الوسم: حدث

  • كاليفورنيا تتحدى السلطة التنفيذية الفيدرالية: 7 أسئلة توضح ما حدث في لوس أنجلوس

    كاليفورنيا تتحدى السلطة التنفيذية الفيدرالية: 7 أسئلة توضح ما حدث في لوس أنجلوس


    تتواصل الاحتجاجات في لوس أنجلوس، حيث دخلت المدينة يومها الخامس من مواجهات ضد سياسة إدارة ترامب الصارمة تجاه الهجرة. عقب اعتقالات لمهاجرين غير نظاميين، تصاعدت المظاهرات وتحولت إلى مواجهات مع الشرطة الفيدرالية. ردًا على ذلك، أمر ترامب بنشر 2000 عنصر من الحرس الوطني، مما أثار اعتراضات من حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، الذي اعتبر الخطوة اعتداءً على سلطات الولاية. عبر الحقوقيون عن قلقهم من تجاوز ترامب لصلاحياته. بينما يؤكد مخالفو سياسات الهجرة أن الإصلاح مطلوب، يشدد الجمهوريون على أهمية حماية الاستقرار القومي. حالياً، قُدمت دعوى قضائية ضد ترامب بشأن نشر القوة العسكرية.

    في مشهد يذكّر بتوترات الستينيات والتسعينيات، تدخل مدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا الديمقراطية يومها الخامس من المظاهرات والمواجهات، مع وضوح نهج القائد الأميركي دونالد ترامب الصارم في تطبيق قوانين الهجرة وترحيل المهاجرين غير النظام الحاكميين.

    منذ ليلة الجمعة الماضية، تتواصل الاحتجاجات التي تحولت إلى مواجهات أمنية بعد اعتقال السلطات الفدرالية لمهاجرين غير نظاميين في أماكن متعددة في لوس أنجلوس، بهدف ترحيلهم.

    لكن ما بدأ كاحتجاج مدني سرعان ما تحول إلى أزمة دستورية بين ترامب وولاية كاليفورنيا، التي شهدت منذ تولي القائد الأميركي ولايته مواجهات مع إدارته حول سياسات الهجرة والمناخ وتمويل المنظومة التعليمية.

    1- ماذا حدث في 4 أيام؟

    بعد مداهمات أجرتها وكالة الهجرة والجمارك الأميركية في مراكز العمل وسط لوس أنجلوس، اندلعت احتجاجات ضد الترحيل حيث اشتبك المتظاهرون مع عناصر الشرطة الفدرالية، ثم تم إعلان “تجمع غير قانوني” مما جعل الشرطة تتدخل لفض الاحتجاج واعتقال المحتجين.

    ويوم السبت، تصاعدت المظاهرات وانتشرت إلى أماكن جديدة، مما دفع ترامب إلى إصدار أمر بنشر 2000 عنصر من الحرس الوطني دون موافقة حاكم الولاية، غافين نيوسوم، وهي خطوة هي الأولى من نوعها منذ عام 1965.

    آخر مرة أمر فيها رئيس أميركي بنشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس كانت عام 1992، خلال الاضطرابات بسبب تبرئة 4 ضباط اعتدوا على أميركي من أصول أفريقية، وتمت الموافقة على ذلك من قبل حاكم الولاية.

    الحرس الوطني هو قوة عسكرية تتواجد في كل ولاية، وعادة ما تتبع لحاكم الولاية، إلا في حال تحويلها إلى قوة فدرالية كما فعل ترامب. ويستخدم الحرس استجابةً للكوارث الطبيعية وحفظ النظام الحاكم المحلي.

    بتاريخ الأحد الماضي، بدأت عناصر الحرس الوطني الانتشار في لوس أنجلوس، برفقة قوات المارينز التي صرحت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) استعدادها، حيث تجددت الاشتباكات أمام مركز الاحتجاز الفدرالي واستخدمت قوات حفظ الاستقرار الرصاصات المطاطية والغاز المدمع ضد المحتجين، بالإضافة إلى اعتقال عدد منهم.

    أمس، أمر ترامب بنشر 2000 عنصر إضافي من الحرس الوطني إلى جانب حوالي 700 من مشاة البحرية، رغم اعتراضات حاكم كاليفورنيا. كما صرحت شرطة لوس أنجلوس حظر التجمع وسط المدينة، ونوّهت أن عناصر إنفاذ القانون أوقفوا 56 شخصاً على الأقل خلال يومين، بينما أصيب 3 عناصر بجروح طفيفة.

    2- هل صنع ترامب الأزمة؟

    اعتبر حاكم ولاية كاليفورنيا أن تدخل ترامب من دون دعوة هو ما خلق الأزمة، ووصف نيوسوم القائد الأميركي بـ”الدكتاتور”.

    بينما قال ترامب إن نشر الحرس الوطني يهدف إلى استعادة النظام الحاكم، شدد نيوسوم على أن هذا القرار يشكل “اعتداءً مباشراً على سيادة الولاية”.

    ورأى نيوسوم أنه كان بإمكان الولاية السيطرة على الموقف لولا تدخل ترامب “الذي زاد التوتر”، مؤكدًا أن “القائد الأميركي أشعل الحرائق بينما كانت كاليفورنيا تملك الأدوات اللازمة للتعامل مع الأزمة”.

    تبرر إدارة ترامب تحركها عبر قانون التمرد، الذي يعود إلى عام 1807، والذي يمنح القائد صلاحية نشر القوات المسلحة بما في ذلك الحرس الوطني في حالة وجود “تمرد داخلي” يهدد النظام الحاكم السنة.

    يعتبر المحللون أن قرار ترامب بنشر الحرس الوطني هو اختبار لحدود سلطته التنفيذية في إطار تنفيذ وعده الانتخابي بترحيل المهاجرين غير النظام الحاكميين.

    3- هل تجاوزت السلطة الفدرالية صلاحياتها؟

    في حالات الاضطرابات الداخلية كما حدث في لوس أنجلوس، تمتلك السلطة الفدرالية صلاحيات محددة لكنها مشروطة، خاصة عندما يتعلق الأمر بنشر قوات فدرالية مثل الحرس الوطني. ينص الدستور الأميركي على أن الاستقرار الداخلي مسؤولية الولايات، ولكن يمكن للحكومة الفدرالية التدخل لحماية النظام الحاكم السنة في حالات معينة.

    واعتبر حقوقيون أميركيون أن خطوة ترامب تعد تجاوزاً لصلاحيات السلطة التنفيذية الفدرالية، حيث لم يكن الوضع الاستقراري في لوس أنجلوس خارج السيطرة، ولم تطلب الولاية أي تدخل لفرض الاستقرار. كما اعتبر بعضهم أن نشر الحرس الوطني قد يُفسّر كاستخدام سياسي للقوة الفدرالية ضد ولايات معارضة.

    كاليفورنيا اعترضت على السياسات الفدرالية المتشددة للهجرة، وصرحت نفسها “ولاية ملاذ” تمنع التعاون بين شرطة الولاية ووكالات الهجرة في ملاحقة المهاجرين غير النظام الحاكميين الذين لا يرتكبون جرائم.

    مسؤولون في كاليفورنيا، بما في ذلك الحاكم نيوسوم، تعهدوا بالدفاع عن حقوق المهاجرين بغض النظر عن وضعهم القانوني، مؤكدين أن الولاية “لن تتحول إلى ذراع أمنية تابعة للعاصمة”.

    جهات إنفاذ القانون اعتقلت عشرات المحتجين خلال أحداث لوس أنجلوس (الأوروبية)

    4- ما التداعيات القضائية؟

    صرح المدعي السنة لولاية كاليفورنيا روب بونتا عن رفع دعوى قضائية أمام محكمة فدرالية ضد ترامب بسبب نشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس لمواجهة الاحتجاجات دون تنسيق مع الولاية.

    وحسب الدعوى، فإن القائد تجاوز صلاحياته باستخدام القوة العسكرية دون تفويض من الحاكم.

    يعتمد الحكم القضائي المنتظر على سؤال رئيسي: هل يملك القائد الحق في إرسال قوات فدرالية إلى ولاية دون إذنها إذا اعتبر الوضع تهديداً عاماً؟

    5- كيف تصاعد المواجهة السياسي؟

    فتحت أحداث لوس أنجلوس جبهة جديدة من الانقسامات بين الديمقراطيين والجمهوريين، حيث أعادت النقاش حول ملف الهجرة. يعتقد الحزب الجمهوري أن ترحيل المهاجرين غير النظام الحاكميين أمر ضروري لحماية الاستقرار القومي، بينما يرى الحزب الديمقراطي أن النظام الحاكم بحاجة إلى إصلاح شامل وأن معاملة المهاجرين يجب أن تحترم كرامتهم الإنسانية.

    صوّر ترامب الاضطرابات بأنها “مؤامرة يسارية لتعطيل الدولة”، متهمًا حكام الديمقراطيين بالتساهل مع الفوضى.

    واعتبر أعضاء ديمقراطيون في الكونغرس أن قرار ترامب بنشر الحرس الوطني يُعد “ترهيبًا سياسيًا” أدى إلى عمليات أمنية غير قانونية.

    المحتجون رفعوا علم المكسيك خلال احتجاجات لوس أنجلوس، حيث يُعتبر المهاجرون غير النظام الحاكميين جزءًا من المواطنون الأميركي (الأوروبية)

    6- من يحمي المهاجرين؟

    لا يعتبر المهاجرون غير النظام الحاكميين في الولايات المتحدة بلا حقوق مطلقًا. فرغم أن حقوقهم محدودة، فإن القانون الأميركي يضمن لجميع الموجودين على أراضي الولايات المتحدة حقوقًا أساسية بغض النظر عن وضعهم القانوني.

    لديهم الحق في الإجراءات القانونية العادلة التي تحميهم من الترحيل التعسفي، كما يحق لهم عدم التعرض للتفتيش أو التوقيف غير القانوني، ولهم الحق في المنظومة التعليمية حتى الصف الـ12، والحق في الرعاية الطبية الطارئة.

    ومع ذلك، لا يمتلكون الحق في العمل القانوني أو الضمان الاجتماعي أو المساعدات الفدرالية.

    7- لماذا كاليفورنيا؟

    وفقاً لتقديرات مركز “بيو” للأبحاث، يعيش في الولايات المتحدة حوالي 10.5 مليون إلى 11 مليون مهاجر غير نظامي، نصفهم تقريباً من المكسيك.

    بسبب قربها الجغرافي من المكسيك واقتصادها الزراعي والصناعي الضخم، تُعد كاليفورنيا الولاية التي تضم أكبر عدد من المهاجرين غير النظام الحاكميين في البلاد، حيث يُقدّر عددهم بأكثر من مليوني شخص يشكلون جزءًا أساسيًا من اليد السنةلة في الزراعة والبناء وخدمات التنظيف.

    تشير إحصائيات أميركية إلى أن المهاجرين غير النظام الحاكميين يسهمون بمليارات الدولارات سنويًا في المالية عبر الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة المبيعات والإيجار.

    المصدر: أسوشيتد برس + الجزيرة + نيويورك تايمز + وكالات


    رابط المصدر

  • إعصار الأقصى يُشعل ثورة في بنغلاديش: ما الذي حدث اليوم؟


    في صيف 2024، شهدت بنغلاديش تحولًا سياسيًا حادًا بعد ثورة شعبية، أدت إلى فرار الشيخة حسينة وتعيين محمد يونس رئيسًا لحكومة انتقالية. استلهمت الثورة من أحداث غزة، مما عزز التظاهرات ضد القمع المحلي. بدأت السلطة التنفيذية الجديدة بإجراءات إصلاحية، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، إلا أن البروز المتزايد للقوى الإسلامية المحافظة أثار قلق المواطنون الدولي. داخليًا، تظهر انقسامات سياسية حادة، حيث يسعى بعض الفئة الناشئة لإصلاحات هيكلية قبل الاستحقاق الديمقراطي. اقتصاديًا، تحاول السلطة التنفيذية تجاوز تحديات النمو والانهيار المالي، رغم تخفيض توقعات النمو من قبل المؤسسة المالية الدولي.

    يقترب مرور عام كامل على واحدة من أكثر اللحظات السياسية دراماتيكية في جنوب آسيا خلال القرن الواحد والعشرين. في صيف 2024، تحولت بنغلاديش من دولة يحكمها نظام استبدادي مستقر إلى دولة تعيش في خضم تحول جذري تقوده حكومة انتقالية وُلدت من ثورة شعبية استلهمت قوتها من أحداث بعيدة في غرب آسيا؛ من الهجمات على الأقصى في قطاع غزة المحاصر.

    في أغسطس/آب 2024، وبعد أسابيع من القمع الدموي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 1000 شخص، هربت الشيخة حسينة من البلاد، منهية بذلك عقدين من حكمها الاستبدادي.

    عُين محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، رئيسًا لحكومة انتقالية. جاءت عودة يونس من منفاه الأوروبي ليس فقط كاقتصادي، بل كشخصية رمزية للعدالة الاجتماعية والتغيير. وقد اتسم خطابه الأول بنبرة هادئة لكنها تحمل وعدًا وتهديدًا بمحاسبة القتلة، وتفكيك الأجهزة القمعية، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطنون.

    من المدهش حقًا أن تندلع ثورة شعبية في بنغلاديش بسبب مشاهد القصف في غزة. في خريف 2023، اجتاحت المظاهرات الجامعات والشوارع في البلاد تعبيرًا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني بعد الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وما تبعه من اعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين.

    لكن شعارات التضامن مع غزة سرعان ما تحولت إلى هتافات ضد القمع المحلي، وأصبحت صورة الطفل الغزي الذي قُتل تعكس مشهد طفل بنغالي فقير يتعرض للدهس من قبل الشرطة في دكا. وهكذا، تحولت المظاهرات من تضامن مع غزة إلى ثورة تدعا بإسقاط النظام الحاكم في بنغلاديش.

    استمرت المظاهرات وتصاعدت في الصيف، وكان الطلاب في مقدمتها، وفي نهاية المطاف، غادرت الشيخة حسينة وعاد محمد يونس، بعد أن كانت شوارع البلاد لا تزال غارقة بدماء المتظاهرين، وملأت ثلاجات الموتى بجثث أكثر من 1000 متظاهر وطفل اخترقت أجسادهم رصاصات الشرطة.

    رغم أن خطابات محمد يونس منذ توليه المنصب تبدو هادئة وخالية من أي استثارة، فإن بنغلاديش شهدت تغييرات كبيرة في الأشهر التي تلت نجاح الثورة، سواء كانت على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

    مشهد سياسي متغير

    منذ اليوم الأول لإدارته، أعاد يونس فتح المجال السنة في بنغلاديش، وأطلق سراح آلاف المعتقلين السياسيين وأوقف الرقابة على الإعلام. بشكل عام، عادت الحياة السياسية بقوة، ولكن هذا الانفتاح قاد إلى استقطاب جديد.

    في الشارع البنغالي، ظهرت قوى إسلامية محافظة كانت محظورة في عهد حسينة، مثل حركة “حفظة الإسلام”، و”الجماعة الإسلامية”، و”حزب التحرير”. جميعها خرجت إلى العلن تدعا بدور أكبر للإسلام في التشريع والمنظومة التعليمية، وهو ما بدا جليًا في أبريل/نيسان 2025 عندما اجتمعت حشود ضخمة في العاصمة دكا من مختلف الأحزاب والمنظمات الإسلامية والقومية، رافعة علم فلسطين ومعلنة دعمها الكامل لغزة في مواجهة الحرب الإسرائيلية.

    متظاهرون رافضون للاحتلال الإسرائيلي في العاصمة البنغلاديشية دكا في 12 أبريل/نيسان 2025. (الفرنسية)

    المثير للاهتمام أن الجهات المشاركة في المظاهرات، مثل الحركة الإسلامية البنغالية، وحزب المواطن القومي، وحزب الجماعة الإسلامية، وحزب عمار، وحركة حفظة الإسلام، والحزب الوطني البنغالي، امتنعت عن رفع أي شعارات حزبية أو علمية خاصة، وبدلاً من ذلك رُفع علميّ فلسطين وبنغلاديش فقط، وصدحت الهتافات ضد القائد الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بسبب دعمهما لإسرائيل.

    في ظل هذا الاتجاه الواضح في الشارع البنغالي لنصرة القضية الفلسطينية والسخط على جيش الاحتلال وحلفائه، أعادت السلطة التنفيذية الانتقالية وضع عبارة “صالح لكل البلدان باستثناء إسرائيل” على جوازات السفر البنغالية، وهي العبارة التي ألغتها حكومة الشيخة حسينة السابقة.

    بينما تتواصل المظاهرات الشعبية، شهدت العاصمة دكا تجمعات ضخمة من مؤيدي حركة “حفظة الإسلام”، الذين يدعاون بإلغاء لجنة إصلاح شؤون النساء المنبثقة عن إدارة يونس الانتقالية، معتبرين أن تلك اللجنة تستقي أفكارها من مصادر مخالفة للقرآن والسنة.

    وعرضت الحركة بديلاً، وهو تشكيل لجنة أخرى يشارك فيها علماء مسلمين ونساء من تيارات إسلامية، مؤكدين أن الإسلام هو الأساس لهذا المواطنون والممثل القائدي له، مشددين على رفض أي إصلاحات على النمط الغربي تتعارض والدين. وفي جانب آخر، نظمت “الجماعة الإسلامية” مظاهرات حاشدة بمناسبة عيد العمال، دعت فيها إلى تعزيز حقوق العمال البنغاليين وإيقاف استغلالهم من قبل أصحاب المصانع.

    تلك المظاهرات وغيرها أعطت انطباعًا واضحًا بأن قطاعات واسعة في الشارع البنغالي ترغب في التعبير عن نفسها بعد سنوات من القمع، وتريد توجيه الدولة الجديدة نحو رؤية قومية إسلامية محافظة تأخذ بعين الاعتبار حقوق العمال والطبقات الفقيرة، وتبتعد عن الهند، وتقرب نفسها من العالم الإسلامي.

    هذا الاتجاه أثار قلق الكثيرين في الخارج، كما هو معتاد. وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فإن يونس أصبح “متهماً” لعدم بذل جهد كافٍ لوقف تصاعد ما وصفوه بـ “اليمين الإسلامي المحافظ” في البلاد، بعكس الشيخة حسينة التي حظرت الأحزاب الإسلامية واضطهدت قادة الإسلاميين في البلاد.

    اليوم، يتيح يونس الحرية الكاملة للإسلاميين لممارسة أنشطتهم وتوسيع قاعدتهم الشعبية. وقد وصل الأمر إلى حد إيقاف مباريات كرة القدم للفتيات البنغاليات بسبب انتقادات الجماعات الإسلامية المحافظة لهذا النشاط.

    <pأما مجلة فورين بوليسي الأمريكية فقد نشرت مقالًا تنتقد فيه يونس بسبب عدم قدرته على كبح ما وصفوه بـ "المتعصبين الإسلاميين"، بل منحهم الفرصة لتصدر المشهد برفع الحظر عن جماعاتهم، مع تردد المجلة في وصف الأسباب التي دفعت يونس للتساهل معهم، هل كان غير قادر على ذلك أم غير راغب؟

    <pولفتت المقالة إلى أن بعض المتعصبين الإسلاميين استهدفوا أفرادًا من الأقليات الأحمدية والهندوسية، مما يعزز الطائفية في البلاد، مُشيرة إلى أن "أسلمة الحياة السنةة" في بنغلاديش قد تؤدي أيضًا إلى تدهور غير مسبوق في العلاقات مع جارتها الهند.

    الإستراتيجية الخارجية تتغير أيضًا

    تزامنت هذه التغيرات الداخلية مع بروز الحس القومي الإسلامي في بنغلاديش مع إعادة رسم أنذرة للسياسة الخارجية للبلاد خلال عهد إدارة يونس الانتقالية، حيث يظهر الاتجاه الأكثر وضوحاً في هذه الإستراتيجية الابتعاد عن الهند، التي يعتبرها البنغاليون شريكا رئيسيًا في قمعهم، في مقابل الاقتراب أكثر نسبياً من باكستان، التي لطالما كانت علاقاتها مع بنغلاديش متوترة منذ الانفصال بين البلدين عام 1971.

    رئيس السلطة التنفيذية الانتقالية محمد يونس خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية السنةة للأمم المتحدة في نيويورك في 27 سبتمبر/أيلول 2024. (الفرنسية)

    في أبريل/نيسان الماضي، أجرت بنغلاديش مباحثات دبلوماسية مع باكستان للمرة الأولى منذ 15 عامًا، وسهّلت العديد من إجراءات التأشيرات للمواطنين الباكستانيين الراغبين في زيارة البلاد، كما أبدت تساهلاً مع مواطنيها الراغبين في زيارة باكستان. وبفضل هذه الانفراجات السياسية، تحسنت أيضًا العلاقات التجارية، حيث تم فتح النقل البحري المباشر بين الجانبين.

    الأهم من ذلك، أن حكومة يونس أظهرت ميولا واضحة تجاه الصين، بل وصل الأمر إلى أن يونس في زيارته إلى بكين في مارس/آذار الماضي عرض عليها أن تكون بلاده منفذًا لتعزيز النفوذ الصيني في جنوب آسيا على حساب الهند.

    كما لفت بوضوح إلى أن شمال شرق الهند منطقة غير ساحلية، وأن بنغلاديش تتحكم في الوصول إلى المحيط، داعيا الصين إلى زيادة استثماراتها في تلك المنطقة، في توجّه جيوسياسي واضح تجاه بكين، لم يخلُ من استفزاز للهند باعتبار أن ممر سيليغوري يعتبر نقطة ضعف رئيسية للجغرافيا الهندية ويعتبر شريان حياة للولايات المجاورة للصين وميانمار.

    من جانبها، لم تفوت الصين مغازلات بنغلاديش وقابلتها بمبادرات كريمة، حيث منحت المنتجات البنغالية إعفاءً كاملًا من الرسوم الجمركية، وتعهدت باستيراد المزيد منها.

    كما حصل يونس على التزام من الصين بتمويل بقيمة 2.1 مليار دولار، بالإضافة إلى اتفاقيات تعاون في مجال البنية التحتية والتعاون العسكري، وهو ما أثار مخاوف الهند من كابوس جيوسياسي واضح: بنغلاديش المعادية المتحالفة مع الصين وباكستان، مما يهدد بقطع ممر سيليغوري وعزل الشمال الشرقي الهندي.

    لا يعد هذا مجرد افتراض نظري، فقد سبق أن قامت الهند بتوغل خطير داخل النطاق الجغرافي الصينية في يونيو/حزيران 2017 لمنع العمال الصينيين من بناء طريق بسبب مخاوفها من اقتراب بكين لممر سيليغوري. ويبدو أن الهند تدرك جيدًا توجهات يونس الجديدة، مما جعلها تُظهر إدارة يونس انذارًا متزايدًا.

    خريطة بنغلاديش (الجزيرة)

    <pبادئ ذي بدء، رفضت نيودلهي منع الشيخة حسينة من إصدار خطاباتها وبياناتها من داخل الهند، حيث ترى حكومة يونس أن ذلك يهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي البلاد، كما اتخذت الهند قرارات صارمة ضد بنغلاديش بوقف التسهيلات المعتادة التي تقدمها لدكا في استخدام الموانئ والمطارات الهندية لتصدير البضائع، وهي خطوة اعتبرها الكثير من الخبراء ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا في ظل توجهات ونوايا بنغلاديش الجديدة، والتي قد تشمل إنشاء قاعدة مدعومة صينيًا قرب الممر البري الهندي الضيق.

    <pإذًا، يتضح أن إدارة يونس تسعى لتغيير الإستراتيجية الخارجية لبلاده، لكنه يحاول أن يكون ماهرًا ومتأنيًا في مسعاه. في حواراته المسجلة، يتجنب دائمًا الحديث عن "جارته الكبيرة" بنبرة عدائية، ولا يحاول وصف العلاقات بين البلدين بأنها دخلت في مرحلة جديدة أو متوترة، بل يستخدم لغة دبلوماسية تؤكد أن البلدين يسعيان دائمًا لتحقيق مصالح مشتركة، وأن هناك قضايا يتم التفاوض بشأنها دون أي توتر.

    <pونتيجة لعدم استخدامه لهجة عدائية مباشرة مع الهند، اجتمع يونس في أبريل/نيسان الماضي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة إقليمية في تايلند، حيث نوّه مودي رغبته في رؤية بنغلاديش ديمقراطية وعادلة ومحمية للأقليات.

    <pلذلك، بحسب مجلة "ذي دبلومات"، يبدو أن يونس ناجح جدًا في سياسته الخارجية، حيث استطاع إبرام عدة صفقات مع الصين، وتواصل بشكل براغماتي مع رئيس الوزراء الهندي مؤخرًا، وفي نفس الوقت أقنع الإدارة الأمريكية بدعم حكومته.

    الاستقطاب يسود المشهد.. والقوات المسلحة حاضر

    هذا النجاح الخارجي لا يعني أن الأمور ستكون على ما يرام بالضرورة، فالواقع أن البلاد تشهد انقسامًا عميقًا على المستوى الداخلي.

    تقول مجلة “ذي دبلومات” إن بنغلاديش تشهد انقسامًا سياسيًا متزايدًا، حيث يدعا شباب الثورة يونس بإجراء إصلاحات دستورية وقانونية وهيكلية قبل إقامة أي انتخابات، لأنهم يرون أن عدم تغيير النظام الحاكم قد يعيد استبداد نظام حسينة بصور جديدة، ويرون أن تغيير البيئة هو الأهم من الاستحقاق الديمقراطي نفسها.

    <pوفي الجهة الأخرى، يُعتبر الحزب الوطني البنغالي الأكثر إلحاحًا لإجراء الاستحقاق الديمقراطي سريعًا لاعتقاده بأنه سيفوز بها، ويرى أن يونس يستخدم استراتيجيات تهدف إلى تأخير الاستحقاق الديمقراطي الديمقراطية.

    هذا الانقسام والاحتقان قد يقود، بحسب “ذي دبلومات”، إلى تجدد الاحتجاجات في الشارع بين الأطراف والأحزاب المتنافسة، رغم أن يونس وعد منذ البداية بتسليم السلطة في مارس/آذار 2026 على أبعد تقدير.

    تجدر الإشارة إلى أن إدارة يونس، ومعها جزء كبير من شباب الثورة، يعتقدون أنه لا يمكن إجراء انتخابات قبل الانتهاء من “ميثاق يوليو”، الذي تعده لجنة وطنية من خلال النقاش مع مختلف الأطراف السياسية، بهدف بناء “إطار لدولة ديمقراطية تضمن حقوق جميع المواطنين واستقلال القضاء”، بغض النظر عن نتائج الاستحقاق الديمقراطي المقبلة.

    لا تخلو هذه الوضعية المضطربة من وجود صوت القوات المسلحة البنغالي أيضًا، حيث صرح قائد القوات المسلحة واكر الزمان أن البلاد تعيش في حالة فوضى، وأن استمرار الانقسامات والاضطرابات بهذه الطريقة سيكون تهديدًا لسيادة البلاد. وكعادته، لم يتعامل يونس مع تلك التصريحات بشدة، مؤكدًا أنه لا يتعرض لضغوط من المؤسسة العسكرية، وأن علاقته بها جيدة وقوية.

    تواجه الإدارة الانتقالية أيضًا مسألة الاستقرار، فمن الصحيح أن إدارة يونس تمكنت من محاكمة كبار ضباط الشرطة الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة في عهد الشيخة حسينة، وأخلت مقرات التعذيب السرية، مع تحسن ملحوظ في الوضع الاستقراري بعدما فرّت الشيخة حسينة، كما لفت إليه “فورين بوليسي”.

    هذا التحسن دفع منظمة “هيومن رايتس ووتش” في يناير/كانون الثاني الماضي إلى الإشادة بإدارة يونس بسبب التقدم الملحوظ في تحديد مراكز الاحتجاز السرية، كما أن القوات المسلحة تعامل بجدية مع حادثة وفاة شاب من الحزب الوطني بعد احتجازه، وعزل الضابط الذي احتجزه، بينما أدانت إدارة يونس الحادثة فورًا، وهو ما لم تفعله الحكومات السابقة في حوادث مماثلة.

    ومع ذلك، يترافق هذا مع غياب نسبي للأمن في الشوارع، رغم نفي يونس لهذا الأمر، حيث تبدو الشرطة مترددة في العودة لخدمة العمل بقوة، مما يجعل العصابات تعيث فسادًا في الأحياء، حيث تمارس أنواع مختلفة من الجرائم، وصولاً إلى حرق المتظاهرين دمية تمثل وزير الداخلية مدعاين بإقالته بسبب تدهور مستوى الجريمة.

    ووفقًا لـ “هيومن رايتس ووتش”، فإن قوات الاستقرار لا تزال تكرر أنماطًا معروفة من الانتهاكات ضد بعض المواطنين حتى بعد سقوط نظام الشيخة حسينة.

    إضافة إلى ذلك، على الرغم من أن صورة يونس لا تزال ناصعة في نظر شريحة كبيرة من المواطنين، حتى أن الحزب الوطني البنغالي الذي ينتقده يقر بالاستقرار والنجاح النسبيين لإدارته بحسب منصة “بينار نيوز”، إلا أن بعض مزاعم الفساد حول أشخاص مقربين منه ومن حكومته تساهم في زيادة التحديات خلال هذه المرحلة الانتقالية. ورغم أن الجهات المعنية بمكافحة الفساد تتعامل مع هذه المزاعم بجدية، إلا أن كثرة الأنباء حولها تجعل تلك المرحلة أكثر صعوبة.

    رئيس السلطة التنفيذية الانتقالية محمد يونس يتحدث في جلسة ضمن المنتدى الماليةي العالمي في دافوس في 22 يناير/كانون الثاني 2025. (الفرنسية)

    اقتصاديا.. ماذا فعل الخبير صاحب نوبل؟

    توقع المؤسسة المالية الدولي في بداية هذا السنة أن تحقق بنغلاديش نموًا اقتصاديًا بنسبة 4.1% في السنة المالية الحالية التي تنتهي في يونيو/حزيران القادم، لكنه عاد مؤخرًا ليخفض توقعاته إلى 3.3%، وهو أبطأ معدل نمو تشهده البلاد منذ 36 عامًا.

    يعود هذا الانخفاض، بحسب المؤسسة المالية الدولي، إلى الضبابية السياسية، وانخفاض التنمية الاقتصاديةات، وزيادة ارتفاع الأسعار، وعدم استقرار القطاع المالي، حيث إن كل نقطة انخفاض تهدد بفقدان شريحة واسعة من المواطنين البنغاليين لأعمالهم.

    مع ذلك، لا يُلقي الكثير من الماليةيين باللوم على إدارة يونس في هذا الأمر، إذ استطاعت الحصول على دعم بمليارات الدولارات من منظمات وأطراف متنوعة، لأنها تولت إدارة البلاد في وقت كانت تعاني فيه من “النهب” وفقًا لمجموعة الأزمات الدولية، حيث كانت احتياطيات النقد الأجنبي ضئيلة جدًا، ومعدل ارتفاع الأسعار في أسعار المواد الغذائية يصل إلى حوالي 15%، بل إن “بينار نيوز” تشير إلى أن يونس استطاع تعيين مسؤولين ووزراء أكفاء للتعامل مع التحديات الماليةية التي كانت مرشحة للتفاقم أكثر من ذلك.

    وبحسب “ذي فايننشال إكسبرس” الهندية، أعادت إدارة يونس الانتقالية بشكل ممتاز هيكلة القطاع المالي المنهار وتنظيمه، واستخدمت أدوات الإستراتيجية النقدية لكبح ارتفاع الأسعار، ورشّدت الإنفاق السنة وبذلت جهودًا كبيرة لاستعادة الأموال من الملاذات الآمنة.

    كما أنها، لأول مرة منذ سنوات، شهدت أسعار المواد الغذائية استقرارًا خلال شهر رمضان الماضي في بنغلاديش. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إدارة يونس أجرت دراسة شاملة مكونة من 385 صفحة خلصت إلى أن أرقام النمو خلال عهد الشيخة حسينة كانت مبالغ فيها ومفبركة، وأنه لم تكن هناك معجزة اقتصادية كما حاول النظام الحاكم السابق تسويقه، وفقًا لما أوردته “ذي إيكونوميست” البريطانية.

    ورغم ذلك، يتوقع صندوق النقد الدولي وبنك التنمية الآسيوي انتعاشًا تدريجيًا للاقتصاد البنغالي على المدى المتوسط، إذا تمكنت البلاد من مواجهة تحدياتها بالتخطيط والحكمة اللازمة.

    صرح خبير المالية الكلي ورئيس مجلس إدارة “بوليسي إكستشانج البنغالية” لصحيفة “داكا تريبيون” واسعة الانتشار، بأنه رغم بطء تقدم المالية، فإنه يتحرك نحو التعافي، مؤكدًا أن توقعات المؤسسة المالية الدولي الأخيرة لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها تشير إلى كارثة اقتصادية وشيكة في بنغلاديش.


    رابط المصدر

Exit mobile version