في دير الزور السورية، يحاول جورج قسطنطين، أحد آخر أربعة مسيحيين متبقين، إحياء مجتمع مسيحي دمرته الحرب. يتجول في أطلال كنيسة “المسيح الملك”، التي تأسست عام 1930، ويشير إلى الأضرار العديدة التي لحقت بالكنائس. كان المسيحيون يمثلون حوالي 10% من السكان قبل النزاع، لكن عددهم تراجع بشكل كبير، حيث لم يتبقَ سوى قسطنطين ورفاقه. بعد ثلاث سنوات من العمل، حولوا الأرض القاحلة إلى حديقة صغيرة، في محاولة لتشجيع باقي المسيحيين على العودة والمشاركة في إعادة بناء المواطنون الذي دمرته الحرب.
30/6/2025–|آخر تحديث: 18:14 (توقيت مكة)
بين أنقاض كنائس مدمرة وجدران تحمل آثار صمودها في وجه المعارك، يسعى جورج قسطنطين، أحد آخر أربعة مسيحيين متبقيين في مدينة دير الزور السورية، إلى إحياء ما تبقى من مجتمع مسيحي كان يومًا مزدهرًا شرق البلاد.
كنيسة مريم العذراء في مدينة دير الزور السورية (رويترز)
يتجول قسطنطين في أطلال كنيسة “المسيح الملك” التابعة لرهبنة الآباء الكبوشيين، مشيرًا إلى أن تاريخ بنائها يعود إلى عام 1930، وكانت واحدة من أبرز المعالم الدينية في المدينة قبل أن تتعرض لأضرار كبيرة في سنوات النزاع.
كان المسيحيون يشكلون نحو 10% من سكان سوريا قبل الحرب (رويترز)
ويؤكد المواطن السوري أن وجوده في المدينة ليس مُجرد البقاء، بل لإظهار بقاء الحضور المسيحي في منطقة كانت من أوائل المناطق التي شهدت الرهبنة في حوض الفرات.
في حديثه، لفت قسطنطين إلى أن الأرض التي كانت في السابق قاحلة ومليئة بالألغام أصبحت اليوم حديقة صغيرة بعد جهود استمرت لثلاث سنوات، بهدف إحياء الحياة حول دير الآباء الكبوشيين.
الكنيسة الكبوشية في دير الزور (رويترز)
إلى جانب كنيسة “المسيح الملك”، تعرضت بقية الكنائس في المدينة – بما في ذلك كنيستي “الوحدة” و”شهداء الإبادة الأرمنية” – لدمار أو تخريب كبير.
رغم الدمار، لفت قسطنطين إلى وجود جهود حقيقية من رئاسة رهبنة الكبوشيين لإعادة بناء الكنيسة والدير، بهدف تنشيط دور الطائفة المسيحية مرة أخرى وتشجيع من تبقى منهم على العودة والمساهمة في إعادة بناء المواطنون.
دير الزور تعرضت للتدمير بسبب الحرب (رويترز)
وقد أفاد محافظ دير الزور غسان السيد أحمد في وقت سابق أن حوالي 4 آلاف مسيحي كانوا يعيشون في المدينة قبل اندلاع النزاع عام 2011، لكن لم يتبقى منهم اليوم سوى أربعة مواطنين، بينما تضررت خمسة كنائس رئيسية في المدينة.
تجدر الإشارة إلى أن المسيحيين كانوا يشكلون حوالي 10% من سكان سوريا قبل الحرب، لكن أعدادهم تراجعت بشكل كبير بسبب موجات الهجرة، ومن المتوقع أن لا يتجاوز عدد من تبقى منهم داخل البلاد عدة مئات الآلاف.
يحيي الفلسطينيون في 17 يونيو من كل عام ذكرى “الثلاثاء الحمراء”، تخليداً لشهداء ثورة البراق الثلاثة: محمد جمجوم، عطا الزير، وفؤاد حجازي، الذين أُعدموا عام 1930 من قبل سلطات الانتداب البريطاني. تأتي هذه الذكرى في سياق مقاومتهم للاحتلال، إذ اندلعت ثورة البراق بسبب اعتداءات جماعات يهودية على المسلمين. رغم الإعدامات التي كانت تهدف إلى زرع الخوف، واجه الشهداء الموت بشجاعة، مُؤكدين على الولاء لفلسطين. تُعتبر هذه الذكرى جزءاً حيوياً من الذاكرة الفلسطينية، ويتم إحياءها عبر شعراء وكتب لدعم النضال ضد الاحتلال.
تُحيي الذكرى الحمراء في 17 يونيو/حزيران من كل عام، ويستذكر الفلسطينيون شهداء ثورة البراق الذين أعدموا على يد سلطات الانتداب البريطاني في نفس التاريخ عام 1930 بسجن القلعة في عكا، وهم: عطا الزير وفؤاد حجازي ومحمد جمجوم.
منذ ذلك الحين، يقوم الفلسطينيون داخل وخارج فلسطين بإحياء هذه الذكرى ويستذكرون بطولات شهدائها، حيث تمثل جزءاً أساسياً من ذاكرتهم الثورية وتاريخهم وإيمانهم بحقوقهم.
دفاع عن حائط البراق
تبدأ قصة هؤلاء الشهداء الثلاثة عندما اعتقلت الشرطة البريطانية مجموعة من الشبان الفلسطينيين بعد اندلاع ثورة البراق، على خلفية تنظيم اليهود لمظاهرة كبيرة في 14 أغسطس/آب 1929 بمناسبة ما أطلقوا عليه “ذكرى تدمير هيكل سليمان”، ثم تبعوه بمظاهرة في اليوم التالي في شوارع القدس وصولاً إلى حائط البراق، حيث أخذوا يرددون النشيد القومي الصهيوني ويهينون المسلمين.
اليوم التالي شهد ذكرى المولد النبوي، مما دفع الفلسطينيين للتوجه إلى حائط البراق للدفاع عنه، ووقعت اشتباكات عمت معظم فلسطين.
عقب ذلك، حملت سلطات الانتداب البريطاني المواطنون العرب في فلسطين مسؤولية الأحداث، وشنّت حملة اعتقالات واسعة طالت 900 فلسطيني ممن شاركوا في الدفاع عن حائط البراق، بالإضافة إلى معارضين للانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية.
أصدرت السلطات البريطانية أحكاماً بالإعدام على 27 معتقلاً، ولكن بسبب الضغوط العربية، خفّضت العقوبة لـ 24 منهم إلى السجن المؤبد، واحتفظت بعقوبة الإعدام لـ 3 شبان هم: محمد جمجوم وعطا الزير من الخليل وفؤاد حجازي من صفد، بتهمة قتل يهود خلال ثورة البراق، حيث تم تنفيذ الحكم في 17 يونيو/حزيران 1930، رغم الانتقادات المتعددة.
تقول المؤرخة رنا بركات إن تلك الإعدامات كانت تهدف إلى زرع الخوف في قلوب الفلسطينيين، لكنها لم تنجح في ذلك.
الرسالة الأخيرة
تحتفظ الوثائق التاريخية برسالة موقعة من شهداء “الثلاثاء الحمراء”، حيث أُتيح لهم كتابتها قبل إعدامهم، وجاء فيها “الآن ونحن على أبواب الأبدية، نقدم أرواحنا فداء لوطننا المقدس، لفلسطين العزيزة، ونتمنى من جميع الفلسطينيين ألا تنسى دماؤنا التي سالت، وأرواحنا التي ستظل تحلق في سماء هذه البلاد المحبوبة”.
وكتب الشهداء “نتذكر أننا قدمنا بأريحية، أنفسنا وجماجمنا لتكون أساساً لبناء استقلال أمتنا وحريتها، وأن تبقى الأمة مثابرة على وحدتها وجهادها لطرد الاحتلال عن فلسطين، وأن تحافظ على أراضيها فلا تبيع للأعداء منها شبراً واحداً، وألا تضعف عزيمتها أو تخورها التهديدات، وأن تتواصل في النضال حتى تنتصر”.
وذكر الشهداء في رسائلهم “نوجه آخر حياتنا دعوة للعرب والمسلمين في كل الجهات، بألا يثقوا بالأجانب وسياساتهم، وليتذكروا ما قال الشاعر بهذا الصدد: ويروغ منك كما يروغ الثعلب”.
أثناء تنفيذ حكم الإعدام، زاحم محمد جمجوم رفيقيه لأخذ دورهم في الإعدام دون تردد؛ وقد تحقق له ذلك، أما عطا الزير فقد طلب تنفيذ الحكم دون قيود، لكن طلبه قوبل بالرفض، فقام بتحطيم قيده وتقدم نحو المشنقة رافعاً رأسه.
سبب تسمية “الثلاثاء الحمراء”
تعود تسمية “الثلاثاء الحمراء” إلى يوم تنفيذ الإعدام بحق الشبان الثلاثة، إذ أُعدموا يوم الثلاثاء، وكان عددهم 3، وشنقوا في 3 ساعات متعاقبة: الساعة 8 فؤاد حجازي، الساعة 9 عطا الزير، والساعة 10 محمد جمجوم، ليصبح ذلك اليوم يوماً حزيناً وخالدًا في تاريخ فلسطين.
فور تنفيذ الحكم، أضرب العرب في فلسطين وتظاهروا في الشوارع مرتدين الشارات السوداء حداداً على شهدائهم الثلاثة، الذين واجهوا الموت بشجاعة وإيمان قويم بعدالة قضيتهم.
الأبطال الثلاثة
وُلِدَ فؤاد حسن حجازي في مدينة صفد بفلسطين المحتلة عام 1904. درس في مدرسة الجامع الأحمر ثم في الكلية الإسكتلندية، وعمل لاحقاً في مصلحة الرعاية الطبية بصفد.
برز حجازي بشجاعته وحب الوطن منذ صغره، وشارك بفاعلية في ثورة البراق، وكان الأصغر سناً بين الشهداء الثلاثة.
أما عطا أحمد الزير فقد وُلِدَ في مدينة الخليل عام 1895، وعُرف بشجاعته وقوته الجسدية منذ طفولته، وعمل في الزراعة.
شارك الزير في المظاهرات في الخليل ضد الهجرة اليهودية والانتداب البريطاني.
وُلِدَ محمد خليل جمجوم في الخليل عام 1902، وتلقى تعليمه في مدارسها ثم أكمل دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت.
كان معروفاً بمعارضته للصهيونية والانتداب منذ صغره، وتقدم المظاهرات في مدينة الخليل خلال ثورة البراق.
في حديث أخير له مع والدته، قال جمجوم عندما رأى دموعها: “ولماذا تبكين يا أماه؟ هل تبكين علي لأنني أرغب في أن أكون شهيداً؟ زغردي يا أماه، زغردي، فهذا يوم عرسي”.
المناهج الدراسية في خمسينيات القرن الـ20 خلدت ذكر الشهداء الثلاثة (الجزيرة)
قصائد ومؤلفات
تحولت “الثلاثاء الحمراء” إلى رمز في مسار النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني ومن ثم الاحتلال الإسرائيلي، وقد تم إدراجها في المناهج الفلسطينية، وحظيت بذكر من العديد من الشعراء والكتاب.
كانت مرثية الشاعر الشعبي نوح إبراهيم من أبرز القصائد التي تناولت الحدث، حيث قال فيها:
من سجن عكا طلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي
محمد جمجوم ومع عطا الزير فؤاد حجازي عز الذخيرة
ويقول محمد أنا أولكم خوفي يا عطا أشرب حسرتكم
ويقول حجازي أنا أولكم ما نهاب الردى ولا المنونا
كما أُثريت ذكرى هؤلاء الأبطال في قصيدة الشاعر إبراهيم طوقان المعروفة “الثلاثاء الحمراء”، التي كتبها بعد أسابيع من استشهادهم، حيث تناولت الأحداث “الساعات الثلاث”، وجاء فيها:
أجسادهم في تربة الأوطان أرواحهم في جنة الرضوان
وهناك لا شكوى من الطغيان وهناك فيض العفو والغفران
أدت فرقة العاشقين المحلية كلتا القصيدتين، ولا يزال الفلسطينيون يرددونهما في مختلف المناسبات. كما قام العديد من المؤلفين بتوثيق حادثة إعدام الشبان الثلاثة، ومن أبرز تلك المؤلفات كتاب “الثلاثاء الحمراء في الحركة الوطنية الفلسطينية” للكاتب عادل مجاهد العشماوي، الذي صدر في عدة طبعات على مدى 206 صفحات.
يستعرض الكتاب مناضلي “الثلاثاء الحمراء”، كما يتناول تفاصيل حياتهم ومواقفهم قبيل الإعدام، فضلاً عن أصداء الأحداث وتضامن الشعوب العربية.
كما يحتوي الكتاب على ملاحق وصور حول الواقعة ورسائل شخصيات مهمة لأمهات الشهداء، ونماذج من القصائد التي كتبت فيهم.
عدنان بدوي جمجوم يحمل صورة عمه الشهيد محمد جمجوم (الجزيرة)
يوم وطني
في 17 يونيو/حزيران من كل عام، يحيي الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده يوم “الثلاثاء الحمراء” وفاءً لتضحيات الشهداء الثلاثة الذين ضحوا من أجل حقوقهم وحماية مقدساتهم.
يعتبر الفلسطينيون أن هذه الذكرى تمثل نقطة بارزة في تاريخ نضالهم ومقاومتهم ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا يمكن أن تنسى الذاكرة الفلسطينية تضحيات أبنائها في سبيل التحرر من الاحتلال.
وفي مارس/آذار 2023، دعا الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي لجعل يوم الثلاثاء من كل أسبوع “ثلاثاء الحرية” إحياءً لذكرى الشهداء الثلاثة.
وفي هذا السياق، يقول المدير السنة لمركز “الزيتونة” للدراسات والاستشارات محسن صالح، إن “الشهداء الثلاثة أبدوا نماذج بطولية في مواجهة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني، وكان لجهادهم دورٌ كبير في ثورة البراق التي اندلعت في أغسطس/آب 1929 احتجاجًا على مزاعم الصهاينة بحقهم في الحائط الغربي للمسجد الأقصى”.
في خطوة غير مسبوقة، صرح القائد الأميركي دونالد ترامب عن رفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم إلى 50% خلال خطاب في منشأة “إيرفين ووركس” بولاية بنسلفانيا. الهدف من القرار هو تأمين شراكة جديدة مع شركة نيبون ستيل اليابانية، تتضمن استثمارات بقيمة 14 مليار دولار في الولايات المتحدة. يأتي هذا بعد جدل طويل حول صفقة استحواذ، وضعت شروطًا صارمة للحفاظ على السيطرة الأميركية. بينما تثير الخطوة غضب الاتحاد الأوروبي، الذي هدد بإجراءات انتقامية، وتخوفات من تأثير سلبي على قطاعات البناء والتصدير في الولايات المتحدة، وسط تحذيرات من حدوث حروب تجارية جديدة.
في فعالية انتخابية غنية بالدلالات السياسية والماليةية، صرح القائد الأميركي دونالد ترامب من منشأة “إيرفين ووركس” التابعة لشركة “يو إس ستيل” قرب بيتسبرغ عن زيادة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم إلى 50%، بعد أن كانت 25%.
ولفت ترامب أمام جمهور من العمال قائلاً: “لن ينجح أي شخص بعد الآن في تخطي السياج”، في إشارة إلى أن رفع الرسوم سيحول دون قدرة المنافسين الأجانب على تقويض صناعة الصلب الأميركية.
وفقاً لتقرير صادر عن بلومبيرغ، فإن الهدف المباشر لهذا القرار هو تأمين شراكة مع شركة نيبون ستيل اليابانية، مما يمنحها ميزة تنافسية مشروطة بالتنمية الاقتصادية الكبير داخل الولايات المتحدة.
وأفاد ترامب بأن الشراكة الجديدة ستضمن استثمارات بقيمة 14 مليار دولار خلال 14 شهراً، بما في ذلك:
2.2 مليار دولار لتوسيع الإنتاج في منشآت “مون فالي” في بنسلفانيا.
7 مليارات دولار لتحديث الأفران ومرافق الإنتاج وبناء مصانع جديدة في إنديانا ومينيسوتا وألاباما وأركنساس.
5 مليارات دولار لإنشاء خطوط جديدة لإنتاج الصلب عالي الجودة المخصص للقطاعين الدفاعي والسيارات.
السلطة التنفيذية الأميركية تحتفظ بحقوق إشراف فعلي على إدارة الشركة عبر “السهم الذهبي” (رويترز)
“سهم ذهبي” ومجلس أميركي.. شروط غير مسبوقة
تمت هذه الصفقة بعد جدل استمر لأكثر من عام، منذ أن صرحت شركة نيبون في ديسمبر/كانون الأول 2023 نيتها الاستحواذ الكامل على “يو إس ستيل” مقابل 15 مليار دولار، مما قوبل برفض شديد من إدارة جو بايدن ولاحقاً من ترامب نفسه أثناء حملته الانتخابية.
لكن ترامب أعاد فتح مجال التفاوض، بشرط إعادة هيكلة الصفقة كشراكة تُبقي السيطرة النهائية بيد الأميركيين.
أفادت بلومبيرغ أن الاتفاق الجديد تضمن ما لفت إليه السيناتور الجمهوري ديفيد ماكورماك بأنه “سهم ذهبي” يسمح للحكومة الأميركية بالتحكم في التعيينات في مجلس إدارة الشركة ومنع أي تخفيض في الإنتاج.
وبين الشروط:
يجب أن يكون القائد التنفيذي أميركي الجنسية.
يجب أن يتكون مجلس الإدارة من أغلبية أميركية.
يمنح السلطة التنفيذية الأميركية حق الفيتو على أي تغييرات استراتيجية.
يجب الالتزام بعدم تسريح العمال لمدة لا تقل عن 10 سنوات.
يجب الحفاظ على الطاقة الإنتاجية الكاملة في أفران الصهر.
يشرف على الصفقة لجنة التنمية الاقتصادية الأجنبي في الولايات المتحدة “سي إف آي يو إس” (CFIUS)، وهي لجنة أمنية تعمل بسرية وتراجع جميع عمليات الاستحواذ الأجنبية ذات الطابع الحساس.
الاتحاد الأوروبي يعتبر القرار الأميركي تهديدًا لمناخ الثقة والشراكة عبر الأطلسي (غيتي)
أوروبا ترد
أعربت المفوضية الأوروبية بسرعة عن غضبها تجاه القرار الأميركي، موضحة في بيان رسمي، نقله رويترز، أن “زيادة الرسوم الجمركية من 25% إلى 50% تُشكّل تهديدًا إضافيًا للاستقرار الماليةي العالمي”.
ونوّهت المتحدثة باسم المفوضية أن القرار “يُقوّض المحادثات المستمرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لحل النزاعات التجارية عبر التفاوض”، وأضافت أن المفوضية “أنهت مشاوراتها بشأن إجراءات مضادة”.
من المتوقع أن تبدأ العقوبات الأوروبية الجديدة في 14 يوليو/تموز القادم، وقد تأتي قبل ذلك إذا تصاعد التوتر، وتشمل العقوبات:
فرض رسوم انتقامية على الصادرات الأميركية من السيارات والمنتجات الزراعية.
إعادة تفعيل نزاعات في منظمة التجارة العالمية.
تقييد استيراد معدات الطاقة الأميركية والتقنية العسكرية.
عودة حرب الصين
في تصعيد متزامن، اتهم ترامب بكين بخرق الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه في جنيف بداية مايو/أيار، قائلاً: “الصين لم تلتزم.. إنها تلعب بنا منذ سنوات”. وفي توضيح لاحق، أفاد ممثل التجارة الأميركي جيمسون غرير بأن بكين “لم ترفع الحواجز غير الجمركية كما وعدت”، متهمًا إياها بتعطيل دخول الشركات الأميركية إلى القطاع التجاري الصينية.
وردت وزارة التجارة الصينية ببيان دبلوماسي أنذر، دعت فيه واشنطن إلى “احترام التزاماتها والابتعاد عن التصعيد”، مشيرة إلى أن “الولايات المتحدة تستمر في فرض قيود تمييزية على المنتجات والشركات الصينية”.
وفقًا للجمعية العالمية للصلب، فإن الصين تُنتج أكثر من 50% من الصلب العالمي، مما يمنحها تأثيراً كبيرًا على الأسعار العالمية. قد تعني أي مواجهة جديدة في هذا القطاع ارتفاعًا كبيرًا في تكلفة البنية التحتية عالميًا، خصوصًا في الأسواق الناشئة.
الأسواق ترتجف.. أرباح محلية ومخاوف عالمية
على الرغم من الأنذر الدولي، استجابت الأسواق الأميركية بحماس، حيث أفادت بلومبيرغ بما يلي:
ارتفعت أسهم “كليفلاند-كليفس” بنسبة 15.3% خلال ساعات ما بعد التداول.
سجلت أسهم “ستيل دايناميكس” و”نوكور” زيادة تفوق 5%.
تزايد الاهتمام بمؤشرات قطاع الصلب الأميركي في بورصة نيويورك بعد شهور من الركود.
لكن، في الجهة المقابلة، حذّرت شركات البناء من تبعات سلبية على قطاع الإسكان والبنية التحتية، حيث تعتمد الولايات المتحدة على استيراد 17% من احتياجاتها من الصلب من دول مثل كندا والبرازيل والمكسيك.
صرح أحد المقاولين البارزين في تكساس لموقع “كونستركشن دايف” بأنه إذا استمرت هذه الرسوم “فسنرى تباطؤًا في المشاريع السنةة والخاصة.. وأي زيادة في أسعار الصلب ستتحول إلى عبء على المستهلك”.
الخطاب الانتخابي لترامب يرتكز على استثمار السيادة الماليةية في كسب دعم القواعد الصناعية (الفرنسية)
هل تغيّر ترامب فعلاً؟
قبل أشهر قليلة، كان ترامب من أبرز المعارضين للصفقة المقترحة بين “يو إس ستيل” و”نيبون ستيل”، معتبرًا إياها دليلاً على ما أسماه “تفريط الإدارات السابقة في السيادة الماليةية الأميركية”. وقد نوّه حينها أنه لن يسمح أبدًا لشركة يابانية بـ”السيطرة على صرح صناعي عريق في قلب بنسلفانيا”.
لكن المشهد تغير بشكل جذري في بيتسبرغ، حيث أعاد ترامب من على منصة انتخابية تحمل شعارات “الصلب الأميركي” و”الوظائف الأميركية” تقديم الصفقة نفسها تحت مسمى جديد “استثمار أجنبي تحت رقابة وطنية”، موضحًا أن الاتفاقية المعدلة تمنح السلطة التنفيذية الأميركية سلطات فعلية في التعيينات والإنتاج وتتيح لها ما أطلق عليه “السيطرة الفعلية على الأمور”.
وصرح خلال زيارته قائلاً: “الصفقة تتحسن مع كل جولة من المفاوضات. اليابانيون يستثمرون المال، لكن الأميركيين هم من يحدد القواعد”. وأضاف بثقة: “هذه ليست صفقة بيع، بل شراكة مشروطة، تحت إشراف السلطة التنفيذية الأميركية، وبفوائد فورية للعمال”.
يعكس هذا التحول في موقف ترامب حسابًا دقيقًا بين المالية والإستراتيجية، إذ سعى إلى إعادة إطار السرد السياسي المحيط بالصفقة، بما يتماشى مع حملته الانتخابية التي تركز على فكرة “إعادة التصنيع” و”القيادة الماليةية من الداخل”، وفقًا لمراقبين.
بدلاً من الانسحاب أو التبرير، أظهر نفسه كمفاوض قوي استعاد التزامات من شريك أجنبي لصالح العمال المحليين، مضيفًا الصفقة إلى مشروعه الأوسع ل”إعادة بناء العمود الفقري الصناعي لأميركا”.
بالرغم من التصفيق والهتافات، أبدى بعض العمال تحفظاتهم، حيث قال جوجو بورجيس، عامل صلب وعمدة مدينة واشنطن في بنسلفانيا، لـ”بي بي سي” إنه ليس من المؤيدين لترامب “وصوتي للبقاء مع الديمقراطيين لعقدين، لكن إذا كانت هذه السياسات ستعيد التوازن للصناعة، فلن أعارضها”. وأضاف: “مررنا بطفرة مؤقتة بعد رسوم 2018.. ونأمل أن تكون هذه الصفقة أكثر ديمومة”.
ربح انتخابي أم مغامرة إستراتيجية؟
تمثل قرارات ترامب المتعلقة بالصلب مزيجًا من البراغماتية السياسية والنزعة الحمائية، حيث يستخدم هذا الملف لتعزيز موقعه الانتخابي في الولايات الصناعية المهمة مثل بنسلفانيا وأوهايو، معتمداً على خطاب قومي يتعهد فيه بإعادة أمجاد الصناعة الأميركية.
ومع ذلك، أنذر اقتصاديون ومحللون من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تبعات سلبية واسعة، مثل:
اندلاع حروب تجارية: حيث صرحت وكالة رويترز أن المفوضية الأوروبية أعربت عن “أسف شديد” تجاه قرار رفع الرسوم، مهددة بإجراءات انتقامية ينبغي أن تبدأ في 14 يوليو/تموز، مما ينذر بجولة جديدة من التوتر التجاري بين ضفتي الأطلسي.
زيادة تكاليف الإنتاج داخل أميركا: وفق تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ إيكونوميكس، فإن رفع الرسوم على الصلب سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة مشاريع البناء والبنية التحتية بنسبة تصل إلى 12%، نظرًا للاعتماد على واردات تشكل 17% من إجمالي استهلاك الصلب في البلاد.
انخفاض في الصادرات الأميركية: لفتت غرفة التجارة الأميركية إلى أن الرسوم المتبادلة قد تهدد نحو 1.2 مليون وظيفة في الصناعات التصديرية، خصوصًا إذا ردت دول مثل كندا والصين والاتحاد الأوروبي بإجراءات انتقامية.
وحسب مجلة “ذي إيكونوميست”، فإن هذه السياسات “قد تمنح ترامب دعمًا لحظيًا في الولايات الصناعية، لكنها تُقوّض النظام الحاكم التجاري العالمي، وتخلف مناخًا من الشك يصعب احتواؤه لاحقًا”.