سلط تقرير لمجلة “جاكوبين” الضوء على تزايد الإسلاموفوبيا في فرنسا وتأثيراتها على الجالية المسلمة. يشير التقرير إلى كتاب “فرنسا تحبها ولكنك تغادرها”، الذي يوضح كيف أدت مشاعر العداء إلى هجرة نحو 200 ألف مسلم فرنسي، معظمهم ذوي مؤهلات عالية، إلى دول متعددة الثقافات. سجل أول ربع من 2025 79 جريمة كراهية ضد المسلمين، بزيادة 70% عن السنة السابق. يتحدث المسلمون المهاجرون عن تجاربهم مع التمييز والإيذاء، مشيرين إلى أن الخطاب الإعلامي والسياسي يسهم في تأجيج العداء، فيما اتهم التقرير القادة السياسيين بتفاقم هذه الظاهرة.
سلطت دراسة حديثة لمجلة “جاكوبين” الأميركية الضوء على زيادة ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا، والتداعيات الخطيرة التي تترتب على الجالية المسلمة في البلاد.
استندت الدراسة إلى نتائج مذكورة في كتاب بعنوان “فرنسا تحبها ولكنك تغادرها”، من تأليف ثلاثة كتّاب هم أوليفييه إستيف وأليس بيكار وجوليان تالبان، والذي يكشف عن تصاعد العداء ضد المسلمين، مما دفع العديد من المسلمين الفرنسيين إلى الهجرة.
يُقدّر الكتاب أن نحو 200 ألف مسلم فرنسي، معظمهم يحملون مؤهلات عالية، قد غادروا البلاد إلى دول متعدّدة الثقافات مثل بريطانيا وكندا.
وترجع زيادة الهجرة هذه إلى مجموعة من التمييز المتفشي، وجرائم الكراهية والإسلاموفوبيا، والانحياز المنهجي في الحياة السنةة.
أفاد المؤلفون بأن الربع الأول من عام 2025 شهد وحده 79 جريمة كراهية ضد المسلمين، ما يمثل زيادة بنسبة 70% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وفقاً لوزارة الداخلية الفرنسية.
تشمل هذه الجرائم حادثة مروعة في أبريل/نيسان الماضي، حيث قُتل المهاجر المالي أبو بكر سيسيه طعناً داخل مسجد في جنوب فرنسا.
وفي مايو/أيار، ظهرت ملصقات في مدينة أورليان تحمل عبارة “منطقة محظورة على المسلمين”، تبرز صوراً لنساء محجبات وأشخاص يؤدون الصلاة، ووُضعت عليها علامة ممنوع، مما يعكس حجم العداء المتزايد.
وتم ربط هذه الأفعال بشخص ينتمي لتيار نازي جديد وهو حالياً في السجن، مما يدل على تزايد الخطر على المسلمين في فرنسا.
لفتت المجلة إلى أن خبراء يرون أن قرار الهجرة بالنسبة لكثير من المسلمين الفرنسيين “ليس نتيجة حوادث فردية، بل هو نتاج تراكمي للتمييز والعنصرية المستمرة”.
شارك العديد من المسلمين الذين تمت مقابلتهم في الكتاب تجارب مؤلمة، تتضمن “التحرش والتنمر والتمييز المؤسسي”.
ووفقًا لتقرير المجلة، فإن استبيانًا شمل المهاجرين أظهر أن حوالي ثلاثة أرباعهم غادروا فرنسا هربًا من العنصرية والتمييز، في حين عبّر 64% منهم عن رغبتهم في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
كما لفت كثيرون إلى أن وسائل الإعلام الفرنسية والخطاب السياسي السائد يساهمان في تفاقم الوضع عبر برامج ومحتويات تثير الجدل حول ممارسات إسلامية مثل ارتداء الحجاب.
واتهم التقرير بعض القادة السياسيين الفرنسيين بتفاقم الإسلاموفوبيا، حيث قامت حكومة إيمانويل ماكرون بحل منظمات مناهضة للإسلاموفوبيا، وسنت سياسات تستهدف المسلمين بحجة محاربة “الانعزالية الاجتماعية”.
سلط تقرير صحيفة “تلغراف” البريطانية الضوء على الفوضى المحيطة بنظام توزيع المساعدات في غزة الذي تديره مؤسسة أميركية. يتسبب النظام الحاكم في معاناة المدنيين، حيث يتعين عليهم السفر لمسافات طويلة إلى مراكز توزيع توصف بـ”سجون مفتوحة” وسط إطلاق نار. تم تسجيل حالات قتل وجرح بين المحتاجين، الأمر الذي أثار انتقادات من الأمم المتحدة، واعتبرت الوضع “غير مقبول”. تُتهم المؤسسة بتسييس المساعدات واستخدامها كوسيلة ضغط، بينما تثير خلفياتها وعلاقاتها مع الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية تساؤلات حول أهدافها. السكان يعانون قلة الغذاء والدواء، ويُجبرون على الأداء في ظروف مرعبة للحصول على المساعدات.
سلّط تقرير لصحيفة “تلغراف” البريطانية الضوء على الفوضى وفداحة المأساة التي اعترت النظام الحاكم الجديد لتوزيع المساعدات في قطاع غزة، تحت إدارة شركة أميركية، وسط اتهامات بتوظيف المساعدات كوسيلة سياسية وتجاهل للحقوق الإنسانية الأساسية.
وأورد التقرير، الذي أعده مراسل الصحيفة من القدس هنري بودكين ورويدا عامر في خان يونس، شهادات ميدانية من سكان قطاع غزة ومعاناتهم مع نظام التوزيع الذي تديره ما تُسمى “مؤسسة غزة الإنسانية”.
ولفت بودكين ورويدا إلى أن إسرائيل بدأت بتطبيق هذا النظام الحاكم في بداية الفترة الحالية الماضي، بهدف التحايل على حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وذكر التقرير أن النظام الحاكم الجديد يتطلب من المدنيين السفر مسافات طويلة إلى أربعة مراكز للتوزيع في جنوب القطاع، حيث من المفترض أن يتم فحصهم باستخدام تقنيات بيومترية، رغم أن شهوداً نوّهوا غياب هذا الإجراء على أرض الواقع.
مجازر
ووصف التقرير مراكز التوزيع بأنها “سجون مفتوحة”، حيث يُحتشد آلاف الناس داخل ممرات ضيقة تحت شمس لاهبة.
وقال إن مقاطع مصورة لأشخاص يركضون تحت إطلاق نار انتشرت، وسُجلت خلال أسبوعين حالتان على الأقل لمجازر بالقرب من المراكز، منها حادثة يوم الأحد حيث قُتل أكثر من 20 شخصاً وأخرى يوم الثلاثاء قُتل فيها 24 على الأقل.
وأقر القوات المسلحة الإسرائيلي بإطلاق النار “قرب” مدنيين انحرفوا عن المسار المحدد، فيما أفادت الأمم المتحدة أن النظام الحاكم الجديد “يمس بكرامة الإنسان” ويعرض حياة المدنيين للخطر.
ولفت مفوض حقوق الإنسان الأممي فولكر تورك إلى أن الوضع يعكس “تجاهلاً تاماً” لحياة المدنيين، الذين يُجبرون على الركض خلف الطعام في ظروف مخيفة.
تسييس
من جهة أخرى، ترفض الأمم المتحدة وعدة منظمات إغاثية كبرى التعامل مع “مؤسسة غزة الإنسانية”، مُتهمة إياها بتسييس المساعدات وتوظيفها كوسيلة ضغط على السكان، في وقت يحتاج الناس للغذاء والدواء منذ أشهر.
وأورد التقرير شهادات من الغزيين تصف مشاهد الفوضى والخوف في المراكز، إذ قال أحد المواطنين للصحيفة: “المكان مرعب، يشبه السجن، لكنني مضطر للذهاب إليه رغم بُعده عن منزلي المؤقت، خوفاً من موت أطفالي جوعاً”، فيما وصف آخر المكان بأنه “موقع للقتل”.
أماكن للقتل
وذكر عمر بركة (40 عاماً) من خان يونس: “نذهب إلى مناطق حمراء خطِرة، والقوات المسلحة يطلب منا السير كيلومترات. لا يوجد أي نظام. الآلاف يتجمعون هناك. في اليومين الأولين وُزعت مساعدات، ثم تحولت المراكز إلى أماكن للقتل”.
أما سالم الأحمد (18 عاماً)، وهو دعا ثانوي، فقد زار مركز التوزيع عدة مرات للحصول على الطحين. ويقول: “كنت أركض حاملاً الطحين لمسافة 3 كيلومترات، لأن القوات المسلحة يبدأ إطلاق النار لإخلاء المنطقة. رأيت كثيراً من الطعام مرمياً، لأن الناس لا يستطيعون حمله والركض في نفس الوقت. أنا أخذت أكياس طحين صغيرة تزن كغ واحد فقط حتى أتمكن من الهرب”.
ووصف المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، طريقة توزيع المساعدات بأنها “غير مقبولة” و”تمس بالكرامة الإنسانية”، قائلاً: “تخيلوا أناسا ينتظرون طعاماً ودواءً منذ 3 أشهر، ثم يُطلب منهم الركض وسط إطلاق النار”.
عربات جدعون
كما وُجهت اتهامات إلى السلطة التنفيذية الإسرائيلية بأنها تستخدم هذا النظام الحاكم لإجبار السكان على التوجه جنوباً، مما يُتيح فرصة تنفيذ عملية “عربات جدعون” التي يُتوقع أن تشمل تدميراً واسعاً للممتلكات في شمال القطاع.
وما يثير الجدل أيضاً هو هوية المؤسسة الأميركية التي تدير المشروع، وصلاتها المحتملة بالاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.
المدير الاستقراري للشركة الشريكة “سيف ريتش سوليوشنس” هو فيليب ريلي، الضابط السابق في الاستخبارات المركزية الأميركية، الذي خدم سابقاً في نيكاراغوا وأفغانستان.
ويُعتقد أن ريلي مرتبط بشبكة غير رسمية داخل القوات المسلحة الإسرائيلي ومكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تُعرف باسم “منتدى ميكفيه يسرائيل”، والتي كانت تسعى منذ ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى إنشاء نظام مساعدات موازن يستبعد الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية.
وتفيد تقارير بأن مؤسسة التوزيع تأسست عبر محامٍ مشترك مع مؤسسات أمنية، وتلقّت تبرعاً بقيمة 100 مليون دولار، مما أثار تكهنات في إسرائيل بأن المشروع يتم تمويله من قبل الموساد.
تناقش المقالة فعالية الأسلحة النووية كأداة للردع في السياقات الحالية، مشيرةً إلى تراجعها كوسيلة للحفاظ على التوازن الاستراتيجي. يُبرز التقرير أمثلة حديثة مثل أوكرانيا وإيران، حيث لم تمنع القدرات النووية الدول غير النووية من اتخاذ خطوات عدائية. علاوة على ذلك، يشير إلى أن استخدام الأسلحة النووية يواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك الأضرار الجانبية والتداعيات الدولية. كما يُظهر أن الدول النووية تميل إلى تجنب المواجهةات المباشرة بينها بسبب مخاوف من التصعيد النووي. وأخيراً، يؤكد على حاجة الدول النووية لتطوير استراتيجيات تقليدية لمواجهة التهديدات غير النووية.
مقدمة الترجمة
لطالما اعتُبرت الأسلحة النووية الأداة القصوى للردع، والسقف الأعلى الذي لا تتجاوزه الدول في صراعاتها، خشية من الانزلاق إلى دمار شامل لا يُبقي شيئًا. بيد أن مشاهد المواجهةات في العقد الأخير، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، أثارت تساؤلات رئيسية حول فعالية هذا الردع، لا سيما عندما لا يكون الطرف الآخر نِدًّا نوويًا.
فهل لا يزال السلاح النووي يحفظ التوازن؟ أم أن ظله الثقيل بدأ يتلاشى في ظل واقع إستراتيجي متغير، حيث تجرؤ الدول غير النووية على التحدي أمام من يمتلك هذا السلاح الفتاك؟ يسعى هذا التقرير إلى تفكيك هذه المعضلة، من خلال تحليل مجموعة من الأمثلة الحديثة التي اهتزت بها الثوابت القديمة في فهم القوة النووية وحدود استخدامها.
نص الترجمة
تشكل المواجهةات الأخيرة تحديًا لرؤية الردع النووي التقليدية، التي تفترض أن أي طرف لن يُقدم على الهجوم، سواء كان نوويًا أو غير نووي، على دولة تمتلك سلاحًا نوويًا، خوفًا من ردها الانتقامي. لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن هذا الردع لم يعد فعالًا كما كان يُعتقد. فرغم أن روسيا تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم، فإن ذلك لم يمنع أوكرانيا من تنفيذ هجمات ضد قواعد عسكرية ومدن روسية، بما في ذلك العاصمة موسكو.
الغواصة الروسية النووية “كازان” في ميناء هافانا بكوبا، في 12 يونيو/حزيران 2024. (الفرنسية)
في صيف السنة الماضي، تمكنت القوات الأوكرانية من السيطرة على نحو 500 ميل مربع من الأراضي ضمن منطقة كورسك الروسية، ولا تزال تحتفظ بجزء من تلك الأراضي. كما أن الترسانة النووية الإسرائيلية لم تمنع إيران من شن هجمات صاروخية ضدها السنة الماضي. وفي وقت سابق من السنة نفسه، نفذت إيران أيضًا ضربات ضد عناصر من جماعة مسلحة داخل باكستان، وهي دولة نووية أيضًا.
ومع ذلك، فإن “السلاح النووي”، الذي كان يُنظر إليه كـ”الردع النهائي”، لم يعد يُشكل رادعًا فعالًا في مواجهة بعض التهديدات أو الهجمات، كما كان يُعتقد سابقًا.
لقد ساهمت قوة الردع النووي في منع الحروب الشاملة بين الدول النووية. فمثلًا، كان الخوف من الدمار المتبادل سببًا في عدم تصاعد الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إلى صراع مباشر. وبالمثل، فإن المواجهةات الدامية التي استمرت لسنوات بين الهند وباكستان تحولت إلى مواجهات محدودة واشتباكات أصغر بعد أن أقدمت الدولتان على إجراء تجارب نووية عام 1998.
لم تكن الأسلحة النووية فعالة دائمًا في ردع المواجهةات بين الدول النووية وغير النووية. فرغم أن السلاح النووي يُعد من أقوى وسائل الردع، فإن استخدامه يؤدي إلى كوارث أشد وطأة، مثل التدمير الشامل الذي قد يُعطل الأهداف الإستراتيجية أو يُعقِّد العمليات العسكرية، بجانب ردود الفعل الدولية تجاه استخدام هذه الأسلحة.
منذ الحرب العالمية الثانية، بدأت العديد من الدول غير النووية تدرك أن الدول النووية تواجه قيودًا في استخدام أسلحتها، مما شجعها على التصرف بجرأة أكبر والهجوم على الدول النووية، معتقدة أن ذلك لن يؤدي إلى رد نووي، خاصة إذا كانت الهجمات لا تؤثر بشكل مباشر على أمن تلك الدول النووية أو لا تؤدي إلى انهيار عسكري.
صحيح أن الأسلحة النووية أقوى من الناحية النظرية، لكنها لا توفر سوى مزايا عملية محدودة ضد الدول غير النووية.
السبب والنتيجة
تواجه الدول التي تفكر في استخدام الضربات النووية مجموعة من العقبات، سواء كان خصومها يمتلكون أسلحة نووية أم لا. فحتى الأسلحة النووية ذات القوة المحدودة، خاصة تلك التي تنفجر بالقرب من الأرض، يمكن أن تكون مدمرة للغاية، مما يُعيق تحقيق الأهداف الكبرى.
ليس منطقياً تدمير منطقة إذا كان الهدف هو الاستحواذ عليها أو الاستفادة من مواردها أو تحرير سكانها. علاوة على ذلك، فإن آثار الضربات النووية ضد دولة مجاورة قد تؤدي إلى تلوث إشعاعي يعود بالضرر على الدولة المهاجمة نفسها. وفي بعض الحالات، يمكن أن تؤدي الضربات النووية إلى تلويث ساحة المعركة بالإشعاع النووي، مما يجعل العمليات العسكرية التقليدية أكثر صعوبة وتعقيدًا.
على الجانب الآخر، قد تكون فكرة استخدام الأسلحة النووية ذات التأثير المحدود من ارتفاعات عالية وسيلةً لتقليل الأضرار الجانبية والتغلب على بعض التحديات المرتبطة بالضربات النووية. ومع ذلك، فإن استخدام قنبلة نووية محدودة التأثير بهدف تقليل الدمار قد لا يكون قويًا بما يكفي لتحقيق الهدف العسكري الكامل.
على سبيل المثال، في عام 1990 وقبيل حرب الخليج، طلب ديك تشيني، وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، من كولن باول، رئيس هيئة الأركان المشتركة، دراسة عدد الأسلحة النووية التكتيكية اللازمة لتدمير فرقة من الحرس الجمهوري العراقي.
وبعد إعداد تقرير مفصل، تبيَّن أن الأمر يتطلب 17 سلاحًا نوويًا لتحقيق هذا الهدف، وقد علّق باول لاحقًا قائلاً: “إذا كانت لديّ شكوك حول فعالية استخدام الأسلحة النووية في ميدان القتال، فقد نوّهَّ هذا التقرير -بما لا يدع مجالًا للشك- عدم جدواها”.
حتى في ظل ظروف ميدانية مواتية لاستخدام هذا النوع من الأسلحة مثل الصحراء البعيدة عن المناطق السكنية، كان تحقيق هدف عسكري واضح سيتطلب كمًا هائلًا من القنابل لتحقيق ذلك.
وعلى الجانب الآخر، ستواجه أي دولة تستخدم السلاح النووي عواقب دولية. فقد تعزل العديد من الدول -سواء كانت تسعى للحفاظ على القاعدة الدولية التي تمنع استخدام الأسلحة النووية أو لأنها حليفة للدولة المُستهدفة- الدولة المهاجِمة سياسيًا أو اقتصاديًا، أو تقدِّم دعمًا مباشرًا للدولة المتضررة.
والأمر الأهم هو أن شن هجوم نووي قد يدفع دولًا أخرى لا تملك أسلحة نووية حاليًا إلى التفكير في امتلاكها وتطوير برامج نووية للدفاع عن نفسها مستقبلاً.
رغم المخاطر الجسيمة المرتبطة باستخدام الأسلحة النووية، فإن شبح الهزيمة الكاملة في ساحة المعركة قد يدفع أحيانًا بعض القادة إلى التفكير في احتمال اللجوء إليها. ففي بداية عام 1968، حاصرت القوات الفيتنامية الشمالية مشاة البحرية الأمريكية في معركة كيه سانه، وهي معركة مهمة خلال حرب فيتنام.
وخلال تلك الفترة، ناقش كبار المسؤولين في إدارة القائد الأمريكي ليندون جونسون استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد الفيتناميين الشماليين إذا ساءت الأوضاع، لكن جونسون قرر إلغاء الفكرة بعد تسريب الخبر.
وفي خريف 2022، عندما اخترق الجنود الأوكرانيون الخطوط الروسية، أفادت الاستخبارات الأمريكية بأن القادة العسكريين الروس نظروا في استخدام الضربات النووية، لكن لا يوجد دليل حاسم على أن روسيا كانت تُعدُّ أسلحتها لهذا الاحتمال. في كلتا الحالتين، لم تكن الدولة النووية تواجه خطرًا حقيقيًا يهدد بقائها أو انهيار جيشها، وهذان الشرطان، رغم أنهما غير رسميين، يُعدّان من الأسباب القائدية التي قد تدفع أي دولة إلى استخدام السلاح النووي.
عندما تتصادم دولتان نوويتان، يكون الخطر كبيرًا على كل منهما؛ حيث تملك كل واحدة القدرة على تدمير الأخرى بالكامل، مما يجعل التهديد وجوديًا ومباشرًا. أما الدول غير النووية، فليست لديها القدرة على تهديد بقاء الدولة النووية أو التسبب في انهيارها، لذلك تُشكل خطرًا أقل. ومع ذلك، فإن هذا يمنحها مساحة أوسع للتحرك وجرأة أكبر في التصعيد.
ولهذا نجد أن الدول غير النووية عبر التاريخ غالبًا ما كانت أكثر جرأة في مهاجمة خصومها النوويين مقارنة بما تفعله الدول النووية عندما تتعامل مع بعضها.
لكن في النهاية، عندما تتبنى دول غير نووية خطوات عدائية، فإنها تتبع استراتيجيات لتقليل خطر الانتقام النووي. فعلى سبيل المثال، عندما تدخلت الصين في حرب كوريا عام 1950 وألحقت خسائر فادحة بالقوات الأمريكية، طلبت بسرعة الدعم الجوي السوفيتي لمواجهة أي هجوم نووي أمريكي على أراضيها. وكذلك في حرب أكتوبر 1973، عندما قررت مصر وسوريا تنسيق هجوم ضد إسرائيل، نوّه القادة المصريون حدود الهجوم بوضوح حتى لا توضع إسرائيل أمام موقف يتطلب منها التصرف بشكل متطرف أو اتخاذ رد فعل نووي غير مبرر.
ورغم الهجمات التي شنَّتها أوكرانيا على روسيا وتوغلها في منطقة كورسك، فإنها تفتقر أيضًا إلى القدرة على تهديد بقاء روسيا، وهي حقيقة متوافقة مع أمثلة سابقة لدول غير نووية تحارب دولًا نووية. وبناءً على ذلك، صرح بوتين بأنه لا يرى ضرورة لاستخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا رغم انخراطه في بعض التهديدات النووية، وبدلاً من ذلك، أسفرت الهجمات الروسية عن دمار هائل في أوكرانيا ولكن باستخدام القوات العسكرية التقليدية.
عندما تلتقي القوى المتكافئة
تُظهر روسيا أنذرًا أكبر في تعاملها مع الولايات المتحدة ودول حلف الناتو، فرغم تبادل السياسات العدائية بين الطرفين مثل الهجمات السيبرانية والعقوبات الماليةية، فإن روسيا امتنعت عن تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة ضد دول الناتو، حتى مع استمرار هذه الدول في تزويد أوكرانيا بأسلحة أدت إلى خسائر فادحة في القوات الروسية.
ومن جانبها، امتنعت الولايات المتحدة أيضًا عن التدخل المباشر في الحرب، رغم أن جو بايدن وسع أنواع الأسلحة المقدَّمة لأوكرانيا وقلل القيود المفروضة على استخدامها.
ورغم شدة التنافس بين الدول النووية، فإن هذا التنافس قلما يصل إلى الانفجار، ويظل حبيس التهديدات والضغوط دون أن يتحول إلى مواجهة شاملة. ففي عام 1965، توقّع الباحث في الدراسات الاستقرارية، غلين سنايدر، أن الردع النووي سيمنع أشكال المواجهة النووي الأكثر دمارًا، لكنه قد ينقل المواجهةات إلى مستويات أقل حِدّة، مثل الحروب التقليدية أو الاستخدام المحدود للسلاح النووي.
ومع ذلك، تبيّن لاحقًا أن تأثير الردع بين الدول النووية كان أعمق مما توقعه سنايدر؛ إذ إن حالة الخوف المتبادل تجعل جميع الأطراف أكثر أنذرًا، مما يقلل من احتمالية نشوب الحرب بجميع أشكالها.
من الأسباب العديدة التي تُفسر تجنب الدول النووية الدخول في صراعات مباشرة مع بعضها هو أن امتلاك الطرفين لأسلحة نووية يجعل حتى الضربات المحدودة محفوفة بخطر التصعيد، إذ يمكن أن تتصاعد المواجهة لتصل في النهاية إلى استخدام أقوى الأسلحة في العالم.
وهناك احتمال أيضًا أن يحاول أحد الطرفين في المراحل المبكرة من النزاع استباق التصعيد عبر ضرب القدرات النووية للطرف الآخر لتقليل الأضرار المحتملة. في مثل هذه الحالة، قد ترى الدولة أن تكلفة عدم التحرك أكبر من تكلفة استخدام السلاح النووي، لا سيما إذا تراءى لها أن مدنها على حافة الانهيار، مهددة بأن تُمحى من الوجود.
حتى إن كان الطرفان يسعيان لتجنب التصعيد النووي، فإن احتمالات الخطأ وسوء التقدير والتطورات غير المتوقعة -وهي أمور شائعة في الحروب- تُضاعف احتمالات الانجراف نحو الكارثة النووية، حيث يكفي شرارة خطأ واحدة أو سوء تقدير لفتح أبواب الدمار عندما يكون كلا الجانبين مسلحًا نوويًا. لذلك، تميل الدول النووية إلى تفادي الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة فيما بينها.
كان وعي القوى النووية بخطورة الانزلاق نحو تصعيد لا يمكن السيطرة عليه عاملاً حاسمًا في نزع فتيل التوتر خلال لحظات تاريخية دقيقة. ففي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، أنذر الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف القائد الأمريكي جون كينيدي قائلاً: “إذا اندلعت الحرب فعلاً، فلن نتمكن من إيقافها، فهذا هو منطق الحرب”.
مقتطفات من الخطاب التلفزيوني الذي ألقاه القائد الأمريكي جون ف. كينيدي في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1962 حول أزمة الصواريخ الكوبية. (رويترز)
وفيما بعد، ذكر ستة مسؤولين في إدارة كينيدي أن “أخطر ما في الأمر لم يكن رغبة أي من الزعيمين في التصعيد، بل الخطر الحقيقي كان في أن تؤدي سلسلة من الأفعال وردود الأفعال أو سوء الحسابات إلى خروج النزاع عن السيطرة”. دفعت هذه المخاوف الزعيمين إلى اتخاذ خطوات جادة لنزع فتيل الأزمة.
تُعتبر المواجهة المباشرة بين الهند وباكستان في حرب كارجيل عام 1999، في فترة كانت كل من الدولتين تملك قدرات نووية، حالة نادرة لصراع بين قوتين نوويتين. ومع ذلك، فإن هذه الحرب ليست استثناء فريد كما قد يبدو؛ إذ يُعد شبح التصعيد الذي يتجاوز حدود السيطرة أحد الأسباب القائدية التي تدفع الدول النووية إلى تجنب الدخول في حروب فيما بينها.
ومع ذلك، يرى الباحثان في العلاقات الدولية مارك بيل وجوليا ماكدونالد أن خطر هذا التصعيد خلال حرب كارجيل كان منخفضًا؛ إذ اقتصر القتال على منطقة كشمير الجبلية، وكانت الهند تفصل عادةً بين رؤوسها النووية والصواريخ أو الوسائل المستخدمة لإطلاقها.
كما أن الطرفين حافظا على تواصل واضح بينهما، ولعب الخوف من استخدام السلاح النووي دورًا رئيسيًا في الحد من تصاعد القتال. ومنذ ذلك الحين، استمرت المناوشات بين الطرفين، لكنها لم تتطور إلى حرب شاملة.
كثيرًا ما يتحدث العلماء السياسيون عن نظرية “السلام الديمقراطي”، التي تفترض أن الدول الديمقراطية لا تشن حروبًا ضد دول ديمقراطية أخرى. ومع ذلك، فإن الديمقراطيات ليست مسالمة بطبيعتها، بل تخوض حروبًا مع الدول غير الديمقراطية. ولهذه الفكرة نظير نووي؛ إذ قد تخوض الدول غير النووية الحروب ضد خصومها النوويين، بينما تسود بين الدول النووية سلام هش ومتنازع عليه، لكنه يظل مستمرًا.
لذا ينبغي على المحللين وصنّاع القرار أن يأخذوا في اعتبارهم هذين السنةلين في الردع النووي عند تقييم المخاطر النووية في النزاعات الحالية. على سبيل المثال، امتنعت روسيا عن الرد النووي إزاء الضربات الأوكرانية، ولكن رد فعلها قد يختلف تمامًا إذا كانت القوات الأمريكية هي التي تطلق النار على أهداف روسية.
لا يزال هناك الكثير من الغموض حول العصر النووي، ورغم أن العالم لم يشهد سوى استخدامين فعليين للأسلحة النووية، ولم تندلع أي حرب نووية حتى الآن، فإن ذلك يدعو إلى توخي الأنذر عند إصدار أحكام عامة أو استنتاجات حاسمة بشأن السيناريوهات النووية المحتملة، نظرًا لندرة التجارب العملية في هذا المجال.
ومع ذلك، يمكننا استخلاص بعض الدروس الأولية؛ منها أن اللجوء إلى الأسلحة النووية محفوف بمخاطر جسيمة. فعلى مدار ثلاثة أرباع القرن الماضي، كانت هذه المخاطر هي ما منع المواجهةات الكبرى بين الدول النووية، ولكن تبيَّن في العديد من الحالات أن الترسانة النووية لا تكفي لردع خصم غير نووي عازم على تحقيق أهداف محدودة.
لذلك، تحتاج الدول النووية إلى أدوات تقليدية لمواجهة هذه التهديدات بدلاً من الاتكال فقط على رهبة الأسلحة النووية وهيبتها.
_____________________________________________
هذا المقال مترجم عن فورين أفيرز ولا يعبر بالضرورة عن الجزيرة نت