الوسم: الجيوسياسي

  • التنافس الجيوسياسي يرافق تطور العلاقات بين إثيوبيا وفرنسا

    التنافس الجيوسياسي يرافق تطور العلاقات بين إثيوبيا وفرنسا


    في مايو 2025، زار رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد فرنسا لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، حيث تزايد التعاون منذ توليه السلطة في 2018، مما أدى إلى توقيع اتفاقيات دفاعية وثقافية. تدفع فرنسا نحو توسيع نفوذها في شرق أفريقيا وسط تراجعها في غرب القارة، مستخدمةً إثيوبيا كنقطة انطلاق. تشمل العلاقات الماليةية مبيعات الطائرات واستثمارات في الطاقة والبنية التحتية، مع زيادة التجارة بين البلدين. رغم التعاون العسكري، تعطلت بعض الاتفاقات بسبب النزاع في تيغراي، مما دفع إثيوبيا لتوجه نحو روسيا للحصول على دعم بديل.

    في إطار جولة أوروبية شملت كلاً من إيطاليا والفاتيكان، زار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد العاصمة الفرنسية في مايو/أيار 2025، لاستكمال جهود إعادة بناء العلاقات بين بلدين يتشاركان في مصالح إستراتيجية تمتد من القرن الأفريقي إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، متناولين العديد من القضايا الحيوية مثل إعادة بناء البحرية الإثيوبية والدور الفرنسي في شرق أفريقيا والمنافسة الشديدة عليها.

    شهدت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة تقاربًا ناتجًا عن اعتبارات جيوسياسية واقتصادية وتنموية، مدفوعًا بزيارات تبادلية لم تتوقف إلا خلال سنوات الحرب (2020-2022) نتيجة الخلاف حول قضايا تتعلق بالانتهاكات الحقوقية المروعة التي نتجت عن النزاعات، والانقسام الإقليمي الذي جعل أديس أبابا تواجه القوى الغربية.

    القائد الفرنسي الأسبق بومبيدو (يسار) وإمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي لدى وصول بومبيدو إلى أديس أبابا عام 1973 (الفرنسية)

    دبلوماسية اللقاءات عالية المستوى

    تسارعت ديناميكية هذه العلاقة بعد تولي آبي أحمد السلطة في مايو/أيار 2018، حيث سافر إلى باريس في أكتوبر/تشرين الأول من السنة ذاته لوضع الأسس لاتفاقيات دفاعية وثقافية، بينما قام القائد الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة أديس أبابا في مارس/آذار 2019 ليكون أول رئيس فرنسي يزور هذا البلد منذ جورج بومبيدو عام 1973.

    وقد ساهم في تعزيز هذه العلاقة انتخاب سهلي ورق زودي رئيسة لإثيوبيا في أكتوبر/تشرين الأول 2018، والتي تتقن اللغة الفرنسية بفضل دراستها للعلوم الطبيعية في جامعة مونبلييه الفرنسية، وكانت أيضًا على صلة بالإستراتيجية الخارجية الفرنسية في أفريقيا من خلال عملها كسفيرة في العديد من الدول الفرنكوفونية.

    بعد توقيع اتفاقية بريتوريا التي أنهت حرب تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، استأنف النشاط الدبلوماسي حيث التقى أحمد وماكرون 3 مرات في عام 2023 فقط، كما زار القائد الأمريكي أديس أبابا في ديسمبر/كانون الأول من السنة التالي، وفي مايو/أيار 2025 استقبلت باريس آبي أحمد مرة أخرى.

    تشير العديد من الملاحظات إلى أن هذه اللقاءات المتكررة تعكس رغبة مشتركة لتسريع التحالف بين البلدين وتوجيهه نحو آفاق استراتيجية، حيث وصف مهندس الإستراتيجية الفرنسية في إثيوبيا وسفيرها فيها، ريمي ماريشو، العلاقة السياسية بين بلاده وأديس أبابا بأنها “متينة”.

    آبي أحمد يستمع إلى ماكرون (يقف يسارًا) بينما يتم توقيع اتفاقيات بين إثيوبيا وفرنسا عام 2019 (الفرنسية)

    الرؤية الفرنسية للعلاقة مع إثيوبيا

    لا يمكن فصل التوجه الفرنسي نحو إثيوبيا عن سياق جيوسياسي أكثر اتساعاً، يظهر فيه فقدان فرنسا لمناطق نفوذها القائدية في غرب القارة، ما أدى إلى انسحابات وصفت بأنها مهينة من “حدائقها الخلفية” في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وساحل العاج وتشاد. هذه الوضعية دفعت باريس إلى محاولة استكشاف فرص لتوسيع وجودها في جنوب وشرق أفريقيا، حيث تلعب إثيوبيا دورًا محوريًا.

    يتضح مفهوم “الضرورة الإستراتيجية” لبناء مجالات نفوذ بديلة من خلال ما أوضحه مدير أفريقيا والمحيط الهندي بوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، كريستوف بيجو، في عام 2021، عندما قال إن “الحاضر والمستقبل لفرنسا يرتبطان بشدة بالحاضر والمستقبل لأفريقيا”.

    تسعى باريس من خلال عزمها على تعزيز علاقاتها مع إثيوبيا إلى تثبيت حضورها في مناطق استراتيجية مثل القرن الأفريقي، لاستعادة مكانتها وأهميتها في المواطنون الدولي، حيث تعتبر هذه المنطقة محور نقل عالمي يتصل بالبحر الأحمر وقناة السويس شمالاً، ومنطقة الخليج الغنية بالطاقة والمحيط الهندي الذي أصبح مركز ثقل جيوسياسي عالمي.

    مع تحول القارة الأفريقية إلى “ألواح شطرنج”، واحتدام التنافس الدولي عليها، يكشف التوجه الفرنسي نحو مناطق جديدة في القارة عن رغبة الإليزيه في الحفاظ على الوزن الجيوسياسي لفرنسا أمام المنافسين مثل الصين وروسيا وتركيا، عبر تقديم نفسها كبديل محتمل في سوق يزخر بالمنافسين مثل شرق أفريقيا، بينما تسعى بكين وأنقرة لتعزيز نفوذها في إثيوبيا.

    البعد الماليةي له أهمية كبيرة في هذا التوجه، إذ تعتبر فرنسا منطقة القرن الأفريقي وجهة واعدة للاستثمار وتوسيع التجارة. تهتم باريس بالتعاون الماليةي وجهود التحديث، وتسعى إلى دعم نفوذها من خلال اتفاقيات تجارة واستثمار ودفاع.

    خريطة أثيوبيا تظهر موقع إقليم تيغراي (الجزيرة)

    التعاون الماليةي والتنموي

    على الرغم من أهمية الجانب الجيوسياسي في العلاقات بين البلدين، إلا أن الجانب الماليةي شهد تطورات بارزة في السنوات الأخيرة، حيث ازدادت التجارة بين البلدين إلى أكثر من ملياري بر إثيوبي بحلول عام 2023، مقارنة بـ 0.37 مليار بر إثيوبي في السنة التي تولى فيها أحمد السلطة قبل 5 سنوات. (الدولار يعادل حوالي 135 بر إثيوبي).

    في هذا السياق، تُعد إثيوبيا، بما يزيد عدد سكانها عن 120 مليون نسمة، بديلًا محتملاً للأسواق التي فقدتها باريس في غرب القارة، وهو ما يتضح من الاختلال الكبير في الميزان التجاري بين البلدين في عام 2023، حيث بلغت الصادرات الإثيوبية 210 ملايين برإثيوبي والواردات من فرنسا 1.81 مليار بر.

    وقعت البلدان اتفاقيات كبيرة لتعزيز قدرات إثيوبيا في مجالات الطيران المدني والعسكري، بما في ذلك شراء طائرات إيرباص وطائرات رافال المقاتلة، حيث تهدف الإستراتيجية الفرنسية إلى تحفيز التجارة وتوسيع التنمية الاقتصاديةات الفرنسية في قطاعات رئيسية مثل الطاقة والنقل والبنية التحتية والاتصالات والتعدين.

    ماكرون (يسار) يمر أمام طائرة مقاتلة من طراز داسو رافال (الجزيرة)

    كما حصلت إثيوبيا على استثمار كبير من صندوق التنمية الاقتصادية الفرنسي لإنتاج الكهرباء الحرارية الأرضية، ويتم البحث عن فرص استثمار جديدة في قطاعات مثل الزراعة والخدمات اللوجستية.

    تقوم الوكالة الفرنسية للتنمية بعمل نشط في إثيوبيا من خلال عدة مبادرات، حيث وقعت مع وزارة المالية الإثيوبية في 25 مارس/آذار 2025 اتفاقية مالية هامة بقيمة 28.5 مليون يورو (25 مليون يورو لدعم الميزانية، و3.5 ملايين يورو للمساعدة الفنية) لدعم أجندة الإصلاح الماليةي في البلاد، بما في ذلك دعم الإصلاح الماليةي المحلي، وإصلاح القطاع المالي، وإصلاحات الشركات السنةة.

    صرحت فرنسا عن تمويل بقيمة 100 مليون يورو عبر الوكالة الفرنسية للتنمية لمشاريع التحديث، وقرض بقيمة 80 مليون يورو لتجديد شبكة الكهرباء في إثيوبيا خلال زيارة ماكرون في ديسمبر/كانون الأول 2024.

    يمثل الجانب الثقافي مجالاً مهمًا للنشاطات الفرنسية في إثيوبيا، حيث تشمل المساهمة في ترميم كنائس لالبيلا المنحوتة في الصخر، وتنمية القدرة على جذب السياح، بالإضافة إلى تخصيص 25 مليون يورو لدعم ترميم قصر الإمبراطور هيلاسلاسي ومتنزهه وتحويلهما إلى متحف يفتح أبوابه للجمهور في عام 2028.

    ماكرون (يمين) يسير بجانب آبي أحمد عند وصولهما لزيارة قصر الإمبراطور هيلاسلاسي “اليوبيل” بعد التجديد (الفرنسية)

    إثيوبيا الساعية وراء دعم متعدد الأبعاد

    تعتمد استراتيجية إثيوبيا في تطوير علاقاتها مع باريس على مجموعة من المحاور، حيث تشغل خطتها التنموية “إثيوبيا 2030” التي أطلقتها عام 2020 تحت عنوان “إثيوبيا منارة الازدهار الأفريقي”، والهادفة، وفقًا لمنصة غلوبال كونيكتيفيتز، إلى تحويل البلاد إلى أحد المحركات الماليةية في إفريقيا.

    تشير المنصة التي تقدم رؤى معمقة حول برامج الاتصال الدولي إلى حاجة أديس أبابا لدعم المستثمرين والشركاء الأجانب لتحقيق هذه الأهداف، خاصة في وقت استغل فيه المستثمرون الصينيون الفرص في إثيوبيا، بينما تسعى إثيوبيا الآن إلى تنويع شراكاتها الدولية مستفيدة من انفتاح فرنسا نحو تعزيز وجودها في إفريقيا غير الناطقة بالفرنسية.

    لا تقتصر رغبة إثيوبيا في الحصول على الدعم على الجانب التنمية الاقتصاديةي فقط، بل تشمل أيضًا التنسيق الجيوسياسي مع باريس في القضايا الإقليمية، حيث أعرب سفير فرنسا في إثيوبيا ريمي ماريشوت عن “دعم بلاده الكامل” لمبادرات أديس أبابا في السودان والصومال، كما يمثل الاتحاد الأوروبي أحد الممولين القائدين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال.

    تمثل فرنسا أيضًا داعمًا دوليًا هامًا لمدعاة إثيوبيا بالوصول إلى منفذ بحري عبر الوسائل السلمية، وقد اعتبر ماكرون هذا الطلب “مشروعًا”، بعد أن تحول في السنوات الأخيرة إلى عنصر استراتيجي في الإستراتيجية الخارجية الإثيوبية، واصفًا إياه بأنه “ضروري للوجود”.

    كما تستطيع فرنسا، من خلال حضورها في الكيانات الماليةية الدولية، مساعدة إثيوبيا في مواجهة التحديات الماليةية الناجمة عن وباء كورونا وحرب تيغراي، حيث نوّه ماكرون التزام فرنسا بدعم الإصلاحات الماليةية وإعادة هيكلة ديون إثيوبيا.

    أسهم ترؤس فرنسا بالتعاون مع الصين للجنة الدائنة الرسمية المشرفة على التزامات ديون إثيوبيا في التوصل إلى اتفاقات شاملة لتعليق مدفوعات الديون الثنائية السنةة لإثيوبيا بحلول نهاية عام 2023، مع وضع جدول زمني للسداد يبدأ من عام 2027، مماحسن السيولة النقدية في إثيوبيا وزيادة ثقة الأسواق الدولية باقتصادها.

    تعاون عسكري دونه تحديات

    تتصل أديس أبابا وباريس بتعاون عسكري طويل الأمد في مختلف المجالات، حيث وقّع وزيرا دفاع البلدين في عام 2019 اتفاقية شاملة للتعاون الدفاعي تضمنت تدريب القوات المسلحة على مهام حفظ السلام في الصومال، إلى جانب برامج لتقوية جيش إثيوبيا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة في البر والجو والبحر.

    من جهة أخرى، كان أهم بنود هذا الاتفاق هو توقيع رسالة نيات لدعم إعادة بناء الأسطول البحري الإثيوبي، حيث خصصت باريس ضابط تعاون مقيم في إثيوبيا، وشرعت في تدريب الضباط الإثيوبيين في الأكاديمية البحرية الفرنسية ونجحت إثيوبيا في الحصول على طرادات تدريبية فرنسية في سبيل هذا المشروع.

    تشير أهمية هذا الاتفاق الدفاعي إلى وصف ماكرون له بأنه “غير مسبوق”، وأفاد محللون بأن فرنسا تأمل من خلاله في ترسيخ وجودها البحري وحماية مصالحها في تلك المنطقة الحساسة، إذ قد تتيح لها تلك الفرصة تقديم خدماتها في مجال الاستقرار البحري ومكافحة القرصنة مما قد يُفتح أمامها آفاق شراكة مع عواصم أفريقية أخرى تبحث عن تلك الخدمات.

    يدعم كذلك تعزيز البحرية الإثيوبية سوقًا جديدة للشركات الفرنسية لتسويق منتجاتها في مجالات السفن والصواريخ وأنظمة المراقبة البحرية.

    ورغم كل هذه الأبعاد المهمة، صرحت باريس عن تعليق تلك الاتفاقية في عام 2021 نتيجة الانتهاكات المرتبطة بحرب تيغراي، وعلى الرغم من استئناف أنشطة التدريب في السنة التالي، إلا أن الموقف الفرنسي من دعم البحرية أظهر “ارتباطًا مشروطًا” بتحقيق تقدم في قضايا مثل العدالة الانتقالية.

    هذه الأوضاع دفعت أديس أبابا للجوء إلى موسكو، حيث أبرمت اتفاقًا لتدريب وبناء القدرات البحرية الإثيوبية في مارس/آذار من هذا السنة، ما عُد دعمًا للكرملين في استبدال النفوذ الغربي في أفريقيا.

    تسلط التقلبات التي مر بها ملف دور فرنسا في بناء البحرية الإثيوبية الضوء على التحديات التي تواجهها باريس في ترسيخ وجودها في القرن الأفريقي المضطرب، وأبرزها تأثير الأوضاع الداخلية من صراعات وانتهاكات على قدرة فرنسا على تنفيذ استراتيجياتها في البلدان المستهدفة.


    رابط المصدر

  • المواجهة الجيوسياسي في جنوب القوقاز: تحالفات ثلاثية بين الهند وأرمينيا وإيران مقابل تركيا وฝ่ายค้าน


    بدأت الهند بتعزيز صادرات الأسلحة إلى أرمينيا كجزء من استراتيجيتها لمواجهة التحالف المتنامي بين تركيا وأذربيجان وباكستان. تزايد التعاون العسكري بين الهند وأرمينيا بعد حرب ناغورني قره باغ، حيث تراجعت اعتماد يريفان على موسكو. تشمل الصفقات العسكرية مكونات متطورة مثل مدافع وقذائف، مما يعزز قدرة أرمينيا الدفاعية. ينظر المحللون إلى هذه العلاقات كجزء من التنافس الجيوسياسي المتزايد في أوراسيا، خاصة في ظل الأوضاع العالمية الراهنة. تحركات الهند تأتي في سياق ردودها على دعم أنقرة لإسلام آباد في النزاعات النطاق الجغرافيية مع باكستان.

    بدأت الهند في تعزيز صادراتها من الأسلحة إلى أرمينيا، وهو ما يعتبره المحللون جزءًا من جهودها لمواجهة التحالف الإستراتيجي المتزايد بين تركيا وأذربيجان وباكستان.

    ترى نيودلهي أن هذا التحالف الثلاثي -الذي يمتاز بأبعاد عسكرية وسياسية واضحة- يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها الإقليمية، واصطفافًا واضحًا بجانب إسلام آباد في أعقاب التصعيد الأخير في النزاع النطاق الجغرافيي، وفقًا لتقرير نشره موقع “أوراسيا دايلي” للمحلل السياسي والباحث فياتشيسلاف ميخائيلوف.

    تتطور العلاقات الدفاعية بين الهند وأرمينيا بشكل ملحوظ منذ عام 2020، عقب انتهاء حرب ناغورني قره باغ الثانية، ويرجع ذلك إلى المصالح الإستراتيجية المشتركة بين البلدين وتراجع اعتماد يريفان على موسكو، المزود شبه الحصري للعتاد العسكري لأرمينيا حتى وقت قريب.

    يشير المحللون الهنود إلى أن هذا التحول يُعبر بوضوح عن المواجهة الجيوسياسي المتزايد في أوراسيا، حيث يتم إعادة صياغة التحالفات بشكل متسارع في ظل استمرار النزاع الروسي الأوكراني وتصاعد المواجهات الإقليمية الأخرى.

    وتسارع كل من تركيا وأذربيجان في إعلان دعمهما لباكستان بعد العملية العسكرية التي أطلقتها الهند الفترة الحالية الماضي تحت الاسم الرمزي “سِندور”. استهدفت هذه العملية، التي نفذها القوات المسلحة الهندي، 10 معسكرات يُعتقد أنها تؤوي مسلحين في الجانب الباكستاني من النطاق الجغرافي، في منطقة كشمير المتنازع عليها، إضافةً إلى أهداف داخل العمق الباكستاني.

    هنود يرفعون لافتات ويرددون شعارات احتجاجا على ما اعتبروه دعمًا تركيًا لباكستان في المواجهة الأخير (الأوروبية)

    عززت الهند إدراكها بضرورة مواجهة التحالف التركي الأذربيجاني الباكستاني من خلال توسيع شراكتها العسكرية مع أرمينيا، وذلك على خلفية سلسلة من التحركات التي اعتُبرت دعمًا مباشرًا لإسلام آباد.

    تشير تقارير غير مؤكدة رسميًا إلى أن هذه التحركات تضمنت توفير شحنات من الأسلحة والمعدات العسكرية إلى باكستان من قِبل أنقرة وباكو قبل وأثناء عملية “سِندور”. وقد تلت ذلك سلسلة من الاجتماعات بين القيادات السياسية والعسكرية للدول الثلاث، مما زاد من قلق نيودلهي تجاه هذا التكتل الإقليمي ذو الطابع العسكري والسياسي.

    نقل الكاتب عن راجان كوتشار، كبير مستشاري مركز “إنديك ريسيرشرز فوروم” للدراسات، قوله: “علاقات الهند مع تركيا وأذربيجان ليست في أفضل حالاتها، ولفت إلى أن أي صفقات تسليح موجهة إلى أرمينيا لن تؤثر سلبًا على تلك العلاقات في ظل الوضع الحالي”.

    وأضاف كوتشار أن العلاقات بين الهند من جهة، وتركيا وأذربيجان من جهة أخرى ليست جيدة، وبالتالي فإن بيع الأسلحة لأرمينيا لن يُحدث فارقًا كبيرًا، خصوصًا وأن كلا البلدين صرحا انحيازهما الصريح لباكستان، وساهما في تحريضها ضد الهند خلال العملية الأخيرة.

    أسلحة هندية لأرمينيا

    في عام 2022، وُقِّع عقد بقيمة 244.7 مليون دولار بين الهند وأرمينيا يتضمن تزويد يريفان بمنظومات “بيناكا” متعددة القاذفات، إلى جانب مجموعة من الذخائر والمعدات المساندة، يُقدّر عددها بما لا يقل عن 4 بطاريات. تشمل الصفقة أيضًا قذائف هاون وصواريخ مضادة للدروع وأنواعًا أخرى من الذخائر.

    بدأ اهتمام أرمينيا بهذه المنظومات في منتصف عام 2018، عندما أجرت منظمة البحوث والتطوير الدفاعي الهندية تجارب ميدانية وعروضًا حية أمام وفد عسكري أرمني، مما مهد الطريق لاحقًا لتوقيع العقد الرسمي.

    وفي عام 2023، أبرمت شركة “كالياني إستراتيجيك سيستمز” الهندية اتفاقية بقيمة 155.5 مليون دولار لتوريد مدافع عيار 155 ملم إلى أرمينيا، في إطار تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين.

    وفي نفس السنة، صرحت شركة “زين تكنولوجيز” الهندية، المتخصصة في تطوير أجهزة المحاكاة العسكرية وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، تلقيها طلب تصدير بقيمة 41.5 مليون دولار دون الكشف عن هوية العميل. وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023، أقرّت الشركة بتأسيس فرع لها في أرمينيا لتوسيع أعمالها هناك، بما في ذلك عمليات البيع والدعم الفني وخدمات الصيانة.

    وفي عام 2024، أبرمت أرمينيا صفقة لتوريد منظومات الدفاع الجوي من طراز “آكاش”، بكميات غير معلنة، مما جعلها واحدة من أكبر مستوردي المنتجات الدفاعية الهندية.

    ينوه خبراء هنود إلى أنه على مدى سنوات عديدة، كانت روسيا المزود الوحيد تقريبًا للأسلحة إلى أرمينيا، لكن “علاقات البلدين تأثرت سلبًا بسبب عدم دعم يريفان الصريح لموسكو في نزاعها مع أوكرانيا”.

    نتيجة لذلك، أصبحت الهند واحدة من أبرز مزودي الأسلحة لأرمينيا، حيث التحقت الجمهورية التي تقع في منطقة جنوب القوقاز بقائمة المشترين الأجانب لأصناف معينة من الأسلحة والمعدات العسكرية الهندية الصنع.

    ورغم أن أرمينيا قامت بتجميد مشاركتها في منظمة معاهدة الاستقرار الجماعي منذ بداية عام 2024، إلا أنها لا تزال عضوًا رسميًا في هذا التكتل العسكري السياسي الذي يشمل عددًا من الدول السوفياتية السابقة.

    ردا على تركيا

    يزعم كريس بلاكبيرن، المحلل السياسي المستقل المقيم في لندن، في حديثه لصحيفة “جريدة جنوب الصين الصباحية”، أن مبيعات الأسلحة الهندية إلى أرمينيا تعتبر ردًا مباشرًا على الدعم العلني الذي أظهره القائد التركي رجب طيب أردوغان لباكستان، وانتقاداته للدول التي تسلح أرمينيا.

    يرى بلاكبيرن أن روسيا لن تعارض التعاون الدفاعي المتزايد بين الهند وأرمينيا، مشيرًا إلى الخصوصية التاريخية للعلاقة بين موسكو ونيودلهي في المجال العسكري.

    أفاد الكاتب أن الهند اتهمت باكستان باستخدام طائرات مسيّرة مصنوعة في تركيا خلال الاشتباكات المسلحة التي اندلعت في مايو/أيار الماضي، مما أثار استياء واسعًا في الرأي السنة الهندي.

    استجابةً لذلك، أطلق المستهلكون والشركات الهندية حملة مقاطعة شملت المنتجات التركية والأذربيجانية، مع الامتناع عن السفر السياحي إلى كلا البلدين، إضافة إلى تقليص التبادلات في مجالات المنظومة التعليمية والثقافة وتجميد العلاقات التجارية مع أنقرة وباكو.

    كما نقل الكاتب عن أوداي تشاندرا، الأستاذ المشارك في جامعة جورجتاون- فرع قطر، أن تسليح الهند لأرمينيا ينبغي أن يُفهم في سياق أوسع يشتمل على قطع العلاقات مع مشغّل المطارات التركي وتراجع السياحة الهندية إلى تركيا وأذربيجان.

    أضاف تشاندرا: “قد لا تكون مثل هذه الأساليب العدوانية والدبلوماسية الصارمة مألوفة في الماضي، إلا أن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي تحاول استثمار الظرف الراهن وتعمل بمبدأ: “إما أن تكون معنا أو ضدنا”.

    حاليًا، تُجري الهند مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن اتفاق تجاري ثنائي، ومن المتوقع أن تظهر نتائج هذه المحادثات قبيل انعقاد قمة مجموعة “كواد” -وهو تكتل غير رسمي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا- في سبتمبر/أيلول المقبل.

    قدّمت دوائر سياسية وأمنية في الهند قلقها إزاء موافقة الولايات المتحدة على تزويد تركيا بصواريخ متطورة من طراز “إيه آي إم 120 أمرام”، وهي صواريخ جو-جو متوسطة المدى قادرة على إصابة الأهداف خارج مدى الرؤية، وذلك مطلع الفترة الحالية الماضي.

    تعتبر هذه الصفقة -التي تبلغ قيمتها 225 مليون دولار- محاولة لإعادة تحسين العلاقات المتوترة بين واشنطن وأنقرة، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، أنذر محللون هنود من أن هذه الخطوة قد تعقد العلاقات بين الولايات المتحدة والهند، خاصةً مع الدعم العلني الذي تقدمه أنقرة لشريكها الباكستاني.

    هل تتغير موازين القوى؟

    تباينت الآراء حول ما إذا كانت هذه الصفقة ستؤثر فعلاً على توازن القوى في آسيا، أو ستبقى محصورة داخل إطار التعاون العسكري بين الحلفاء الغربيين.

    يرى الدكتورة داتيش باروليكار، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات الدولية والإقليمية بجامعة غوا الهندية، أن منح الولايات المتحدة “الضوء الأخضر” لتركيا لشراء صواريخ “إيه آي إم 120 أمرام” المتطورة قد يكون له تداعيات خطيرة على أمن جنوب آسيا ومنطقة المحيط الهندي بأسرها.

    قال باروليكار: “الموافقة على صفقة كهذه، دون فرض قيود واضحة على احتمال نقل هذا النوع من الأسلحة المتطورة إلى دول مثل باكستان، قد تمهد الطريق لمزيد من التصعيد وعدم الاستقرار في الإقليم”.

    يرى المسؤولون في نيودلهي أن الروابط الدفاعية المتنامية والشراكة الإستراتيجية الناشئة بين الهند وأرمينيا ليست مجرد خطوة لتعزيز القدرات الدفاعية ليريفان، بل تأتي في إطار لعبة جيوسياسية كبرى تخوضها الهند كقوة نووية صاعدة.

    تتيح هذه الشراكة للهند توسيع نفوذها في منطقة القوقاز الجنوبي، حيث تواجه منافسة من تركيا وباكستان الداعمتين لأذربيجان، مما يعزز مكانة نيودلهي كلاعب رئيسي في أوراسيا.

    تسلط هذه العلاقات الضوء على أهمية ممر النقل “الشمال- الجنوب”، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا وروسيا عبر أراضي أرمينيا وإيران.

    يعتقد الخبير السياسي المتخصص في شؤون جنوب آسيا بريدجيت ديبسركار أن مبيعات الهند من الأسلحة إلى أرمينيا ستعزز بلا شك من قدرات وإمكانات منظومة دفاع أرمينيا، مشيرًا إلى نجاح القوات الهندية خلال النزاع المسلح الذي اندلع في مايو/أيار مع باكستان في إحباط عدة هجمات بطائرات تركية مسيرة.

    يُفيد خبراء أذربيجانيون أن المشهد الحالي لتوازن القوى والمصالح في جنوب القوقاز، مع دخول الهند وباكستان على الخط، يشير إلى تشكيل ما يمكن وصفه بـ”تحالفات ثلاثية متضادة”؛ ففي جهة يوجد تحالف “تركيا- أذربيجان- باكستان”، بينما في الجهة المقابلة يتشكل تحالف “إيران- أرمينيا- الهند”. ومع أن باكو ويريفان تصنفان ضمن فئات جيوسياسية أقل وزنًا، إلا أنهما تؤديان دورًا محوريًا في نقل مصالح القوى الإقليمية الكبرى.

    تبرز هذه التحالفات الجديدة كعامل رئيسي في تصعيد الميل إلى عسكرة جنوب القوقاز، حيث تسهم الدولتان النوويتان في جنوب آسيا بدور فعال في تعزيز هذا الاتجاه.

    <pكشفت صحيفة "ذا إيكونوميك تايمز" الهندية، في مطلع السنة الجاري، أن أرمينيا قررت اعتماد مدفعية "ترايان"، وهي نتاج شراكة صناعية بين الهند وفرنسا، بهدف تعزيز قدرات وحدات المدفعية لديها. وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن تسليم الدفعات الأولى من هذا السلاح سيبدأ خلال الأشهر القليلة المقبلة.

    وفي المقابل، فإن الجبهة المقابلة من التحالف الثلاثي، مع انخراط متزايد للصين، تشهد نشاطًا مكثفًا لتعزيز القدرات الهجومية. فقد أفادت تقارير إعلامية مؤخرًا بأن أذربيجان تستعد لشراء 24 مقاتلة إضافية من طراز “جيه إف 17 ثاندر بلوك 3″، وذلك بعد إعلان سابق عن نيتها اقتناء 16 طائرة من النوع نفسه، المُصنّع بشراكة باكستانية صينية.


    رابط المصدر

Exit mobile version