يأتي اليوم العالمي للبيئة لعام 2025 تحت شعار “إنهاء التلوث البلاستيكي” في ظل تزايد التحديات البيئية وارتفاع درجات الحرارة. تستضيف كوريا الجنوبية الفعاليات، مشددة على ضرورية التصدي لمخاطر التلوث وتأثيراتها على البيئة وصحة الإنسان. التاريخ يشير إلى مؤتمر ستوكهولم 1972 كنقطة بداية للسياسات البيئية الدولية، لكن التقدم في التنفيذ بطيء. تشير الدراسات إلى أن الشركات الكبرى والدول المتقدمة تتحمل مسؤولية كبيرة عن التلوث. بالرغم من الجهود المبذولة، يبقى التغيير ملحاً لتفادي الكارثة المناخية، مما يستدعي تحولات جذرية في الوعي وأنماط الاستهلاك.
يأتي اليوم العالمي للبيئة هذا السنة، بمزيد من القلق والأمل، حيث تزداد التحديات البيئية والمناخية، وترتفع درجات الحرارة العالمية وتحدث الكوارث بشكل متكرر، مما يضيف ضغوطاً على الأنظمة البيئية والمناخ وصحة الإنسان والمالية العالمي. وتظهر مزيد من النداءات للحيلولة دون دخول الكوكب إلى نقطة اللاعودة.
تقيم كوريا الجنوبية الفعاليات الخاصة بهذا الحدث العالمي تحت شعار “إنهاء التلوث البلاستيكي”، الذي يمثل ضرورة عاجلة للتصدي لأحد أخطر الملوثات والعوامل المسؤولة عن التدهور البيئي المتسارع وتغير المناخ، بالإضافة لمخاطر أخرى عديدة تهدد مستقبل الحياة على كوكب الأرض.
في ذروة الاتجاه العالمي نحو التصنيع الواسع النطاق وتزايد انبعاثات غازات الدفيئة، كان عام 1972 نقطة تحول في تطوير السياسات البيئية الدولية، عندما رعت الأمم المتحدة المؤتمر الأول حول القضايا البيئية، والذي عُقد في ستوكهولم، السويد، من 5 إلى 16 يونيو/حزيران.
على الرغم من أن أزمة البيئة والمناخ لم تكن بارزة كما هي الآن، إلا أن المؤتمر المعروف بمؤتمر البيئة البشرية أرسى رؤية مشتركة حول كيفية التصدي للتحديات المتعلقة بالحفاظ على البيئة البشرية وتعزيزها.
وفي 15 ديسمبر/كانون الأول من نفس السنة، اعتمدت الجمعية السنةة للأمم المتحدة يوم 5 يونيو/حزيران كيوم عالمي للبيئة.
مع مرور أكثر من نصف قرن، لا تزال المؤشرات البيئية تدق ناقوس الخطر، مع تزايد التلوث وذوبان الجليد وحرائق الغابات، وبلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية، بينما تَحاقُق نقاط التحول المناخي تقترب من عتبات حرجة.
ذوبان الجليد سيؤدي إلى ارتفاع مستويات البحار إلى معدلات خطرة (غيتي)
العتبات الحرجة
يعتبر التلوث البلاستيكي -وهو شعار يوم البيئة العالمي لعام 2025- أحد الإشكاليات البيئية والمناخية الملحة، حيث إنه المنتج الذي كان ثورياً في عام 1907 بات يتحكم في العصر الحديث.
ينتج العالم حوالي 430 مليون طن من البلاستيك سنوياً، يتم استخدام ثلثيها في منتجات قصيرة الأجل سرعان ما تتحول إلى نفايات، إلا أن 9% فقط منها يتم إعادة تدويرها، مما يؤدي إلى تلوث اليابسة والبحار ودخول المواد البلاستيكية إلى السلسلة الغذائية للحيوانات والبشر.
الإضرار الناتج عن تلوث البلاستيك يسبب كوارث بيئية وصحية كبيرة ويدمر التنوع البيولوجي، ورغم ذلك، لم يتوصل العالم إلى اتفاق لوضع قوانين ملزمة للحد من هذا التلوث.
تعارض بعض الدول والشركات الكبرى، التي تسهم بشكل كبير في التلوث البلاستيكي وانبعاثات الوقود الأحفوري، إصدار قوانين ملزمة تمنع إنتاج البلاستيك حفاظاً على مصالح اقتصادية كبيرة، مدعومة بنمط استهلاكي تروج له منذ عقود.
تشير التقديرات إلى أن الانبعاثات الكربونية زادت في عام 2024 بنسبة 1.1% رغم التزامات الدول باتفاق باريس للمناخ لعام 2015.
سجل عام 2024 أعلى درجات حرارة على الإطلاق (تجاوز 2023)، بحسب بيانات وكالة “كوبرنيكوس” الأوروبية، حيث ارتفعت درجات الحرارة العالمية عن المعدلات الطبيعية بمقدار 1.48 درجة مئوية.
بينما من مايو/أيار 2024 إلى مايو/أيار 2025، واجه حوالي 4 مليارات شخص شهراً إضافياً من درجات الحرارة المرتفعة بسبب تغير المناخ، مما نتج عنه زيادة الأمراض والوفيات وتأثيرات سلبية على الزراعة، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة بشكل مستمر.
مع ارتفاع درجات الحرارة نتيجة الاحتباس الحراري، تزايدت معدلات ذوبان الجليد في القطب الشمالي والقارة القطبية الجنوبية وغرينلاند إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تسارع ذوبان الأنهار الجليدية بشكل كبير، مما قد يؤدي إلى كوارث بيئية واقتصادية واجتماعية هائلة خلال عقود قادمة.
نتيجة للتغيرات المناخية الناتجة بشكل أساسي عن الأنشطة البشرية ونمط الاستهلاك المفرط، يعيش أكثر من 3.6 مليار شخص في مناطق معرضة لتهديدات بيئية مباشرة، بحسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهددة بالانقراض بسبب فقدان المواطن الطبيعية والتلوث وتغير المناخ، حيث تموت الشعاب المرجانية نتيجة ارتفاع درجات حرارة المحيطات، مما يهدد التنوع البيولوجي.
الوقود الأحفوري يعد السنةل القائدي في الاحتباس الحراري وتلوث الهواء (غيتي)
تشير التقديرات إلى أن 9 من كل 10 أشخاص في العالم يتنفسون هواء ملوثاً، مما يتسبب في وفاة حوالي 7 ملايين شخص سنوياً. ورغم ذلك، لا يزال التوجه نحو الطاقة المتجددة بطيئًا، مع الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري.
بالمحصلة، تزداد حرارة وحموضة المحيطات، التي تعتبر خزانات رئيسية للكربون، ويتم إزالة آلاف الهكتارات من الغابات الاستوائية، بينما تتدهور التربة في أكثر من 40% من أراضي العالم، مما يؤثر على حياة حوالي 3 مليارات شخص ويهدد الاستقرار الغذائي العالمي.
في هذا السياق، قال الأمين السنة للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن “الإنسانية تحفر قبرها بيديها”، مضيفًا “لا يمكننا الاستمرار في حرق الوقود الأحفوري كما لو أنه لا يحدث شيء.. نحن نطلب الكثير من كوكبنا للحفاظ على أنماط حياة غير مستدامة.. ونعجز عن حماية صحة الغلاف الجوي وتنوع الحياة على الأرض”.
كما نوّه أندريه كوريا دو لاغو، رئيس مؤتمر المناخ (COP30) المقبل في البرازيل، أن “نحن نواجه نوعاً جديداً من الإنكار الماليةي يعرقل العمل المناخي، حيث يشكك البعض في جدوى الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون”.
يشير بذلك إلى التراجع الذي شهدته الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب عن سياسات المناخ الإيجابية، وسحب بلاده من اتفاق باريس للمناخ، وإغلاق العديد من الهيئات المعنية بشؤون المناخ، مع تشجيعه للاعتماد على الوقود الأحفوري من خلال شعار “احفر يا صغيري احفر”.
كما يُشير إلى احتمال تخلي دول أخرى عن التزاماتها المناخية كما فعلت الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الشركات الكبرى التي تلعب دوراً مهماً في تلويث الكوكب ودفعه إلى نقطة اللاعودة.
تسرب النفايات البلاستيكية إلى البحار والمحيطات يشكل خطرًا كبيرًا على الحياة البحرية وتنوعها (شترستوك)
بين الآمال والتعقيدات
يعتقد عالم البيئة الأميركي جيمس هانسن، الذي كان من بين الأوائل الذين نبهوا لخطورة تغير المناخ في الثمانينيات، أن الاحتفال هذا السنة يأتي في ظروف متناقضة تماماً: فهناك التزامات دولية كثيرة وخطابات قوية، لكن التنفيذ الفعلي بطيء، أو معدوم في بعض الأحيان، وهو ما يتضح في المفاوضات الطويلة حول إقرار اتفاقية البلاستيك منذ عام 2022.
تظهر هذه المشكلة أيضاً في قضية تخفيض الانبعاثات وتعويضات الكربون وديون المناخ واللاعدالة المناخية، حيث أن الدول النامية، التي لا تتحمل سوى 20% من الانبعاثات، تواجه معظم الكوارث المناخية والبيئية، إلا أن تقاعس الدول الملوثة عن دفع 100 مليار دولار لمساعدتها أدى إلى محدودية قدرتها على الصمود.
تقرير منظمة “أكشن أيد” بعنوان “من يدين لمن؟” يشير إلى أن الدين المناخي الذي يتعين على الدول المتقدمة دفعه للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط يقدر بحوالي 107 تريليونات دولار، منها 36 تريليون دولار لأفريقيا، وهو ما يزيد بأكثر من 70 مرة عن إجمالي الدين الخارجي لهذه الدول والذي يبلغ 1.45 تريليون دولار.
علاوة على ذلك، تظهر دراسة تشير إلى أن 100 شركة عالمية في مجالات النفط والغاز والوقود الأحفوري مسؤولية عن 70% من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري منذ أواخر الثمانينيات، بينما تتحمل شركات متعددة الجنسيات أخرى، مثل شركات المشروبات والألبسة والمواد الغذائية والنقل، وزر تلويث البيئة وزيادة الاحتباس الحراري.
بشكل عام، الصورة البيئية العالمية تبدو قاتمة، ولكن توجد نقاط ضوء من خلال مبادرات ملهمة في مجال العمل البيئي وزيادة الوعي العالمي الرسمي والشعبي بأهمية التحرك العاجل لحماية الكوكب. كما أن الانتقال إلى الطاقات المتجددة يتسارع بشكل ملحوظ في بلدان مثل الصين والهند والبرازيل.
توجد أيضاً المبادرات والاتفاقات التي ترعاها الأمم المتحدة، مثل اتفاقية حماية التنوع البيولوجي التي تم إعلانها في عام 2024 لحماية 30% من كوكب الأرض بحلول عام 2030، أو اتفاقية مكافحة التصحر، أو عهد المحيطات، أو اتفاقية الحد من تلوث البلاستيك، وغيرها. ورغم تعثرها، فإن اتفاق باريس للمناخ يعطي أملاً.
ومع ذلك، لم يتمكن المواطنون الدولي من كبح جماح النزعة الاستهلاكية المفرطة تجاه ثروات الأرض، والدمار المنهجي لنظم البيئة بحثًا عن مستوى معيشة غير متوازن، ولم تُفرض الحلول اللازمة بشكل مبكر، مما يعرض البشرية لنقطة اللاعودة في التغير المناخي.
لذا، فإن اليوم العالمي للبيئة لعام 2025 لا يمثل مجرد يوم رمزي يثني على ذكرى تمتد لخمسين عاماً، بل يعمل كتذكير حاد بأن كوكبنا يمر بتحولات خطيرة، وأن خطة الإنقاذ لم تعد تحتمل التأجيل والنزاعات حول تسخير الطبيعة ومواردها لأغراض اقتصادية بحتة. إن الحتمية تدعو إلى إرادة قوية وقوانين ملزمة وتغيير أساسي في الوعي وأنماط الإنتاج والاستهلاك، بالإضافة إلى استثمار كبير في المالية الأخضر.
في صيف 2024، شهدت بنغلاديش تحولًا سياسيًا حادًا بعد ثورة شعبية، أدت إلى فرار الشيخة حسينة وتعيين محمد يونس رئيسًا لحكومة انتقالية. استلهمت الثورة من أحداث غزة، مما عزز التظاهرات ضد القمع المحلي. بدأت السلطة التنفيذية الجديدة بإجراءات إصلاحية، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، إلا أن البروز المتزايد للقوى الإسلامية المحافظة أثار قلق المواطنون الدولي. داخليًا، تظهر انقسامات سياسية حادة، حيث يسعى بعض الفئة الناشئة لإصلاحات هيكلية قبل الاستحقاق الديمقراطي. اقتصاديًا، تحاول السلطة التنفيذية تجاوز تحديات النمو والانهيار المالي، رغم تخفيض توقعات النمو من قبل المؤسسة المالية الدولي.
يقترب مرور عام كامل على واحدة من أكثر اللحظات السياسية دراماتيكية في جنوب آسيا خلال القرن الواحد والعشرين. في صيف 2024، تحولت بنغلاديش من دولة يحكمها نظام استبدادي مستقر إلى دولة تعيش في خضم تحول جذري تقوده حكومة انتقالية وُلدت من ثورة شعبية استلهمت قوتها من أحداث بعيدة في غرب آسيا؛ من الهجمات على الأقصى في قطاع غزة المحاصر.
في أغسطس/آب 2024، وبعد أسابيع من القمع الدموي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 1000 شخص، هربت الشيخة حسينة من البلاد، منهية بذلك عقدين من حكمها الاستبدادي.
عُين محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، رئيسًا لحكومة انتقالية. جاءت عودة يونس من منفاه الأوروبي ليس فقط كاقتصادي، بل كشخصية رمزية للعدالة الاجتماعية والتغيير. وقد اتسم خطابه الأول بنبرة هادئة لكنها تحمل وعدًا وتهديدًا بمحاسبة القتلة، وتفكيك الأجهزة القمعية، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطنون.
من المدهش حقًا أن تندلع ثورة شعبية في بنغلاديش بسبب مشاهد القصف في غزة. في خريف 2023، اجتاحت المظاهرات الجامعات والشوارع في البلاد تعبيرًا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني بعد الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وما تبعه من اعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين.
لكن شعارات التضامن مع غزة سرعان ما تحولت إلى هتافات ضد القمع المحلي، وأصبحت صورة الطفل الغزي الذي قُتل تعكس مشهد طفل بنغالي فقير يتعرض للدهس من قبل الشرطة في دكا. وهكذا، تحولت المظاهرات من تضامن مع غزة إلى ثورة تدعا بإسقاط النظام الحاكم في بنغلاديش.
استمرت المظاهرات وتصاعدت في الصيف، وكان الطلاب في مقدمتها، وفي نهاية المطاف، غادرت الشيخة حسينة وعاد محمد يونس، بعد أن كانت شوارع البلاد لا تزال غارقة بدماء المتظاهرين، وملأت ثلاجات الموتى بجثث أكثر من 1000 متظاهر وطفل اخترقت أجسادهم رصاصات الشرطة.
رغم أن خطابات محمد يونس منذ توليه المنصب تبدو هادئة وخالية من أي استثارة، فإن بنغلاديش شهدت تغييرات كبيرة في الأشهر التي تلت نجاح الثورة، سواء كانت على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
مشهد سياسي متغير
منذ اليوم الأول لإدارته، أعاد يونس فتح المجال السنة في بنغلاديش، وأطلق سراح آلاف المعتقلين السياسيين وأوقف الرقابة على الإعلام. بشكل عام، عادت الحياة السياسية بقوة، ولكن هذا الانفتاح قاد إلى استقطاب جديد.
في الشارع البنغالي، ظهرت قوى إسلامية محافظة كانت محظورة في عهد حسينة، مثل حركة “حفظة الإسلام”، و”الجماعة الإسلامية”، و”حزب التحرير”. جميعها خرجت إلى العلن تدعا بدور أكبر للإسلام في التشريع والمنظومة التعليمية، وهو ما بدا جليًا في أبريل/نيسان 2025 عندما اجتمعت حشود ضخمة في العاصمة دكا من مختلف الأحزاب والمنظمات الإسلامية والقومية، رافعة علم فلسطين ومعلنة دعمها الكامل لغزة في مواجهة الحرب الإسرائيلية.
متظاهرون رافضون للاحتلال الإسرائيلي في العاصمة البنغلاديشية دكا في 12 أبريل/نيسان 2025. (الفرنسية)
المثير للاهتمام أن الجهات المشاركة في المظاهرات، مثل الحركة الإسلامية البنغالية، وحزب المواطن القومي، وحزب الجماعة الإسلامية، وحزب عمار، وحركة حفظة الإسلام، والحزب الوطني البنغالي، امتنعت عن رفع أي شعارات حزبية أو علمية خاصة، وبدلاً من ذلك رُفع علميّ فلسطين وبنغلاديش فقط، وصدحت الهتافات ضد القائد الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بسبب دعمهما لإسرائيل.
في ظل هذا الاتجاه الواضح في الشارع البنغالي لنصرة القضية الفلسطينية والسخط على جيش الاحتلال وحلفائه، أعادت السلطة التنفيذية الانتقالية وضع عبارة “صالح لكل البلدان باستثناء إسرائيل” على جوازات السفر البنغالية، وهي العبارة التي ألغتها حكومة الشيخة حسينة السابقة.
بينما تتواصل المظاهرات الشعبية، شهدت العاصمة دكا تجمعات ضخمة من مؤيدي حركة “حفظة الإسلام”، الذين يدعاون بإلغاء لجنة إصلاح شؤون النساء المنبثقة عن إدارة يونس الانتقالية، معتبرين أن تلك اللجنة تستقي أفكارها من مصادر مخالفة للقرآن والسنة.
وعرضت الحركة بديلاً، وهو تشكيل لجنة أخرى يشارك فيها علماء مسلمين ونساء من تيارات إسلامية، مؤكدين أن الإسلام هو الأساس لهذا المواطنون والممثل القائدي له، مشددين على رفض أي إصلاحات على النمط الغربي تتعارض والدين. وفي جانب آخر، نظمت “الجماعة الإسلامية” مظاهرات حاشدة بمناسبة عيد العمال، دعت فيها إلى تعزيز حقوق العمال البنغاليين وإيقاف استغلالهم من قبل أصحاب المصانع.
تلك المظاهرات وغيرها أعطت انطباعًا واضحًا بأن قطاعات واسعة في الشارع البنغالي ترغب في التعبير عن نفسها بعد سنوات من القمع، وتريد توجيه الدولة الجديدة نحو رؤية قومية إسلامية محافظة تأخذ بعين الاعتبار حقوق العمال والطبقات الفقيرة، وتبتعد عن الهند، وتقرب نفسها من العالم الإسلامي.
هذا الاتجاه أثار قلق الكثيرين في الخارج، كما هو معتاد. وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فإن يونس أصبح “متهماً” لعدم بذل جهد كافٍ لوقف تصاعد ما وصفوه بـ “اليمين الإسلامي المحافظ” في البلاد، بعكس الشيخة حسينة التي حظرت الأحزاب الإسلامية واضطهدت قادة الإسلاميين في البلاد.
اليوم، يتيح يونس الحرية الكاملة للإسلاميين لممارسة أنشطتهم وتوسيع قاعدتهم الشعبية. وقد وصل الأمر إلى حد إيقاف مباريات كرة القدم للفتيات البنغاليات بسبب انتقادات الجماعات الإسلامية المحافظة لهذا النشاط.
<pأما مجلة فورين بوليسي الأمريكية فقد نشرت مقالًا تنتقد فيه يونس بسبب عدم قدرته على كبح ما وصفوه بـ "المتعصبين الإسلاميين"، بل منحهم الفرصة لتصدر المشهد برفع الحظر عن جماعاتهم، مع تردد المجلة في وصف الأسباب التي دفعت يونس للتساهل معهم، هل كان غير قادر على ذلك أم غير راغب؟
<pولفتت المقالة إلى أن بعض المتعصبين الإسلاميين استهدفوا أفرادًا من الأقليات الأحمدية والهندوسية، مما يعزز الطائفية في البلاد، مُشيرة إلى أن "أسلمة الحياة السنةة" في بنغلاديش قد تؤدي أيضًا إلى تدهور غير مسبوق في العلاقات مع جارتها الهند.
الإستراتيجية الخارجية تتغير أيضًا
تزامنت هذه التغيرات الداخلية مع بروز الحس القومي الإسلامي في بنغلاديش مع إعادة رسم أنذرة للسياسة الخارجية للبلاد خلال عهد إدارة يونس الانتقالية، حيث يظهر الاتجاه الأكثر وضوحاً في هذه الإستراتيجية الابتعاد عن الهند، التي يعتبرها البنغاليون شريكا رئيسيًا في قمعهم، في مقابل الاقتراب أكثر نسبياً من باكستان، التي لطالما كانت علاقاتها مع بنغلاديش متوترة منذ الانفصال بين البلدين عام 1971.
رئيس السلطة التنفيذية الانتقالية محمد يونس خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية السنةة للأمم المتحدة في نيويورك في 27 سبتمبر/أيلول 2024. (الفرنسية)
في أبريل/نيسان الماضي، أجرت بنغلاديش مباحثات دبلوماسية مع باكستان للمرة الأولى منذ 15 عامًا، وسهّلت العديد من إجراءات التأشيرات للمواطنين الباكستانيين الراغبين في زيارة البلاد، كما أبدت تساهلاً مع مواطنيها الراغبين في زيارة باكستان. وبفضل هذه الانفراجات السياسية، تحسنت أيضًا العلاقات التجارية، حيث تم فتح النقل البحري المباشر بين الجانبين.
الأهم من ذلك، أن حكومة يونس أظهرت ميولا واضحة تجاه الصين، بل وصل الأمر إلى أن يونس في زيارته إلى بكين في مارس/آذار الماضي عرض عليها أن تكون بلاده منفذًا لتعزيز النفوذ الصيني في جنوب آسيا على حساب الهند.
كما لفت بوضوح إلى أن شمال شرق الهند منطقة غير ساحلية، وأن بنغلاديش تتحكم في الوصول إلى المحيط، داعيا الصين إلى زيادة استثماراتها في تلك المنطقة، في توجّه جيوسياسي واضح تجاه بكين، لم يخلُ من استفزاز للهند باعتبار أن ممر سيليغوري يعتبر نقطة ضعف رئيسية للجغرافيا الهندية ويعتبر شريان حياة للولايات المجاورة للصين وميانمار.
من جانبها، لم تفوت الصين مغازلات بنغلاديش وقابلتها بمبادرات كريمة، حيث منحت المنتجات البنغالية إعفاءً كاملًا من الرسوم الجمركية، وتعهدت باستيراد المزيد منها.
كما حصل يونس على التزام من الصين بتمويل بقيمة 2.1 مليار دولار، بالإضافة إلى اتفاقيات تعاون في مجال البنية التحتية والتعاون العسكري، وهو ما أثار مخاوف الهند من كابوس جيوسياسي واضح: بنغلاديش المعادية المتحالفة مع الصين وباكستان، مما يهدد بقطع ممر سيليغوري وعزل الشمال الشرقي الهندي.
لا يعد هذا مجرد افتراض نظري، فقد سبق أن قامت الهند بتوغل خطير داخل النطاق الجغرافي الصينية في يونيو/حزيران 2017 لمنع العمال الصينيين من بناء طريق بسبب مخاوفها من اقتراب بكين لممر سيليغوري. ويبدو أن الهند تدرك جيدًا توجهات يونس الجديدة، مما جعلها تُظهر إدارة يونس انذارًا متزايدًا.
خريطة بنغلاديش (الجزيرة)
<pبادئ ذي بدء، رفضت نيودلهي منع الشيخة حسينة من إصدار خطاباتها وبياناتها من داخل الهند، حيث ترى حكومة يونس أن ذلك يهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي البلاد، كما اتخذت الهند قرارات صارمة ضد بنغلاديش بوقف التسهيلات المعتادة التي تقدمها لدكا في استخدام الموانئ والمطارات الهندية لتصدير البضائع، وهي خطوة اعتبرها الكثير من الخبراء ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا في ظل توجهات ونوايا بنغلاديش الجديدة، والتي قد تشمل إنشاء قاعدة مدعومة صينيًا قرب الممر البري الهندي الضيق.
<pإذًا، يتضح أن إدارة يونس تسعى لتغيير الإستراتيجية الخارجية لبلاده، لكنه يحاول أن يكون ماهرًا ومتأنيًا في مسعاه. في حواراته المسجلة، يتجنب دائمًا الحديث عن "جارته الكبيرة" بنبرة عدائية، ولا يحاول وصف العلاقات بين البلدين بأنها دخلت في مرحلة جديدة أو متوترة، بل يستخدم لغة دبلوماسية تؤكد أن البلدين يسعيان دائمًا لتحقيق مصالح مشتركة، وأن هناك قضايا يتم التفاوض بشأنها دون أي توتر.
<pونتيجة لعدم استخدامه لهجة عدائية مباشرة مع الهند، اجتمع يونس في أبريل/نيسان الماضي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة إقليمية في تايلند، حيث نوّه مودي رغبته في رؤية بنغلاديش ديمقراطية وعادلة ومحمية للأقليات.
<pلذلك، بحسب مجلة "ذي دبلومات"، يبدو أن يونس ناجح جدًا في سياسته الخارجية، حيث استطاع إبرام عدة صفقات مع الصين، وتواصل بشكل براغماتي مع رئيس الوزراء الهندي مؤخرًا، وفي نفس الوقت أقنع الإدارة الأمريكية بدعم حكومته.
الاستقطاب يسود المشهد.. والقوات المسلحة حاضر
هذا النجاح الخارجي لا يعني أن الأمور ستكون على ما يرام بالضرورة، فالواقع أن البلاد تشهد انقسامًا عميقًا على المستوى الداخلي.
تقول مجلة “ذي دبلومات” إن بنغلاديش تشهد انقسامًا سياسيًا متزايدًا، حيث يدعا شباب الثورة يونس بإجراء إصلاحات دستورية وقانونية وهيكلية قبل إقامة أي انتخابات، لأنهم يرون أن عدم تغيير النظام الحاكم قد يعيد استبداد نظام حسينة بصور جديدة، ويرون أن تغيير البيئة هو الأهم من الاستحقاق الديمقراطي نفسها.
<pوفي الجهة الأخرى، يُعتبر الحزب الوطني البنغالي الأكثر إلحاحًا لإجراء الاستحقاق الديمقراطي سريعًا لاعتقاده بأنه سيفوز بها، ويرى أن يونس يستخدم استراتيجيات تهدف إلى تأخير الاستحقاق الديمقراطي الديمقراطية.
هذا الانقسام والاحتقان قد يقود، بحسب “ذي دبلومات”، إلى تجدد الاحتجاجات في الشارع بين الأطراف والأحزاب المتنافسة، رغم أن يونس وعد منذ البداية بتسليم السلطة في مارس/آذار 2026 على أبعد تقدير.
تجدر الإشارة إلى أن إدارة يونس، ومعها جزء كبير من شباب الثورة، يعتقدون أنه لا يمكن إجراء انتخابات قبل الانتهاء من “ميثاق يوليو”، الذي تعده لجنة وطنية من خلال النقاش مع مختلف الأطراف السياسية، بهدف بناء “إطار لدولة ديمقراطية تضمن حقوق جميع المواطنين واستقلال القضاء”، بغض النظر عن نتائج الاستحقاق الديمقراطي المقبلة.
لا تخلو هذه الوضعية المضطربة من وجود صوت القوات المسلحة البنغالي أيضًا، حيث صرح قائد القوات المسلحة واكر الزمان أن البلاد تعيش في حالة فوضى، وأن استمرار الانقسامات والاضطرابات بهذه الطريقة سيكون تهديدًا لسيادة البلاد. وكعادته، لم يتعامل يونس مع تلك التصريحات بشدة، مؤكدًا أنه لا يتعرض لضغوط من المؤسسة العسكرية، وأن علاقته بها جيدة وقوية.
تواجه الإدارة الانتقالية أيضًا مسألة الاستقرار، فمن الصحيح أن إدارة يونس تمكنت من محاكمة كبار ضباط الشرطة الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة في عهد الشيخة حسينة، وأخلت مقرات التعذيب السرية، مع تحسن ملحوظ في الوضع الاستقراري بعدما فرّت الشيخة حسينة، كما لفت إليه “فورين بوليسي”.
هذا التحسن دفع منظمة “هيومن رايتس ووتش” في يناير/كانون الثاني الماضي إلى الإشادة بإدارة يونس بسبب التقدم الملحوظ في تحديد مراكز الاحتجاز السرية، كما أن القوات المسلحة تعامل بجدية مع حادثة وفاة شاب من الحزب الوطني بعد احتجازه، وعزل الضابط الذي احتجزه، بينما أدانت إدارة يونس الحادثة فورًا، وهو ما لم تفعله الحكومات السابقة في حوادث مماثلة.
ومع ذلك، يترافق هذا مع غياب نسبي للأمن في الشوارع، رغم نفي يونس لهذا الأمر، حيث تبدو الشرطة مترددة في العودة لخدمة العمل بقوة، مما يجعل العصابات تعيث فسادًا في الأحياء، حيث تمارس أنواع مختلفة من الجرائم، وصولاً إلى حرق المتظاهرين دمية تمثل وزير الداخلية مدعاين بإقالته بسبب تدهور مستوى الجريمة.
ووفقًا لـ “هيومن رايتس ووتش”، فإن قوات الاستقرار لا تزال تكرر أنماطًا معروفة من الانتهاكات ضد بعض المواطنين حتى بعد سقوط نظام الشيخة حسينة.
إضافة إلى ذلك، على الرغم من أن صورة يونس لا تزال ناصعة في نظر شريحة كبيرة من المواطنين، حتى أن الحزب الوطني البنغالي الذي ينتقده يقر بالاستقرار والنجاح النسبيين لإدارته بحسب منصة “بينار نيوز”، إلا أن بعض مزاعم الفساد حول أشخاص مقربين منه ومن حكومته تساهم في زيادة التحديات خلال هذه المرحلة الانتقالية. ورغم أن الجهات المعنية بمكافحة الفساد تتعامل مع هذه المزاعم بجدية، إلا أن كثرة الأنباء حولها تجعل تلك المرحلة أكثر صعوبة.
رئيس السلطة التنفيذية الانتقالية محمد يونس يتحدث في جلسة ضمن المنتدى الماليةي العالمي في دافوس في 22 يناير/كانون الثاني 2025. (الفرنسية)
اقتصاديا.. ماذا فعل الخبير صاحب نوبل؟
توقع المؤسسة المالية الدولي في بداية هذا السنة أن تحقق بنغلاديش نموًا اقتصاديًا بنسبة 4.1% في السنة المالية الحالية التي تنتهي في يونيو/حزيران القادم، لكنه عاد مؤخرًا ليخفض توقعاته إلى 3.3%، وهو أبطأ معدل نمو تشهده البلاد منذ 36 عامًا.
يعود هذا الانخفاض، بحسب المؤسسة المالية الدولي، إلى الضبابية السياسية، وانخفاض التنمية الاقتصاديةات، وزيادة ارتفاع الأسعار، وعدم استقرار القطاع المالي، حيث إن كل نقطة انخفاض تهدد بفقدان شريحة واسعة من المواطنين البنغاليين لأعمالهم.
مع ذلك، لا يُلقي الكثير من الماليةيين باللوم على إدارة يونس في هذا الأمر، إذ استطاعت الحصول على دعم بمليارات الدولارات من منظمات وأطراف متنوعة، لأنها تولت إدارة البلاد في وقت كانت تعاني فيه من “النهب” وفقًا لمجموعة الأزمات الدولية، حيث كانت احتياطيات النقد الأجنبي ضئيلة جدًا، ومعدل ارتفاع الأسعار في أسعار المواد الغذائية يصل إلى حوالي 15%، بل إن “بينار نيوز” تشير إلى أن يونس استطاع تعيين مسؤولين ووزراء أكفاء للتعامل مع التحديات الماليةية التي كانت مرشحة للتفاقم أكثر من ذلك.
وبحسب “ذي فايننشال إكسبرس” الهندية، أعادت إدارة يونس الانتقالية بشكل ممتاز هيكلة القطاع المالي المنهار وتنظيمه، واستخدمت أدوات الإستراتيجية النقدية لكبح ارتفاع الأسعار، ورشّدت الإنفاق السنة وبذلت جهودًا كبيرة لاستعادة الأموال من الملاذات الآمنة.
كما أنها، لأول مرة منذ سنوات، شهدت أسعار المواد الغذائية استقرارًا خلال شهر رمضان الماضي في بنغلاديش. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إدارة يونس أجرت دراسة شاملة مكونة من 385 صفحة خلصت إلى أن أرقام النمو خلال عهد الشيخة حسينة كانت مبالغ فيها ومفبركة، وأنه لم تكن هناك معجزة اقتصادية كما حاول النظام الحاكم السابق تسويقه، وفقًا لما أوردته “ذي إيكونوميست” البريطانية.
ورغم ذلك، يتوقع صندوق النقد الدولي وبنك التنمية الآسيوي انتعاشًا تدريجيًا للاقتصاد البنغالي على المدى المتوسط، إذا تمكنت البلاد من مواجهة تحدياتها بالتخطيط والحكمة اللازمة.
صرح خبير المالية الكلي ورئيس مجلس إدارة “بوليسي إكستشانج البنغالية” لصحيفة “داكا تريبيون” واسعة الانتشار، بأنه رغم بطء تقدم المالية، فإنه يتحرك نحو التعافي، مؤكدًا أن توقعات المؤسسة المالية الدولي الأخيرة لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها تشير إلى كارثة اقتصادية وشيكة في بنغلاديش.
يبرز اليوم العالمي للنحل أهمية النحل في السلسلة الغذائية وصحة النظم البيئية، حيث يهدد فقدانه الاستقرار الغذائي العالمي. يواجه النحل تهديدات متزايدة بسبب فقدان الموائل، والممارسات الزراعية غير المستدامة، والتلوث، مما يزيد تكاليف الإنتاج. يُعتبر النحل من أهم الملقحات التي تدعم 75% من المحاصيل، مع تكاليف أقل بكثير مقارنة بالتلقيح الاصطناعي. بينما تظهر بيانات متناقضة حول أعداد النحل العالمية، فإن تحسين الممارسات الزراعية والحفاظ على الموائل ضروري لاستقرار أعداده. يجب على الدول المتقدمة والنامية العمل على حماية النحل لضمان استدامته ودعم التنوع البيولوجي والنظم الغذائية.
يحتفي اليوم العالمي للنحل هذا السنة بشعار “النحل مُلهم من الطبيعة ليغذينا جميعا”، مما يسلط الضوء على الدور الحاسم الذي يلعبه النحل في السلسلة الغذائية للبشر وصحة النظم البيئية على كوكبنا، مما يعني أن فقدان النحل سيؤدي إلى خسائر أكبر بكثير من مجرد فقدان العسل.
يواجه النحل وغيره من المُلقّحات تهديدات متزايدة نتيجة لفقدان موائلها، والممارسات الزراعية غير المستدامة، وتغير المناخ، والتلوث. ويُعرض انخفاض أعدادها الإنتاج العالمي للمحاصيل إلى الخطر، مما يزيد من تكاليفها ويُفاقم انعدام الاستقرار الغذائي عالمياً.
وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، هناك أكثر من 200 ألف نوع من الحيوانات تصنف ضمن المُلقّحات، وغالبية هذه الأنواع برية، وتشمل الفراشات والطيور والخفافيش وأكثر من 20 ألف نوع من النحل، الذي يُعتبر “أفضل الملقحات”.
التلقيح أساسي لنظم الأغذية الزراعية، حيث يدعم إنتاج أكثر من 75% من محاصيل العالم، بما في ذلك الفواكه والخضروات والمكسرات والبذور، بالإضافة إلى تحسين غلة المحاصيل.
تحسن الملقّحات أيضًا جودة الغذاء وتنوعه، وتعزز حماية الملقحات التنوع البيولوجي والخدمات البيئية الحيوية، مثل خصوبة التربة، ومكافحة الآفات، وتنظيم هواء وماء كوكبنا.
النحل يعد من أهم الملقحات التي تخدم النظم البيئية والغذائية على الكوكب (غيتي)
الحشرة الدؤوبة
وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يأتي 90% من إنتاج الغذاء العالمي من 100 نوع نباتي، يحتاج 70 نوعاً منها إلى تلقيح النحل.
أظهرت الدراسات أن الحشرات غير النحل تسهم فقط بـ 38% من تلقيح المحاصيل، بينما لا تتجاوز نسبة تلقيح الفراشات 5%، وتساهم الطيور بأقل من 5% من الأنواع المزهرة حول العالم و1% بالنسبة للخفافيش.
تتفوق تكلفة التلقيح الاصطناعي بـ 10% على تكلفة خدمات تلقيح النحل، ولا يمكننا في النهاية تكرار كفاءة وجودة عمل النحل لتحقيق نفس الإيرادات.
على سبيل المثال، تتراوح تكلفة تلقيح هكتار واحد من بساتين التفاح في الولايات المتحدة بين 5 آلاف و7 آلاف دولار، ومع وجود حوالي 153,375 هكتارًا من بساتين التفاح في البلاد، تصل التكلفة إلى نحو 880 مليون دولار سنوياً لمجرد حقول التفاح.
تمثل الملقحات الحشرية حوالي 35% من إجمالي الإنتاج الغذائي العالمي، ويتحمل نحل العسل 90% من عبء هذه المسؤولية.
تشير المعلومات الحديثة إلى أن فكرة انهيار أعداد النحل عالمياً ليست دقيقة تماماً (بيكاسبي)
خطر الانقراض
يتعرض النحل والملقحات الأخرى لتهديد متزايد بسبب الأنشطة البشرية مثل استخدام المبيدات، والتلوث البيئي بما في ذلك جزيئات البلاستيك والتلوث الكهرومغناطيسي (من أبراج الاتصال والهواتف المحمولة وكبائن الكهرباء)، بالإضافة إلى الأنواع الغازية التي تهاجم موائلها، وتغير المناخ. ورغم أن الصورة السنةة تشير إلى وضع كارثي لتعداد النحل العالمي،
إلا أن تحليل المعلومات الموجودة في نشرة منظمة الفاو يوضح أن فكرة انهيار أعداد النحل عالمياً ليست دقيقة تماماً، ومع ذلك يبقى مستقبل أعداد النحل غير مؤكد.
تشير المعلومات إلى أن أعداد النحل في بعض الدول الآسيوية تشهد زيادة مستمرة، بينما تواجه الولايات المتحدة وأميركا الشمالية تحديات كبيرة في العقود الأخيرة بسبب تدمير الموائل، والتعرض للمبيدات، والتغير المناخي، والأمراض والطفيليات.
كذلك يعود تزايد أعداد النحل في آسيا إلى التنوع الطبيعي في القارة، والمناخ المعتدل، وتقاليد تربية النحل الرائجة، حيث استطاعت الصين، أكبر منتج للعسل، زيادة أعداد نحل العسل لتلبية الطلب العالمي.
إذا اعتمدت المناطق التي تواجه تدهوراً سياسيات صارمة لحماية النحل وممارسات زراعية مستدامة، فقد تُسهم في استقرار أعداد النحل وتعزيزها في المستقبل. بينما يجب على الدول التي تتمتع بزيادة في أعداد النحل أن تظل أنذرة من التهديدات الجديدة للحفاظ على إنجازاتها.
يعتمد مستقبل النحل -المخصص يوم 20 مايو/أيار ليكون يومه العالمي- على قدرة البشر على التكيف وابتكار الحلول وحماية موائله. فتوجيه الجهود نحو دراسة حالات التكاثر ونجاح الموائل في مناطق متعددة من العالم أكثر أهمية من التركيز فقط على التناقص.
كما تعزز الممارسات الزراعية الصديقة للبيئة مثل الزراعة البينية، والزراعة الحراجية، والإدارة المتكاملة للآفات وحماية الموائل الطبيعية، استدامة الملقحات من خلال توفير غذاء ثابت ورغيد للنحل، مما يضمن تنوع المحاصيل واستقرارها ويقلل من نقص الغذاء والآثار البيئية.
تسهم الجهود المدروسة لحماية الملقحات في الحفاظ على مكونات أخرى من التنوع البيولوجي، مثل مكافحة الآفات، وخصوبة التربة، وتنظيم الهواء والماء. فدور النحل في إنشاء أنظمة زراعية غذائية مستدامة يعتبر بارزًا.
تُعقد اليوم القمة العربية الرابعة والثلاثون في بغداد، بقيادة رئيس السلطة التنفيذية محمد شياع السوداني. تُعد القمة فرصة للعراق لاستعادة دوره الإقليمي بعد سنوات من التقييمات السلبية. سيتم مناقشة قضايا مهمة مثل الوضع في غزة والاستقرار القومي العربي، إضافة إلى الأزمات في سوريا والسودان. يسعى العراق لتحقيق تكامل عربي لمواجهة التحديات الإقليمية، وتعزيز العلاقات الماليةية مع دول عربية. كما يهدف السوداني إلى تحسين صورة العراق عربياً بعد عقود من الأزمات. ومع ذلك، تظل التوترات الداخلية، مثل التهديدات ضد الوفد السوري، عقبة أمام هذه الأهداف.
17/5/2025 – | آخر تحديث: 11:40 (توقيت مكة)
تستضيف العاصمة بغداد اليوم القمة العربية الرابعة والثلاثين، والتي تمثل culmination of significant preparatory work by the Iraqi leadership under Prime Minister Mohammed Shia Sudani. هذه القمة تعتبر فرصة استراتيجية للعراق لاستعادة مكانته الإقليمية في مجالات الإستراتيجية والمالية والاستقرار، في ظل التقييمات السلبية التي تعرض لها من قبل المنظمات الدولية ومن العديد من الدول الأخرى.
يمتلك العراق أيضًا رسائل إيجابية تجاه التعاون العربي، وخاصةً بعد تزايد الانطباع العراقي الرسمي والشعبي بتخفيف التدخل الإيراني في البلاد والشرق الأوسط، حيث يسعى العراق لتقديم نفسه كشريك اقتصادي مع جمهورية مصر العربية، المملكة الأردنية، دول الخليج، ولبنان، وأيضًا مع السلطة التنفيذية السورية برئاسة أحمد الشرع.
سيعمل العراق مع جامعة الدول العربية لتعزيز مستوى تمثيل الحضور إلى أعلى الدرجات الممكنة؛ لضمان أن نتائج القمة ستكون أفضل من القمم السابقة التي لم توفر حلولًا فعالة للقضايا العربية، سواء كانت إيجابية أو سلبية؛ إذ تظل قضايا مثل التكامل الماليةي والقطاع التجاري العربية المشتركة، وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المُشترك، وحماية الدول العربية من الفقر والمواجهةات الداخلية والدخول الخارجي على الطاولة.
على رأس الملفات التي ستناقشها القمة قضية غزة التي تجسد إحراجًا لكثير من الدول العربية بسبب تجاوز إسرائيل العديد من النطاق الجغرافي، وسعيها لاستمرار الحرب، ليس فقط لأغراض “الرهائن”، بل دوام عمليات القتل بحق سكان غزة عبر وسائل عسكرية، أو من خلال الحرمان من متطلبات الحياة الأساسية كالمواد الغذائية والأدوية والمياه الصالحة للشرب.
قضية الاستقرار القومي العربي ليست بعيدة عن غزة، بل تمثل مسألة مترنحة وكأنها مجرد عبارة لا وجود فعلي لها، حيث أن سلسلة من الأحداث تشمل الحرب على لبنان والهجمات الإسرائيلية على سوريا، بالإضافة إلى زيادة الانتشار الأمريكي والإسرائيلي في اليمن، قد أدت إلى زعزعة الأمل في المستقبل لدى الشعوب العربية.
موضوع سوريا تحت حكمها الجديد يُعتبر ركيزة من ركائز القمة الرابعة والثلاثين، وهو ضمن رهانات السوداني على نجاح القمة؛ حيث نوّه أكثر من مرة على أهمية وجود القائد السوري أحمد الشرع في الوفد السوري، معتبرًا أن “أمن سوريا جزء لا يتجزأ من الاستقرار القومي العراقي”.
ومن المهم أيضًا أن توضح سوريا الجديدة احتياجاتها من الدعم العربي لتعزيز الاستقرار والاستقرار والسلام الماليةي، وإعادة الإعمار، مع ضرورة عدم السماح بتدخلات دولية أو منظمات إرهابية تؤثر على الاستقرار القومي العربي بشكل عام.
قضية أخرى يجب مناقشتها من قبل القادة العرب؛ هي الأوضاع في جمهورية السودان، هذه الدولة العربية الكبرى، والتي تشهد حالة خطيرة من الدمار بفعل أزمات داخلية بدعم من أطراف إقليمية ودولية.
حيث أدت الحرب بين القوات المسلحة السوداني وقوات الدعم السريع إلى “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، حسب تقارير الأمم المتحدة، حيث فر أكثر من 12.5 مليون شخص من منازلهم، ويعاني نصف سكان السودان من نقص حاد في الأغذية والأدوية. مع تزايد المخاطر في السودان يسعى (الدعم السريع) لتشكيل حكومة جديدة تحت اسم “سلام ووحدة”.
تستهدف قمة بغداد إعادة حسابات العمل العربي بما يتماشى مع التغيرات العالمية وموازين القوى وتأثيرها على الوطن العربي؛ حيث يحتاج العرب إلى اتخاذ سياسات متوازنة تجاه كافة التطورات وعدم الانغماس في استراتيجيات فردية تؤدي إلى ضعف قدرتهم على التأثير.
يسعى العراق أيضًا لإعادة تقديم نفسه إلى الإطار العربي بعد أن تغيرت طبيعته من علاقة (تبعية) إلى علاقات ودية واقتصادية قائمة على مبادئ حسن الجوار.
ومع ذلك، فإن تصريحات بعض قادة الكتل والفصائل العراقية الموالية لإيران، الذين هددوا باغتيال القائد أحمد الشرع عند زيارته لبغداد، قد تعرقل هذه الأهداف.
ترتبط هذه الرهانات أيضًا بإزالة الصورة المشوهة التي لدى النظام الحاكم العربي عن العراق، نتيجة السلبيات التي رافقت النظام الحاكم السياسي الجديد منذ عام 2003 والتي أثارت قضايا طائفية تسببت في استياء الدول العربية الأخرى.
يهدف السوداني من خلال تحقيق هذه الرهانات إلى جذب التنمية الاقتصاديةات في مجالات الطاقة والإعمار، واستعادة الدور المحوري للعراق كدولة عربية مركزية في الشأن القومي الاستقراري والماليةي مع مراعاة دوره كوسيط مع الجانب الإيراني في أوقات التوتر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
يقدم المؤرخ العسكري البريطاني أنتوني بيفور نظرية لتفسير المواجهةات الآنية من خلال الحرب العالمية الثانية، التي يرى أن أصداءها تشكل السياسات العالمية إلى اليوم.
ويرى بيفور، في مقاله المنشور بمجلة “فورين أفيرز”، أن جميع القوى/الدول الفاعلة في الحرب تقريبا تقدم روايتها الخاصة حولها، وأن بمقدور تلك الرواية أن تفسر السياسات الراهنة لتلك القوة/الدولة في عالم اليوم. يشمل ذلك الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وحتى الصين التي ورثت مقعد الإمبراطورية اليابانية في أعقاب الحرب.
يركز بيفور بشكل كبير على روسيا، وهو يقرأ أفكار بوتين وسياساته اليوم باعتبارها إرثا وامتدادا لأفكار وسياسات ستالين، خاصة في الفضاء الجيوسياسي. ولا يخف المؤرخ البريطاني بطبيعة الحال تحيزه إلى الرواية الغربية، لدرجة أنه يبرر إلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية فوق ناغازاكي وهيروشيما على أنه قرار ينطوي على “موازنة أخلاقية صعبة”، زاعما أنه أنقذ أعدادا كبيرة من البشر، أضعاف أولئك الذين قتلتهم القنابل الأميركية.
أدولف هتلر يتفقد قوات جيشه النازي (غيتي)
نص الترجمة
نادرا ما يكون التاريخ مرتبا أو منظما، حيث تتداخل العصور وتستطيل الأعمال غير المكتملة من حقبة إلى أخرى. كانت الحرب العالمية الثانية حربًا لا مثيل لها من حيث حجم تأثيرها على حياة الناس ومصائر الأمم، وكانت في الوقت نفسه مزيجا من المواجهةات التي صنعتها الضغائن العرقية والوطنية التي أعقبت انهيار 4 إمبراطوريات وإعادة رسم النطاق الجغرافي في مؤتمر باريس للسلام بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد ذهب العديد من المؤرخين إلى أن الحرب العالمية الثانية (بحدودها الزمنية التي نعرفها اليوم بين عامي 1939 و1945) كانت مجرد جزء من حرب طويلة ممتدة منذ عام 1914 (تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى) حتى عام 1945، أو ربما حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.. حرب أهلية عالمية نشبت أولا بين الرأسمالية والشيوعية، ثم بين الديمقراطية والدكتاتورية.
لا شك أن الحرب العالمية الثانية جمعت خيوط تاريخ العالم معا، بفضل نطاقها المتسع جغرافيا والدور الذي لعبته في تسريع نهاية حقبة الاستعمار في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. ولكن رغم تقاسم معظم الدول لهذه التجربة ودخولها في ذات النظام الحاكم الذي بُني في أعقابها، فإن كل دولة مُشارِكة في النظام الحاكم خلقت روايتها الخاصة لذلك المواجهة الكبير وتمسكت بها حتى النهاية.
وحتى مسألة بسيطة نظريا مثل: متى بدأت الحرب؟ لا تزال موضع جدل، ففي الرواية الأميركية مثلا، بدأت الحرب تأخذ مسارا جديا فقط عندما دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربور يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 1941، وبعد إعلان “الدكتاتور” الألماني أدولف هتلر الحرب على واشنطن بعد ذلك ببضعة أيام.
من جانبه، يصر القائد الروسي فلاديمير بوتين على أن الحرب بدأت في يونيو/حزيران 1941، عندما غزا هتلر الاتحاد السوفياتي، متجاهلاً الغزو السوفياتي والنازي المشترك لبولندا في سبتمبر/أيلول 1939، والذي يمثل بداية الحرب بالنسبة لمعظم الأوروبيين.
وهناك من يُرجعون بدايات الحرب إلى تواريخ أبعد من ذلك، فبالنسبة للصين، بدأ الأمر عام 1937، مع اندلاع الحرب الصينية اليابانية، أو ربما قبل ذلك مع الاحتلال الياباني لإقليم منشوريا (التابع للصين) في عام 1931. هذا ويعتقد كثيرون من اليساريين في إسبانيا أن الأمر بدأ في عام 1936 مع إطاحة الجنرال فرانكو بالجمهورية، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية.
تشكل هذه الرؤى العالمية المتضاربة مصدرا للتوتر وعدم الاستقرار في الإستراتيجية العالمية. ينتقي القائد الروسي بوتين من التاريخ الروسي ما يناسبه، فيجمع بين تكريم التضحيات السوفياتية في “الحرب الوطنية العظمى”، كما تُعرف الحرب العالمية الثانية في روسيا، وبين الأفكار “الرجعية” للروس البيض القيصريين المنفيين بعد هزيمتهم على يد الشيوعيين الحمر في الحرب الأهلية الروسية خلال الفترة 1917- 1922.
هذه الأفكار “القيصرية” تقدم مبررات دينية للهيمنة الروسية على كامل الكتلة الأوراسية، “من فلاديفوستوك (في أقصى الشرق الروسي) إلى دبلن (إيرلندا في أقصى الغرب الأوروبي)”، على حد قول ألكسندر دوغين، المنظر والأيديولوجي الأقرب إلى بوتين، كما تؤصل لكراهية متجذرة لأوروبا الغربية الليبرالية (جدير بالذكر أن هذه الأفكار تنتشر نسبيا وسط الدائرة المقربة من القائد الأميركي دونالد ترامب).
في غضون ذلك، أعاد بوتين تأهيل صورة الزعيم السوفياتي خلال فترة الحرب العالمية الثانية جوزيف ستالين، الذي يُعد، كما اعترف الفيزيائي السوفياتي المنشق أندريه ساخاروف، مسؤولاً مباشرا عن قتلى بالملايين، أكثر من هتلر نفسه.
ويذهب القائد الروسي إلى حد الإصرار على أن الاتحاد السوفياتي كان بوسعه أن يحقق النصر في الحرب ضد ألمانيا النازية بمفرده، بينما يعترف ستالين وغيره من الزعماء السوفيات أن الاتحاد لم يكن ليتمكن من الصمود دون المساعدات الأميركية. ويدرك هؤلاء الزعماء أن الحملة الجوية الاستراتيجية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد المدن الألمانية أجبرت الجزء الأكبر من القوات الجوية الألمانية على العودة والانسحاب من الجبهة الشرقية، الأمر الذي منح السوفيات التفوق الجوي.
وعلاوة على كل ذلك، يرفض بوتين الاعتراف بأهوال العصر الستاليني. وكما أخبرتني ماري سوامز ابنة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل في حفل عشاء عام 2003، فإن تشرشل سأل ستالين خلال اجتماع غير رسمي في أكتوبر/تشرين الأول 1944 عن الأمر الذي يندم عليه الزعيم السوفياتي أكثر من ندمه على أي شيء آخر في حياته.. أخذ ستالين بعض الوقت للتفكير قبل أن يجيب بهدوء: “قتل الكولاك”- أي الفلاحين أصحاب الأراضي.
بلغت هذه الحملة ذروتها مع المجاعة الكبرى “هولودومور” في عامي 1932 و1933، حيث تسبب ستالين عمداً في المجاعة الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 3 ملايين شخص، وغرس الكراهية لموسكو بين العديد من الناجين وذرياتهم.
على صعيد آخر، أنتجت الحرب العالمية الثانية توازنا غير مستقر في كثير من الأحيان داخل المعسكر الغربي بين أوروبا والولايات المتحدة، بعدما أجبرت الحرب وطموحات هتلر للهيمنة؛ المملكةَ المتحدة على التخلي عن الدور الذي عينته لنفسها كشرطي العالم، والتوجه إلى الأميركيين طلبا للمساعدة.
كان البريطانيون فخورين حقا بدورهم في النصر النهائي للحلفاء، ولكنهم حاولوا إخفاء الألم الناجم عن تراجع نفوذهم العالمي من خلال ترديد المقولة المبتذلة القائلة بأن بريطانيا “تحملت فوق طاقتها” في الحرب، وكذا من خلال التمسك “بعلاقتها الخاصة” مع الولايات المتحدة.
كان تشرشل منزعجًا من احتمال عودة القوات الأميركية إلى ديارها بعد انتهاء الحرب في المحيط الهادئ عام 1945، ورغم أن المواقف الأميركية ظلت تتذبذب بين السعي إلى دور عالمي نشط والارتداد إلى الانعزالية، فإن التهديد القادم من موسكو ضمِنَ استمرار انخراط واشنطن بشكل عميق في أوروبا حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
واليوم، دخلت أول حرب قارية كبرى في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية عامَها الرابع، ويرجع هذا جزئيا إلى القراءة الانتقائية التي يتبناها بوتين للتاريخ الروسي، في حين تهدد المواجهةات القاتلة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى بالانتشار على نطاق أوسع، وفي الوقت نفسه، يبدو أن إدارة ترامب تتخلى عن القيادة العالمية للولايات المتحدة في خضم “حالة مزاجية مرتبكة”.
قبل 80 عامًا، مهدت نهاية الحرب العالمية الثانية الطريق لنظام دولي جديد يرتكز على احترام السيادة الوطنية والنطاق الجغرافي، ولكن الآن، ربما حان الوقت أخيرا لدفع فاتورة باهظة نتيجة التناقض الأميركي، والاستسلام الأوروبي، وشهية “الانتقام” الروسية.
من المؤكد أن القسوة الشديدة التي اتسمت بها الحرب العالمية الثانية ظلت محفورة في ذاكرة أجيال عديدة، حيث كان ذلك أول صراع حديث يفوق ضحاياه المدنيون -بكثير- أعداد قتلاه المحاربين، ولم يكن ذلك ليصبح ممكنا إلا من خلال نزع الصفة الإنسانية عن العدو على أساس أيديولوجي، وإثارة النزعات القومية إلى حدها الأقصى، والترويج للعنصرية باعتبارها أمرا مسلما به، فضلا عن “الحرب الطبقية” اللينينية التي أيدت إبادة جميع المعارضين.
ومن اللافت للنظر أن الدبلوماسيين السوفيات كافحوا بعد الحرب لمنع ذكر الحرب الطبقية -التي شملت عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها الاتحاد السوفياتي ضد الأرستقراطيين والبرجوازيين والفلاحين مالكي الأراضي- في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن الإبادة الجماعية.
وإجمالا، لقي قرابة 85 مليون شخص حتفهم خلال الحرب العالمية الثانية، من ضمنهم أولئك الذين قضوا بالمجاعة والمرض. لقد قتلت ألمانيا النازية الملايين، بينما فقدت بولندا خُمس سكانها (نحو 6 ملايين شخص) خلال الحرب.
وبشكل أكثر بشاعة، خسر الصينيون ما يزيد على 20 مليون إنسان، وكان عدد القتلى الصينيين من المجاعة والمرض أكبر من عدد القتلى نتيجة المواجهة في ساحة المعركة، بينما تتراوح أعداد قتلى السوفيات بين 24 و26 مليونا.
كان ستالين يدرك في عام 1945 أن إجمالي الخسائر تجاوز 20 مليون إنسان، ولكنه اعترف بثلث هذه الخسارة فقط (7.5 ملايين قتيل)، محاولا على ما يبدو إخفاء الحجم الحقيقي للرعب الذي أطلقه ضد شعبه.
بيد أنه في هذا المقام لا يكفينا أن نتذكر الموتى الذين أخفى قاتلوهم عمدا هويات العديد منهم، فقد غيّر المواجهة أيضا حياة الناجين وأسرى الحرب والمدنيين المسجونين في المعسكرات بطرق يتعذر الإحاطة بها. في كثير من الأحيان، كان أولئك الذين استسلموا لمصيرهم في قائمة الضحايا الأوائل، بينما كان الناجون من أولئك الذين لديهم تصميم شديد على العودة إلى أسرهم، والتمسك بمعتقداتهم، وتقديم شهاداتهم على جرائم يتعذر الحديث عنها من فرط بشاعتها.
وحتى تكتمل الصورة القاتمة، لم يتمكن العديد من الجنود الأسرى من العودة إلى ديارهم. بادئ ذي بدء، قُبض على أفراد القوات المسلحة الأحمر السوفياتي الذين جُنِّدوا قسرا من قبل القوات المسلحة الألماني أثناء وجودهم في فرنسا بزيهم العسكري الألماني وسُلِّموا إلى الضباط السوفيات الذين أعدموا القادة في الغابات ونقلوا البقية إلى الاتحاد السوفياتي، حيث حُكم عليهم بالعمل بالسخرة في الشمال المتجمد.
وبعد أيام قليلة من استسلام ألمانيا، أمرت القوات البريطانية في النمسا بتسليم أكثر من 20 ألف يوغسلافي مناهض للشيوعية في المنطقة الخاضعة لسلطتها إلى السلطات اليوغسلافية الشيوعية، التي أطلقت النار عليهم ثم دفنتهم في مقابر جماعية.
كما سلّمت القوات البريطانية السلطات السوفياتية بعض أبناء الكزاخ (أحد الأعراض السلافية الشرقية) وهم مواطنون سوفيات لكنهم قاتلوا من أجل ألمانيا. ومن المؤكد أن السلطة التنفيذية البريطانية كانت تعلم أن عقوبة قاسية تنتظر هؤلاء الجنود، لكنها خشيت أن يؤدي السماح لهم بالرحيل إلى احتفاظ السلطات السوفياتية بأسرى الحرب البريطانيين الذين حررهم القوات المسلحة الأحمر في بولندا وشرق ألمانيا.
وبالمثل، جمع القوات المسلحة الأحمر 600 ألف جندي ياباني في شمال الصين ومنشوريا، وأرسلهم جميعًا إلى معسكرات العمل في سيبيريا حيث مارسوا أعمالا شاقة حتى الموت.
لعقود طويلة بعد الحرب، ظلت تلك الذكريات حية في أذهان أولئك الذين عاشوها بأنفسهم وتركت بصماتها القاسية في نفوسهم. وعلى إثر ذلك، جرى تشكيل النظام الحاكم الذي تلا الحرب العالمية الثانية على يد أجيال كان هدفها منع وقوع مثل هذه المأساة مرة أخرى. ولكن بالنسبة لأولئك الذين لم يعيشوا هذا المواجهة، وينظرون إلى الوراء من عالم اليوم، فإن عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية ربما يكون مجرد رقم، وهم معذورون في ذلك لأنه يصعب استيعاب حقيقة مقتل عشرات الملايين. غير أن فقدان هذه الصلة المباشرة مع الماضي يعني بالتبعية فقدان العزم المشترك الذي أنتج -على مدار 80 عاما- سلاما متصلا، وإن كان غير كامل، بين القوى العظمى.
الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة فجر العصر النووي على إثر إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على اليابان عام 1945. (رويترز)
معارك غير منتهية
خلّفت الحرب العالم مكانًا مختلفًا تمامًا. وفي الدول المتحاربة، لم يبق سوى عدد قليل من الناس الذين لم يتأثروا مباشرة بويلات الحرب، فالعديد من النساء اللواتي قُتل خُطّابهن في الحرب لم يتزوجن أبدًا ولم ينجبن أطفالًا، بينما لم يتمكن الرجال العائدون من استيعاب حقيقة أن النساء تَولين إدارة كل شيء، مما جعلهم يشعرون أنهم عديمو القيمة.
وكان رد الفعل الأقوى في أوروبا القارية. ففي ألمانيا مثلا، سمع الرجال الذين سُجنوا أثناء الحرب للمرة الأولى عن عمليات الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها القوات المسلحة الأحمر، وشعروا بالإهانة لأنهم لم يكونوا متاحين للدفاع عن نسائهم، ولم يتمكنوا أيضا من التكيف مع حقيقة أن النساء تعاملن مع الصدمة بالطريقة الوحيدة الممكنة وهي التحدث عنها إلى بعضهن بعضا.
وفي فرنسا وغيرها من البلدان المحتلة، تساءل الرجال الذين عادوا من السجون ومعسكرات العمل القسري في ألمانيا؛ كيف تمكنت النساء من البقاء على قيد الحياة دون أي وسيلة للدعم، وبدؤوا يشكون في علاقاتهن مع جنود العدو أو تجار القطاع التجاري السوداء. وليس مستغربا أن هذه الاستجابات أدت إلى فترة من ردود الفعل الاجتماعية المدمرة استمرت طيلة أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
في غضون ذلك، ظل المواجهة السياسي العنيف مستمرا حتى بعد انتهاء الأعمال الحربية العدائية. في أغسطس/آب 1945، وبعد فترة طويلة من انتهاء القتال في المسرح الأوروبي، بدأ الاتحاد السوفياتي إطلاق سراح الجنود الإيطاليين العاديين الذين أسرهم في الجزء الأخير من حملة قوى المحور للسيطرة على ستالينغراد. لكن هؤلاء الجنود أُرسلوا إلى أوطانهم بدون ضباطهم، لأن زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي ناشد موسكو تأخير عودة السجناء الأعلى رتبة الذين قد يدينون الاتحاد السوفياتي علناً ويضرون بفرص الحزب في الاستحقاق الديمقراطي المقبلة.
وبينما تجمعت الجماعات الشيوعية في محطات السكك الحديدية بإيطاليا للترحيب بالجنود العائدين، كانوا يتوقعون منهم أن يكونوا أكثر تعاطفا مع قضيتهم. لكنهم فوجئوا برؤية الجنود الذين كتبوا عبارة “تسقط الشيوعية” (Abbasso Comunismo) على عربات القطار، ليندلع الاشتباك في المحطات. وعلى إثر ذلك، اعتبرت الصحافة الشيوعية الجنود العائدين الذين انتقدوا الاتحاد السوفياتي بأي شكل من الأشكال؛ أنهم “فاشيون”.
لقد أزيلت النطاق الجغرافي أو أعيد رسمها خلال الحرب وبعدها، ولم يعد الكثير من النازحين يعرفون جنسياتهم بعدما جرى اقتلاع أعداد كبيرة من السكان، وفي بعض الأحيان مدن بأكملها، أو إخلائها، أو قتل جميع سكانها على يد الجماعات شبه العسكرية والشرطة السرية والقوات المسلحة. ولا أدل على ذلك مما حدث في عام 1939، حين دُفع البولنديون من منطقة لفيف (Lwów) التي أصبحت فجأة ضمن حدود الغرب الأوكراني؛ إلى المناطق المهجورة في كزاخستان أو سيبيريا حيث تُركوا لمواجهة الموت.
خضعت لفيف البولندية للاحتلال السوفياتي مرتين، كما احتلها النازيون الذين أرسلوا اليهود إلى معسكرات الموت. وفي أعقاب الحرب، حصلت المدينة على اسم أوكراني جديد، وهو لفيف “Leviv” (بنطق متقارب تقريبا ولكن باختلاف اللغة والهجاء).
وفي مؤتمر يالطا في فبراير/شباط 1945، حين التقى زعماء بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لمناقشة شكل أوروبا بعد الحرب، أجبر ستالين قوى الحلفاء على قبول إزاحة بولندا بأكملها إلى الغرب، واستقبال المقاطعات الألمانية السابقة على الجانب الغربي، على أن يستوعب الاتحاد السوفياتي المقاطعات البولندية إلى الشرق. ولإكمال تنفيذ هذه الخطة، نفذ القوات المسلحة الأحمر أكبر عملية تهجير قسري ممنهج للسكان في العصر الحديث، حيث نقل أكثر من 13 مليون ألماني وبولندي وأوكراني من مناطقهم.
ومع استمرار مناقشات يالطا إلى مؤتمر بوتسدام في أغسطس/آب 1945، أصبحت رغبة ستالين في توسيع الأراضي السوفياتية أكثر وضوحا، مبديا اهتمامه بتولي السيطرة على المستعمرات الإيطالية السابقة في أفريقيا، ومقترحا الإطاحة بنظام فرانكو في إسبانيا.
وحين داعبه السفير الأميركي لدى الاتحاد السوفياتي آنذاك، أفريل هاريمان، على هامش المحادثات قائلا “لا بد أنه من دواعي سرورك أن تكون في برلين الآن بعد كل ما عانته بلادك”، أجابه ستالين بجمود قائلا: “لقد وصل القيصر ألكسندر إلى باريس”.
لم تكن تلك الملاحظة من ستالين مجرد مزحة على الإطلاق، ففي السنة السابق، أمرت القيادة السوفياتية بوضع خطط لغزو فرنسا وإيطاليا والاستيلاء على المضائق بين الدنمارك والنرويج. وخلال عام 1945 قال الجنرال السوفياتي سيرغي شتيمينكو، في إحدى محادثاته: “لقد كنا نتوقع أن يتخلى الأميركيون عن أوروبا التي تغط في الفوضى، وأن تصاب بريطانيا وفرنسا بالشلل بسبب مشاكلهما الاستعمارية”.
لقد اعتقد القادة السوفيات أن هذا من شأنه أن يخلق فرصة سانحة لهم، لذا فإنهم لم يتخلوا عن خططهم إلا بعد معرفة أن الولايات المتحدة كانت قريبة من بناء القنبلة الذرية، رغم أن شهيتهم للتوسع ظلت قائمة.
ومن المؤكد أن الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة فجر العصر النووي، حيث نظر الكثيرون إلى اختراع القنبلة الذرية برعب، واعتبروا قصف الولايات المتحدة لهيروشيما وناغازاكي جريمة حرب. ورغم ذلك فإن استهداف هاتين المدينتين اليابانيتين في أغسطس/آب 1945 كان ينطوي على خيار “أخلاقي” بالغ الأهمية.
فقبل أن تؤدي عمليات القصف إلى تسريع نهاية الحرب، كان الجنرالات اليابانيون يرغبون في مواصلة القتال بدلاً من قبول شروط الاستسلام التي أصدرتها قوى الحلفاء في إعلان بوتسدام في يوليو/تموز، وكانوا مستعدين للتضحية بملايين المدنيين اليابانيين من خلال إجبارهم على مقاومة غزو الحلفاء باستخدام الرماح المصنوعة من الخيزران والمتفجرات المثبتة على أجسادهم فقط.
وبحلول عام 1944، كان حوالي 400 ألف مدني يموتون شهرياً بسبب المجاعة في مناطق شرق آسيا والمحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا التي احتلتها القوات اليابانية. كان الحلفاء يريدون أيضًا إنقاذ أسرى الحرب الأميركيين والأستراليين والبريطانيين الذين كانوا يلقون حتفهم في المعسكرات اليابانية، أو كانوا يتعرضون للذبح على يد خاطفيهم بأوامر من طوكيو.
وهكذا، ورغم أن القنبلة الذرية حصدت أرواح أكثر من 200 ألف ياباني، فإن هذا السلاح الرهيب ربما أنقذ عدداً أكبر بكثير في “مفارقة أخلاقية مقلقة”.
العديد من النساء اللواتي قُتل خُطّابهن في الحرب العالمية الثانية لم يتزوجن أبدًا ولم ينجبن أطفالًا. (شترستوك)
العالم الذي صنعته الحرب
في النهاية، لا شك أن الحرب العالمية الثانية أعادت ضبط مسار الإستراتيجية العالمية، سواء إلى الأفضل أو الأسوأ (على اختلاف موقع الناظر وانتمائه). وفي نهاية المطاف، مهدت هزيمة اليابان الطريق أمام صعود الصين الحديثة، وكان انهيار الإمبراطوريات البريطانية والهولندية والفرنسية في عامي 1941 و1942 بمثابة شهادة وفاة لأوروبا الإمبريالية، كما حفزت تجربة الحرب الاتجاه نحو التكامل الأوروبي، وفي الوقت نفسه، ارتفعت مكانة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى مصاف القوى العظمى.
كذلك، أدت الحرب العالمية الثانية إلى ظهور الأمم المتحدة، التي كان من أهدافها القائدية حماية سيادة الدول، ومنع العدوان المسلح والاستيلاءِ على الأراضي بالقوة. كانت الأمم المتحدة حلما يراود القائد الأميركي فرانكلين روزفلت، وكان مستعدًا للسماح لستالين بالسيطرة الكاملة على بولندا لتحقيق هذا الحلم. ولكن في فبراير/شباط من السنة الحالي (2025)، أدارت الولايات المتحدة ظهرها للمبادئ التأسيسية للأمم المتحدة، وصوتت إلى جانب موسكو، ورفضت إدانة “العدوان” الروسي على أوكرانيا.
كما أدت الحرب العالمية الثانية إلى نشوب الحرب الباردة، ويقول بعض المؤرخين إن هذا المواجهة الجديد بدأ في عام 1947 باتفاقية كلاي-روبرتسون (نسبة إلى لوسيوس د. كلاي، الحاكم العسكري للولايات المتحدة، والجنرال برايان روبرتسون، نائب الحاكم العسكري البريطاني) التي كانت بداية تخلي الحلفاء الغربيين عن ألمانيا الموحدة و”تخليق” ألمانيا الغربية مما أثار جنون ستالين.
شهد ذلك السنة تصاعد التوترات، حيث أصدر ستالين في سبتمبر/أيلول أمراً للأحزاب الشيوعية الأوروبية بتجهيز أسلحتها استعداداً للحرب المستقبلية، وهو ما وضع الأساس للحصار السوفياتي لبرلين في السنة التالي.
غير أن الأصول الحقيقية لتلك الأحداث تعود إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وتحديدا إلى يونيو/حزيران 1941 حين أصيب ستالين بصدمة نفسية بسبب عملية بارباروسا، الغزو الذي قادته النازية ضد الاتحاد السوفياتي، والذي بدأ في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين، بدا ستالين عازما على أن يحيط نفسه بدول تابعة في وسط أوروبا وجنوبها حتى لا يتمكن أي غازٍ من مفاجأة الاتحاد السوفياتي مرة أخرى.
لقرون عديدة، كانت روسيا مهووسة بفكرة السيطرة على جيرانها لمنع تطويقها، وكان اهتمام ستالين منصبًّا بالأساس على بولندا. وفيما يبدو فإن بوتين حافظ على العقلية نفسها، لكن اهتمامه تركز على أوكرانيا، موطن النطاق الجغرافي الأكثر ضعفا لروسيا، والتي يراها بوتين جزءا لا يتجزأ من بلاده.
وعندما تحرك القائد الروسي بناء على هذا “الادعاء” لغزو أوكرانيا في عام 2022، أعاد إلى الأذهان سمة من سمات زمن الحرب العالمية الثانية التي كانت غائبة إلى حد كبير عن الإستراتيجية العالمية منذ ذلك الحين. لقد ساهم الزعماء الأفراد، الذين تمتع العديد منهم بدعم الأنظمة الشمولية التي سيطروا عليها، في تشكيل مسار ذلك المواجهة الواسع. من تشرشل إلى روزفلت إلى ستالين، أعادت مؤامرات الزعماء ومكائدهم إحياء فكرة “الرجل العظيم” الذي يحرك مجرى التاريخ في المخيلة الشعبية.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح نفوذ الزعماء السياسيين أقل نسبيا. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن النظام الحاكم الماليةي العالمي يقيد -إلى حد كبير- حرية تصرفهم، وهو الأمر الذي يفعله أيضا الفحص المستمر لقراراتهم من قبل وسائل الإعلام، والذي يجعل الكثيرين منهم أكثر أنذرا. ولعقود من الزمن، بدا الأمر كما لو أن شخصيات الزعماء لن تتمكن مرة أخرى من تحديد مسار الأحداث بالطريقة التي فعلتها إبان الحرب العالمية الثانية، لكن بوتين غيّر هذا الوضع، وترامب، الذي يتخذ من بوتين قدوة له، يغيّر هذا الوضع أيضا.
واليوم، بينما احتفلت روسيا بيوم النصر في 9 مايو/أيار، يصر بوتين على استغلال قصة “الحرب الوطنية العظمى” التي تخوضها بلاده إلى أقصى حد. ويلمح بوتين إلى إمكانية إعادة تسمية مدينة فولغوغراد باسمها السابق ستالينغراد -وهو الاسم الذي تغير في عام 1961 كجزء من حملة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف لإزالة آثار الستالينية- بغية تسليط الضوء على انتصار القوات المسلحة الأحمر على “غزاة” المحور في معركة ستالينغراد عام 1943، وهي نقطة التحول النفسية العظيمة في الحرب من وجهة نظر بوتين والروس.
في واقع الأمر، لا توجد مجموعة واحدة من الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من الحرب العالمية الثانية، فالحرب بطبعها تتحدى التعميم ولا يمكن إدراجها تحت تصنيفات سهلة أو ثابتة. وتجلب الحرب عددا لا يحصى من القصص حول المأساة، والفساد، والنفاق، والأنانية، والخيانة، والاختيارات المستحيلة، والسادية، لكنها تنطوي أيضًا على حكايات عن التضحية بالنفس، والرحمة، والبشر الذين تمسكوا بإيمانهم بالإنسانية رغم الظروف المروعة والقمع الوحشي. وسيظل المثال الذي يقدمه هؤلاء جديرًا دائمًا بالتذكر والمحاكاة، بغض النظر عن مدى قتامة المواجهةات التي نشهدها في عالم اليوم.
_____________________________ هذا المقال مترجم عن فورين أفيرز ولا يعبر بالضرورة عن الجزيرة نت