلم “8 أكتوبر” هي أنه يقدم لمحة عن كيفية تجربة الصهاينة الناشطين المؤيدين لفلسطين، وما يعتقدونه أنه الأكثر فعالية في إضعاف الأجندة الصهيونية. على سبيل المثال، فيما يتعلق بقضية القرارات الجامعية، تُعلّق نوا تيشبي في مقطع قريب قائلة إن “جميع قرارات الطلاب بالحرم الجامعي (المُعادية لإسرائيل) ليس لها معنى فعلي. ولكن ما تفعله هو تدريب طلاب الجامعات على أن قرار (عدم) شرعية إسرائيل هو قرار صالح من البداية”.
نعم! هذا صحيح وهذا هو السبب وراء وجود الكثير من المعنى في تلك العبارة. لاحقًا، يدّعي أحد المحاورين في الفيلم: “دعونا نواجه الأمر: الصورة ولغة الثورة والتغيير التي يضمنونها في سردياتهم المؤيدة للإرهاب، تخلق شيئًا مثيرًا لاهتمام الناس”. تشارك رجب زاده في هذا الرأي. إنهم يؤكدون أن محتوى تيك توك المؤيد لفلسطين يتخطى الدعاية الصهيونية ويضعفها. هذا الفيلم مليء أيضًا بالعبارات التي يمكن توجيهها لصانعيه وتكشف نفاقهم. في هذا السياق، كانت أفضل ما فيه عبارة عضو الكونغرس، النائبة ريتشي توريس: “إذا لم نستطع كمجتمع أن ندين قتل الأطفال والمدنيين بدم بارد بوضوح أخلاقي، فعلينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي أصبحنا عليه كمجتمع؟”.
أهم ما يستفاد من الفيلم هو أن الحركات الطلابية في الجامعات حققت نجاحًا باهرًا في نقل قضية فلسطين ورؤى التحرير إلى مركز النقاش. ولعل أفضل أو أكثر تفاؤلاً ودلالة لاختتام الفيلم هي كلمات باري فايس، التي تساءلت وهي تغلي: “ماذا يعني أن قادة المستقبل لأهم ديمقراطية في العالم يهتفون للثورة والانتفاضة؟ كيف ستبدو البلاد بعد عشر سنوات؟”.
وتخلص رجب زاده إلى أنه عندما يدرك الجميع معنى الانتفاضة، وينهضون لمحاربة الظلم في الوطن وفي جميع أنحاء العالم، نأمل أن نحتفل بالتحرر الجماعي. و”إن شاء الله”، باري فايس، أنت والآخرون في الفيلم ستتحررون من الدفاع عن المشروع الأكثر عنفًا واستعمارًا في عصرنا.
الدكتور مازن النجار كاتب وباحث في التاريخ والاجتماع.