الوسم: اليمن القديم

  • أخبار اليمن اليوم: البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يساهم في إعادة تأهيل سور قصر سيئون التاريخي

    أخبار اليمن اليوم: البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يساهم في إعادة تأهيل سور قصر سيئون التاريخي

    عدن، اليمن – Sh News خبر حصري: في خطوةٍ تعكس التزام المملكة العربية السعودية بدعم التنمية والحفاظ على التراث الثقافي، يساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في إعادة تأهيل قصر سيئون التاريخي في محافظة حضرموت بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

    يعد قصر سيئون من أبرز المعالم التاريخية في اليمن، ولكنه عانى من الانهيارات الجزئية في سور القصر بسبب العوامل الطبيعية بسنوات النزاع المستمرة في البلاد. ومن أجل استعادة مجده السابق والمحافظة على هذا التراث الثمين، تدخل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن على الساحة.

    تشمل جهود إعادة التأهيل إصلاح الانهيارات الجزئية لسور القصر وترميمه بأساليب تقليدية تحافظ على الهوية الثقافية للموقع. ومن المتوقع أن يتم استعادة القصر اليمني إلى حالته الأصلية الرائعة، مما سيساهم في استعادة الحياة والرونق لهذا الأثر التاريخي المهم.

    يعبر هذا المشروع عن التعاون الوثيق بين السعودية واليمن في مجال الثقافة والتراث، حيث يعمل البرنامج السعودي بالتعاون مع منظمة اليونسكو وباقي الأطراف المعنية في اليمن لصيانة هذا المعلم الهام. ويعكس هذا الجهد المشترك الرغبة في الحفاظ على التراث الثقافي اليمني وتعزيز قيمه وأهميته للأجيال الحالية والمستقبلية.

    أخبار اليمن اليوم: البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يساهم في إعادة تأهيل قصر سيئون التاريخي

    من جانبه، أعربت الحكومة اليمنية في عدن عن تقديرها العميق لهذه المبادرة، وأكدت أنها تمثل دعمًا قويًا للجهود الوطنية في إعادة إعمار اليمن وتعزيز التنمية المستدامة.

    تأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار والتطور في اليمن، وتعزيز الروابط الثقافية والتاريخية بين الشعبين السعودي واليمني. يقول البرنامج السعودي أنه من المؤمل أن يكون لهذا العمل الذي شاركت به السعودية تأثير إيجابي كبير على السياحة الثقافية في المنطقة، حيث سيعيد لسور القصر الجمال والرونق ويعزز جاذبيته للزوار الداخليين والخارجيين. وبالتعاون مع منظمة اليونسكو، ستتم توثيق وثائق التاريخ والثقافة المتعلقة بقصر سيئون، مما يسهم في إثراء المعرفة العالمية بالتراث اليمني الغني.

    تشير هذه المبادرة إلى التزام البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بتحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على التراث الثقافي كجزء من رؤيته الشاملة. وتعكس أيضًا الرغبة في بناء شراكات قوية مع المنظمات الدولية لتنفيذ مشاريع تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في اليمن.

    أخبار اليمن اليوم: البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يساهم في إعادة تأهيل قصر سيئون التاريخي

    يجدر بالذكر أن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يعمل على مجموعة واسعة من المشاريع الأخرى في البلاد، بما في ذلك إعادة البنية التحتية وتطوير القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة. ومن المتوقع أن يسهم هذا البرنامج في تحسين جودة الحياة للمواطنين اليمنيين وتعزيز الاستقرار في البلاد ان شاء الله.

    بهذه الجهود المستمرة والملموسة، يعكس البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن التزام المملكة العربية السعودية بمساعدة الشعب اليمني ودعمه في مرحلة ما بعد النزاع، ويشجع على تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في اليمن.

    إن إعادة تأهيل قصر سيئون التاريخي هو خطوة هامة تعزز العلاقات الثقافية والتراثية بين السعودية واليمن، وتساهم في تعزيز الفهم المتبادل والتعاون المشترك بين البلدين الشقيقين. وتؤكد هذه المبادرة أيضًا أن الثقافة والتراث هما ركائز أساسية للتنمية المستدامة والسلام في المنطقة.

    أخبار اليمن اليوم: البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يساهم في إعادة تأهيل قصر سيئون التاريخي
  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم الحادي عشر أبن العربي المعافري اليماني

    أبن العربي المعافري اليماني

    ‏الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري اليماني ويلقب (ابن العربي )ولد في عام 463هـ في أشبيليه وتوفي في عام 543 هـ في فاس بالمغرب وهو ليس ابن عربي الصوفي محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي اليماني الذي يعرض في مسلسل ارطغرل … ‏يعود أصل صاحب قصتنا من تعز من بلاد المعافر كان أبوه أبو محمد من كبار أصحاب أبي محمد بن حزم الظاهري بخلاف ابنه القاضي أبي بكر ; فإنه منافر لابن حزم ، محط عليه بنفس ثائرة .

    ارتحل مع أبيه ، وسمعا ببغداد من طراد بن محمد الزينبي ، وأبي عبد الله النعالي ، وأبي الخطاب ابن البطر ، وجعفر السراج ، وابن الطيوري ، وخلق ، وبدمشق من الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي ، وأبي الفضل بن الفرات ، وطائفة ، وببيت المقدس من مكي بن عبد السلام الزميلي ، وبالحرم الشريف من الحسين بن علي الفقيه الطبري ، وبمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي ، ومحمد بن عبد الله بن داود الفارسي وغيرهما .

    وتفقه بالإمام أبي حامد الغزالي ، والفقيه أبي بكر الشاشي ، والعلامة [ ص: 199 ] الأديب أبي زكريا التبريزي ، وجماعة .

    وذكر أبو القاسم بن عساكر أنه سمع بدمشق -أيضا- من أبي البركات ابن طاوس ، والشريف النسيب ، وأنه سمع منه عبد الرحمن بن صابر ، وأخوه ، وأحمد بن سلامة الأبار ، ورجع إلى الأندلس في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة .

    قلت : رجع إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته -أظن ببيت المقدس – وصنف ، وجمع ، وفي فنون العلم برع ، وكان فصيحا بليغا خطيبا .

    صنف كتاب ” عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي ” وفسر القرآن المجيد ، فأتى بكل بديع ، وله كتاب ” كوكب الحديث والمسلسلات ” وكتاب ” الأصناف ” في الفقه ، وكتاب ” أمهات المسائل ” ، وكتاب ” نزهة الناظر ” وكتاب ” ستر العورة ” ، و ” المحصول ” في الأصول ، و ” حسم الداء في الكلام على حديث السوداء ” ، كتاب في الرسائل وغوامض النحويين ، وكتاب ” ترتيب الرحلة للترغيب في الملة ” و ” الفقه الأصغر المعلب الأصغر ” وأشياء سوى ذلك لم نشاهدها . [ ص: 200 ] واشتهر اسمه وكان رئيسا محتشما ، وافر الأموال بحيث أنشأ على إشبيلية سورا من ماله .

    حدث عنه : عبد الخالق بن أحمد اليوسفي الحافظ ، وأحمد بن خلف الإشبيلي القاضي ، والحسن بن علي القرطبي ، وأبو بكر محمد بن عبد الله الفهري ، والحافظ أبو القاسم عبد الرحمن الخثعمي السهيلي ، ومحمد بن إبراهيم بن الفخار ، ومحمد بن يوسف بن سعادة ، وأبو عبد الله محمد بن علي الكتامي ، ومحمد بن جابر الثعلبي ، ونجبة بن يحيى الرعيني ، وعبد المنعم بن يحيى بن الخلوف الغرناطي ، وعلي بن أحمد بن لبال الشريشي ، وعدد كثير ، وتخرج به أئمة ، وآخر من حدث في الأندلس عنه بالإجازة في سنة ست عشرة وستمائة أبو الحسن علي بن أحمد الشقوري ، وأحمد بن عمر الخزرجي التاجر ، أدخل الأندلس إسنادا عاليا ، وعلما جما .

    وكان ثاقب الذهن ، عذب المنطق ، كريم الشمائل ، كامل السؤدد ، ولي قضاء إشبيلية ، فحمدت سياسته ، وكان ذا شدة وسطوة ، فعزل ، وأقبل على نشر العلم وتدوينه . ‏[ ص: 201 ] وصفه ابن بشكوال بأكثر من هذا ، وقال أخبرني أنه ارتحل إلى المشرق في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وسمعت منه بقرطبة وبإشبيلية كثيرا .

    وقال غيره : كان أبوه رئيسا وزيرا عالما أديبا شاعرا ماهرا ، اتفق موته بمصر في أول سنة ثلاث وتسعين فرجع ابنه إلى الأندلس .

    قال أبو بكر محمد بن طرخان : قال لي أبو محمد بن العربي : صحبت ابن حزم سبعة أعوام ، وسمعت منه جميع مصنفاته سوى المجلد الأخير من كتاب ” الفصل ” وقرأنا من كتاب ” الإيصال ” له أربع مجلدات ولم يفتني شيء من تواليفه سوى هذا . كان القاضي أبو بكر ممن يقال : إنه بلغ رتبة الاجتهاد .

    قال ابن النجار : حدث ببغداد بيسير ، وصنف في الحديث والفقه والأصول علوم القرآن والأدب والنحو والتواريخ ، واتسع حاله ، وكثر إفضاله ، ومدحته الشعراء ، وعلى بلده سور أنشأه من ماله .

    ‏وقد ذكره الأديب أبو يحيى اليسع بن حزم ، فبالغ في تقريظه ، وقال : ولي القضاء فمحن ، وجرى في أعراض الإمارة فلحن وأصبح تتحرك بآثاره الألسنة ، ويأتي بما أجراه عليه القدر النوم والسنة ، وما أراد إلا خيرا ، نصب السلطان عليه شباكه ، وسكن الإدبار حراكه ، فأبداه للناس صورة [ ص: 202 ] تذم ، وسورة تتلى لكونه تعلق بأذيال الملك ، ولم يجر مجرى العلماء في مجاهرة السلاطين وحزبهم ; بل داهن ، ثم انتقل إلى قرطبة معظما مكرما حتى حول إلى العدوة ، فقضى نحبه .

    قرأت بخط ابن مسدي في ” معجمه ” ، أخبرنا أحمد بن محمد بن مفرج النباتي سمعت ابن الجد الحافظ وغيره يقولون : حضر فقهاء إشبيلية : أبو بكر بن المرجى وفلان وفلان ، وحضر معهم ابن العربي ، فتذاكروا حديث المغفر، فقال ابن المرجى : لا يعرف إلا من حديث مالك عن الزهري .

    فقال ابن العربي : قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك فقالوا : أفدنا هذا.

    فوعدهم ، ولم يخرج لهم شيئا ، وفي ذلك يقول خلف بن خير الأديب ‏يا أهل حمص ومن بها أوصيكم بالبر والتقوى وصية مشفق فخذوا عن العربي أسمار الدجى ‏وخذوا الرواية عن إمام متق إن الفتى حلو الكلام مهذب إن لم يجد خبرا صحيحا يخلق ‏قلت : هذه حكاية ساذجة لا تدل على تعمد ، ولعل القاضي -رحمه الله- وهم ، وسرى ذهنه إلى حديث آخر ، والشاعر يخلق الإفك ، ولم أنقم على القاضي -رحمه الله- إلا إقذاعه في ذم ابن حزم واستجهاله له ، وابن حزم أوسع [ ص: 203 ] دائرة من أبي بكر في العلوم ، وأحفظ بكثير ، وقد أصاب في أشياء وأجاد ، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة ، والإنصاف عزيز .

    ‏قال أبو القاسم بن بشكوال توفي ابن العربي بفاس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وفيها ورخه الحافظ أبو الحسن بن المفضل وابن خلكان .

    وفيها توفي المسند الكبير أبو الدر ياقوت الرومي السفار صاحب ابن هزارمرد ، والمعمر أبو تمام أحمد بن محمد بن المختار بن المؤيد بالله الهاشمي السفار صاحب ابن المسلمة بنيسابور ، والفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي الرقي الذي يروي الخطب والحافظ أبو علي الحسن بن مسعود ابن الوزير الدمشقي كهلا بمرو ، وقاضي القضاة أبو القاسم علي بن نور الهدى الحسين بن محمد الزينبي والمعمر أبو غالب محمد بن علي ابن الداية ومسند دمشق أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان ، ومفيد بغداد أبو بكر المبارك بن كامل الظفري [ ص: 204 ] الخفاف والشهيد شيخ المالكية أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي بدمشق .

    قتل بأيدي الفرنج رحمه الله .

    أخبرنا محمد بن جابر القيسي المقرئ ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد القاضي بتونس ، أخبرنا أبو الربيع بن سالم الحافظ ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن جيش الحافظ ، حدثنا القاضي أبو بكر بن العربي ، حدثنا طراد الزينبي ، حدثنا هلال بن محمد ، حدثنا الحسين بن عياش ، حدثنا أبو الأشعث ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا شعبة ، حدثنا جبلة بن سحيم ، عن ابن عمر ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من جر ثوبا من ثيابه من مخيلة فإن الله لا ينظر إليه .

    وأخبرناه عاليا بدرجتين إسماعيل بن عبد الرحمن ، أخبرنا أبو محمد بن قدامة ، أخبرتنا شهدة وطائفة قالوا : أخبرنا طراد النقيب . . فذكره .

    ومات في فاس في ربيع الآخر سنة 543 هـ، ودفن بها. قال عنه ابن بشكوال: هو الإمام الحافظ، ختام علماء الأندلس ويعتبر مفخر للمسلمين ولليمانيين خاصه في بلاد الأندلس

    المصدر

    ‏سيرة اعلام النبلاء لمحمد ابن احمد بن عثمان الذهبي

    ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم العاشر الامير مرجان الظافري اليماني

    اول مرة ستقرأ عن قصة حماية عدن والسواحل اليمنية في عهد الدولة اليمنية الطاهرية من الغزو البرتغالي لعدن

    ثريد حامي عدن وسواحلها الامير مرجان الظافري اليماني وانتصاره الساحق على البرتغاليين

    بعد نحو ست سنوات من احتلال البرتغاليين لجزيرة سقطرى بعدما واجهوا ثورة كبيرة من ابناء سقطرى ادركوا ان عدن هي بوابة البحر الاحمر وليست سقطرى .وبالسيطرة عليها يمكن شل الحركة التجارية في البحر الاحمر، واستنادًا لهذه المعطيات التي حملتها تقارير البحرية البرتغالية إلى لشبونة، اصدر ملك البرتغال “مانويل الأول من البرتغال (بالبرتغالية:Manuel I) هو الملك الرابع عشر للبرتغال. وتوفي في لشبونة في 13 ديسمبر 1521.

    دعم حملات الاستكشاف البرتغالية في المحيط الأطلسي. وقد تم اكتشاف البرازيل وضمها إلى مملكته في عصره كما أن فاسكو دا غاما قام بتأمين طريق التجارة إلى الهند وقام ألفونسو دي البوكيرك بالسيطرة على المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عمان وجميع الموانئ في المنطقة مما عزز دور الإمبراطورية البرتغالية. ” باحتلال عدن، فتحرك القبطان افونسو جود سالو دلبوكيرك مانويل من جوّا في سنة 939هـ/1513م نحو عدن للسيطرة عليها.

    ويذكر بامخرمة الذي عاصر هذه الحملة بأن أهل ابين رأوا عددًا من السفن قاصدة عدن ، وكانت في حقيقتها طلائع الأسطول البرتغالي ،فارسلوا من يبلغ الأمير مرجان الظافري والي مدينة عدن بذلك”وهو بطل قصتنا “والذ بدوره أسرع بإرسال الخبر إلى السلطان الظافر عامر بن عبدالوهاب (الثاني)سلطان الدولة اليمنية الطاهرية الذي كان آنذاك يواصل بالحروب الداخلية ضد المتمردين وهو ماجعل البرتغاليين يتجرأون بالقدوم إلى عدن وذلك بسبب الحروب الداخلية ولكن السلطان الظافر أمر بتجهيز حملة حربية لنجدة عدن كما امر ببقية امراء الموانئ اليمنية بالاستعدادات للمقاومة .

    ‏وعلى اية حال ، فقد أُشير على الامير مرجان الظافري بنقل شحنات السفن الراسية في الميناء إلى المدينة خشية تعرضها للسطو من قبل البرتغاليين. بيد أن الامير مرجان الظافري لم يعمل بمشورته لان لديه خطة اخرى حول هذا الامر حيث كان آنذاك مشهورًا بحنكته وكفاءته في ادارة شئون الحكم في عدن.

    وفي صبيحة يوم الجمعة الموافق 17 محرم 919هـ/25 مارس 1513م رأى اهل عدن ثمانية عشر مركباً راسية في صيرة فعزم الامير مرجان على منازلتهم ولكنه وضع عدة خطط ولم يتسرع وهذا مشهود له وكانت أولى الخطط إلى التغافل عنهم وعدم مبادرتهم بالحرب وأمر اهل المدينة باتباع ذلك .

    ‏وتنفيذًا للمخطط البرتغالي شرعت إحدى سفنهم في استطلاع الوضع في البندر حتى أطمأنت “وهذه من خطط الامير مرجان الظافري اعطائهم الامان “ثم أشارت تلك السفينة إلى الاسطول بالتقدم حتى رسوا في البندر ، وبدأوا مباشرة بضرب المدينة بالمدفعية والبنادق .ولكن الامير مرجان قد درس هذا حيث وضع اماكن يحتمي بها اهل المدينة لانه يعلم أنها اذا بدأت المعركة فسيضربون بيت المدنيين لكي يضغطون عليه ولكنه كان احرص منهم في هذه النقطة.

    وحاول الأمير مرجان الظافري مناورتهم حتى يتم استكمال الاستعدادات فقام بمفاوضات لكسب الوقت فأرسل إليهم بالكباش والفواكة على سبيل الضيافة ، إلا أنهم رفضوها البرتغاليين وقالوا ان هدفهم هو الاستيلاء على المدينة وإنهم إن لم يستلموها طوعًا أخذوها قهرًا ، مؤكدين في الوقت ذاته مهاجمة المدينة يوم السبت.

    ‏وعلى الرغم من تعنتهم إلا أن الأمير مرجان الظافري حاول ثانيةً لكسب الوقت ‏، فأرسل رسولاً آخر بهدايا ويخبر دلبوكيرك أن عدن تحت أمر ملك البرتغال ‏وأن رغبات الملك نافذة، بيد أن دلبوكيرك رفضها، ورد على الأمير مرجان بأنه ليس من عادته قبول الهدايا من أمراء لا تربطه بهم حالة سلام حقيقية، وإذا كانت رغبة الأمير مرجان في الطاعة حقيقية، فإن عليه الأمر بفتح أبواب المدينة، ويسمح بدخول جنوده إليها، أما السفن الراسية في الميناء فيمكن السماح لها بالسفر إذا طلبت منه إذناً بذلك (4) .

    الامير مرجان الظافري اليماني

    عندما رأى الأمير مرجان أنهم بدأوا بالاستيلاء على السنابيق والسفن الراسية تمهيداً لغزو المدينة ( السفن لم يسحبها وهو من اجل يعرف خطوات العدوا وانه اذا اقترب للسفن فالمعركة بدأت لانه تركها من اجل كسب الوقت ومعرفة ما يخطط له العدو) ‏لقد أمر الامير مرجان الظافري بنصب المدافع على الدرب استعداداً للمقاومة ولإعداد الخطة الهجومية على عدن استشار القبطان دلبوكيرك كبار قادة الأسطول وبدورهم قرروا تكليف فرقة باستخدام السلالم لتسلق الدرب من يسار الساحل ويقودها دي جارسيا، فيما يقود دلبوكيرك بنفسه قوة ثانية لمهاجمة المدينة من يمين الساحل، ثم قائد آخر يتخذ موقعاً بين الفرقتين ومعه فرقة تحمل سلماً ضخماً، فيما عهدوا إلى مائة جندي تسلق التلوالمطل على السور في أقصى اليمين من الساحل للقفز خلف السور وكيفما كان أمر ذلك المخطط، فقد فشل دلبوكيرك فشلاً ذريعاً إذ إن قواته المتجهة إلى يسار الساحل عجزت عن اقتحام المدينة، لان المقاومة كانت تقاتلهم بشراسة والفرقة التي قادها بنفسه أعاقها شدة انحدار الشاطئ والقوة التي وضعها الامير مرجان الظافري لمنع وصول هؤلاء البرتغالييون من الدخول للمدينة مما عرقل سير القوارب، فاضطروا للخوض في الماء حاملين معهم السلالم والبنادق فوق رؤوسهم، وحاولوا عبثاً نصب السلالم على الدرب فتم كسرها بهم وبعد أن أخفق دي جارسيا في التسلق من يسار السور واقتحام باب السر وكان هذا فخ البرتغالييون حول وجهته إلى رأس شرشرة ، وتمكنت قواته من التسلق إلى أعلى السور دون أن يواجه مقاومة تذكر بأمر من الأمير مرجان الظافري ونزل بعضهم إلى المدينة وآخرون صعدوا إلى جبل الخضراء، فوجدوا قوات الدولة يسندهم أهل عدن لهم بالمرصاد يقاتلوهم بشراسة حتى أنزلوهم من الجبل .

    ‏أما المعارك التي دارت على الدرب، فقد ورد في المصادر أن دلبوكيرك أمر جنوده بالبحث عن باشورة كشك خشبي متحرك للاحتماء بها حتى يتمكنوا من الدخول إلى المدينة كما أمر بترميم السلالم حتى يتمكن جنوده من تجاوز الدرب (٥) ، بيد أن الانتصار في هذه المرحلة من المعركة كان حليف امير عدن وقواته و أهل عدن الذين استبسلوا في مقاتلة البرتغاليين حتى استولوا على الدرب، ومن جهته أمر الأمير مرجان بحرق الباشورة التي كانت تحمي عدداً قليلاً من الغزاة، فاضطر من نجا منهم إلى ركوب السنابيق للعودة إلى السفن. وفي آخر الدرب قرب جبل الخضراء كان الانتصار فيها لوهلة حليف البرتغاليين وتمكنوا من الدخول إلى أسواق المدينة ، ولكن عاد الامير بقوة هو وقواته يحث أهل المدينة بعدما علم أن ذلك الإخفاق في تلك الجبهه قد أثر في معنويات أهل عدن وتسرب إلى نفوسهم اليأس والإحباط، حيث قال من خاف من الموت فل يخرج من عدن ولكنني اقسمت ان لا ابرح المكان إلا منتصرًا او شهيدًا .

    ‏وكان ذلك الخوف لعدم تكافؤ طرفي المعركة في العدد والعتاد، فضلاً عن تأخر نجدات اخرى حيث أرسلوا قوات الطاهريين ولكن الامير مرجان الظافري يريد اكثر ولانشغال الدولة بمحاربة المتمردين في الداخل تأخرت بقية الامدادات ولكن الأمير مرجان كما يبدو قد استقرأ أحداث ووقائع المعركة ورأى إمكانية التقدم والتفوق على العدو، فعاد إلى المعركة في قلةٍ من رجاله، وانضم إليه رجال كثر من المدينة بعد كلمته التي حفزتهم وقاتلوا الغزاة حتى ألحقوا بهم الهزيمة المنكرة، وهرب البرتغاليون إلى مراكبهم، ولتمام الإجهاز عليهم أمر الأمير مرجان بضرب مراكبهم بالمدفعية من قلعة صيرة، فقتلت وجرحت عدداً كبيراً منهم، وعلى إثر هذه الضربة الموجعة التي تلقاها الغزاة قاموا بإضرام النيران في المراكب الراسية في البندر انتقاماً لهزيمتهم ، وقد ظلت بعض المراكب تناوش المدينة دون طائل فيما ‏أبحرت أغلب مراكبهم إلى جزيرة كمران.‏

    اما حصيلة قتلى هذه المعركة من الطرفين إذ يذكر المؤرخ بافقيه الشحري ان عدد قتلى البرتغالييون مائتان من القتلى ويقول ابن شنبل ان في هذه المعركة خمسين شهيد مسلم، من اليمنيين الذين هم دون شك كوكبة من خيرة رجالاتها أبرزهم إسماعيل بن عمر بن موسى المهري الرحيلي الذي كان أحد أسباب النصر وكان سند كبير للامير مرجان الظافري وبهذا الانتصار الساحق سجلت المدينة أروع صفحاتها التاريخية ممهورة ببطولات ‏المقاومة الشعبية تحت لواء أميرها الجسور مرجان الظافري.

    الامير مرجان الظافري اليماني

    عودة البرتغاليين لغزو عدن للمرة الثانية لينتقموا من هزيمتهم الاولى والساحقة.

    ‏ أقام البرتغاليون في جزيرة كمران حتى منتصف جمادى الأولى للسنة ذاتها يوليو١٥١٤م، ثم عادوا ليعززوا رفاقهم في عدن استعداداً لمهاجمة المدينة مرة ثانية، بيد أن الأمير مرجان الظافري هذه المرة اتخذ الاستعدادات اللازمة والمتاحة لتحصين المدينة، فبنى دروباً ومسالك وحصوناً، ولعله بنى الممشى (الممر) بين جزيرة صيرة والبلد لتيسير نقل المؤن إلى الجزيرة والقلعة، كما فتح باب المشاركة أمام أهل عدن للعمل ضمن القوات النظامية، ورتب عسكر البحرية على ساحل البحر وعلى المراكب، وعزز رتبة الحصون والدروب وشحنها بالعتاد وعندما وصل البرتغاليون إلى صيرة بدأوا كالعادة بحرق عشرين مركباً من المراكب ‏الراسية ثم نزلوا بالسنابيق إلى ساحل صيرة ليلاً، وكان البحر عارياً، وبينما هم يحملون السلالم والعتاد، إذا بالأمير والجيش و بأهل المدينة قد ثاروا عليهم بالسلاح من كل مكان، وحدثت بين الطرفين معركة شديدة الضراوة، ثم تدخلت المدفعية، وقصفت مراكب الغزاة من أعلى سور صيرة،ومن الله على عدن بالنصر، وقفل البرتغاليون منهزمين إلى سفنهم بين قتيل وجريح وأسير .

    وفي اليوم التالي أحجم الجند البرتغاليون عن مهاجمة المدينة ولزموا مراكبهم، وكعادتهم أفرغوا غضبهم وغيظهم على السفن الراسية في البندر فأضرموا فيها النار حتى أحرقوها، وفي المقابل تعرضت سفنهم لنيران المدافع والعرادات فأصابتها بأضرار بالغة، وأجبرتهم على الفرار مذمومین مدحورین من عدن وسواحلها ومن بحر ابين و لحج وشرق اليمن .

    ‏وبهذا النصر المؤزر يكون الأمير مرجان الظافري قد سدد صفعة قوية إلى هيبة البرتغاليين الحربية البحرية، إذ كانت هزيمتهم في عدن أول هزيمة كبرى يتلقونها منذ انتصاراتهم المتلاحقة على الأقاليم الصغيرة في شرق أفريقيا وسواحل الهند الغربية . وعلى إثر نتائج المقاومة الباسلة التي نظمها وخطط لها الأمير مرجان ضد الغزاة سطع نجمه في الآفاق ، وذاع صيته بحسن الإعداد وبعد النظر والثبات عند الشدائد فوق شهرته كإداري قدير .

    ولكي يمسح البرتغاليون عار تلك الهزيمة أو على الأقل يخففون من آلامها ذهبوا ليعززوا مراكزهم العسكرية والتجارية شرقاً فاحتلوا جزيرة هرمز وساحل عمان سنة ٩٢١هـ/١٥١٥م

    المصدر

    ‏بامخرمة قلادة النحر ج 3 ‏بافقية الشحري تاريخ الشحر ‏عيسى بن لطف الله روح الروح ج1 ‏بامطرف الشهداء السبعة دلبوكيرك السجل الكامل ج3 ‏الكبسي اللطائف السنية ‏تاريخ ابن شنبل عباس علوي فرحان عدن في عهد الدولة الطاهرية

    بقلم ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم التاسع مؤرخ الدولة اليمنية الرسولية أبو الحسن الخزرجي

    مؤرخ الدولة اليمنية الرسولية أبو الحسن الخزرجي

    هو موفق الدين أبو الحسن علي ابن الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي بن وهاس الزبيدي الخزرجي الشافعي الأنصاري، ويعرف أيضاً بابن النقاش.

    ‏اما عن اسم الخزرجي ونسبه

    هو موفَّق الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي بن وهَّاس الخزرجي الزبيدي اليمني، مؤرِّخ وأديب وبحَّاثة، والزبيدي؛ نسبةً إلى مدينة زبيد، التي نشأ وتُوفِّي فيها، يرتفع نسبه إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الازدي اليماني رضي الله عنه سيِّد الخزرج.

    ‏قال ابن العماد الحنبلي: وعلي بن وهَّاس جدُّ جدِّه، هو الذي يقول فيه الزمخشري صاحب “الكشَّاف”:

    ‏مولد علي بن الحسن الخزرجي

    ‏لا تشير المراجع إلى تاريخ ولادته نعم لا يُعرف تاريخ مولده على التحديد، ولكنَّ ابن حجر رحمه الله نقل أنَّ الخرزجي تُوفِّي سنة (812هـ=1410م) وقد جاوز السبعين من عمره، فتكون ولادته في حدود سنة (740هـ=1340م)، أو قبلها بقليل.

    ‏نشأة الخزرجي وأعماله نشأ موفَّق الدين الخزرجي في ظلِّ الدولة اليمنية الرسوليَّة (626-858هـ= 1228-1454م)، عمل في بداية أمره عند أحد المعماريِّين في تبييض جدران البيوت، حيث كان في أول أمره يتعاطى مهنة البناء ونقش الصور. وزخرفتها بالنقوش والكتابات، وشبَّ على ذلك حتى أجاد هذه الصناعة إجادةً تامَّة، واكتسب منها ذوقًا فنِّيًّا رفيعًا، إلى جانب حسن الخطِّ الذي يحتاج إليه فنُّ الزخرفة؛ مثل كتابة الآيات القرآنيَّة، أو الأحاديث النبويَّة، أو الأبيات الشعريَّة.

    وهذه الصنعة من الصنائع المرموقة في العصر الرَّسولي، وكان الخزرجي من أشهر أصحابها، وبواسطتها تمكَّن من الاتِّصال بالملوك الرسوليِّين، وأُوكِل إليه زخرفة المدارس والقصور الملكيَّة، واسمه مثبَّت في بعض المدارس، كالمدرسة الأفضليَّة في مدينة زبيد، وقد استدعاه من مدينة زبيد إلى مدينة تعز الوزيرُ عمرُ بن أبي القاسم بن معيبد؛ لعمارة مدرسةٍ في ناحية المحاريب.

    اشتغل بعد ذلك بطلب العلم، فدرس الأدب، والتاريخ، وبرع في علم القراءات، حتى عُيِّن ضمن القرَّاء في الجامع المبارك في قرية المملاح، التي كانت بالقرب من مدينة زبيد، وقد استأثر به الملك إسماعيل بن العباس، وكلَّفه بالحجِّ عن والدته، وأعطاه أربعة آلاف درهم للحجِّ والزيارة، وبعد رجوعه إلى اليمن أعفى أراضيه الزراعيَّة من الخراج، وجعله من خاصَّته، ينظم له القصائد في المناسبات المختلفة.

    موهبة الخزرجي

    ‏ذكرنا أنَّ أبا الحسن الخزرجي كان نابغة، بدأ حياته صنايعيًّا نقَّاشًا، ولكنَّه انجذب إلى مجالس العلماء والشعراء والأدباء ورُقِّي إلى منادمة الأمراء والملوك، ونهل من كثيرٍ من العلماء حتى صار متضلِّعًا من المعارف والفنون السائدة في عصره، التي ازدهرت في العصر الذهبي الرَّسولي الغسَّاني باليمن، الذي كانت عاصمتهم مدينة تعز المشهورة.

    وكان له انشغالٌ بارزٌ بالأدب وعلم الأنساب وتراجم الرجال وبالحساب، بالإضافة إلى كونه شاعرًا لم يُجاره شعراء عصره، وله قصيدةٌ مطوَّلة على غرار النقائض سمَّاها “الدامغة”، ردَّ فيها على بعض معاصريه المتعصِّبين لأرومتهم (عدنانيَّة – قحطانيَّة)، وله مدائح طنَّانة في ملوك آل رسول الذين عاصرهم ومطارحات مع بعض الشعراء، وقد حوى ديوانه الذي مازال مخطوطًا كلَّ ذلك، خلا ما تناثر منه في بطون الكتب.

    منزلة الخزرجي

    ترجم له الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في كتابه “إنباء الغمر بأبناء العمر”، وكذلك شمس الدين السخاوي (ت 902هـ) في كتابه “الضوء اللامع”، وتُرجم له -أيضًا- في “شذرات الذهب” لابن العماد (ت 1098هـ)، وفي كتاب “آداب اللغة العربية” لجرجي زيدان (ت 1914م)، والتقى الخزرجي بالعلَّامة الفاسي في مكَّة المكرَّمة ونقل عنه ولم يُترجم له.وقد أشاد هؤلاء بالخزرجي وبموهبته ونبوغه. قال عنه ابن حجر: “اشتغل بالأدب ففاق أقرانه ومدح من ملوك اليمن الرسوليِّين الغسانيِّين، الملك الأفضل والأشرف والناصر”. كما قال عنه ابن حجر في إنباء الغمر: “اشتغل بالأدب ولهج بالتاريخ فمهر فيه، وجمع لبلده تاريخًا كبيرًا وآخر على الحروف وآخر في الملوك، وكان ناظمًا ناثرًا، اجتمعت به بزبيد، وكتب لِي مدحًا”.وقال السخاوي: “… ولقيته بزبيد فطار حتى برسالةٍ أوَّلها: أمتع الله بطلعتك المضيَّة وشمائلك المرضيَّة، وحُزت خيرًا، ووُقِيت ضيرًا …، وكان ناظمًا ناثرًا”.

    ‏ثم قربه إليه الملك الأشرف الرسولي وتشبع بثقافة عصره كاللغة والأدب والحديث والفقه والتاريخ والنحو والأنساب وهو ما يلمس في مؤلفاته ولا تعرف تفاصيل تعليمه وشيوخه، إلا أنه نشأ في أسرة كانت لها يد في اكتساب العلوم والمعارف وكانت لها وجاهة لدى ملوك اليمن من بني رسول الذين عاش في ظلهم .اعتنى الخزرجي بأخبار اليمن فجمع لها تاريخاً على السنين وآخر على الملوك والأسرات أو الدول، وتاريخاً على الأسماء حسب حروف المعجم وأشهر مؤلفاته :

    ‏مؤلفات الخزرجي

    ‏يُعتبر موفَّق الدين علي بن الحسن الخزرجي الزبيدي مؤرِّخ اليمن وخاصَّةً ما يتعلَّق بتاريخ الدولة الرسوليَّة، قال السخاوي: “اعتنى بأخبار بلده، فجمع لها تاريخًا على السنين وآخر على الأسماء، يعني المسمَّى طراز أعلام اليمن في طبقات أعيان اليمن، وسمَّاه -أيضًا- العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن، وآخر على الدول”.

    العسجد المسبوك فيمن تولى اليمن من الملوك أهمُّ كتبه في التاريخ والسير والتراجم، كتاب “العسجد المسبوك فيمن تولَّى اليمن من الملوك”، ويُسمَّى كذلك “العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك”. رتَّبه على السنين وجعله أبوابًا، ولكلِّ بابٍ فصول عدَّة، وكلُّ فصلٍ لمرحلةٍ معيَّنةٍ؛ وذلك من ظهور الإسلام، إسلام أهل اليمن مرورًا بعمال النبيِّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين على المخاليف، عمال بني أمية، عمال بني العباس، الإمارات والممالك اليمنية التي حكمت اليمن في مرحلة الاستقلال الإقليمي عن الدول الإسلاميَّة المركزيَّة، وخصَّ الدولة الرسوليَّة بالنصيب الأوفر إلى آخر حياة الملك الأشرف بن الأفضل العباسي المتوفَّى سنة (803هـ=1400م)، وصنَّفه وعلَّق عليه العلامة محمد علي الأكوع.

    العقود اللؤلؤيَّة في تاريخ الدولة الرسوليَّة ‏ولموفَّق الخزرجي كتاب “العقود اللؤلؤيَّة في تاريخ الدولة الرسوليَّة”، رتَّبه بحسب السنين والأشهر، من أوَّل دولة الملك المنصور عمر بن علي الرسولي الغساني سنة 626هـ، مؤسِّس الدولة الرسوليَّة في اليمن، الذي جاء بعد انقراض الدولة الأيوبيَّة إلى آخر دولة الملك إسماعيل بن العباس، معوِّلًا فيه على كتاب “الجندي” في التاريخ الموسوم بـ “السلوك”، ترجمة المستشرق “السير. ج.

    دود هاوس”، ونشره بعد وفاته المستشرقان “براون” و”نيكلسون” في ثلاثة أجزاء، وقد صدرت الطبعة الأولى منه، عن مطبعة (الهلال – بالفجالة)، بمصر، سنة 1911م، في مجلَّدين، وأعاد طبعه مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء سنة (1403هـ=1983م)، في مجلَّدين، بتحقيق المؤرِّخ (محمد بن علي الأكوع)، وللكتاب ذيلٌ لمؤلِّفٍ مجهول، من أهل القرن التاسع، سجَّل فيه حوادثه إلى ربيع الآخر سنة 803هـ، وقام بنشره الأستاذ عبد الله الحبشي (مطبعة الكتاب العربي: دمشق 1984م).

    كتب أخرى في تاريخ وتراجم اليمن ولعليِّ بن الحسن الخزرجي من المصنَّفات -أيضًا-:

    1- كتاب “طراز أعلام الزمن في طبقات أعيان اليمن”، ويُسمَّى -أيضًا- (العقد الفاخر الحسن): مخطوط في أربعة مجلَّدات، حقَّقه الأستاذ (عبدالله بن محمد الحبشي)، وهو كتابٌ مرتَّبٌ على الحروف الهجائيَّة، بدأه بذكر كبار الصحابة، والتابعين، والفقهاء من اليمن، إلى أن ذكر أشهر الأعلام في أيَّامه، وتوجد منه نسخة في المتحف البريطاني.

    2- كما أنَّه يُنسب إليه كتاب “الكفاية والإعلام فيمن ولي اليمن وسكنها من الإسلام”: وهذا الكتاب مرتَّبٌ حسب تاريخ الدول التي حكمت اليمن، ويتضمَّن عشرة فصول في تاريخ اليمن، منذ ظهور الإسلام، إلى قيام دولة (بني زريع)، خصَّص الفصل الخامس منه في تاريخ مدينة زبيد – خ، توجد منه نسخة في مكتبة باريس، وأخرى في مكتبة المتحف البريطاني في لندن.

    3- وكتاب “قلايد العقيان” وهو مخطوط، وهو موجود في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء.

    ‏4- وله “ديوان شعر”، وهو من كتبه المفقودة.

    5- “مرآة الزمن في تاريخ زبيد وعدن”، وهو من كتبه المفقودة.

    6- “المحصول في أنساب بني رسول”.

    7- “مجموع رسائله”، من كتبه المفقودة أيضًا.

    8- “الدامغة”، وهي قصيدةٌ طويلةٌ في التعصُّب للقحطانيَّة، ردَّ بها على بعض معاصريه من الشيعة، مطلعها: ‏تَأَلَّقَ الْبَدْرُ الْكَلِيلُ فِي الدُّجَى *** مُرَفْرِفًا فَهَبَّ نَشْرِيُّ الصِّبَا ‏وقد ردَّ عليها العلَّامة أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل الناشري. وموفق الدين الخزرجي يعترف في معظم كتبه بفضل العلَّامة المؤرخ بهاء الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الجندي عليه، ويقول: “لولا جمعه، وبحثه، واستقصاؤه ما تصدَّيت لتصنيفي، ولا اهتديت إلى شيءٍ من ذلك؛ فهو الذي شجَّعني على ذلك الطريق، وهو في السلم شيخي، وإمامي في الحرب”. اعتمد الخزرجي في وضع كتبه على عدة مصادر ومؤرخين وعلماء سبقوه من بينهم ابن عبد المجيد، الرازي الجندي ، الأزرقي صاحب أخبار مكة ، ‏والمسعودي، الحسن بن يعقوب الهمداني ،الشريف الإدريسي، الأسنوي في طبقاته. أبو الحسن الأصفهاني القلعي وسبط ابن الجوزي، إلا أن أهم ما قام ‏به هو رصده للأحداث والوقائع التي عاشها وشاهدها ولهذا كانت شهادته شهادة ‏عيان من قبل مؤرخ دقيق الملاحظة، فتاريخ الدولة الرسولية كان هو شاهداً لها ‏وعليها. وصارت أعماله مرجعاً لمن جاء بعده كابن الديبع وبامخرمه وغيرهم رحم الله مؤرخ ألدولة اليمنية الرسولية ابو الحسن الخزرجي الذي اضاف لليمن رصيد قوي من خلال كتبه التي اصبحت مراجع لكل من يبحث عن تاريخ اليمن في عهد الدولة اليمنية الرسولية.

    وفاة الخزرجي

    ذكر ابن حجر العسقلاني أنَّ أبا الحسن الخزرجي تُوفِّي بزبيد في أواخر سنة (812هـ=1410م)، وقد جاوز السبعين. قال محقِّق كتاب العقود اللؤلؤيَّة محمد الأكوع: إنَّ وفاته كانت بمدينة زبيد، وقيل: في مدينة حرض شمال مصبِّ وادي مور، في أثناء عودته من الحج. فرحمه الله رحمةً واسعة.

    المصادر والمراجع:‏

    – الخزرجي: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، الجزء الأول عُني بتصحيحه وتنقيحه: محمد بسيوني عسل، الجزء الثاني تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي، الناشر: مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، دار الآداب، بيروت

    – لبنان، الطبعة الأولى، 1403هـ=1983م. ‏- الخزرجي: العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك، تحقيق: شاكر محمود عبد المنعم، الناشر : دار البيان/ بغداد – دار التراث الإسلامي/ بيروت، 1395هـ=1975م.

    ‏- ابن حجر: إنباء الغمر بأبناء العمر، تحقيق: حسن حبشي، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر، 1389هـ=1969م. ‏- السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، الناشر: منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت، د.ت.

    ‏- ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرناءوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناءوط، الناشر: دار ابن كثير، دمشق

    – بيروت، الطبعة: الأولى، 1406هـ=1986م.

    ‏- محمد زبارة: ملحق البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (الملحق التابع للبدر الطالع)، الناشر: دار المعرفة – بيروت، د.ت.

    – الزركلي: الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر، مايو، 2002م.

    ‏- عبد الولي الشمري: موسوعة الأعلام اليمنية.

    ‏- علي بن علي صبرة: الخرزجي، الموسوعة العربية العالمية، المجلد الثامن، ص800

    ‏ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم السابع القيل أيوب بن شرحبيل بن ابرهه بن الصباح الحميري حاكم بلاد مصر

    حفيد الملك العظيم ابرهه ذو معاهر ابو إكسوم صاحب المسلة ومعيد الإمبراطورية السبئية في القرن السادس الميلادي . وابن القيل شرحبيل بن ابرهه بن الصباح من قيل انه احق بالخلافة و من فرش له النبي رداءه صلى الله عليه وسلم.

    وهو ايوب بن شرحبيل بن أبرهه بن شرحبيل- الصباح -( وهو نفسه إكسوم الذي ذكر في مسلة ابرهه اكسوم ذو معاهر ) بن أبرهة ( الملك العظيم الذي تلقى التهم من الجميع كذبًا وبهتانًا ) بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة بن مرثد الخير بن ينكف ينوف بن شرحبيل شيبة الحمد بن معدي كرب بن مصبح بن عمرو بن الحارث ذي أصبح بن مالك بن زيد بن قيس بن صيفي بن حمير الأصغر بن سبأ الأصغر .

    لديه مجموعة من الأعمام هم ابو شمر و كُريب و يعفر و محمد و بجير و الحجاج و الصباح وبوفاة عمة كريب بن أبرهة بن الصباح انتقلت مرتبته ومكانته في الزعامة بمصر إلى ابن أخيه أيوب بن شرحبيل ( سمي والده بجدة يكسوم حيث اسمه شرحبيل و إكسوم إبن الجد الأكبر ابرهه ذو معاهر ) بن أبرهة بن الصباح بن ابرهه ذو معاهر الحميري، وكان أيوب بن شرحبيل من الفضلاء الصلحاء ومن ذوي الدراية في شؤون إدارة الدولة وسياستها .

    وفي عام ۹۹ هجرية أصبح أيوب بن شرحبيل والياً وحاكمًا لمصر كلها، وذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان أيوب بن شرحبيل – كما جاء في ترجمته . . من النبلاء الصلحاء، ولي مصر لعمر بن عبد العزيز ( أول سنة ٩٩هـ) وحسنت أحوال مصر في أيامه، واستمر والياً لمصر إلى أن توفي فيها. مدة إمارته سنتان ونصف سنة. ومما هو جدير بالذكر، أنه خلال إمارته بلغت هجرة اليمنيين من اليمن إلى مصر خمسة آلاف، وذلك في سنة ۱۰۰ هجرية (١) وكانت ولايته لمصر إلى أن توفي بها سنة ١٠١ هجرية (۷۲۰م) كما في تحفة الناظرين (١).

    وقد كان أيوب بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الحميري من أهم الولاة اليمانيين لمصر والذين كان لهم إسهاماً وافراً في تأسيس وترسيخ العصر الإسلامي في مصر .

    المصدر

    (1) الجامع لبامطرف – ص ١٠١ – تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين للشرقاوي – ص ١٢. يمانيون في موكب الرسول محمد حسين الفرح المجلد الاول

    ابو صالح العوذلي 2024م

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم السادس القيل أبرهة بن الصباح الحميري حفيد الملك العظيم ابرهه ذو معاهر الحميري

    هو أحق الناس بالخلافة لو كانت بالشرف وهو من فرش له النبي صلى الله عليه وسلم رداءه ليجلس عليه قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : لو كانت الخلافة تستحق بالشرف لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح، فإنه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا مشارق الأرض ومغاربها (1) وهذه المقولة التي خلدها التاريخ لأبي موسى الأشعري تجعل النفس أكثر اشتياقاً لمعرفة ذلك الزعيم الصحابي الذي له فرش رسول الله ﷺ ردائه، والذي لو كانت الخلافة تستحق بالشرف لكان أحق الناس بها .

    فأبرهة بن الصباح المذكور في حديث أبي موسى هو القيل أبرهه بن شرحبيل ‏الصباح بن أبرهة ( الملك العظيم ابو إكسوم ذو معاهر ) بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة بن مرثد الخير بن ينكف ينوف بن شرحبيل شيبة الحمد بن معدي كرب بن مصبح بن عمرو بن الحارث ذي أصبح بن مالك بن زيد بن قيس بن صيفي بن حمير الأصغر بن سبأ الأصغر (٢) .

    وفي جده أبرهة الأول بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة، قال الشاعر لبيد الجاهلي عن سهام المنايا : وغلبن أبرهة الذي ألفينه قد كان يخلد فوق غرفة موكل وكانت مؤكل عاصمة أذوائية القيل أبرهة بن الصباح ومقر ملوكيته، وتقع في ناحية صباح بمنطقة رداع ، ولم تزل موكل من مدن الحضارة ومن ديار التبابعة ثم الملوك ثم الأقيال العظماء حتى الجاهلية وكانت الوفود تقصد أبرهة بن الصباح من أرجاء الجزيرة العربية، قال الشاعر : وعلى الذي كانت بموكل داره يَهَبُ القيان وكل أجدد شاح ‏وينطبق ذلك على الملك أبرهة بن الصباح الأول كما ينطبق على حفيده الصحابي أبرهة بن الصباح الثاني ونشير هنا إلى أمرين : الأول : أن أبرهة لفظ ونطق يمني قديم لاسم إبراهيم، فمعنى أبرهة هو إبراهيم(3) .

    ‏والأمر الثاني : جاء في كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني والإكليل للهمداني في ترجمة ونسب أبرهة بن الصباح الوافد على النبي ﷺ بأنه ( أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح، ولكن الهمداني نقل أيضاً عن ابن كليب قاضي صنعاء أنه أبرهة بن الصباح بن أبرهة بن الصباح )، وقال في موضع آخر: « إن أبرهة بن الصباح وفد على النبي . . وكذلك يأتي اسمه ‏في العديد من المصادر بلفظ أبرهة بن الصباح مما قد يشير إلى أن اسم أبيه كان شرحبيل الصباح – اسم ونعت ـ وذلك معهود في أسماء أقيال اليمن.

    وقد أسلم أبرهة بن شرحبيل الصباح في اليمن عندما بعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى الحارث بن عبد كلال وسميفع ذي الكلاع الحميري وغيرهما من أقيال حمير في أواخر سنة ٨ هجرية، وكانت زوجة ذي الكلاع هي بنت القيل أبرهة بن شرحبيل الصباح، فلما أسلم ذو الكلاع قال لجرير : ـ كما جاء في الاستيعاب : ادخل إلى أم شرحبيل فوالله ما دخل عليها بعد أبي شرحبيل أحد قبلك، فدخل اليها جرير ودعاها إلى الإسلام فأسلمت.

    قال القرطبي : وهي ضريبة بنت أبرهة بن الصباح الحميري (4) بينما جاء في الإكليل أن اسمها (كريبة)، هو الأصوب . والمقصود هنا أن أبرهة بن شرحبيل الصباح أسلم باليمن في تلك الفترة، ثم انطلق من مدينة موكل إلى رسول الله الله بالمدينة المنورة في السنة العاشرة للهجرة مع الذين وفدوا إلى رسول الله له من أقيال وفرسان حمير، فلما دخلوا إلى رسول الله الله بالمسجد النبوي ، فرش رسول الله ﷺ رداءه لأبرهة بن الصباح فجلس عليه، وكان ذلك تكريماً نبوياً نادر المثيل.

    وفي ذلك جاء في ترجمته بكتاب الإصابة أنه : وفد على النبي ﷺ ففرش له رداءه»(5) وجاء في الإكليل عن بعض علماء العراق: «أن أبرهة بن الصباح وفد على النبي ﷺ ففرش له ثوبه ، وقال : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وهذا كريم قومه وذكر الهمداني عن القاضي يحيى بن كليب أن أبرهة بن الصباح : الوافد على رسول الله ، وحسن إسلامه، وهو ممن فرش له النبي ﷺ رداءه ، وقال : إذا أتاكم سيد قوم فأكرموه (6) .

    وقد مكث أبرهة بن الصباح فترة في موكب رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة، وكان معه اثنين من أبنائه هما أبو شمر بن أبرهة بن الصباح وكريب بن أبرهة بن الصباح، وهما من الصحابة، ثم عادوا إلى اليمن، وقد ذكر الهمداني عن القاضي يحيى بن كليب قاضي صنعاء أن أبرهة بن الصباح : روى عن النبي ﷺ أحاديث . أو كما جاء في الإصابة : كان يروى عن النبي له أحاديث. وقد يكون ذلك في اليمن أو الشام أو مصر .

    المصادر

    (۱) رجال حول الرسول – خالد محمد خالد – ص ٧٥٣ – وكتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري – وكتاب الإمام علي لمحمد رضا.

    (۲) تاريخ ابن خلدون – ج ٢ ص ٥٠.

    (3) الإكليل للهمداني – ج ۸ –

    (4) الاستيعاب -ص ٢٣٠.

    (5) الإصابة في تمييز الصحابة – ابن حجر العسقلاني ـ جـا ص ٢١.

    (6) الإكليل – – جـ ٢ ص ١٤٨ – ١٥٠.

    ‏•يمانيون في موكب الرسول محمد حسين الفرح ص444-446 ج1

    ‏ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم الخامس القيل غالب بن عبد الله الكلبي السبئي القحطاني

    أمير سرايا النبي وقاهر ملك باب الأبواب من أعلام الصحابة السابقين إلى الإسلام هو غالب بن عبد الله الكلبي أمير سرايا النبي .

    قال القرطبي : وهو الذي بعثه الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق ، (١) وقال ابن حجر العسقلاني :(( قال : أحمد بن سيار : كان غالب بن عبد الله على مقدمة النبي الله يوم فتح مكة (٢) . وقال عنه بامطرف في كتاب الجامع : غالب بن عبد الله بن مسعر الكلبي : قائد، صحابي من الولاة، بعثه النبي ﷺ سنة ٥ هجرية في ستين راكباً إلى الحديد فظفر .. وبعثه عام الفتح ليسهل له الطريق إلى مكة …(3)

    نسب غالب بن عبد الله الكلبي ‏استهل العسقلاني ترجمة غالب بن عبد الله قائلاً: «قال البخاري له صحبة . ونسبه ابن الكلبي فقال : غالب بن عبد الله بن مسعر بن جعفر بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة الكلبي ثم الليثي . وصحح أبو عمر بعد أن قال : غالب بن عبد الله وهو الأكثر ، ويقال ابن عبد الله الليثي ويقال الكلبي .. وقال الحاكم في مقدمة تاريخه : ومنهم أي من الصحابة غالب بن عبد الله بن فضالة بن عبد الله أحد بني ليث بن بكر .. ثم قال العسقلاني : وسياق نسبه من عند ابن الكلبي أصح فإنه أعرف بذلك من غيره وإنما أتى اللبس من ذكر فضالة في سياق نسبه وليس هو فيه. والله أعلم.

    ولكن العسقلاني عاد فذكره باسم غالب بن عبد الله بن فضالة وكذلك ذكره الطبري (٢)، ولذلك يمكن أن يكون ابن الكلبي قد نسبه إلى جده الاشهر فقال غالب بن عبد الله بن مسعر، ومثل ذلك كثير في النسب، فيكون نسبه : غالب بن عبد الله بن فضالة بن عبد الله بن مسعر بن جعفر بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث ( الليثي ) بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ( الكناني ) بن بكر بن عوف بن عدي بن زيد اللاة بن رفيده بن ثور بن كلب ( الكلبي ) . وقد كان غالب من نفس جيل الصحابي : دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن خزرج بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن عدي بن زيد اللاة بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي (١).

    وقد كانت قبيلة كلب تسكن مع قبيلة خولان القضاعية الحميرية بمنطقة صعدة وما إليها من سروات أعالي اليمن، فقد ذكر الحسن بن أحمد الهمداني في كتاب الإكليل نبأ حرب قبلية وقعت في الجاهلية بين عشائر قبيلة همدان الساكنة في النصف الشرقي من لواء صعدة وبين عشائر خولان وكلب القضاعية في النصف الغربي من لواء صعدة، وإن ( عقيل بن مسعود الكلبي سيد قضاعة باليمن ) كان قائد خولان وكلب في تلك الحرب القبلية بصعدة (5) ، فذلك يدل على أن قبيلة كلب كانت تسكن في صعدة وما إليها من أعالي اليمن، وهي من مناطق اليمن التي أخذ الإسلام ينتشر فيها منذ وقت مبكر قبل الهجرة النبوية، ثم انطلق منها دخية بن خليفة الكلبي وغالب بن عبد الله الكلبي مهاجرين إلى رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة .

    غالب بن عبد الله الكلبي ‏في موكب رسول الله ﷺ لم تذكر الروايات التاريخية وتراجم الصحابة زمن قدوم وهجرة غالب بن عبد الله الكلبي إلى المدينة المنورة، ولكنها ذكرت أن رسول الله ﷺ بعثه على رأس سرية من الصحابة سنة خمس هجرية، مما يدل علي أن قدومه كان سابقاً لذلك، فتأميره على سرية من الأنصار والمهاجرين – سنة ٥هـ ـ يتيح إدراك إنه كان قد قضى فترة من الزمن أثبتت وكشفت جدارته بتلك المرتبة، مما يرجح أن قدومه كان مع دخية بن خليفة الكلبي، قال الحافظ بن كثير : دحية الكلبي : صحابي جليل، أسلم قديماً، ولكن لم يشهد بدراً وشهد ما بعدها )(6) وقال العسقلاني في ترجمة دحية الكلبي : صحابي مشهور شهد أحد، ولم يشهد بدراً». وذلك يدل على أن قدومه وهجرته من اليمن في سنة ٣هـ لأن موقعة أحد – في شوال ٣هـ – ومنذ ذلك الوقت أخذ دخية بن خليفة الكلبي، وكذلك غالب بن عبد الله الكلبي، مكانهما في موكب رسول الله . ويمكن القول أن غالب بن عبد الله قد أبلى بلاء حسناً في السريتين اللتين بعثهما رسول الله ﷺ بقيادة زيد بن حارثة الكلبي للتصدي لعير قريش في منطقة القردة من مياه نجد. وهي منطقة تؤدي إلى فلجات الشام، فقد بعث رسول الله ﷺ زيداً في مائة راكب من الصحابة – بينهم غالب بن عبد الله – لاعتراض عير لقريش، قال ابن سيد الناس : وكان في عير قريش صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزي، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهم مال كثير وآنية فضة، وكان دليل غير قريش فرات بن حيان فاعترضهم زيد بن حارثة والذين معه، فأصابوا العير، وأفلت أعيان القوم، وأسر فرات بن حيان، وقدموا بالعير على رسول ﷺ فخمسها فبلغ الخمس عشرين ألف درهم. وقسم ما بقي على أهل السرية، وأسلم فرات بن حيان .. وكانت تلك الغزوة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة .

    (7) وقد سلك ذلك الطريق – بعد موقعة أحد – (تجار من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة، وهي عظم تجارة قريش). قال ابن هشام : فلقيهم زيد بن حارثة على ذلك الماء فأصاب العير – أي القافلة – وما فيها، وأعجزه الرجال – لأنهم أفلتوا – فَقَدِم زيد بالقافلة وما فيها على رسول الله ﷺ فقال حسان بن ثابت الأنصاري، بعد أحد، يؤنب قريشاً لأخذهم تلك الطريق – بل يحذرهم من سلوكها : ‏دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامُ قَدْ حَالَ دُونَهَا ‏جلاد كأفْوَاءِ الْمَخَاضِ الأَوَارِك بأيدي رِجالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ وَأَنْصَارِهِ حقاً وأيدي الملائك

    سرية غالب – الأولى – إلى الكديد ‏في سنة خمس للهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية من الصحابة بقيادة غالب بن عبد الله الكلبي لغزو الكفار في منطقة الكديد ( بضم الكاف وكسر الدال بعده ياء، أو بضم الكاف وفتح الدال وسكون الياء على التصغير)، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان : ( الكديد : موضع على – مسافة – اثنين وأربعين ميلاً من مكة ) .

    ثم تولى غالب بن عبد الله قيادة سرية إلى نفس منطقة الكديد في صفر سنة هـ – قبل فتح مكة بثمانية أشهر – ولم تميز الروايات بين السريتين – أو الغزوتين – تمييزاً كافياً، إلا أن سرية غالب إلى الكديد سنة ٥هـ كانت محدودة العدد والهدف وقد ذكرتها الروايات بإيجاز يتناسب مع ذلك، فجاء في كتاب الجامع إنه : بعث النبي ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي سنة ٥ هجرية في ستين راكباً إلى الكديد، فظفر (9) . وقال القرطبي في كتاب الاستيعاب : بعث النبي ﷺ غالب بن عبد الله في ستين راكباً إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج. فقال جندب بن مالك : كنت في سرية غالب فقتلنا، واسْتَقْنا النعم. وذلك عند أهل السير في سنة خمس للهجرة (9).

    وفي ذي القعدة سنة ٥هـ تعرضت المدينة المنورة لغزوة الخندق حيث غزت قريش والذين تحزبوا معها من قبائل نجد والحجاز المدينة المنورة وحاصروها وقد ساهم غالب بن عبد الله ودحيه بن خليفة في الدفاع عن المدينة وحراستها في إطار القوة التي جعلها رسول الله ﷺ بقيادة زيد بن حارثة الكلبي، إذ أنه كان رسول الله ﷺ يبعث سلمة بن أسلم الأنصاري في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير، وذلك إنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة (10).

    فكان دحية بن خليفة الكلبي وغالب بن عبد الله الكلبي وحمل بن سعدانة الكلبي وغيرهم من فرسان ورجال كلب وقضاعة مع زيد بن حارثة في الدفاع عن المدينة وحراستها، وكان سعد بن معاذ الأنصاري يتمثل في غزوة الخندق بقول حمل بن سعدانة الكلبي : ليت قليلاً يدرك الهيجاء حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل فأصيب سعد بن معاذ بسهم واستشهد رضي الله عنه، وأخذت الرياح العاصفة تهز قريشاً والذين معهم فانسحبوا راجعين إلى مكة وغيرها من مناطقهم، وكفى الله المؤمنين شر القتال. ثم شهد غالب بن عبد الله ودحية بن خليفة غزو وفتح بني قريظة مع رسول الله ﷺ وما تلى ذلك من المشاهد حتى صلح الحديبية وفتح خيير .سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة في نجد وفي سنة 7هـ بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي على رأس مائة وثلاثين من الصحابة لغزو بني عوال وبني عبد بن ثعلبه بمنطقة الميفعة في نجد. وقد ذكر ابن سيد الناس ذلك في عيون الأثر بعنوان سرية غالب بن عبد الله الليثي الكلبي إلى الميفعة فقال : في رمضان سنة ٧ هـ بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله إلى بني عوال – بضم العين – وبني عبد ابن ثعلبة، وهم بالميفعة وهي وراء بطن نخل إلى النخرة قليلاً بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد . بَعَثَهُ في مائة وثلاثين رجلاً، ودليلهم يسار مولى رسول الله ﷺ ، فاجتاح غالب بن عبد الله بشريته تلك المنطقة من نجد، فتصدى لهم بنو عوال وبنو عبد بن ثعلبة المشركون، قال ابن سيد الناس : فهجمت عليهم سرية غالب، فقتلوا من أشراف لهم .. وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله … وذلك أن المشركين لما أحاقت بهم الهزيمة وأثناء المعركة هزم أسامة بن زيد بن حارثة رجلاً منهم فلما غشاء قال الرجل : لا إله إلا الله، فطعنه أسامة فقتله وهو يدرك أنه قال ذلك متعوذاً، فلما تم الفتح والنصر عاد غالب وسريته بالغنائم إلى المدينة المنورة، فعلم رسول الله ﷺ بأمر ذلك الرجل، فذكر البخاري ( أن رسول الله ﷺ قال : يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فقال أسامة : إنما كان متعوذاً ..) وذكر ابن سيد الناس إنه ( قال النبي ﷺ لأسامة : هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب ..) وذكر البغوي ( أن رسول الله ﷺ استغفر بعد الأسامة ثلاث مرات، وقال له : أعتق رقبة. ففعل). وذكر ابن هشام أن ذلك في غزوة غالب لبني مرة كما سيأتي . وفي ذي القعدة 7هـ توجه رسول الله ﷺ إلى مكة لأداء العمرة بموجب ما عاقد عليه قريشاً في صلح الحديبية. فدخل رسول الله ﷺ مكة في ألفين من الصحابة فاعتمروا وطافوا بالبيت، ولم تسمح لهم قريش بالبقاء إلا ثلاثة أيام بموجب صلح الحديبية فأتموا عُمرتهم وعادوا إلى المدينة – في ذي الحجة 7هـ .. سرية غالب إلى الكديد بأعالي الحجاز ‏ثم بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي على رأس سرية من الصحابة لغزو بني الملوّح بمنطقة الكديد الواقعة على مسافة اثنين وأربعين ميلاً من مكة – في أعالي الحجاز – قال ابن سيد الناس : ( قال ابن سعد : سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوّح بالكديد في صفر سنة ثمان للهجرة).

    وقد ذكر ابن حجر العسقلاني نبأ تلك السرية في مسند أحمد من طريق الصحابي مسلم بن عبد الله الجهني قال : بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج، وكنتُ في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بقديد، لقينا – الحرث بن مالك بن البرصاء، فأخذناه، فقال إنما جئت مسلماً. فذكر الحديث. وكذا أخرجه أبو نعيم ..»[اهـ] .

    وجاء نبأ تلك السرية في السيرة النبوية لابن هشام من طريق الصحابي
    ‏جندب بن مكيث الجهني قال : بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي في سَرِيَّة كنتُ فيها، وأمَرَهُ أن يَشُنَّ الغارة على بني الملوّح، وهم بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحرث بن مالك، وهو ابن البرصاء فأخذناه، فقال : إني جئت أريد الإسلام ما خرجت إلا إلى رسول الله ﷺ فَقُلنا له : إن تك مسلماً فلن يضيرك رباط ليله، وإن تك على غير ذلك كُنَّا قد استوثقنا منك (11). فأمر غالب رجلاً من أصحابه بأن يشد وثاق الحرث بن البرصاء وحراسته. وقال له : إن عازكَ فاحْتَز رأسه .

    أي إن غالبكَ أو قاومك – ومنه قول القرآن الكريم ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ ص: ٢٣] أي : غلبني . وترك غالب بن عبد الله الحرث بن البرصاء مقيداً مع الرجل الذي يحرسه بمنطقة قديد، وذلك تحوطاً من إن يقوم الحرث بتحذير بني الملوح، ثم سار غالب بن عبد الله بالسرية حتى وصل منطقة الكديد عند غروب الشمس فكمن عند الوادي وبعث واحداً من أصحابه ربيئة – أي طليعة – يستطلع خبر القوم، وهو الصحابي جندب بن مكيث الجهني القضاعي الحميري. قال جندب : فخرجت حتى أتيت تلاً مشرفاً على الحاضر – أي مدينتهم – يُطلعني عليهم، حتى إذا صعدت فيه علوت على رأسه ثم إضطجعت عليه، فإني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء – أي خيمة – له فقال لإمرأته : إني لأنظر على هذا التل سواداً ما رأيته أول يومي هذا، فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئاً، فنظرت فقالت : والله ما أفقد من أوعيتي شيئاً، قال: فناوليني قوسي ونبلي، فناولته قوسه و سهمين معها. قال جندب : فأرسل الرجل سهماً فوالله ما أخطأ بين عيني فانتزعته فوضعته، ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته، وثبت مكاني. فقال الرجل لامرأته : والله لو كان ربيئة لقد تحركت بعد والله لقد خالطها سهمان لا أبا لك، فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل، وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا اطمأنوا فناموا ) (12). ورجع جندب إلى غالب بن عبد الله وأخبره بالخبر، فأثنى على بطولته. وتمهل غالب حتى كان وقت السحر، فشن عليهم الغارة.

    قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ في تلك الليلة : أمت أمت (13) والمقصود بأن ذلك شعارهم : أي علامتهم التي يعرف بها بعضهم بعضاً. ونجحت الغارة وأحيط ببني الملوح، فأمر غالب بالكف عن القتال، لأنه يريدهم أن يسلموا أو يستسلموا، وساق أصحاب غالب الإبل والمواشي – النعم ، ثم فوجئوا بأن أحد بني الملوح كان قد خرج واستصرخ قبيلة مجاوره، فجاؤوا بجمع كثيف، وعلم غالب بذلك قبل قدومهم – لأنه كان قد وضع مراقبين في الجبل فأتوه بالخبر – فلم يتعرض غالب لبني الملوح، وأمر أصحابه فساقوا النعم ومضى بهم غالب عائداً إلى قديد، قمر بالحرث بن البرصاء والذي معه، فأصطحبهما قاصداً العودة إلى المدينة، فإذا بالقوم قد أدركوهم حتى قربوا منهم، فما بينهم وبين غالب وأصحابه إلا وادي قديد، قال جندب : فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أحد أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نَعَمَهُم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا ونحن نخدوها سراعاً حتى فتناهم وقال راجز من المسلمين وهو يحدوها :
    ‏أبي أبو القاسم: أن تعربي (14) في حضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلِبٍ (15) صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ المُذْهَبِ قال ابن هشام : ويروى : (كلون الذهب ) .

    فَقَدَمَ غالب بن عبد الله وسريته بالنصر والغنائم إلى النبي ﷺ بالمدينة المنورة، وأسلم الحرث بن البرصاء، ثم ما لبث إن أسلم بنو الملوّح بعد ذلك بأمد يسير، وهم من عشائر قضاعة اليمانية بتلك الجهات .

    سرية غالب بن عبد الله .. إلى فَدَكَ
    ‏بعد رجوع غالب بن عبد الله الكلبي من سريته إلى الكديد – في صفر سنة هـ – بعثه رسول الله ﷺ على رأس مائتي فارس من الأنصار والمهاجرين لفتح فدك وضواحيها. وفدك قرية بينها وبين المدينة يومان أو ثلاثة. وقد ذكرت كتب التاريخ والسيرة النبوية والتفاسير إن فدك أفأها الله على النبي ﷺ صلحاً في سنة 7 هجرية ولكن ما حدث في شعبان هـ يتيح إدراك أن أهل فدك لم يلتزموا بذلك الصلح أو نقضوه.

    وفي ذلك جاء في عيون الأثر أنه: «بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد الأنصاري في ثلاثين رجلاً إلى فدك في شعبان سنة سبع، فلقى بشير بن سعد رعاء الشاء، فسأل عن الناس، فقيل في بواديهم، فاستاق النَّعَم وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبر أهل فدك، فأدركه الدهم – أي العدد الكثير – منهم عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير . وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه وقيل قد مات، ورجعوا – أي أهل فدك – بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد. ، وذلك لأن بشير بن سعد لم يقتل وإنما ارتث : أي جرح ونقل من المعركة وهو ضعيف ومصاب بجروح بالغة كما أصيب بقية الذين كانوا معه. وبذلك أصبحت فدك دار حرب، وقد كانت هناك أمور كثيرة أهم من فدك وأهلها، فرؤي تأجيل أمر فدك، ربما إلى ما بعد أداء عُمرة القضاء حيث سار النبي ﷺ والذين معه إلى مكة وأدوا العمرة بموجب اتفاق صلح الحديبية ورجعوا (16) إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجة 7هـ .ولما بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى الكديد – في صفر ستة ٨هـ – قام رسول الله ﷺ بتهيئة سرية لغزو وفتح فدك. وفي ذلك جاء في عيون الأثر أنه : هيأ رسول الله له الزبير بن العوام وقال له : سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد – بفدك – فإن ظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهي معه مائتي رجل، وعقد له لواء .

    فقدم غالب بن عبد الله من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم ، فقال رسول الله ﷺ للزبير : اجلس وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل – إلى فدك – وهي سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان (17) . وكذلك جاء في ترجمة ( غالب بن عبد الله الكلبي) بكتاب الجامع إنه بعثه النبي سنة ٨ هجرية، ومعه مئتي مقاتل إلى فدك .. (18) . وكان المئتا مقاتل من الصحابة وقد ذكر ابن سيد الناس أنه خرج مع غالب في هذه السرية : عقبة بن عمرو أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وأسامة بن زيد بن حارثة، وعلبة بن زيد الحارثي، وأبو سعيد الخدري . فهجم غالب بن عبد الله وسريته على أهل فدك الكفار، قال ابن سيد الناس : فأصابوا منهم نعماً، وقتلوا منهم قتلى وقال ابن عباس : ( فأخذها غالب عنوة) أي فتح فدك عنوة . وجاء في كتاب الإصابة للعسقلاني : قال ابن عباس في قوله تعالى : ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ [الحشر : ٧] أن القرى قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة. قال : أما قريظة والنظير فإنهما بالمدينة، وأما فدك فإنها على رأس ثلاثة أميال منهم، فبعث إليهم النبي ﷺ جيشاً عليهم غالب – بن عبد الله ـ بن فضالة فأخذها عنوة (19) .وكان فتح غالب لفدك وضواحيها في آخر صفر – أو في ربيع أول – سنة ٨ هجرية .

    سرية غالب إلى بني مرة ‏وذكر ابن هشام في السيرة النبوية بعد غزوة مؤته ) التي استشهد فيها أميرها زيد بن حارثة الكلبي، وكانت مؤته في جمادى الأول سنة ٨ هجرية؛ ذكر ابن هشام بعدها «غزوة غالب بن عبد الله أرض بني مرة . وفي ذلك قال ابن هشام ما يلي نصه : «قال ابن إسحاق : وعزوة غالب بن عبد الله الكلبي . كلب ليث، أرض بني مرة، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفاً لهم من الحرقة من جهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار . قال ابن هشام : الحرقة – بفتح الراء – فيما حدثني أبو عبيدة . . قال ابن إسحاق : وكان من حديثه عن أسامة بن زيد قال : أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شَهَرْنَا عليه السلاح قال : أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ينزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره، فقال : يَا أَسَامَهُ مَنْ لَكَ بلا إله إلا الله . قُلتُ : يا رسول الله إنه إنما قالها تعوذاً بها من القتل . قال : (فَمَنْ لك بها يا أسامة ) . قال أسامة : فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني كنت أسلمتُ يومئذ، وأني لم أقتله . قال : قلت : أنظرني يا رسول الله إني أعاهد الله أن لا أقتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً. قال : تقولُ بعدي يا أسامة. قال : قُلتُ بعدك يا رسول الله (20) . قال البغوي : « ثم أن رسول الله ﷺ استغفر بعد لأسامة ثلاث مرات وقال له : أعتق رقبة (21) وكان مع غالب بن عبد الله في تلك السرية إلى بني مرة : أسامة بن زيد، وعقبة بن عمرو الأنصاري أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وعلبة بن زيد بن حارثة الأنصاري، وحويصة أبو إبراهيم. قال ابن سيد الناس : أنبأنا محمد بن عمر، قال : حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال : بعثني رسول الله ﷺ في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة، فأغرنا عليهم من الصبح. وقد أوعز إلينا أميرنا – غالب – أن لا نفترق ، وَوَاحَى بيننا، وقال : لا تعصوني فإن رسول الله ﷺ قال : ( من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني ) وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم. قال حويصة : فأخى بيني وبين أبي سعيد الخدري . قال : فأصبنا القوم (21) .وعاد غالب بن عبد الله من تلك الغزوة بالنصر والظفر والغنائم، كما هو الحال في كل السرايا التي كان غالب أميرها – منذ سنة ٥ هجرية – ولذلك اختاره رسول الله ﷺ أميراً لسرية فتح فدك بدلاً عن الزبير بن العوام – في صفر سنة ٨هـ ـ فافتتح فدك وعاد بالنصر، وكذلك في سريته إلى بني مرة وهي من آخر السرايا التي بعثها النبي ﷺ قبل فتح مكة .

    غالب .. وفرسان كلب .. في فتح مكة وكان غالب بن عبد الله الكلبي قائد طليعة جيش رسول الله ﷺ يوم سار من المدينة لفتح مكة في ۱۰ رمضان ۸ هجرية . وفي ذلك قال القرطبي في ترجمة غالب بن عبد الله بكتاب الاستيعاب : وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق» (22). وجاء في ترجمة غالب بن عبد الله الكلبي بكتاب الجامع : بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق إلى مكة، ويكون عيناً له (22). فسار غالب والفرسان الذين معه، فوجد في الطريق إبلاً ومواشي كثيرة . ربما العشائر من حلفاء قريش، فسيطر عليها حتى يشرب من لبنها المسلمون. وفي ذلك قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة غالب بكتاب الإصابة: أخرج البخاري في تاريخه والبغوي من طريق عمار بن سعد عن قطن بن عبد الله الليثي عن غالب بن عبد الله، قال : بعثني النبي ﷺ عام الفتح بين يديه لأسهل له الطريق ولأكون له عيناً، فلقيني على الطريق لقاح بني كنانة، وكانت نحواً من ستة آلاف لقحه. وإن النبي ﷺنزل، فَحُلِبَتْ له، فجعل يدعو الناس إلى الشراب، فَمَنْ قال : إني صائم، قال : هؤلاء العاصون» (23) ثم تقدم رسول الله ﷺ لفتح مكة، وقد كان الأوس والخزرج – الأنصار – يمثلون القوة الرئيسية الأولى في جيش الفتح، وكانت قبيلة خزاعة اليمانية هي القوة الرئيسية الثانية وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنه، بينما كان فرسان كلب وغيرهم من عشائر وقبائل قضاعة الحميرية هم القوة الرئيسية الثالثة، وذلك أن الكثير من قبائل كلب وجرم ونهد القضاعية . بلواء صعداء – كانوا قد أسلموا وقدموا مهاجرين إلى النبي ﷺ بالمدينة سنة 7هـ ، وكذلك أسلمت قبائل كلب وجهينة وبلي وبهراء القضاعية الحميرية التي كانت تسكن في غرب الحجاز وشمالها من ينبع إلى وادي القرى ودومة الجندل، وقد سلف تبيين ذلك في المبحث الخاص بالصحابي دخية بن خليفة الكلبي والصحابي المقداد بن عمرو البهراني، فلما سار رسول الله ﷺ لفتح مكة كان فرسان کلب وغيرهم من قبائل قضاعة لا يقل عددهم عن ألف رجل في جيش الفتح من بينهم أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، وحمل بن سعد إنه الكلبي، ودخية بن خليفة الكلبي، والمقداد بن عمرو البهراني، وعقبة بن عامر الجهني قال ابن خلدون : ومن بلي جماعة من مشاهير الصحابة منهم : كعب بن عجرة، وخديج بن سلامة، وسهل بن رافع، وأبو بردة بن نيار. ومن بهراء جماعة من الصحابة أيضاً منهم المقداد بن عمرو (24) ومن كلب أيضاً : قطن بن حارثة الكلبي، وعمرو بن جبلة الكلبي، وبكير بن عبد الله الليثي، وأمثالهم من الصحابة رضي الله عنهم، وقد كان أسامة بن زيد بن حارثة رديف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة) بينما كان غالب بن عبد الله قائد فرسان كلب وقضاعة وقائد مقدمة جيش رسول الله ﷺ وفي ذلك ذكر العسقلاني عن أحمد بن سيار قال : كان غالب بن عبد الله الكلبي على مقدمة النبي ﷺ يوم الفتح (25) . وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة. ولم يزل غالب بن عبد الله من الصحابة المجاهدين مع رسول الله ﷺ حتى غزوة تبوك – في رجب 9 هـ – ثم رجع إلى منطقته باليمن فأقام بها حتى انطلق مع الصحابة والفرسان الذين انطلقوا لجهاد الإمبراطورية الفارسية بالعراق . الكديد سنة ٥هـ كانت محدودة العدد والهدف وقد ذكرتها الروايات بإيجاز يتناسب مع ذلك، فجاء في كتاب الجامع إنه : بعث النبي ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي سنة ٥ هجرية في ستين راكباً إلى الكديد، فظفر (9) . وقال القرطبي في كتاب الاستيعاب : بعث النبي ﷺ غالب بن عبد الله في ستين راكباً إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج. فقال جندب بن مالك : كنت في سرية غالب فقتلنا، واسْتَقْنا النعم. وذلك عند أهل السير في سنة خمس للهجرة (9). وفي ذي القعدة سنة ٥هـ تعرضت المدينة المنورة لغزوة الخندق حيث غزت قريش والذين تحزبوا معها من قبائل نجد والحجاز المدينة المنورة وحاصروها وقد ساهم غالب بن عبد الله ودحيه بن خليفة في الدفاع عن المدينة وحراستها في إطار القوة التي جعلها رسول الله ﷺ بقيادة زيد بن حارثة الكلبي، إذ أنه كان رسول الله ﷺ يبعث سلمة بن أسلم الأنصاري في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير، وذلك إنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة (10). فكان دحية بن خليفة الكلبي وغالب بن عبد الله الكلبي وحمل بن سعدانة الكلبي وغيرهم من فرسان ورجال كلب وقضاعة مع زيد بن حارثة في الدفاع عن المدينة وحراستها، وكان سعد بن معاذ الأنصاري يتمثل في غزوة الخندق بقول حمل بن سعدانة الكلبي : ليت قليلاً يدرك الهيجاء حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل فأصيب سعد بن معاذ بسهم واستشهد رضي الله عنه، وأخذت الرياح العاصفة تهز قريشاً والذين معهم فانسحبوا راجعين إلى مكة وغيرها من مناطقهم، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

    ثم شهد غالب بن عبد الله ودحية بن خليفة غزو وفتح بني قريظة مع رسول الله ﷺ وما تلى ذلك من المشاهد حتى صلح الحديبية وفتح خيير .سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة في نجد وفي سنة 7هـ بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي على رأس مائة وثلاثين من الصحابة لغزو بني عوال وبني عبد بن ثعلبه بمنطقة الميفعة في نجد. وقد ذكر ابن سيد الناس ذلك في عيون الأثر بعنوان سرية غالب بن عبد الله الليثي الكلبي إلى الميفعة فقال : في رمضان سنة ٧ هـ بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله إلى بني عوال – بضم العين – وبني عبد ابن ثعلبة، وهم بالميفعة وهي وراء بطن نخل إلى النخرة قليلاً بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد . بَعَثَهُ في مائة وثلاثين رجلاً، ودليلهم يسار مولى رسول الله ﷺ ، فاجتاح غالب بن عبد الله بشريته تلك المنطقة من نجد، فتصدى لهم بنو عوال وبنو عبد بن ثعلبة المشركون، قال ابن سيد الناس : فهجمت عليهم سرية غالب، فقتلوا من أشراف لهم .. وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله وذلك أن المشركين لما أحاقت بهم الهزيمة وأثناء المعركة هزم أسامة بن زيد بن حارثة رجلاً منهم فلما غشاء قال الرجل : لا إله إلا الله، فطعنه أسامة فقتله وهو يدرك أنه قال ذلك متعوذاً، فلما تم الفتح والنصر عاد غالب وسريته بالغنائم إلى المدينة المنورة، فعلم رسول الله ﷺ بأمر ذلك الرجل، فذكر البخاري ( أن رسول الله ﷺ قال : يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فقال أسامة : إنما كان متعوذاً ) وذكر ابن سيد الناس إنه ( قال النبي ﷺ لأسامة : هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب ) وذكر البغوي ( أن رسول الله ﷺ استغفر بعد الأسامة ثلاث مرات، وقال له : أعتق رقبة ففعل).

    وذكر ابن هشام أن ذلك في غزوة غالب لبني مرة كما سيأتي . وفي ذي القعدة 7هـ توجه رسول الله ﷺ إلى مكة لأداء العمرة بموجب ما عاقد عليه قريشاً في صلح الحديبية. فدخل رسول الله ﷺ مكة في ألفين من الصحابة فاعتمروا وطافوا بالبيت، ولم تسمح لهم قريش بالبقاء إلا ثلاثة أيام بموجب صلح الحديبية فأتموا عُمرتهم وعادوا إلى المدينة – في ذي الحجة 7هـ ..

    القيل غالب بن عبد الله الكلبي السبئي القحطاني

    سرية غالب إلى الكديد بأعالي الحجاز ‏ثم بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي على رأس سرية من الصحابة لغزو بني الملوّح بمنطقة الكديد الواقعة على مسافة اثنين وأربعين ميلاً من مكة – في أعالي الحجاز – قال ابن سيد الناس : ( قال ابن سعد : سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوّح بالكديد في صفر سنة ثمان للهجرة).


    ‏وقد ذكر ابن حجر العسقلاني نبأ تلك السرية في مسند أحمد من طريق الصحابي مسلم بن عبد الله الجهني قال : بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج، وكنتُ في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بقديد، لقينا – الحرث بن مالك بن البرصاء، فأخذناه، فقال : إنما جئت مسلماً. فذكر الحديث. وكذا أخرجه أبو نعيم [اهـ] . وجاء نبأ تلك السرية في السيرة النبوية لابن هشام من طريق الصحابي
    ‏جندب بن مكيث الجهني قال : بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي في سَرِيَّة كنتُ فيها، وأمَرَهُ أن يَشُنَّ الغارة على بني الملوّح، وهم بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحرث بن مالك، وهو ابن البرصاء فأخذناه، فقال : إني جئت أريد الإسلام ما خرجت إلا إلى رسول الله ﷺ فَقُلنا له : إن تك مسلماً فلن يضيرك رباط ليله، وإن تك على غير ذلك كُنَّا قد استوثقنا منك ) (11). فأمر غالب رجلاً من أصحابه بأن يشد وثاق الحرث بن البرصاء وحراسته. وقال له : إن عازكَ فاحْتَز رأسه .

    – أي إن غالبكَ أو قاومك – ومنه قول القرآن الكريم ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ ص: ٢٣] أي : غلبني . وترك غالب بن عبد الله الحرث بن البرصاء مقيداً مع الرجل الذي يحرسه بمنطقة قديد، وذلك تحوطاً من إن يقوم الحرث بتحذير بني الملوح، ثم سار غالب بن عبد الله بالسرية حتى وصل منطقة الكديد عند غروب الشمس فكمن عند الوادي وبعث واحداً من أصحابه ربيئة – أي طليعة – يستطلع خبر القوم، وهو الصحابي جندب بن مكيث الجهني القضاعي الحميري. قال جندب : فخرجت حتى أتيت تلاً مشرفاً على الحاضر – أي مدينتهم – يُطلعني عليهم، حتى إذا صعدت فيه علوت على رأسه ثم إضطجعت عليه، فإني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء – أي خيمة – له فقال لإمرأته : إني لأنظر على هذا التل سواداً ما رأيته أول يومي هذا، فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئاً، فنظرت فقالت : والله ما أفقد من أوعيتي شيئاً، قال: فناوليني قوسي ونبلي، فناولته قوسه و سهمين معها. قال جندب : فأرسل الرجل سهماً فوالله ما أخطأ بين عيني فانتزعته فوضعته، ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته، وثبت مكاني. فقال الرجل لامرأته : والله لو كان ربيئة لقد تحركت بعد والله لقد خالطها سهمان لا أبا لك، فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل، وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا اطمأنوا فناموا ) (12). ورجع جندب إلى غالب بن عبد الله وأخبره بالخبر، فأثنى على بطولته. وتمهل غالب حتى كان وقت السحر، فشن عليهم الغارة. قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ في تلك الليلة : أمت أمت (13) والمقصود بأن ذلك شعارهم : أي علامتهم التي يعرف بها بعضهم بعضاً. ونجحت الغارة وأحيط ببني الملوح، فأمر غالب بالكف عن القتال، لأنه يريدهم أن يسلموا أو يستسلموا، وساق أصحاب غالب الإبل والمواشي – النعم ، ثم فوجئوا بأن أحد بني الملوح كان قد خرج واستصرخ قبيلة مجاوره، فجاؤوا بجمع كثيف، وعلم غالب بذلك قبل قدومهم – لأنه كان قد وضع مراقبين في الجبل فأتوه بالخبر – فلم يتعرض غالب لبني الملوح، وأمر أصحابه فساقوا النعم ومضى بهم غالب عائداً إلى قديد، قمر بالحرث بن البرصاء والذي معه، فأصطحبهما قاصداً العودة إلى المدينة، فإذا بالقوم قد أدركوهم حتى قربوا منهم، فما بينهم وبين غالب وأصحابه إلا وادي قديد، قال جندب : فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أحد أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نَعَمَهُم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا ونحن نخدوها سراعاً حتى فتناهم ) وقال راجز من المسلمين وهو يحدوها : أبي أبو القاسم: أن تعربي (14) في حضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلِبٍ (15) صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ المُذْهَبِ ‏قال ابن هشام : ويروى : (كلون الذهب ) . فَقَدَمَ غالب بن عبد الله وسريته بالنصر والغنائم إلى النبي ﷺ بالمدينة المنورة، وأسلم الحرث بن البرصاء، ثم ما لبث إن أسلم بنو الملوّح بعد ذلك بأمد يسير، وهم من عشائر قضاعة اليمانية بتلك الجهات .

    سرية غالب بن عبد الله .. إلى فَدَكَ ‏بعد رجوع غالب بن عبد الله الكلبي من سريته إلى الكديد – في صفر سنة هـ – بعثه رسول الله ﷺ على رأس مائتي فارس من الأنصار والمهاجرين لفتح فدك وضواحيها. وفدك قرية بينها وبين المدينة يومان أو ثلاثة. وقد ذكرت كتب التاريخ والسيرة النبوية والتفاسير إن فدك أفأها الله على النبي ﷺ صلحاً في سنة 7 هجرية ولكن ما حدث في شعبان هـ يتيح إدراك أن أهل فدك لم يلتزموا بذلك الصلح أو نقضوه.

    وفي ذلك جاء في عيون الأثر أنه: «بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد الأنصاري في ثلاثين رجلاً إلى فدك في شعبان سنة سبع، فلقى بشير بن سعد رعاء الشاء، فسأل عن الناس، فقيل في بواديهم، فاستاق النَّعَم وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبر أهل فدك، فأدركه الدهم – أي العدد الكثير – منهم عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير . وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه وقيل قد مات، ورجعوا – أي أهل فدك – بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد. ، وذلك لأن بشير بن سعد لم يقتل وإنما ارتث : أي جرح ونقل من المعركة وهو ضعيف ومصاب بجروح بالغة كما أصيب بقية الذين كانوا معه. وبذلك أصبحت فدك دار حرب، وقد كانت هناك أمور كثيرة أهم من فدك وأهلها، فرؤي تأجيل أمر فدك، ربما إلى ما بعد أداء عُمرة القضاء حيث سار النبي ﷺ والذين معه إلى مكة وأدوا العمرة بموجب اتفاق صلح الحديبية ورجعوا (16) إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجة 7هـ .

    ولما بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى الكديد – في صفر ستة ٨هـ – قام رسول الله ﷺ بتهيئة سرية لغزو وفتح فدك. وفي ذلك جاء في عيون الأثر أنه : هيأ رسول الله له الزبير بن العوام وقال له : سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد – بفدك – فإن ظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهي معه مائتي رجل، وعقد له لواء . فقدم غالب بن عبد الله من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم ، فقال رسول الله ﷺ للزبير : اجلس وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل – إلى فدك – وهي سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان (17) . وكذلك جاء في ترجمة ( غالب بن عبد الله الكلبي) بكتاب الجامع إنه بعثه النبي سنة ٨ هجرية، ومعه مئتي مقاتل إلى فدك .. (18) .

    وكان المئتا مقاتل من الصحابة وقد ذكر ابن سيد الناس أنه خرج مع غالب في هذه السرية : عقبة بن عمرو أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وأسامة بن زيد بن حارثة، وعلبة بن زيد الحارثي، وأبو سعيد الخدري . فهجم غالب بن عبد الله وسريته على أهل فدك الكفار، قال ابن سيد الناس : فأصابوا منهم نعماً، وقتلوا منهم قتلى وقال ابن عباس : ( فأخذها غالب عنوة) أي فتح فدك عنوة . وجاء في كتاب الإصابة للعسقلاني : قال ابن عباس في قوله تعالى : ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ [الحشر : ٧] أن القرى قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة. قال : أما قريظة والنظير فإنهما بالمدينة، وأما فدك فإنها على رأس ثلاثة أميال منهم، فبعث إليهم النبي ﷺ جيشاً عليهم غالب – بن عبد الله ـ بن فضالة فأخذها عنوة (19) .وكان فتح غالب لفدك وضواحيها في آخر صفر – أو في ربيع أول – سنة ٨ هجرية .

    سرية غالب إلى بني مرة وذكر ابن هشام في السيرة النبوية بعد غزوة مؤته التي استشهد فيها أميرها زيد بن حارثة الكلبي، وكانت مؤته في جمادى الأول سنة ٨ هجرية؛ ذكر ابن هشام بعدها «غزوة غالب بن عبد الله أرض بني مرة . وفي ذلك قال ابن هشام ما يلي نصه : «قال ابن إسحاق : وعزوة غالب بن عبد الله الكلبي . كلب ليث، أرض بني مرة، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفاً لهم من الحرقة من جهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار . قال ابن هشام : الحرقة – بفتح الراء – فيما حدثني أبو عبيدة .

    قال ابن إسحاق : وكان من حديثه عن أسامة بن زيد قال : أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شَهَرْنَا عليه السلاح قال : أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ينزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره، فقال : يَا أَسَامَهُ مَنْ لَكَ بلا إله إلا الله . قُلتُ : يا رسول الله إنه إنما قالها تعوذاً بها من القتل . قال : (فَمَنْ لك بها يا أسامة ) . قال أسامة : فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني كنت أسلمتُ يومئذ، وأني لم أقتله . قال : قلت : أنظرني يا رسول الله إني أعاهد الله أن لا أقتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً. قال : تقولُ بعدي يا أسامة. قال : قُلتُ بعدك يا رسول الله (20) . قال البغوي : « ثم أن رسول الله ﷺ استغفر بعد لأسامة ثلاث مرات وقال له : أعتق رقبة (21) وكان مع غالب بن عبد الله في تلك السرية إلى بني مرة : أسامة بن زيد، وعقبة بن عمرو الأنصاري أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وعلبة بن زيد بن حارثة الأنصاري، وحويصة أبو إبراهيم. قال ابن سيد الناس : أنبأنا محمد بن عمر، قال : حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال : بعثني رسول الله ﷺ في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة، فأغرنا عليهم من الصبح. وقد أوعز إلينا أميرنا – غالب – أن لا نفترق ، وَوَاحَى بيننا، وقال : لا تعصوني فإن رسول الله ﷺ قال : ( من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني ) وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم. قال حويصة : فأخى بيني وبين أبي سعيد الخدري .

    قال : فأصبنا القوم (21) .وعاد غالب بن عبد الله من تلك الغزوة بالنصر والظفر والغنائم، كما هو الحال في كل السرايا التي كان غالب أميرها – منذ سنة ٥ هجرية – ولذلك اختاره رسول الله ﷺ أميراً لسرية فتح فدك بدلاً عن الزبير بن العوام – في صفر سنة ٨هـ ـ فافتتح فدك وعاد بالنصر، وكذلك في سريته إلى بني مرة وهي من آخر السرايا التي بعثها النبي ﷺ قبل فتح مكة .
    ‏غالب .. وفرسان كلب .. في فتح مكة وكان غالب بن عبد الله الكلبي قائد طليعة جيش رسول الله ﷺ يوم سار من المدينة لفتح مكة في ۱۰ رمضان ۸ هجرية . وفي ذلك قال القرطبي في ترجمة غالب بن عبد الله بكتاب الاستيعاب : وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق» (22). وجاء في ترجمة غالب بن عبد الله الكلبي بكتاب الجامع : بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق إلى مكة، ويكون عيناً له (22). فسار غالب والفرسان الذين معه، فوجد في الطريق إبلاً ومواشي كثيرة . ربما العشائر من حلفاء قريش، فسيطر عليها حتى يشرب من لبنها المسلمون. وفي ذلك قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة غالب بكتاب الإصابة: أخرج البخاري في تاريخه والبغوي من طريق عمار بن سعد عن قطن بن عبد الله الليثي عن غالب بن عبد الله، قال : بعثني النبي ﷺ عام الفتح بين يديه لأسهل له الطريق ولأكون له عيناً، فلقيني على الطريق لقاح بني كنانة، وكانت نحواً من ستة آلاف لقحه. وإن النبي ﷺنزل، فَحُلِبَتْ له، فجعل يدعو الناس إلى الشراب، فَمَنْ قال : إني صائم، قال : هؤلاء العاصون» (23) ثم تقدم رسول الله ﷺ لفتح مكة، وقد كان الأوس والخزرج – الأنصار – يمثلون القوة الرئيسية الأولى في جيش الفتح، وكانت قبيلة خزاعة اليمانية هي القوة الرئيسية الثانية وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنه، بينما كان فرسان كلب وغيرهم من عشائر وقبائل قضاعة الحميرية هم القوة الرئيسية الثالثة، وذلك أن الكثير من قبائل كلب وجرم ونهد القضاعية . بلواء صعداء – كانوا قد أسلموا وقدموا مهاجرين إلى النبي ﷺ بالمدينة سنة 7هـ ، وكذلك أسلمت قبائل كلب وجهينة وبلي وبهراء القضاعية الحميرية التي كانت تسكن في غرب الحجاز وشمالها من ينبع إلى وادي القرى ودومة الجندل، وقد سلف تبيين ذلك في المبحث الخاص بالصحابي دخية بن خليفة الكلبي والصحابي المقداد بن عمرو البهراني، فلما سار رسول الله ﷺ لفتح مكة كان فرسان کلب وغيرهم من قبائل قضاعة لا يقل عددهم عن ألف رجل في جيش الفتح من بينهم أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، وحمل بن سعد إنه الكلبي، ودخية بن خليفة الكلبي، والمقداد بن عمرو البهراني، وعقبة بن عامر الجهني قال ابن خلدون : ومن بلي جماعة من مشاهير الصحابة منهم : كعب بن عجرة، وخديج بن سلامة، وسهل بن رافع، وأبو بردة بن نيار. ومن بهراء جماعة من الصحابة أيضاً منهم المقداد بن عمرو (24) ومن كلب أيضاً : قطن بن حارثة الكلبي، وعمرو بن جبلة الكلبي، وبكير بن عبد الله الليثي، وأمثالهم من الصحابة رضي الله عنهم، وقد كان أسامة بن زيد بن حارثة رديف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة) بينما كان غالب بن عبد الله قائد فرسان كلب وقضاعة وقائد مقدمة جيش رسول الله ﷺ وفي ذلك ذكر العسقلاني عن أحمد بن سيار قال : كان غالب بن عبد الله الكلبي على مقدمة النبي ﷺ يوم الفتح (25) . وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة. ولم يزل غالب بن عبد الله من الصحابة المجاهدين مع رسول الله ﷺ حتى غزوة تبوك – في رجب 9 هـ – ثم رجع إلى منطقته باليمن فأقام بها حتى انطلق مع الصحابة والفرسان الذين انطلقوا لجهاد الإمبراطورية الفارسية بالعراق .

    فناولته قوسه و سهمين معها. قال جندب : فأرسل الرجل سهماً فوالله ما أخطأ بين عيني فانتزعته فوضعته، ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته، وثبت مكاني. فقال الرجل لامرأته : والله لو كان ربيئة لقد تحركت بعد والله لقد خالطها سهمان لا أبا لك، فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل، وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا اطمأنوا فناموا ) (12). ورجع جندب إلى غالب بن عبد الله وأخبره بالخبر، فأثنى على بطولته. وتمهل غالب حتى كان وقت السحر، فشن عليهم الغارة. قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ في تلك الليلة : أمت أمت (13) والمقصود بأن ذلك شعارهم : أي علامتهم التي يعرف بها بعضهم بعضاً. ونجحت الغارة وأحيط ببني الملوح، فأمر غالب بالكف عن القتال، لأنه يريدهم أن يسلموا أو يستسلموا، وساق أصحاب غالب الإبل والمواشي – النعم ، ثم فوجئوا بأن أحد بني الملوح كان قد خرج واستصرخ قبيلة مجاوره، فجاؤوا بجمع كثيف، وعلم غالب بذلك قبل قدومهم – لأنه كان قد وضع مراقبين في الجبل فأتوه بالخبر – فلم يتعرض غالب لبني الملوح، وأمر أصحابه فساقوا النعم ومضى بهم غالب عائداً إلى قديد، قمر بالحرث بن البرصاء والذي معه، فأصطحبهما قاصداً العودة إلى المدينة، فإذا بالقوم قد أدركوهم حتى قربوا منهم، فما بينهم وبين غالب وأصحابه إلا وادي قديد، قال جندب : فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أحد أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نَعَمَهُم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا ونحن نخدوها سراعاً حتى فتناهم ) وقال راجز من المسلمين وهو يحدوها :
    ‏أبي أبو القاسم: أن تعربي (14) في حضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلِبٍ (15) صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ المُذْهَبِ قال ابن هشام : ويروى : (كلون الذهب ) . فَقَدَمَ غالب بن عبد الله وسريته بالنصر والغنائم إلى النبي ﷺ بالمدينة المنورة، وأسلم الحرث بن البرصاء، ثم ما لبث إن أسلم بنو الملوّح بعد ذلك بأمد يسير، وهم من عشائر قضاعة اليمانية بتلك الجهات .

    سرية غالب بن عبد الله .. إلى فَدَكَ
    ‏بعد رجوع غالب بن عبد الله الكلبي من سريته إلى الكديد – في صفر سنة هـ – بعثه رسول الله ﷺ على رأس مائتي فارس من الأنصار والمهاجرين لفتح فدك وضواحيها. وفدك قرية بينها وبين المدينة يومان أو ثلاثة. وقد ذكرت

    القيل غالب بن عبد الله الكلبي السبئي القحطاني

    سرية غالب بن عبد الله .. إلى فَدَكَ
    ‏بعد رجوع غالب بن عبد الله الكلبي من سريته إلى الكديد – في صفر سنة هـ – بعثه رسول الله ﷺ على رأس مائتي فارس من الأنصار والمهاجرين لفتح فدك وضواحيها. وفدك قرية بينها وبين المدينة يومان أو ثلاثة. وقد ذكرت كتب التاريخ والسيرة النبوية والتفاسير إن فدك أفأها الله على النبي ﷺ صلحاً في سنة 7 هجرية ولكن ما حدث في شعبان هـ يتيح إدراك أن أهل فدك لم يلتزموا بذلك الصلح أو نقضوه. وفي ذلك جاء في عيون الأثر أنه: «بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد الأنصاري في ثلاثين رجلاً إلى فدك في شعبان سنة سبع، فلقى بشير بن سعد رعاء الشاء، فسأل عن الناس، فقيل في بواديهم، فاستاق النَّعَم وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبر أهل فدك، فأدركه الدهم – أي العدد الكثير – منهم عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير . وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه وقيل قد مات، ورجعوا – أي أهل فدك – بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد. ، وذلك لأن بشير بن سعد لم يقتل وإنما ارتث : أي جرح ونقل من المعركة وهو ضعيف ومصاب بجروح بالغة كما أصيب بقية الذين كانوا معه. وبذلك أصبحت فدك دار حرب، وقد كانت هناك أمور كثيرة أهم من فدك وأهلها، فرؤي تأجيل أمر فدك، ربما إلى ما بعد أداء عُمرة القضاء حيث سار النبي ﷺ والذين معه إلى مكة وأدوا العمرة بموجب اتفاق صلح الحديبية ورجعوا (16) إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجة 7هـ .ولما بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى الكديد – في صفر ستة ٨هـ – قام رسول الله ﷺ بتهيئة سرية لغزو وفتح فدك. وفي ذلك جاء في عيون الأثر أنه : هيأ رسول الله له الزبير بن العوام وقال له : سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد – بفدك – فإن ظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهي معه مائتي رجل، وعقد له لواء .

    فقدم غالب بن عبد الله من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم ، فقال رسول الله ﷺ للزبير : اجلس وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل – إلى فدك – وهي سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان (17) . وكذلك جاء في ترجمة ( غالب بن عبد الله الكلبي) بكتاب الجامع إنه بعثه النبي سنة ٨ هجرية، ومعه مئتي مقاتل إلى فدك .. (18) . وكان المئتا مقاتل من الصحابة وقد ذكر ابن سيد الناس أنه خرج مع غالب في هذه السرية : عقبة بن عمرو أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وأسامة بن زيد بن حارثة، وعلبة بن زيد الحارثي، وأبو سعيد الخدري . فهجم غالب بن عبد الله وسريته على أهل فدك الكفار، قال ابن سيد الناس : فأصابوا منهم نعماً، وقتلوا منهم قتلى وقال ابن عباس : ( فأخذها غالب عنوة) أي فتح فدك عنوة . وجاء في كتاب الإصابة للعسقلاني : قال ابن عباس في قوله تعالى : ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ [الحشر : ٧] أن القرى قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة. قال : أما قريظة والنظير فإنهما بالمدينة، وأما فدك فإنها على رأس ثلاثة أميال منهم، فبعث إليهم النبي ﷺ جيشاً عليهم غالب – بن عبد الله ـ بن فضالة فأخذها عنوة (19) .وكان فتح غالب لفدك وضواحيها في آخر صفر – أو في ربيع أول – سنة ٨ هجرية .

    سرية غالب إلى بني مرة وذكر ابن هشام في السيرة النبوية بعد غزوة مؤته التي استشهد فيها أميرها زيد بن حارثة الكلبي، وكانت مؤته في جمادى الأول سنة ٨ هجرية؛ ذكر ابن هشام بعدها «غزوة غالب بن عبد الله أرض بني مرة . وفي ذلك قال ابن هشام ما يلي نصه : «قال ابن إسحاق : وعزوة غالب بن عبد الله الكلبي . كلب ليث، أرض بني مرة، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفاً لهم من الحرقة من جهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار . قال ابن هشام : الحرقة – بفتح الراء – فيما حدثني أبو عبيدة . . قال ابن إسحاق : وكان من حديثه عن أسامة بن زيد قال : أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شَهَرْنَا عليه السلاح قال : أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ينزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره، فقال : يَا أَسَامَهُ مَنْ لَكَ بلا إله إلا الله . قُلتُ : يا رسول الله إنه إنما قالها تعوذاً بها من القتل . قال : (فَمَنْ لك بها يا أسامة ) . قال أسامة : فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني كنت أسلمتُ يومئذ، وأني لم أقتله . قال : قلت : أنظرني يا رسول الله إني أعاهد الله أن لا أقتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً. قال : تقولُ بعدي يا أسامة. قال : قُلتُ بعدك يا رسول الله (20) . قال البغوي : « ثم أن رسول الله ﷺ استغفر بعد لأسامة ثلاث مرات وقال له : أعتق رقبة (21) وكان مع غالب بن عبد الله في تلك السرية إلى بني مرة : أسامة بن زيد، وعقبة بن عمرو الأنصاري أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وعلبة بن زيد بن حارثة الأنصاري، وحويصة أبو إبراهيم. قال ابن سيد الناس : أنبأنا محمد بن عمر، قال : حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال : بعثني رسول الله ﷺ في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة، فأغرنا عليهم من الصبح. وقد أوعز إلينا أميرنا – غالب – أن لا نفترق ، وَوَاحَى بيننا، وقال : لا تعصوني فإن رسول الله ﷺ قال : ( من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني ) وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم. قال حويصة : فأخى بيني وبين أبي سعيد الخدري . قال : فأصبنا القوم (21) .وعاد غالب بن عبد الله من تلك الغزوة بالنصر والظفر والغنائم، كما هو الحال في كل السرايا التي كان غالب أميرها – منذ سنة ٥ هجرية – ولذلك اختاره رسول الله ﷺ أميراً لسرية فتح فدك بدلاً عن الزبير بن العوام – في صفر سنة ٨هـ ـ فافتتح فدك وعاد بالنصر، وكذلك في سريته إلى بني مرة وهي من آخر السرايا التي بعثها النبي ﷺ قبل فتح مكة .

    غالب .. وفرسان كلب .. في فتح مكة وكان غالب بن عبد الله الكلبي قائد طليعة جيش رسول الله ﷺ يوم سار من المدينة لفتح مكة في ۱۰ رمضان ۸ هجرية . وفي ذلك قال القرطبي في ترجمة غالب بن عبد الله بكتاب الاستيعاب : وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق» (22). وجاء في ترجمة غالب بن عبد الله الكلبي بكتاب الجامع : بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح ليسهل له الطريق إلى مكة، ويكون عيناً له (22). فسار غالب والفرسان الذين معه، فوجد في الطريق إبلاً ومواشي كثيرة . ربما العشائر من حلفاء قريش، فسيطر عليها حتى يشرب من لبنها المسلمون. وفي ذلك قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة غالب بكتاب الإصابة: أخرج البخاري في تاريخه والبغوي من طريق عمار بن سعد عن قطن بن عبد الله الليثي عن غالب بن عبد الله، قال : بعثني النبي ﷺ عام الفتح بين يديه لأسهل له الطريق ولأكون له عيناً، فلقيني على الطريق لقاح بني كنانة، وكانت نحواً من ستة آلاف لقحه. وإن النبي ﷺنزل، فَحُلِبَتْ له، فجعل يدعو الناس إلى الشراب، فَمَنْ قال : إني صائم، قال : هؤلاء العاصون» (23) ثم تقدم رسول الله ﷺ لفتح مكة، وقد كان الأوس والخزرج – الأنصار – يمثلون القوة الرئيسية الأولى في جيش الفتح، وكانت قبيلة خزاعة اليمانية هي القوة الرئيسية الثانية وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنه، بينما كان فرسان كلب وغيرهم من عشائر وقبائل قضاعة الحميرية هم القوة الرئيسية الثالثة، وذلك أن الكثير من قبائل كلب وجرم ونهد القضاعية . بلواء صعداء – كانوا قد أسلموا وقدموا مهاجرين إلى النبي ﷺ بالمدينة سنة 7هـ ، وكذلك أسلمت قبائل كلب وجهينة وبلي وبهراء القضاعية الحميرية التي كانت تسكن في غرب الحجاز وشمالها من ينبع إلى وادي القرى ودومة الجندل، وقد سلف تبيين ذلك في المبحث الخاص بالصحابي دخية بن خليفة الكلبي والصحابي المقداد بن عمرو البهراني، فلما سار رسول الله ﷺ لفتح مكة كان فرسان کلب وغيرهم من قبائل قضاعة لا يقل عددهم عن ألف رجل في جيش الفتح من بينهم أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، وحمل بن سعد إنه الكلبي، ودخية بن خليفة الكلبي، والمقداد بن عمرو البهراني، وعقبة بن عامر الجهني قال ابن خلدون : ومن بلي جماعة من مشاهير الصحابة منهم : كعب بن عجرة، وخديج بن سلامة، وسهل بن رافع، وأبو بردة بن نيار. ومن بهراء جماعة من الصحابة أيضاً منهم المقداد بن عمرو (24) ومن كلب أيضاً : قطن بن حارثة الكلبي، وعمرو بن جبلة الكلبي، وبكير بن عبد الله الليثي، وأمثالهم من الصحابة رضي الله عنهم، وقد كان أسامة بن زيد بن حارثة رديف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة) بينما كان غالب بن عبد الله قائد فرسان كلب وقضاعة وقائد مقدمة جيش رسول الله ﷺ وفي ذلك ذكر العسقلاني عن أحمد بن سيار قال : كان غالب بن عبد الله الكلبي على مقدمة النبي ﷺ يوم الفتح (25) . وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة. ولم يزل غالب بن عبد الله من الصحابة المجاهدين مع رسول الله ﷺ حتى غزوة تبوك – في رجب 9 هـ – ثم رجع إلى منطقته باليمن فأقام بها حتى انطلق مع الصحابة والفرسان الذين انطلقوا لجهاد الإمبراطورية الفارسية بالعراق .

    غالب بن عبد الله .. في فتوح العراق
    ‏في أوائل شعبان ١٣ هـ تعرض المسلمون الذين كانوا قد دخلوا العراق إلى هجوم فارسي كبير بمنطقة جسر بانقيا في الحيرة، فأصيب عدد كبير من المسلمين في موقعة الجسر – جسر بانقيا – وكان مجموع عدد المسلمين سبعة آلاف فاستشهد من المسلمين فيما ذكر الطبري أربعة آلاف ما بين قتيل وغريق، وهرب منهم بشر كثير على وجوههم .. وهرب فلهم إلى المدينة .. وجزع الناس من الفرار، فقال عمر : لا تجزعوا أنا فئتكم إنما انجزتم إلي ..) قال البلاذري : (ثم إن عمر ندب الناس إلى العراق فجعلوا يتحامونه ويتناقلون عنه . ) (26) .وعندئذ أقبل من اليمن الصحابي جرير بن عبد الله البجلي في عدة آلاف من فرسان ورجال قبيلة بجيلة، والصحابي غالب بن عبد الله الكلبي في عدة مئات من كلب وغيرهم من عشائر قضاعة والصحابي عرفجة بن هرثمة البارقي في عدة مئات من فرسان بارق وأزد السراة. وكان أولئك جميعاً من منطقة واحدة ومتقاربة إذ أن قبيلة بجيلة كانت تسكن في السراة – سراة أعالي اليمن – ما بين (تبالة) شمالاً وتخوم صعدة جنوباً وكذلك كانت بارق وغيرها من عشائر أزد السراة يسكنون منطقة السراة وتجاورهم قبائل وعشائر قضاعة في صعدة والسراة ومنهم كلب ونهد وجرم، فأقبل جرير وغالب وعرفجة وفرسان ورجال قبائلهم إلى عمر بن الخطاب بالمدينة المنورة في أعقاب موقعة الجسر مباشرة . (27) قال الطبري: لما انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبة أهل الجسر – بالعراق – قدم عليه جرير بن عبد الله من اليمن في قبيلة بجيلة، وعرفجة بن هرثمة البارقي … قال : وقدم على عمر غزاة من بني كنانة – من قضاعة – والأزد في سبعمائة جميعاً قال الطبري : فكلهم عمر فقال : إنكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق فسيروا إليهم وقال البلاذري : … ندب عمر الناس إلى العراق – بعد موقعة الجسر – فجعلوا يتحامونه ويتثاقلون عنه .. فقدم عليه خلق من الأزد يريدون غزو الشام فدعاهم إلى العراق ورغبهم فيه، فردوا الاختيار إليه. وقدم جرير بن عبد الله من السراة في بجيلة . فقال له عمر : هل لك في العراق وأنفلكم الثلث بعد الخمس ؟ قال : نعم (28)قال الطبري: «فأمر عمر على بجيلة جرير بن عبد الله البجلي .. وأمر عمر على بني كنانة – من قضاعة – غالب بن عبد الله الكلبي، وأمر على الأزد عرفجة بن هرثمة، وعامتهم من بارق. فخرج جرير في قومه إلى العراق، وخرج غالب في قومه، وعرفجة في قومه حتى قدما العراق، حتى قال ابن كثير : أرسل عمر جرير بن عبد الله في أربعة آلاف إلى العراق (29) وكان الأربعة آلاف من قبيلة بجيلة، وسار معه عرفجة بن هرثمة في سبعمائة من الأزد وغالب بن عبد الله الكلبي في سبعمائة من قضاعة، وقد عقد عمر لواء الإمارة على فرسان قضاعة لغالب بن عبد الله ولواء الإمارة على فرسان الأزد العرفجة بن هرثمة، ولواء الإمارة على بجيلة لجرير بن عبد الله البجلي، وكذلك لواء القيادة العامة حيث كان جرير البجلي هو الأمير والقائد العام للجيش،فانطلقوا جميعاً إلى العراق في أواسط شعبان ۱۳هـ (وسلكوا طريق فيد وثعلبة إلى العذيب) – كما ذكر البلاذري – وكانت تسكن منطقة فيد وثعلبة قبيلة طيء اليمانية فاجتمعت طيء إلى هناك بقيادة عروة بن زيد الخيل الطائي وعدي بن حاتم الطائي، وانضموا إلى جرير بن عبد الله البجلي وغالب وعرفجة، وساروا جميعاً فدخلوا العراق، وانضم إليهم المثنى بن حارثة الشيباني مع فلول المنهزمين في موقعة الجسر وكانوا مع المثنى فأقبلوا على النخيلة، وكان جيش المسلمين زهاء عشرة آلاف بقيادة الأمير جرير بن عبد الله البجلي، فسار إليهم الجيش الفارسي بقيادة مهران، وفي ذلك قال المسعودي : سار جرير بن عبد الله فاجتمع معه المثنى بن حارثة الشيباني في النخيلة فأقبل إليهما مهران في جيوشه (30)، وقال ابن إسحاق : أقبل جرير – إلى العراق – ثم سار نحو الجسر، فلقيه مهران وجيشه عند النخيلة (31)، وذكر البلاذري إنه كان جيش الفرس وأميرهم مهران في (البويب) وكان (عسكر المسلمين بالنخيلة وبين البويب والنخيلة جسر، فاجتمع إلى مهران جيوش الفرس الذين كانوا في أرجاء إقليم الحيرة، فبلغ الفرس أكثر من مائة ألف، بينما اجتمع المسلمون بالنخيلة وكانوا زهاء عشرة آلاف بقيادة جرير وانضم إليه المثنى بن حارثة في زهاء ثلاثة آلاف، فبلغ المسلمون زهاء ثلاثة عشر ألفاً، بينهم عشرة من مشاهير الصحابة والقادة، وهم : جرير بن عبد الله البجلي، وغالب بن عبد الله الكلبي، وعرفجة بن هرثمة البارقي، وبشير بن سعد الأنصاري، والمثنى بن حارثة، وشرحبيل بن السمط الكندي، وعروة بن زيد الخيل وعدي بن حاتم، وعبد الله بن ذي السهمين الخثعمي، والمنذر بن حسان. فهزموا جيش الفرس هزيمة ساحقة في موقعة النخيلة. قال البلاذري: «التقى المسلمون وعدوهم، فأبلى شرحبيل بن السمط الكندي يومئذ بلاء حسناً .. وحمل المسلمون حملة رجل واحد محققين صابرين، فقتل الله مهران وهزم الكفرة .. وكان الذي قتل مهران جرير بن عبد الله والمنذر بن حسان (32)، وقال المسعودي : … التقوا، وصبر الفريقان جميعاً، حتى قتل مهران قتله جرير بن عبد الله البجلي وحسان بن المنذر، ضربه البجلي – بالسيف – وطعنه الآخر (30) وقال الحافظ ابن كثير : واقع جرير بن عبد الله الفرس وَقَتل قائدهم، وهزمهم عند النخيلة، وقد قتل من الفرس يومئذ وغرق قريب من مائة ألف، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظيراليرموك بالشام (33) . وقال ابن خلدون : انهزم الفرس .. فهربوا مصعدين ومنحدرين، واستلحمتهم خيول المسلمين، وقتل فيها مائة ألف أو يزيدون، وأحصي مائة رجل من المسلمين قَتَلَ كُل واحد منهم عشرة …. وكان من الصحابة والقادة الذين قتل كل واحد منهم عشرة من الفرس غالب بن عبد الله الكلبي، وبشير بن سعد الأنصاري، وشرحبيل بن السمط الكندي، وعرفجة البارقي، وعروة بن زيد الخيل. وكانت موقعة النخيلة في يوم السبت من شهر رمضان سنة ١٣ هـ . قال البلاذري : يقال إن ما بين يوم النخيلة والقادسية ثمانية عشر شهراً (34). وهو قول قريب من الصواب، فقد كانت موقعة النخيلة في رمضان ۱۳ هـ والقادسية في محرم ١٥ هجرية. وقد شهد غالب بن عبد الله الكلبي ما بعد يوم النخيلة من فتوح مناطق إقليم الحيرة إلى تخوم دجلة بقيادة جرير بن عبد الله البجلي سنة ١٤هـ، ثم بعث الفرس جيشاً كبيراً بقيادة رستم، وبعث عمر بن الخطاب الإمدادات والمستفزين إلى العراق وأسند قيادة المسلمين إلى سعد بن أبي وقاص، فالتقى المسلمون والفرس في موقعة القادسية حيث كان غالب بن عبد الله الكلبي من الصحابة والقادة الكبار في موقعة القادسية . قال العسقلاني في كتاب الإصابة : وغالب بن عبد الله الكلبي له ذكر في فتح القادسية (35). وجاء في ترجمته بكتاب الجامع أنه «شهد القادسية (36) وكان انتصار وفتح القادسية في شهر محرم سنة ١٥ هجرية . ‏مشاركة غالب في فتح أرمينية
    ‏وباب الأبواب ثم كان غالب بن عبد الله الكلبي من الصحابة الذين شهدوا فتح منطقة الجزيرة الفراتية وأذربيجان وأرمينية وصولاً إلى فتح مدينة الباب والأبواب – القوقازية – التي سقط ملكها قتيلاً بسيف غالب بن عبد الله الكلبي، وفي ذلك قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة غالب بكتاب الإصابة : وهو الذي قتل هرمز ملك الباب (35) . وكذلك جاء في ترجمة غالب بكتاب الجامع أنه : قتل هرمز ملك الباب من البلاد الأعجمية (36) .ويدل ذلك على أنه شهد الفتوح التي في سياقها كان فتح الباب والأبواب وكان من أنباء ومعالم ذلك أنه : – بعد شهرين من موقعة القادسية، وكما ذكر الحافظ ابن كثير : كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص أن يجهز جيشاً إلى أهل الجزيرة الذين مالأوا الروم على حصار أبي عبيدة بن الجراح – في الشام – ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض بن غنم الأشعري، فسار إليها عياض وفي صحبته أبو موسى الأشعري. وقال الحافظ الذهبي : وجه أبو عبيدة عياض بن غنم – من الشام – إلى الجزيرة فوافق بها أبو موسى الأشعري (37) ، ، وكان في ذلك الجيش الذي سار من القادسية إلى إقليم الجزيرة الفراتية : غالب بن عبد الله الكلبي، وبكير بن عبد الله الليثي الكلبي، وصفوان بن المعطل، وحبيب بن مسلمة الفهري، فبدأوا بفتح بعض نواحي منطقة الرها بقيادة أبي موسى، ثم أقبل عياض بن غنم الأشعري في جيش من الشام – في شوال ١٥هـ – فاشتركوا جميعاً في فتح مدينة الرها ومنطقة سميساط في أواخر سنة ١٥ هـ ـ ثم افتتحوا منطقة حران ونصيبين وطائفة من إقليم الجزيرة سنة ١٦هـ . قال الطبري في ختام أنباء سنة ١٦ هـ ـ كان الأمير – على الجزيرة عياض بن غنم الأشعري . [ ص ١٨٨ – جـ ٤] ثم سار عياض إلى أبي عبيدة في الشام، ثم رجع إلى إقليم الجزيرة بجيش كثيف – في شوال سنة ١٧ هـ ـ فتم استكمال فتح إقليم الجزيرة الفراتية وديار بكر إلى تخوم أرمينية في جمادى الأول سنة ١٨ هـ كما ذكر ذلك الإمام الواقدي في فتوح البلدان . – وفي سنة ١٨ هـ تقدم المسلمون إلى أذربيجان وأرمينية، وكان قائد الجيش الذي دخل أذربيجان بكير بن عبد الله الليثي الكلبي، وقائد الجيش الذي دخل أرمينية عياض بن غنم الأشعري، وقد ذكر الواقدي أسماء الصحابة الذي كانوا مع عياض بن غنم الأشعري في فتح مناطق أرمينية الأولى وصولاً إلى فتح (بدليس) في شعبان ۱۸ هـ – وكان منهم المقداد بن عمرو، وسعيد بن زيد، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح المرادي والمسيب بن نجبه، وميسرة بن مسروق العبسي ..) ولم يذكر بينهم غالب بن عبد الله الكلبي، ومؤدي ذلك أنه لم يكن معهم، وكان مع بكير بن عبد الله الليثي الكلبي الذي سار في ذات الوقت إلى أذربيجان، وكان بكير بن عبد الله من الصحابة والقادة الأمراء قال الطبري: «سار بكير بن عبد الله الليثي إلى أذربيجان حتى إذا طلع بحيال جرميدان طلع عليهم (إسفندياذ بن الفرخزاد) فاقتتلوا، فهزم الله جندهم، وأخذ بكير بن عبد الله إسفندياذ أسيراً. فقال له إسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فأمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء لم يقيموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم، فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إلى بكير بن عبد الله .. وبعث عمر بن الخطاب سماك بن خرشة الأنصاري ممداً لبكير بن عبد الله بأذربيجان، وقدم سماك على بكير وإسفندياذ في إسارة وقد افتتح ما يليه .. وكذلك أتى إليه عتبة بن فرقد … فاستعفى بكير عمر بن الخطاب – من إمرة أذربيجان والبقاء فيها – فكتب إليه عمر بالإذن على أن يتقدم نحو الباب وأن يستخلف على عمله، فاستخلف بكير عتبة بن فرقد على الذي افتتح من أذربيجان .. وصالح بكير وعتبة أهل أذربيجان والإسفندياذ – وجاء في خاتمة كتاب الصلح أنه كتب جندب، وشهد بكير بن عبد الله الليثي، وسماك بن خرشة الأنصاري .. وكتب في سنة ١٨ هجرية) (38) ، ومضى بكير بن عبد الله ومعه غالب بن عبد الله إلى بلاد الباب والأبواب. وكان عياض بن غنم الأشعري والجيش الذي معه في أرمينية قد مضى من (بدليس) إلى إقليم (أخلاط) – في حوالي شهر شوال ۱۸ هـ – فافتتحوا إقليم (أخلاط) ثم بلاد اللان (أرزن) في أوائل سنة ١٩هـ بينما تقدم بكير بن عبد الله الكلبي والذين معه – وفيهم غالب بن عبد الله – إلى الباب والأبواب . – ومن المفيد هنا تبيين أن الباب والأبواب كانت مدينة وعاصمة كبيرة في إقليم شروان وجبال القوقاز الأذربيجانية والداغستانية التي يذكرها المؤرخ المسعودي باسم (جبل القبخ وأنه جبل عظيم ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابة بناها كسرى أنوشروان وجعلها بينه وبين الخزر وجعل لها – أي لمدينة الباب والأبواب – سور من جوف البحر على مقدار ميل منه ماداً إلى البحر، ثم على جبل القبخ ماداً في أعاليه ومنخفضاته وشعابه نحواً من أربعين فرسخاً، إلى أن ينتهي ذلك إلى قلعة يقال لها طبرستان) وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور – أو أقل أو أكثر على حسب الطريق الذي جعل الباب من أجله – باباً من حديد، وأسكن فيه على كل باب من داخله أمة تراعي ذلك الباب وما يليه من السور، كل ذلك ليدفع أذى الأمم المتصلة بذلك الجبل من الخزر واللان – والروس – وغيرهم. وجبل القبخ يكون في المسافة علواً وطولاً وعرضاً نحواً من شهرين. بل وأكثر، وحوله أمم لا يحصيهم إلا الخالق عز وجل. وذكر البلاذري أن كسرى أنوشروان – ومن قبله أبوه الملك قباذ – غزا بلاد أران وشروان وأرمينية، وكانت بيد الروم، فأخذ ما كان في أيدي الروم. (ثم بنى كسرى أنوشروان مدينة الباب والأبواب، وإنما سميت أبواباً لأنها بنيت على طريق في الجبل .. وبنى بأرض أران أبواب شكن والقميران وأبواب الدودانية، وهي اثنا عشر باباً كل باب منها قصر من حجارة. وبنى بأرض جرزان مدينة يقال لها سغدبيل، وأنزلها قوماً من السغد وأبناء فارس وجعلها مسلحة . قال المسعودي : وكانت مملكة شروان يقال لكل من يملكها شروانشاه وتكون مملكته نحواً من شهر، ومنها مدينة الباب والأبواب، وساحل النفاطة من (39) مملكة شروان المعروفة بباكة. وساحل النفاطة المعروفة بباكة هي مدينة باكو عاصمة جمهورية أذربيجان القوقازية حالياً، ومدينة الباب والأبواب هي (دربند) حالياً. وفي ذلك قال د. ناجي حسن في كتاب القبائل العربية في المشرق: باب الأبواب : هي تسمية العرب لميناء دربند الواقع على بحر قزوين . (40)ويستفاد من تلك المعلومات الجغرافية أن بكير بن عبد الله افتتح إقليم شروان – الأذربيجاني القوقازي المطل على بحر قزوين – حتى بلغ الباب والأبواب (دربند) في شمال وأعالي إقليم شروان، وذلك سنة ١٩ – ٢٠ هـ – فقاتلهم ملك الباب والأبواب وهو شروانشاه هرمز فبارزه وقتله غالب بن عبد الله الكلبي، وفي ذلك جاء في كتاب الإصابة وكتاب الجامع : أن غالب بن عبد الله الكلبي (هو الذي قتل هرمز ملك الباب فيكون ذلك سنة ١٩ – ٢٠ هجرية . وقال الطبري في أحداث سنة ۲۲ هجرية وفي هذه السنة كان فتح الباب . ويبدو من ذلك أن الباب والأبواب انتقضت بعد فتحها الأول بقيادة بكير بن عبد الله ومعه غالب بن عبد الله سنة ۱۹ – ۲۰ هـ ؛ لأن بكير بن عبد الله سار بعد ذلك الفتح إلى بلاد موقان وافتتحها وصالح أهلها سنة ٢١ هـ ثم رجع إلى الباب والأبواب (دربند) التي ذكر الطبري فتحها سنة ٢٢ هـ قائلاً : بعث عمر بن الخطاب سراقة بن عمرو إلى الباب وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة .. وكان بكير بن عبد الله الليثي بإزاء الباب قبل قدوم سراقة بن عمرو عليه، وكتب إليه – أن يلحق به، وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة، فَقَدَم سراقة عبد الرحمن بن ربيعة، وخرج في الأثر حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب قدم على بكير بن عبد الله في أداني الباب، فسار مع بكير ودخل بلاد الباب، وأمده عمر بحبيب بن مسلمة صرفه إليه من الجزيرة». وكان الملك بالباب يومئذ شهر براز وهو رجل من أهل فارس، فكاتبهم واستأمن على أن يأتي سراقة، فسار إلى سراقة، فكتب له سراقة كتاب الصلح وشهد فيه بكير بن عبد الله وسلمان بن ربيعة وآخرون (41). وبذلك تم فتح – أو إعادة فتح الباب والأبواب صلحاً سنة ٢٢هـ وكان غالب بن عبد الله مع بكير في ذلك الفتح، وكذلك في فتح إقليم موقان من جبال القبخ في أرمينية . قال الطبري : فض بكير بن عبد الله موقان ثم تراجعوا على الجزية فكتب لهم : بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى بكير بن عبد الله أهل موقان من جبال القبخ، أعطاهم الأمان على أموالهم وأنفسهم وملتهم وشرائعهم على الجزية دينار عن كل حالم أو قيمته، والنصح ودلالة المسلم .. فلهم الأمان ما أقروا ونصحوا، وعلينا الوفاء، والله المستعان .. وكتب سنة إحدى وعشرين (41). ولم يزل غالب بن عبد الله يجاهد في جبال القبج وأرمينية والقوقاز في خلافة عثمان بن عفان، وكانت تلك البلاد تنتقض وتفتح، ثم استتب فتح أغلبها منذ عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان في العصر الأموي.

    ولاية غالب بن عبد الله لبلاد خراسان وكان غالب بن عبد الله الكلبي من الصحابة الذين تولوا إقليم خراسان، وفي ذلك جاء في ترجمته بكتاب الجامع أنه : تولى خراسان في زمن معاوية سنة ٤٨ هجرية، وكذلك جاء في ترجمة غالب بكتاب الإصابة أنه ذكره أحمد بن سيار في تاریخ مرو، فقال إنه قدمها، وأنه ولى خراسان زمن معاوية .. وكذا ذكر ابن حبان: إن زياداً ولاه على بعض خراسان زمن معاوية. وذكر الحاكم: إن غالب بن عبد الله قدم ،مرو، وكان ولي خراسان زمن معاوية ولاه زياد. وقال الطبري : استعمله زياد بن أبي سفيان على خراسان سنة ٤٨ هجرية. وكان غالب قد بلغ من الكبر عتياً، فمات – رضي الله عنه – بعد عام ٤٨ هـ بأمد يسير، ويبدو أنه مات في خراسان . وبهذا نختم قصة أحد العظماء الحميريين رضي الله عنه .

    المصادر
    ‏(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب – لابن عبد البر القرطبي – ص ٣/١٨٣.
    ‏( ۲) الإصابة في تمييز الصحابة – لابن حجر العسقلاني – ص ١٨٤ جـ ٣.
    ‏(۳) الجامع لأعلام المهاجرين المنتسبين إلى اليمن – لمحمد بامطرف – ص ٤٣١
    ‏(4) اليمن في تاريخ ابن خلدون – لمحمد الفرح – ص ١١٥ .
    ‏(5) الإكليل – للحسن الهمداني – ص ١٣٦ جـ ١٠.
    ‏(6) البداية والنهاية – لابن كثير – ص ٤٧ جه.
    ‏(7) عيون الأثر – لابن سيد الناس – ص ٣٦٤ جـ١
    ‏(8)السيرة النبوية – لابن هشام – ص ٤٢٩ جا – والفلجات مواضع مياه تؤدي إلى الشام. والمخاض : الإبل الحوامل والأوراك: شجر الأراك وهو السواك .
    ‏(9) الجامع – لبا مطرف – ص ٤٣١ والاستيعاب – للقرطبي – ٣/١٨٣.
    ‏(10) عيون الأثر – لابن سيد الناس – ص ۱۲۳ جـ ۲.
    ‏(11)) السيرة النبوية – لابن هشام – ص ۲۸۱ جـ ٤.
    ‏(12)عيون الأثر – لابن سيد اناس – ص ٢/١٩٥.
    ‏(13) السيرة النبوية – لابن هشام – ص ۲۸۱ ج ٤ .
    ‏(14) تعز بي : أي تقيمي في المرعى. تقول : تعذب في المرعى. إذا أقام فيه ولم يرجع لأهله .
    ‏(15) الخضل : النبات الأخضر المبتل والمغلولب: الكثير الذي يغلب الماشية. وهذا الرجز خطاب للنعم – الماشية – التي استاقوها .
    ‏(16) عيون الأثر – لابن سيد الناس – ص ١٩٦ جـ ٢.
    ‏(17) عيون الأثر – لابن سيد الناس – ص ١٩٦ جـ ٢.
    ‏(18) الجامع – لبامطرف – ص ٤٣١ .
    ‏(19) الإصابة – للعسقلاني – ص ١٨٤ جـ ٣
    ‏(20)السيرة النبوية – لابن هشام – ص ٢٩٨ جـ ٤.
    ‏(21) عيون الأثر – لابن سيد الناس – ص ١٩١ و ١٩٦ جـ ٢.
    ‏(22)الإستيعاب – ص ١٨٣ / ٣ – والجامع – ص ٤٣١ .
    ‏(23) الإصابة في تمييز الصحابة – ص ١٨٤ جـ ٣.
    ‏(24) اليمن في تاريخ ابن خلدون – ص ۱۱۱.
    ‏(25) الإصابة في تمييز الصحابة – ص ١٨٤ جـ ٣.
    ‏( 26) تاريخ الأمم والملوك – للطبري – ص ٦٨ جـ ٤ .
    ‏(27) تاريخ الأمم والملوك – للطبري – ص ٦٨ جـ ٤ .
    ‏(28) فتوح البلدان – للبلاذري – ص ٢٥٣.
    ‏(29) البداية والنهاية – لابن كثير – ص ٢٦ جـ ٧.
    ‏(30) مروج الذهب – للمسعودي – ص ٣١٩ جـ ٢.
    ‏(31) تاريخ الأمم والملوك – للطبري – ص ٦٨ جـ ٤ .
    ‏(32) فتوح البلدان – للبلاذري – ص ٢٥٣.
    ‏(33) البداية والنهاية – لابن كثير – ص ٢٦ جـ ٧.
    ‏(34) فتوح البلدان – للبلاذري – ص ٢٥٣ .
    ‏(35) الإصابة – ترجمة غالب بن عبد الله الكلبي ص ١٨٤ جـ ٣.
    ‏(36) الجامع – ترجمة غالب بن عبد الله الكلبي – ص ٤٣١ .
    ‏(37) البداية والنهاية – لابن كثير – ص ٧٦ جـ ٤ .
    ‏(38) تاريخ الأمم والملوك – للطبري – ص ٢٥٥ – ٢٥٦ جـ ٤ .
    ‏(39) مروج الذهب – للمسعودي – ص ١٧٦ جـا.
    ‏(40) القبائل العربية في المشرق – ص ١٧٤.
    ‏(41) تاريخ الطبري – ص ٢٥٦ – ٢٥٧ جـ ٤ .
    ‏_
    ‏تجميع
    ‏يمانيون في موكب الرسول عظماء الصحابة والفاتحين اليمانيين في فجر الإسلام
    ‏المجلد الثاني
    ‏محمد حسين الفرح رحمه الله
    ‏__
    ‏ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم الثاني القيل أبيض بن حمال المأربي اليماني

    أولُ مَنْ فُرِش له رداء النبي -من مشايخ وأقيال اليمن الذين هاجروا إلى رسول الله ﷺ هو شيخ مأرب الزعيم القيل أبيض بن حَمَّال بن مرثد بن ذي لحيان المأربي. قال الحسن بن أحمدالهمداني صاحب الإكليل لبعض أحفاد أبيض بن حمال : إن النبي محمداً خيرُ الوَرَى بَسَطَ الرداء لجدكم في المسجد ثَمَّ الْتَقَاهُ مُعَانِقاً ومُسلِماً ومُرحباً : في الرحب أبيض فأقْعُد (۱)
    ‏قال ابن حجر العسقلاني في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة :
    ‏أبيض بن حمال بن مرثد بن ذي لحيان .. المأربي السبئي : روى حديثه أبو داود والترمذي والنسائي في السنن الكبرى، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه .. وقال البخاري وابن السكن : له صحبة وأحاديث، ويُعد في أهل اليمن (۲) وقال ابن عبد البر القرطبي في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب :أبيض بن حَمَّال السبئي المأربي من مأرب اليمن (۳).

    نسب أبيض بن حَمَّال

    كان أبيض بن حَمَّال وأجداده من أقيال اليمن الرؤساء الأذواء منذ عصور سبأ وحمير، فقبل أبيض بن حمّال بستة عشر جيلاً كان من كبار أقيال اليمن ( ذو مأذن : عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة السبئي)، فأنجب ذلك القيل خمسة أبناء تفرعت منهم بيوت عديدة وتولوا القيالة والرئاسة في مناطق واسعة من اليمن وسميت تلك المناطق بأسمائهم وما تزال تحمل تلك الأسماء حتى اليوم، فمنهم القيل حُفَاش بن عوف ذي مأذن – باسمه سميت ناحية حفاش – والقيل ملحان بن عوف – باسمه سميت ملحان – والناحيتان حفاش وملحان بلواء المحويت.

    ومنهم القيل حراز بن الغوث بن سعد بن عوف – باسمه سميت ناحية حراز – والقيل الأخروج بن الغوث – باسمه سميت ناحية الأخروج وهي الحيمة حالياً – والقيل رحبة بن الغوث – باسمه سميت ناحية الرحبة – والقيل سيان بن الغوث – باسمه سميت سيّان – والقيل سنحان بن الغوث بن سعد بن عوف، باسمه سميت ناحية سنحان (4) وتلك النواحي : سنحان والرحبة والحيمة وحراز من نواحي لواء صنعاء. ومنهم القيل سحول بن سوادة بن عمرو بن سعد بن عوف ـ باسمه سمي السحول بلواء إب . والقيل جَبًا بن السحول – باسمه سميت جَبًا بمخلاف المعافر في لواء تعز، وكانت جبا مقر رئاسة بني الكرندي سلاطين المعافر.

    بينما أقام في مأرب من تلك البيوت البيت الذي فيه تعاقبت مشيخة وقيالة مأرب جيلاً بعد جيل حتى انتهت إلى أبيض بن حمّال في الجيل السادس عشر إذ أنه : أبيض بن حمال بن مرثد بن ذي لحيان – بضم اللام – بن عامر بن ذي العبير بن هعان بن شرحبيل بن معدان بن مالك بن أسام بن زيد بن كهلان بن عوف بن عمرو بن سعد بن القيل عوف ـ ذي مأذن بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة ، وكان أبيض بن حَمَّال هو شيخ مأرب عند ظهور دين الإسلام الحنيف . – السبئي (5) وكان أبيض بن حمال في موكب رسول الله قال ابن سمرة الجعدي في كتاب (طبقات فقهاء اليمن) باب (تسمية المهاجرين من اليمن إلى رسول الله ﷺ) : وهاجر الأبيض بن حمال، جد بني الكرندي من أمهم وقيل من ابوهم . . » (6) .

    وجاء في هامش الطبقات أنه : ( في الأنباء ص ۸ : وهاجر إلى رسول الله ﷺ أبيض من حمال )فمصطلح ( هَاجَر ) يشير إلى أن مسير ووفادة أبيض بن حمال إلى رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة كان سنة ٧ هجرية، وذلك قبل فتح مكة؛ لأنه لا يقال (هاجر) إلا للذي وقد وهاجر قبل فتح مكة، إذ أنه «قال رسول الله ﷺ: لا هجرة بعد الفتح وإنما هو الجهاد والنية حديث صحيح. أخرجه البخاري والبغوي وابن منده (7) ومما يعزز هجرة أبيض بن حمّال أن الهمداني ذكر أنه أول من فرش له النبي ﷺ رداءه حيث قال : .. مانالها إلا جرير بجيلة بعد ابن حمال الرئيس الأسيد وقد كانت وفادة وهجرة جرير بن عبد الله البجلي في أواخر سنة 7هـ، وفرش له النبي ﷺ رداءه فكون ذلك بعد ابن حمّال، يتيح إدراك أن أبيض بن حمال وفد وهاجر من مأرب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة .فلما وصل إلى المدينة توجه أبيض بن حمّال إلى المسجد النبوي فالتقاه رسول الله ﷺ بالترحيب وفرش له رداءه ليقعد عليه تكريماً له وتشريفاً.

    فكان أبيض بن حمال أول ستة فرش رسول الله الله لكل منهم رداءه، وقد جمع
    ‏الهمداني نبأ وفادة أبيض بن حمّال وصحبته والذين فرش لهم رسول الله ﷺ رداءه، في الأبيات التي قالها الهمداني لبعض أحفاده، وهي الأبيات التالية :
    ‏إن الـنـبـي مــحــمــداً خير الورى
    ‏ بسط الرداء لـجـدكـم فـي الـمـسـجـد
    ‏ثم التقاه معانقاً ومسلماً
    ‏ ومرحباً : في الرحب أبيض فأقعد
    ‏حتى إذا قعد ابن حمال إلى
    ‏ خير البرية نبعة من محتد
    ‏قال الـنـبـي لـصـحـبـه أصفوا كما
    ‏ أصفيت أبيض كُل رأس ســيــد
    ‏وأقاله في الــمــلــح بـعـد حـبــائــه
    ‏ لما استقال بـطـيـب نـفـس فـي النـد
    ‏فأعاضه منه بأفضل دعوة
    ‏ صعدت إلى ربي ولما تردد
    ‏ وحباه عند رحيله بإدارة
    ‏ و بخير زاد من أبر مزود
    ‏ وكساه ثوباً ليس يبلى فخره
    ‏ عن عقبه والعقب أحرى المُسند
    ‏ما نالها إلا جرير بجيلة
    ‏ بعد ابن حمال الرئيس السيد
    ‏والقيل أبرهة الشريف ووائل
    ‏ رأس الحضارم ذو الـفـعـال الأوحد (9)
    ‏أيضاً وعبد الجد نال مناله
    ‏ أكرم بعبد الـجـد مـن مـتـعـجـنـد (10)
    ‏والحارث بن كلال سيد حمير
    ‏ وإذا يُطاف لسابع لم يوجد (11)

    ومن أنباء أبيض بن حمّال لما وفد إلى رسول الله الله بالمدينة المنورة، ذكر
    ‏ابن حجر العسقلاني : « أن أبيض بن حمال كان بوجهه حزازة وهي القوباء فالتقمت ‏أنفه، فمسح النبي الله على وجهه فلم يمس ذلك اليوم وفيه أثر » . ومكث أبيض بن حمال فترة بالمدينة المنورة وصحب رسول الله ﷺ، وفي ذلك قال العسقلاني : «قال البخاري وابن السكن : له صحبة وأحاديث » . وعاد أبيض بن حمال إلى منطقة مأرب في اليمن، ربما بعد فتح مكة، في رمضان هـ ، ثم وفد مرة ثانية إلى رسول الله الله في السنة التاسعة للهجرة، فقد جاء في كتاب ( الأنباء ) باب ( وفود اليمن سنة تسع » أنه : « وفد أبيض بن حمال المأربي السبئي اليماني واستقطع النبي الله الملح الذي في مأرب ، فأقطعه إياه ثم استعاده منه » (12) .

    نبأ إقطاع أبيض بن حمّال الملح الذي في مأرب واستعادته أقطع رسول الله ﷺ أبيض بن حمال الملح الذي في مأرب وهو ملح منطقة صافر بمأرب، ويبدو أن أبيض بن حمّال وعشيرته كانوا يبيعون من ذلك الملح، فسأل أبيض بن حمّال رسول الله الله أن يقطعه ذلك الملح فأقطعه إياه، تقديراً لدوره في إنه أول من أسلم بمنطقة مأرب وساهم في نشر الإسلام فيها، ثم استقاله فتنازل أبيض بن حمال عن ذلك الملح لأنه مال عد وبمثابة الملكية العامة، وفي ذلك قال العسقلاني : روى أبو داود والترمذي والنسائي في السنن الكبرى وابن ماجه وابن حبان في صحيحه حديث أبيض بن حمّال إنه استقطع النبي ﷺ لما وفد عليه الملح الذي في مأرب فأقطعه إياه ثم استعاده منه )(12)
    ‏وقال القرطبي في ترجمة أبيض بن حمّال بكتاب الاستيعاب : روى عن رسول الله ﷺ ما يحمى من الأراك . وروي عنه أنه أقطعه الملح الذي بمأرب إذ سأله ذلك، فلما أعطاه إياه قال له رجل عنده : يا رسول الله إنما أقطعته الماء العد. فقال النبي ﷺ : فلا إذن (13) .

    وذكر ابن سمرة في طبقات فقهاء اليمن النبأ الكامل عن ذلك فقال : أقطع رسول الله ﷺ أبيض بن حمال ملح مأرب. فقال الأقرع بن حابس : يا رسول الله إني وردته في الجاهلية، وإنه مثل الماء العذب، من ورده أخذه (14).
    ‏فاستقال النبي ﷺ من الأبيض بن حمال ، فقال : قد أقلتك يا رسول الله، على أن تجعله مني صدقة ، فقال : هو منك صدقة، وهو مثل الماء العذب (14)
    ‏ثم سأل الأبيض النبي ﷺ عن حمى الأراك. فقال النبي ﷺ: لا حمى في الأراك .

    ۳) قال ابن سمرة – وهو مذهب القاضي أبي القاسم الصيمري (15)من أصحابنا : أن الكلأ لا يُملك ) (16) وذكر الهمداني في الإكليل نبأ الملح فقال : أقطع رسول الله ﷺ أبيض بن حمّال جبل الملح من سهل مأرب، ثم قيل له : يا رسول الله أقطعته الماء العد، ولا ملح لأهل اليمن غيره، فاستقاله فيه، فأقاله، وأعاضه منه » .

    فكان ذلك الجبل الملحي – في صافر – بمأرب، مثل الماء والكلأ لا يمتلكه أحد وإنما هو ملكية عامة لجميع الناس وقال الهمداني في أبياته عن أبيض بن حَمَّال : ‏وأقاله في الــمــلــح بـعـد حـبـائـه لما استقال بـطـيـب نـفـس فـي النـد
    ‏فأعاضه منه بأفضل دعوة صعدت إلى ربي ولما تردد

    مراجعة أبيض بن حَمَّال في الصدقة على أهل مأرب
    ‏واستعمل رسول الله ﷺ أبيض بن حمال على قبض الصدقة – وهي الزكاة من أهالي منطقة مأرب، فراجع أبيض بن حمّال رسول الله ﷺ طالباً إعفاء أهل مأرب من الصدقة. وفي ذلك جاء في هامش الإكليل عن طبقات الصحابة لابن سعد، أنه :أخرج أبو داود صاحب السنن : أن الأبيض بن حمال كلم رسول الله ﷺ في الصدقة حين وفد إليه، فقال رسول الله ﷺ : يا أخا سبأ لا بد من الصدقة . فقال أبيض بن حمّال : إنما زرعنا القطن يا رسول الله، وقد تبددت سبأ، ولم يبق منهم إلا القليل بمأرب .فصالحه رسول الله ، على سبعين حلة من قيمة وفايز المعافر » . .

    قال العسقلاني : وروى الطبراني : إن أبيض بن حمّال وفد على أبي بكر الصديق . فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي الله من الصدقة ، ثم صار ذلك إلى الصدقة». أي بموجب أحكام الصدقة والزكاة كسائر بقية مناطق وأهل اليمن .

    نبأ إدارة الماء التي وهبها النبي ﷺ الأبيض بن حَمَّال ‏قال الهمداني في الإكليل : ‏والسبئيون يروون أن النبي الله زوده ودفع إليه إدارة فيها ماء. وكان
    ‏أبيض بن حَمَّال يزيد عليها من كل منهل مقدار ما يشرب، ضنَّة ببركة سُقيا
    ‏رسول الله ، وليصل إلى مأرب ومعه منها شيء. فلما صار بالمنبج من أرض الجوف مالت الإدارة وانفسخ ما فيها ـ أي إنسفك ماؤها – فَنَبَج ، ثُمَّ غَيّل المنبج، وسُمي المنبج؛ لأن كل عين تنبع من موضع تُسمى نبجه ، والموضع منبج( 17 ) .

    وفي ذلك قال الهمداني في أبياته عن أبيض بن حمال : وحبـاه عـنـد رحــيــلــه بــإدارة وبخـــيـــر زاد من أبر مُزَوِد ‏وكساه ثوباً ليس يبلى فخره عن عقبه، والعقب أحرى المسند وكان أبيض بن حمّال من الصحابة الذين مكثوا بقية حياتهم في اليمن، ولذلك (قال البخاري وابن السكن : له صحبة وأحاديث، ويُعد من أهل اليمن).والمقصود إنه لم يغادر اليمن في الفتوحات، وقد وفد إلى أبي بكر في خلافته . سنة ١١ – ١٢هـ – فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي ﷺ من الصدقة عن أهل مأرب، فمكث أبيض بن حمّال في مأرب إلى أن انتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً، وكانت وفاته في خلافة عمر ، رضي الله عنهما، ولكن اسم وذكرى أبيض بن حَمَّال بَقَى خالداً عبر الأزمنة والعصور في مأرب وفي تراجم الصحابة، وكتب التاريخ بأنه أول من فُرِشَ له رداء رسول الله ، فرضي الله عنه وأرضاه .

    المصادر
    ‏(1) الإكليل – للحسن بن أحمد الهمداني – ص ٢٤٠ – ٢٤٢ جـ ٢.
    ‏(۲) الإصابة في تمييز الصحابة – للعسقلاني – ص ۱۷ جـا.
    ‏(۳) الاستيعاب في معرفة الأصحاب – للقرطبي – ص ١/١١٤.
    ‏(4) تفرعت من القيل سنحان بن الغوث عشائر بني سنحان، قال الأكوع في هامش الإكليل : ( وسنحان هذه دخلت في ذي جُرة وذهبت بالاسم وتغلبت على ذي جرة وهي سنحان التي في جنوب صنعاء) – ص ٢٤٦ جـ ٢ – وأقول : ومن أعلام بني القيل سنحان في عصرنا العميد المناضل عبد الله شلامش والأستاذ علي أحمد الضبوي وزعيم اليمن رئيس الجمهورية اليمنية الرئيس المشير على عبد الله صالح الذي أعاد بناء سد مأرب، وأعاد تحقيق وحدة اليمن، فقامت بزعامته – في ۲۲ مايو ۱۹۹۰م – الجمهورية اليمنية . وقد استوفينا تاريخه
    ‏المجيد في كتاب معالم عهود رؤساء الجمهورية في اليمن . (وجاء الذي سبق في كتاب يمانيون في موكب الرسول محمد حسين الفرح )
    ‏(5) الإكليل – للحسن بن أحمد الهمداني – ص ٢٤٠ – ٢٤٢ جـ ٢.
    ‏(6) طبقات فقهاء اليمن – لابن سمرة الجعدي – ص ١٢
    ‏(7) الإصابة في تمييز الصحابة ص ١٨٥ جـ٣.
    ‏(8) تقدم تفصيل ذلك في المبحث الخاص بالزعيم الصحابي الكبير جرير بن عبد الله البجلي خير ذي يمن .
    ‏(9) القيل أبرهة : هو أبرهة بن الصباح بن شرحبيل الحميري صاحب قصر موكل في رداع . ووائل رأس الحضارم : وائل بن حجر الحضرمي جد ابن خلدون.
    ‏(10) عبد الجد الحكمي : رئيس قبيلة حكم المذحجية .
    ‏(11) الحارث بن كلال : هو الملك الحارث بن عبد كلال ذو رعين .
    ‏(12) الأنباء – ص ۲۳ – والإصابة – ص ۱۷ جـا – والاستيعاب – ص ١/١١٤.
    ‏(13) الأنباء – ص ۲۳ – والإصابة – ص ۱۷ جـا – والاستيعاب – ص ١/١١٤.
    ‏(14) الماء العذب : الماء العد، وكذا في كتاب الأموال، وفسره بأنه : الماء الدائم الذي لا ينقطع .
    ‏(15) هو القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري، من علماء الشافعية، قال عنه
    ‏الإمام الذهبي : كان موجوداً سنة ٤٠٥ هجرية .
    ‏ (16) طبقات فقهاء اليمن – لابن سمرة الجعدي – ص ١٢.
    ‏(17) الإكليل – للحسن الهمداني – ص ٢٤٢ جـ ٢.
    ‏• يمانيون في موكب الرسول محمد حسين الفرح المجلد الثاني

    ‏ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم الثالث القيل عسكلان بن عواكن الحميري أول خواص المؤمنين

    من أسبق السابقين إلى الإيمان هو عسكلان بن عواكن الحميري . قال عنه ابن حجر العسقلاني : كان عسكلان مِمَنْ بَشَر برسالة النبي ، ثم أدرك البعثة، وأرسل إلى النبي ﷺ بشعر يمدحه ويذكر فيه إسلامه (۱).

    لقد كان عسكلان بن عواكن تاجراً كبيراً في مناطق حمير باليمن، وهي مناطق المعافر وذي رعين وسرو حمير التي كانت تسودها الديانة المسيحية التي بها كان يدين عسكلان وقد انتشرت الديانة المسيحية في مناطق حمير وغيرها منذ زمن الملك عبد كلال بن ذي رعين الحميري معاصر الملك الروماني قسطنسيوس بن قسطنطين الذي حكم في الفترة (۳۳۷ – (۳۷۰م) من القرن الرابع الميلادي، وفيه قال نشوان بن سعيد الحميري أم أين عبد كلال الماضي على دين المسيح الطاهر المساح وجاء في تاريخ الأمم والملوك أنه كان الملك عبد كلال بن مثوب على دين النصرانية الأولى، وكان الذي دعاه إليه رجل من غسان قدم عليه من الشام» (٢) ومنذ ذلك الزمن انتشرت المسيحية في مناطق واسعة من اليمن هي مناطق حمير في غرب ووسط وجنوب وشرق اليمن فاستمرت الديانة المسيحية هي السائدة بتلك المناطق إلى ما قبل الإسلام، وقد أشرنا إلى ذلك هنا لأن عسكلان بن عواكن الحميري كان مسيحياً وعارفاً بالإنجيل الصحيح وبزبور حمير القديم الذي فيه التبشير بالنبي محمد ﷺ وصفته وزمن ظهوره ومبعثه بمكة، فكان يتحدث عن ذلك في بعض الأحايين .

    وكان عبد الرحمن بن عوف يأتي من مكة إلى اليمن للتجارة في الجاهلية فينزل عند عسكلان، وفي ذلك قال عبد الرحمن بن عوف : كنتُ إذا قدمت اليمن نزلت على عسكلان بن عواكن الحميري، فلا يزال يسألني عن مكة وأحوالها، وهل ظهر فيها مَنْ يُخالف دينهم أم لا فكان عبد الرحمن يجيبه بعدم ظهور أحد.

    وقبل البعثة النبوية بسنة كان عسكلان قد بلغ من الكبر عتياً، وكان أولاده يتولون تجارته، فأتى عبد الرحمن بن عوف فنزل عنده، وفي ذلك قال عبد الرحمن بن عوف : سافرت إلى اليمن قبل المبعث بسنة، فنزلت على عسكلان بن عواكن ، وكان شيخاً كبيراً، قد أنسئ له في العمر فسأله عبد الرحمن عن أحواله، فقال عسكلان : ‏إذا ما الشيخ صم فلم يكلم وأودى سَمْعَهُ إِلَّا بَدَايَا
    ‏فذاك الداء ليس له دواء سوى الموت الـمـنـطـق بـالــرزايا شهدت تبـابع الأملاك مِنَّا وأدركتُ المُوقف في القضايا (3) ‏فـبـادوا أجـمـعـين، وصرْتُ حلساً صريعاً لا أبوح إلى الخلايا ولما سمع عبد الرحمن بن عوف ذلك الشعر من عسكلان، سأله عسكلان عن مكة وأحوالها، وهل ظهر فيها من خالف دين عبادة الأصنام بمكة أم لا فأجاب عبد الرحمن بعدم ظهور أحد، وكان ذلك قبل سنة واحدة من البعثة النبوية.

    ثم بعث الله تعالى النبي ، وكان عسكلان يُتابع معرفة ذلك، سواء من خلال سؤال من يأتي من مكة، أو من خلال الذين يذهبون بالتجارة إلى مكة ويعودون، وربما كان يتحرى بعضهم بأن يأتوه بالخبر في حالة ظهور من يخالف عبادة الأصنام ويدعو إلى عبادة الله، فلما بعث النبي ﷺ عرف عسكلان بذلك خلال الشهر الأول من مبعث النبي ﷺ وكان عبد الرحمن بن عوف غائباً عن مكة، وأتى إلى اليمن في رحلته التجارية السنوية، ونزل – كما هي عادته ـ عند عسكلان .قال عبد الرحمن بن عوف قال لي عسكلان : حسبك، ألا أبشرك ببشارة هي خير لك من التجارة؟ فقُلتُ : بَلى . فقال عسكلان: أتيتك بالمعجبة، وبشرتك بالمرغبة، إن الله قد بعث في الشهر الأول نبياً ارتضاه صفياً، وأنزل عليه كتاباً وفياً، ينهى عن الأصنام ويدعو إلى الإسلام، يأمر بالحق ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله». «ثم قال عسكلان: يا عبد الرحمن وازرهُ وصَدِّقُهُ».

    ولما قضى عبد الرحمن بن عوف عمله التجاري وتهيأ للعودة إلى مكة، أكد عليه عسكلان كلامه المتقدم، وأشار عليه بموازرة وتصديق النبي المبعوث، وأن يبلغه أبياتاً من الشعر قالها عسكلان وهي الأبيات التي ذكرها العسقلاني بأنه «أرسل إلى النبي ﷺ بشعر يمدحه ويذكر فيه إسلامه وذلك الشعر هو قول عسكلان :

    أشْهَدُ بالله ذي المَعَالِي
    ‏ وفالق الـلـيـل والــصــبــاح
    ‏إنك في الشرف من قريش
    ‏ وابنُ المُفدى من الذباح
    ‏ أُرْسِلْتَ تدعو إلى يقين
    ‏ تُرشِدُ لـــلــــحـــق والــفـــلاح
    ‏هد كرور السنين ركني
    ‏ عن المسير أو الرواح
    ‏أشهد بالله رب موســـــــى
    ‏ أنك أرسـلـــت بــالـــبــطــاح
    ‏فكن شفيعي إلى مليك
    ‏ يدعو البرايا إلى الصلاح

    قال عبد الرحمن بن عوف : فقدمت مكة، فلقيت أبا بكر، وكان لي خليطاً(4) فأخبرته بخبر عسكلان، فقال: هذا محمد بن عبد الله بعثه الله إلى خلقه رسولاً، فائته. فأتيته وهو في بيت خديجة، فأخبرته بما قال عسكلان، (فقال النبي ﷺ: أما إن أخا حِمْيَر من خواص المؤمنين، ورب مؤمن بي ولم يرني، ومصدق بي وما شهدني، أولئك إخواني حقاً) (5) ‏وقد عاش عسكلان إلى سنوات الهجرة، وهو أحد المعمرين» ـ أي الذين عاشوا عمراً طويلاً ـ قال العسقلاني : ولم يبلغنا أنه هاجر»(5) وهذه العبارة تحتمل أنه وفد إلى النبي الله ولكن لم يبلغنا خبر وفادته أو هجرته، وقد كان عسكلان من المبشرين والدعاة للإيمان برسول الله الله في مناطق حمير، ثم أسلم زرعة ذو يزن والحارث بن عبد كلال وأذواء حمير، فمات عسكلان بن عواكن راضياً مَرْضياً.

    المصدر
    ‏(1) الإصابة في تمييز الصحابة – للعسقلاني – جـ ٣ ص ١٠٥.
    ‏(۲) تاريخ الأمم والملوك – للطبري – ج ۲ ص ٨٦ – وسيأتي تبيين التفاصيل في المبحث الخاص بالحارث بن عبد كلال .
    ‏(3) الموقف : اسم قاضي حميري كان يقضي بين الناس غالباً.
    ‏(4) خليطاً : أي شريكاً في التجارة.
    ‏(5) الإصابة – جـ ٣ ص ١٠٦ – والتاريخ الكبير لابن عساكر .
    ‏•يمانيون في موكب الرسول محمد حسين الفرح

    ‏ابو صالح العوذلي 2024

  • روح اليمن في رمضان: قصص شخصيات ملهمة من اليمن اليوم الرابع كُريب بن أبرهة بن الصباح الحميري

    حفيد الملك العظيم ابرهه ذو معاهر ابو إكسوم صاحب المسلة ومعيد الإمبراطورية السبئية في القرن السادس الميلادي .

    وابن القيل ابرهه بن الصباح من قيل انه احق بالخلافة و من فرش له النبي رداءه صلى الله عليه وسلم.

    وهو كُريب بن أبرهه بن شرحبيل- الصباح – (وهو نفسه إكسوم الذي ذكر في مسلة ابرهه اكسوم ذو معاهر ) بن أبرهة (الملك العظيم الذي تلقى التهم من الجميع كذبًا وبهتانًا) بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة بن مرثد الخير بن ينكف ينوف بن شرحبيل شيبة الحمد بن معدي كرب بن مصبح بن عمرو بن الحارث ذي أصبح بن مالك بن زيد بن قيس بن صيفي بن حمير الأصغر بن سبأ الأصغر وكُريب يلقب بسيد حمير وقحطان و سيد فسطاط مصر

    من أعلام الأذواء والاقيال والقادة اليمانيين في موكب الصحابة والفاتحين والزعماء هو أبو رشدين كريب بن أبرهة بن الصباح الحميري، وكان يسير في موكبه بمصر خمسمائة فارس من حمير (۱) وقال عنه أبو الحسن المسعودي الذهب : – كان – سيد الفسطاط وزعيمها : أبو رشدين (بن) كريب في مروج بن أبرهة بن الصباح» (٢) .

    لقد بدأ تاريخ كريب في موكب الصحابة والفاتحين منذ وفادته إلى رسول الله ﷺ مع أبيه القيل أبرهة بن الصباح في السنة العاشرة للهجرة، وقد أثبت غير واحد من العلماء ورجال الأحاديث النبوية وتراجم الصحابة بأن كريب بن أبرهة بن الصباح كان من الصحابة، فجاء في ترجمته بكتاب الإصابة في تمييز الصحابة عن ابن عساكر أنه يكنى أبا رشدين . يُقال له صحبة ثم أردف ابن حجر العسقلاني قائلاً : وقد ذكره البغوي في الصحابة من طريق علي الجهضمي عن جرير بن عثمان عن سعيد بن مرة عن حوشب عن كريب بن أبرهة من أصحاب النبي ﷺ عن أبي ريحانة من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال : الكبر من سفه الحق وغمص الناس بعينه (۳) وقد أخرج يعقوب بن سفيان من طريق آخر عن كريب بن أبرهة عن أبي ريحانة أنه قال قائل : يا رسول الله إني أحب أن أتجمل بعلاق سوطي وشسع نعلي فقال له النبي ﷺ : إن ذلك ليس بالكبر، إن الله جميل يحب الجمال إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس بعينه. ثم قال ابن حجر : وقد ذكره في التابعين البخاري والعجلي وابن حبان وغيرهم، ونقل أبو موسى عن جعفر المستغفري قال : لم يثبت صحبته غير أبي حاتم (۳) بينما يتبين مما تقدم أن البغوي ذكره في الصحابة وقال : . . كريب بن أبرهة صاحب النبي ﷺ وكذلك من ذكره في الصحابة يعقوب بن سفيان وكذلك فقد أثبت صحبته أبو حاتم، وبذلك كله يتحقق اليقين والعلم بأنه من الصحابة، بينما قال البخاري والعجلي وابن حبان وابن عساكر أنه من التابعين، وبذلك أيضاً يتحقق العلم بأنه من التابعين، فيكون قد ‏جَمَعَ الشرفين؛ شرف الصحابة وشرف التابعين .

    وكان كريب بن أبرهة بن الصباح من قادة وفرسان فتح الشام، وقد تقدم نبأ هجرته مع أبيه وإخوته إلى الشام في الفتوحات في خلافة عمر بن الخطاب ـ سنة ١٤ هجرية ـ قال ابن حجر : ووجدت في تاريخ ابن عساكر بسند له إلى يزيد بن أبي حبيب أن عبد العزيز بن مروان قال لكريب : أشهدت خطبة عمر في الجابية؟ قال: نعم» (4) ، وكانت خطبة عمر بن الخطاب في الجابية ـ جابية الشام ـ لما سار لاستلام بيت المقدس سنة ١٦ هجرية ثم في زيارته للجابية سنة ١٧ هجرية، فكان كريب من الصحابة الذين شهدوا تلك الأحداث التي سبقها فتح دمشق ـ في رجب ١٤هـ .

    وشارك في فتح الرملة بفلسطين، ثم فتح بيت المقدس سنة ١٦هـ ـ وشهد خطبة عمر في الجابية – سنة ١٧هـ ـ وقد كان مسيره إلى الشام واستقراره هناك مع أبيه وإخوته الذين كان كما جاء في الإكليل هاجروا إلى الشام في خلافة عمر بن الخطاب وكان كريب شاباً يافعاً، فتزوج في دمشق أو في الرملة بالشام، قال الهمداني: فولد كريب بن أبرهة (رشيد) وبه كان يكنى» وقد قام القاضي الأكوع بما سماه ( تصحيح) اسم ابن كريب حيث قال في هامش الإكليل : كان في الأصل (رشيد بن كريب) والتصحيح ـ إلى (رشدین) ـ من الإصابة ومختصر الجمهرة» (5) ونرى عدم ضرورة ذلك التصحيح فقد جاء في الإصابة عن تاريخ دمشق لابن عساكر أنه يكنى أبا رشدين، وأبا راشد»، ومؤدى ذلك أنه كان له ابن اسمه (رشدين) وابن اسمه (راشد) أو (رشيد)، أو ثلاثة أبناء (رشدین، وراشد، ورشيد)، ويبدو أنه كان له زوجة وابن في دمشق وزوجة وابن في الرملة بفلسطين، وكذلك في اليمن، ثم في مصر، قال الهمداني : ” . . . انتشر بنو كريب، فمن كان منهم في الكوفة فهم في النخع، ومنهم طائفة بشهرزور وآخرون بدمش والرملة ومن ولد كريب بن أبرهة : آل أبي العياش إبراهيم بن عبد الله بن مسعود بوادي ضهر ـ بـصـنـعـاء ـ وآل يوسف بن الحكم وآل الـمـعـلـى وغيرهم(6)
    ‏وقد كان لكريب بن أبرهة أبناء وأسرة في دمشق والرملة بالشام، وكذلك في الجيزة، والفسطاط بمصر، ومما يتصل بالشام ما جاء في الإصابة عن الذين رووا أحاديثاً نبوية عن كريب بن أبرهة حيث قال ابن حجر : روى عنه كبار التابعين من الشاميين منهم كعب الأحبار وسليم بن عامر ومرة بن كعب وغيرهم»(7) وكذا ما ذكره ابن حجر عن ابن الكلبي قال : كريب بن أبرهة والد رشدين : كان سيد حمير بالشام زمن معاوية . . »(7)
    ‏وقد شهد كريب فتح مصر مع أبيه وإخوته منذ دخول الجيش العربي الإسلامي إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص ـ عام ١٩هـ ـ إلى غزوة الأساود عام ٣١هـ ـ وكان له قصر في الجيزة منذ اختطاطها، وفي ذلك جاء في ترجمته بالإصابة أنه : شهد كريب فتح مصر ، واختط بالجيزة، ولم يزل قصره بها إلى بعد الثلمائة – أي إلى بعد سنة ٣٠٠ للهجرة (٢) وجاء في ترجمته بكتاب الجامع : كريب بن أبرهة بن الصباح : أمير يماني . . شهد فتح مصر ، وسكن الجيزة .

    وقد تواصلت المكانة العالية لكريب بن أبرهة بن الصباح في العصر الأموي، وفي ذلك قال القاضي محمد بن على الأكوع فيما نقله عن كتاب الجمهرة لابن الكلبي والاشتقاق والإصابة في هامش الإكليل : كان كريب بن أبرهة من أعلام قحطان وزعماء حمير وسيد حمير بالشام ومصر في زمن معاوية ..

    وكان إذا ركب حف به خمسمائة من حمير في السلاح» (9) ، فكان كريب من أعيان رجال الدولة بمصر في عهد معاوية (٤١ – ٦٠هـ) ويزيد بن معاوية (٦٠ – ٦٤هـ) وكان من ولاة مصر في تلك الفترة ثلاثة صحابة يمانيين هم عقبة بن عامر الجهني ومعاوية بن حديج السكوني ومسلمة بن مخلد الأنصاري(10).

    وعندما قتل مروان أكيدر بن الحمام صبراً – أي إعداماً – وكان فارس مصر ـ فقال أبو رشدين كريب بن أبرهة لمروان : إن شئت والله أعَدْنَاها جَذَعَة، يعني يوم الدار بالمدينة، فقال مروان : ما أشاء من ذلك شيئاً، اي لن اكررها خوفًا من كُريب والقبائل القحطانية ‏وانصرف عن مصر وقد استعمل عليها ابنه عبد العزيز.

    ولقد كان من معالم أنباء كريب بن أبرهة بن الصباح في ولاية عبد العزيز بن مروان لمصر ( ٦٥ – ٨٥هـ ) وخلافة عبد الملك بن مروان : استمرار مكانة كريب بصفته سيد وزعيم الفسطاط – عاصمة ولاية مصر ـ وقد وصف عبد الله بن الأشج موكب كريب بن أبرهة بن الصباح بالفسطاط أيام عبد العزيز بن مروان، حيث جاء في الإصابة من طريق يعقوب بن عبد الله بن الأشج قال : قدمت مصر في أيام عبد العزيز بن مروان فرأيتُ كريب بن أبرهة قد خرج من عنده وتحت ركابه خمسمائة نفس من حمير يسعون (11)
    ‏وقال بامطرف في كتاب الجامع : كان كريب بن أبرهة بن الصباح من أشراف ‏أهل اليمن في مصر، ويبدو أنه صار سيد حمير جميعها، فقد رآه أحدهم يخرج من عند عبد العزيز بن مروان وكان تحت ركابه خمسمائة رجل من حمير (نفس المصدر 11) ومؤدى ذلك أن كريب بن أبرهة كانت تحيط به في مصر نفس مظاهر الأبهة والزعامة التي كانت لملوك وأقيال حمير باليمن، وذلك لأنه سليل أولئك الملوك ومن أولئك الأقيال، وقد كان له قصر شامخ في الجيزة ربما كان يضاهي قصر آبائه وأجداده في مدينة موكل الحميرية باليمن التي منها نقل كريب مظاهر زعامته إلى مصر .

    ويبدو أن مظاهر الأبهة والزعامة لكريب بن أبرهة بن الصباح لم تكن محل ارتياح الخليفة عبد الملك بن مروان، حيث كان يخاف منه وربما كان ذلك سبب حديثهما عن الكبر – أي التكبر – فجاء في هامش الإكليل وفي الإصابة عن طريق ثوبان بن شهر قال : سمعت كريب بن أبرهة وكان جالساً مع عبد الملك في سطح بدير مران، فذكر الكبر – أي ذكر عبد الملك بن مروان الكبر – فقال كريب : سمعت أبا ريحانة يقول لا يدخل الجنة شيء من الكبر ، فقال قائل : يا رسول الله إني أحب أن أتجمل بعلاق سوطي وشسع نعلي، فقال له النبي ﷺ: إن ذلك ‏ليس من الكبر إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر (مَنْ) سفه الحق وغمص الناس بعينه .

    وقد تولى كريب رابطة الإسكندرية – أي ولاية وقيادة الإسكندرية والقوات المرابطة فيها – فجاء في هامش الإكليل أنه ولي كريب بن أبرهة رابطة الإسكندرية» وجاء في كتاب الإصابة أنه : ولي كريب لعبد العزيز رابطة الإسكندرية، وكان شريفاً في أيامه بمصر» .

    ‏ولقد كان اليمانيون في مصر هم عماد الدولة والمتولين لمسؤوليات الدولة في ولاية عبد العزيز بن مروان لمصر حيث كانت مراكز السلطة هي الشرطة والقضاء وبيت المال والنيابة وإمارة الإسكندرية، فكان صاحب الشرطة وقاضي مصر هو عابس بن سعيد المرادي المذحجي (٦٤ – ٦٨هـ) ثم تولى منصب صاحب الشرطة زياد بن حناطة التجيبي اليماني ولما سار عبد العزيز إلى دمشق استخلف زياد بن حناطة فتولى حكم مصر بالنيابة وتوفي عام ٧٥هـ ثم أصبح عبد الرحمن بن حسان التجيبي اليماني صاحب الشرطة ( ٧٦- ٨٤هـ) بينما تولى القضاء وبيت المال بمصر عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني (٦٩ – ٨٣هـ) وكان مالك بن شراحيل الهمداني قاضي مصر (٦٩ ـ ٨٤هـ) ثم تولى قضاء مصر يونس بن عطية الحضرمي (٨٤ – ٨٦هـ) وكان جناب بن مرثد الرعيني الحميري من الأمراء القادة واستنابه عبد العزيز بن مروان على مصر وقد توفي جناب الرعيني عام ٨٣هـ. وأما الإسكندية فقد تولى رابطتها كريب بن أبرهة وكان قد بلغ من الكبر عتياً، فمكث أميراً قائداً لرابطة الإسكندرية فترة من الزمن ثم عاد إلى الجيزة، وتولى الإسكندرية عياض بن غنم التجيبي .

    ‏وفي عام ٧٥ هجرية (٦٩٤م) توفي كريب بن أبرهة بن الصباح – رضي الله عنه في الجيزة بمصر.

    1) الإصابة – ج ۳ ص ۳۱۳ – الإكليل – جـ ٢ ص ١٥٠ – الجامع ص ٤٥٧.
    ‏(۲) مروج الذهب للمسعودي – ج ۳ ص ۹۷.
    ‏(۳) الإصابة في تمييز الصحابة – ابن حجر العسقلاني – جـ ٣ ص ٣١٣ – ٣١٤.
    ‏(4)الإصابة في تمييز الصحابة – ابن حجر العسقلاني – جـ ٣ ص ٣١٣ – ٣١٤ . (۲)
    ‏(5) الإكليل للهمداني – تحقيق محمد علي الأكوع – جـ ٢ ص ١٥٠.
    ‏(6) الإكليل للهمداني – تحقيق محمد علي الأكوع – جـ ٢ ص ١٥٠ .
    ‏ (7) الإصابة في تمييز الصحابة – ابن حجر العسقلاني – جـ٣ ص ٣١٣ – ٣١٤.
    ‏(8) الجامع – محمد عبد القادر بامطرف – ص ٩٣ و ٤٥٧.
    ‏(9) الإكليل للهمداني – تحقيق محمد علي الأكوع – ج ٢ ص ١٥٠.
    ‏(10) كان عقبة بن عامر والياً لمصر من ٤٤ – ٤٧هـ ومعاوية بن حديج من ٤٧ – ٥٠هـ
    ‏ومسلمة بن مخلد من ٥٠ – ٦٢ هجرية .
    ‏(11) الإصابة – ج ۳ ص ۳۱۳ ـ الجامع – ص ٩٣ .
    ‏يمانيون في موكب الرسول محمد حسين الفرح المجلد الاول

    المصدر : تويتر

    ابو صالح العوذلي 2024م

Exit mobile version