في تقرير المنتدى الماليةي العالمي، يتصدر تغير المناخ والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قائمة المخاطر العالمية للعقد المقبل. يشير التقرير إلى آثار الذكاء الاصطناعي البيئية، مثل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية الهائلة، حيث تستهلك نماذج الذكاء الاصطناعي وحدها أكثر من 100 مليون طن من الكربون سنويًا. رغم زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، تظهر مخاوف أخلاقية تتعلق بالخصوصية والشفافية. يتطلب معالجة هذه المخاطر تعاونًا دوليًا، تعزيز استخدام الطاقة النظيفة، وتطوير البنية التحتية. يشدد التقرير على أهمية الوعي بتأثيرات الذكاء الاصطناعي وضرورة ترشيد استخدامه.
في أحدث تقرير للمخاطر العالمية من المنتدى الماليةي العالمي، احتل تغير المناخ والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المرتبة الأولى في قائمة أكبر 10 مخاطر عالمية على مدار العقد المقبل. كما يشير التقرير إلى الترابط بين المخاطر الماليةية والجيوسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى المخاطر البيئية والتكنولوجية.
الذكاء الاصطناعي كان موجودًا بشكل ما منذ خمسينيات القرن الماضي، ولكن بعد إطلاق “شات جي بي تي” (ChatGPT) في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ازداد استخدامه بشكل كبير. خلال شهرين فقط، استطاع البرنامج جذب أكثر من 100 مليون مستخدم نشط.
بينما فتح “شات جي بي تي” -ولاحقًا منصات أخرى- آفاقًا جديدة لإمكانيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الوصول إلى المعرفة وإعادة تشكيل الصناعات، إلا أن لهذه التقنية آثارًا ضارة على البيئة والمناخ.
تنبع الآثار البيئية للذكاء الاصطناعي من استهلاك الطاقة أثناء تدريب نماذجه، والاستنتاجات الناتجة عن الاستخدام اليومي لأدواته، واستهلاك المياه لتبريد مراكز المعلومات التي تُشغّله، بالإضافة إلى بصمة الكربون للأجهزة.
بصمة كربونية ضخمة
لفت سام ألتمان، القائد التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” (OpenAI)، مؤخرًا إلى أن مجرد استخدام عبارات مثل “من فضلك” و”شكرًا” مع “شات جي بي تي” يمكن أن يضيف عشرات الملايين من الدولارات إلى تكاليف الحوسبة بسبب ارتفاع استهلاك الطاقة وأطنان من الكربون.
كما أفادت التقارير أن شركة “أوبن إيه آي” استهلكت حوالي 1287 ميغاواط/ساعة من الكهرباء لتدريب نموذجها “GPT-3″، ما يعادل الطاقة اللازمة لتشغيل أكثر من 120 منزلاً أميركيًا لمدة عام، وفقًا للتقديرات.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كشفت دراسة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُنتج أكثر من 102 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا. كما تشير التقديرات إلى أن مراكز المعلومات عالميًا تستهلك حاليًا ما بين 1% و2% من إجمالي الكهرباء في العالم.
أظهرت دراسة حول البصمة المائية للذكاء الاصطناعي أنه بناءً على الوقت والمكان الذي يتم فيه استخدام النموذج، يستهلك “شات جي بي تي 3” زجاجة مياه سعة 500 مليلتر لكل ما يتراوح بين 10 إلى 50 استجابة متوسطة.
وجدت الدراسة نفسها أيضًا أن سحب المياه من الاستخدام العالمي للذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يصل إلى ما بين 4.2 و6.6 مليارات متر مكعب من المياه بحلول عام 2027، متجاوزًا إجمالي سحب المياه السنوي من الدنمارك بمقدار يتراوح بين 4 و6 مرات.
تؤدي صناعة الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى تأثيرات غير مباشرة على البيئة، حيث يمكن أن تجعل الإنتاج في جميع القطاعات أكثر كفاءة وأقل تكلفة، مما قد يؤدي إلى زيادة الاستهلاك وبالتالي زيادة الطلب على الموارد الطبيعية واستنزافها.
كما أن زيادة اعتمادنا على التوصيل السريع والتجارة الإلكترونية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد تسهم في زيادة انبعاثات الكربون من جميع وسائل النقل.
يؤثر بناء مراكز المعلومات والبنية التحتية المطلوبة للذكاء الاصطناعي، التي قد تتطلب مساحات كبيرة من الأراضي، على الأنظمة البيئية الطبيعية والتنوع البيولوجي، بينما يؤدي استخراج الموارد لتصنيع الأجهزة إلى إزالة الغابات وتدمير الموائل.
مخاطر نقص الشفافية
على الرغم من هذه التأثيرات، لا يزال لا توجد طريقة موحدة لقياس الانبعاثات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بسبب نقص الشفافية من مقدمي الخدمات، وتباين كثافة الكربون في شبكات الطاقة المحلية، وتنوع أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة.
مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات التجارية، تبرز قضايا أخلاقية أخرى، بما في ذلك خصوصية المعلومات، ونقص الشفافية والمساءلة بشأن القرارات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى فقدان الوظائف.
في استطلاع رأي أجرته كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2024، أبدى 52% من المشاركين اعتقادهم أن المؤسسات لا تُوسع قدراتها على إدارة المخاطر بما يكفي لمعالجة المخاطر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
تنشأ قضايا الشفافية والمساءلة عندما تُعتبر تقنيات الذكاء الاصطناعي “صناديق سوداء”، مما يترك مجالًا محدودًا للتدخل البشري أثناء إنتاج نتائج دون تفسيرات واضحة لأسبابها. كما يُعد التلاعب بالمعلومات تحديًا آخر.
يتم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام مجموعات بيانات متحيزة أو مُتلاعب بها، مما يؤدي إلى نتائج منحازة أو مضللة. حتى في قضايا المناخ والبيئة، وهذا يدخل ضمن ما يُعرف بالـ”تضليل المناخي الممنهج” المدعوم من بعض الشركات والمصالح.
في الوقت نفسه، لا تتحرك تدابير التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره بالسرعة المطلوبة، ويعزى ذلك إلى عوامل تشتيت جيوسياسية أو التزامات سياسية غير متسقة، أو ضغوط تجارية واقتصادية لا تُعير اهتمامًا لخطورة التغير المناخي.
التدابير الضرورية
بدأت أكبر الدول المُصدرة لغازات الاحتباس الحراري، بما في ذلك الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي والبرازيل، في دمج مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لديها.
ومع ذلك، تُظهر الأبحاث أن هذه المصادر قد لا تكون كافية لتفادي سيناريو الاحتباس الحراري العالمي بمقدار 1.5 درجة مئوية، والذي يتطلب على الأقل 80% من مزيج الطاقة ليكون نظيفًا بحلول عام 2030 و100% بحلول عام 2050. ولا تقترب سوى دول قليلة، مثل أيسلندا والنرويج ونيوزيلندا والدنمارك، من تحقيق هذا الهدف.
تقدّر دراسة أجراها صندوق النقد الدولي أن إزالة الكربون يمكن أن تُحقق مكاسب صافية تصل إلى 85 تريليون دولار. كما يظهر باحثون من جامعة ستانفورد أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة بنسبة 100% يمكن أن يؤدي إلى خلق 24.3 مليون وظيفة جديدة.
تشير هذه الزيادة إلى أنها تفوق بكثير الخسائر المقدرة في قطاعات الوقود الأحفوري. ونحن نشهد بالفعل هذا التحول، مع ارتفاع الطلب على متخصصي الاستدامة ودمج التدريب في الأنظمة المنظومة التعليميةية.
تتطلب أزمة المناخ واقعية في تحديد الخطوات العملية اللازمة للانتقال المسؤول. وهذا يستلزم التنمية الاقتصادية في بنية الطاقة النظيفة، ودعم برامج تطوير المهارات وإعادة التدريب، وتطبيق تسعير عادل للكربون، وتعزيز التعاون الدولي لجمع التمويل المناخي للدول النامية.
يظهر تطور الجهود العالمية في مجال المناخ -من اتفاقية باريس إلى أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة- أن التعاون بين الحكومات والشركات والتحالفات الدولية يمكن أن يسهم في إحراز تقدم ملحوظ.
وقد شكّلت اعتماد الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية مؤخرًا لقانون الذكاء الاصطناعي والقانون الأساسي للذكاء الاصطناعي، على التوالي، نقطة تحول في الجهود العالمية لتنظيم التقنيات الناشئة. وتضع اللوائح الجديدة قواعد شاملة تنظم تطوير الذكاء الاصطناعي وتسويقه واستخدامه ضمن الولايات القضائية المعنية.
في إطار السعي نحو تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً وتحقيق أهداف إزالة الكربون العاجلة، تبرز سؤالان رئيسيان: ماذا لو نجح الذكاء الاصطناعي في استبدال القرارات البشرية القائدية؟ ماذا لو فشلنا في الحد من تغير المناخ في الوقت المناسب؟ هذه ليست مجرد سيناريوهات افتراضية، بل هي تأثيرات متزايدة تحدث بالفعل في بعض أجزاء من العالم اليوم.
بالنسبة للأفراد، يعني هذا ضرورة زيادة الوعي بتكرار وضرورية ترشيد استخدام الذكاء الاصطناعي، واختيار نماذج أقل تأثيرًا أو منصات مراعية للكربون كلما أمكن. أما بالنسبة للمطورين، يعني ذلك إعطاء الأولوية لكفاءة النماذج والاعتماد على الطاقة النظيفة، بالإضافة إلى تحسين البنية التحتية لمراكز المعلومات، وتوفير تقارير كربونية شفافة.
فيما ينبغي على صانعي السياسات معالجة مخاطر الذكاء الاصطناعي والمناخ بشكل أكثر شمولية، من حيث خصوصية المعلومات وحقوق الملكية الفكرية وصولًا إلى استخدام الطاقة النظيفة، وتحولات القوى السنةلة، والحوكمة.
