في فجر 17 يناير 1991، استهدفت أميركا بغداد بصواريخ “توماهوك”، مما أسفر عن دمار هائل وزعم الأميركيون أن الضربات ستقوض نظام صدام حسين. ومع أن الحملة الجوية استمرت 43 يومًا، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها، وبقي صدام في الحكم لنحو 12 عامًا أخرى. يوجد دلالات على أن الهجمات الإسرائيلية ضد إيران تهدف إلى زعزعة النظام الحاكم، مشابهةً لتجربة العراق. وفقًا للدراسات، قوة القصف الجوي وحدها لا تسقط الأنظمة، بل تتطلب ضغطًا بريًا متزامنًا لتحقيق الأهداف السياسية. يظهر تاريخ القصف أن الإكراه الجوي بلا استراتيجية شاملة يصبح مجرد استعراض للقوة بلا فائدة.
في بغداد، كان الفجر في يوم 17 يناير/كانون الثاني 1991، بمثابة جرس إنذار لا لإعلان بداية يوم جديد، بل لنهاية حقبة قديمة، كما اعتقد الأمريكيون. استيقظت المدينة على وهج مستمر في السماء، تقطعه أصوات صواريخ “توماهوك” وهي تمر فوق نهر دجلة كسهام متلألئة، قبل أن تنفجر في أهدافها منتجة سحبًا من الدخان الفوسفوري الذي عانى منه العراقيون لعقود طويلة بعد ذلك.
على أسطح المنازل، كان الناس يتمعنون في مشهد الطائرات الأمريكية وهي تلقي بحمولات غير محدودة من القنابل “الذكية”، بينما كانت تصريحات النظام الحاكم العراقي تصر على أن العدو سيتقهقر عن أبواب بغداد.
اعتقد المخططون في البنتاغون أن هذه الضربات الجوية، التي استمرت 43 يومًا، ستؤدي إلى تدمير الشبكات الكهربائية والجسور ومقار حزب البعث، وتُحدث شرخًا يؤدي إلى الإطاحة بصدام حسين أو إلى انقلاب ضباطه عليه.
إلا أن هنالك خيبة أمل عميقة؛ فعندما خمد صوت الطائرات وتم الإعلان عن وقف إطلاق النار، خرج صدام من ملجأه المحصن، وتمشى في الأزقة المليئة بالغبار، سيجارته بين أصابعه وابتسامة التحدي ترتسم على وجهه، وكأنما كان يقول إن السلطة لا تؤخذ من الجو. بقيت صوره معلقة على المباني المتضررة، وظل نظامه يمسك بزمام الحكم في العراق لاثني عشر عامًا إضافية.
تشبه الحالة العراقية ما يأمله الإسرائيليون تجاه إيران. فقد بدأت الحملة الجوية الإسرائيلية ضد إيران فجر يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران، حيث صرحت السلطة التنفيذية الإسرائيلية رسميا أن الهدف هو “كبح القدرات الإيرانية ومنع التهديدات المباشرة لإسرائيل”، مشددة على برنامج إيران النووي، وزاعمة أن إيران كانت قريبة جدًا من تصنيع قنبلة نووية.
لكن هناك دلالات ميدانية ورمزية تثير تساؤلات جدية حول النوايا الحقيقية وراء التصعيد الإسرائيلي، والتي تتجاوز بوضوح القضية النووية.
فطبيعة الأهداف، بما في ذلك عمليات اغتيال واسعة لمسؤولين إيرانيين، وتوسيع نطاق الهجمات لتشمل منشآت عسكرية غير مرتبطة بالبرنامج النووي، بالإضافة إلى أماكن إدارية ومدنية، يعزز الفكرة بوجود أهداف أكبر لهذه العملية، وهو ما يتضح أيضًا من الاسم “الأسد الصاعد” الذي أطلقته إسرائيل على عمليتها؛ وهو اسم يرمز للأمل في استعادة ماضي إيران غير البعيد.
وقد نوّه رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، هذا المعنى عندما دعا الشعب الإيراني إلى الثورة ضد حكومته، ملوحًا باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، مما يعني أن الضربة الإسرائيلية صُممت منذ البداية لتقويض النظام الحاكم الإيراني، ولو جزئيًا.
تفسر العديد من التحليلات، سواء في إسرائيل أو خارجها، أن استهداف مراكز القيادة الإيرانية يحمل في طياته نية “زعزعة الوضع الداخلي”، على أمل أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام الحاكم ذاتيًا أو تسهيل انقلاب داخلي. إنها استراتيجية تراهن، كما في تجارب تاريخية عديدة، على فعالية الإكراه الجوي لتحقيق مكاسب سياسية كبيرة دون الحاجة لتدخل بري أو معارك شاملة.
هل يكفي الضغط الجوي لإجبار النظام الحاكم الإيراني على التراجع أو السقوط؟ وهل تستوعب إسرائيل دروس التاريخ عندما تعتمد على مثل هذه الطموحات الجريئة في أجواء الحرب؟
ثلاثة أوجه للقصف
في كتابه “القصف من أجل الفوز: القوة الجوية والإكراه في الحرب”، الذي نُشر قبل حوالي عشرين عامًا، والذي لم يُلقَ بالًا له باللغة العربية، يحلل أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو الأمريكية روبرت بيب (Robert Pape) التصور السائد حول قدرة القصف الجوي وحده على إسقاط الأنظمة المعادية أو حتى إكراه العدو على تغيير سلوكه السياسي، وهو التصور الذي تقبله العديد من القوى الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية.
بعد دراسة أربعين حملة قصف جوي خلال الفترة من الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) حتى حرب الخليج الأولى عام 1991، توصل بيب إلى نتيجة مفادها أن الغارات الجوية نادراً ما تحقق أهدافًا سياسية كبرى بمفردها. فهي قد تُضعف العدو أو تؤخر تقدمه، لكنها لا تجبره على الاستسلام أو تقديم تنازلات جوهرية، ما لم ترفق بضغط عسكري بري أو تهديد وجودي مباشر.
يفصل بيب في تحليله بين ثلاثة استراتيجيات رئيسية لاستخدام القوة الجوية، لكل منها منطقها وأهدافها، ولكن فعالية كل منها تعتمد على طبيعة المواجهة. الأولى هي إستراتيجية العقاب (Punishment)، حيث يهدف القصف إلى استهداف البنية التحتية المدنية والأفراد، لرفع تكلفة الحرب على المواطنون ودفعه إلى الضغط على القيادة السياسية للتراجع أو الاستسلام. في هذه الحالة، تراهن القوة المعتدية على إحداث إرهاق اجتماعي وتحويل السخط إلى أداة ضغط داخلي.
يُفرّق بيب ضمن إستراتيجية العقاب بين نمطين: الأول هو “العقاب الأقصى” الذي يستهدف تدمير واسع وشامل للمناطق السكنية والتجارية، مستخدمًا ذخائر حارقة وهجمات ليلية مكثفة. أما الثاني، فهو العقاب التدريجي أو “حملة مخاطر” يتم فيها تصعيد القصف تدريجيًا من أهداف مدنية إليها أهداف أكثر إيلامًا، مع وجود فترات توقف تتيح الفرص الدبلوماسية.
أما الإستراتيجية الثانية فهي إستراتيجية الحرمان (Denial)، وتركز على استهداف القدرات العسكرية واللوجستية للعدو، بهدف منعه من استغلال هذه القدرات لتحقيق مكاسب ميدانية أو استمرار العمليات القتالية. وبالتالي، تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقويض قدرة العدو المادية على تحقيق النصر، مما يُضعف إرادته للاستمرار في القتال.
وأخيراً، الإستراتيجية الثالثة هي قطع الرأس (Decapitation)، وتركز على توجيه ضربات دقيقة إلى مراكز القيادة والسيطرة، أو اغتيال القادة السياسيين والعسكريين، بهدف إرباك منظومة الحكم وتعطيل سلسلة القيادة، مما يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار أو انهيار مبكر للبنية القيادية.
في الحالة الإيرانية، توضح الضربات الجوية الإسرائيلية ميلاً إلى دمج استراتيجيات العقاب والحرمان وقطع الرأس، دون انتماء واضح لأحدها. ومع أن هذا التنوع قد يمنح الحملة الجوية شمولية ويعزز قدرتها على تحقيق أهدافها، فإن هذا “التشتت” يقلل من فاعلية “الإكراه الجوي”، كما يكشف عدم وجود استراتيجية متكاملة أصلاً.
ولن تختلف الضربات الإسرائيلية عن نظيرتها الأمريكية من حيث التأثير، حتى وإن اختلفت في الحدة. فقد أظهرت الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وإصفهان النووية، النطاق الجغرافي التي تستطيع القوة الجوية الأمريكية بلوغها.
فقد نفذت سبع قاذفات شبحية من طراز B-2 رحلةً ذهابًا وإيابًا بطول 14 ألف ميل، انطلاقًا من ميزوري، وألقت 14 قنبلة خارقة للتحصينات بوزن 30 ألف رطل كل منها، بينما أطلقت غواصة صواريخ توماهوك، وقدمت أكثر من 125 طائرة أخرى حماية جوية، وتزود بالوقود.
ومع غارة بهذا التعقيد والدقة، قد يخطر للبعض أن النتائج ستكون مختلفة. لم يحقق التفوق الجوي الأمريكي انتصارات حاسمة في العراق أو أفغانستان أو حتى في الحملة ضد جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن. تبقى السيطرة على الأراضي وإعادة بناء الدول مهمتين أساسيتين – ومكلفتين سياسيًا – لا تستطيع الضربات الجوية وحدها إنجازهما.
هذا ما لفت إليه ماكس بوت، المؤرخ والخبير في الجغرافيا السياسية في مقال نشره على موقع مركز العلاقات الخارجية الأمريكي. يرى بوت أن إيران، على الأرجح، لن ترضخ أو توقع على استسلام غير مشروط كما يطلب ترامب.
يؤكد بوت أيضًا أن طهران تستطيع كسب الوقت وتنفيذ ردود فعل محدودة، ثم إصلاح منشآتها النووية أو إعادة تشغيلها. لا جدوى من الاعتماد على غضب شعبي يطيح بالنظام الحاكم، فالشعوب تحت القصف تميل عادةً للالتفاف حول حكوماتها بدلاً من الإطاحة بها.
حسب تحليل بيب للعشرات من حملات القصف عبر التاريخ، يُعتبر “إستراتيجية الحرمان” الأكثر نجاحًا، بشرط أن تُنفذ بدقة، تستهدف مفاصل القوة العسكرية للعدو مثل مراكز القيادة، وخطوط الإمداد، أو البنية اللوجستية. أما ضرب الرموز أو المدنيين بمعزل عن إعاقة قدرة العدو الفعلية، فإنه غالبًا لا يؤدي إلى التراجع أو تقديم تنازلات، بل قد يعزز تماسك النظام الحاكم داخليًا ويزيد من تأييد الشعب للقادة السياسيين.
يستشهد روبرت بيب بأدبيات علم الاجتماع، التي تُشكك في فعالية إستراتيجية العقاب، وخاصة تلك التي تتوقع أن المعاناة ستحفز الشعوب للضغط على أنظمتها.
الدراسات تُظهر أن الحرمان قد يثير إحباطًا فرديًا، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تمرد جماعي أو ثورة، لأن الشعوب تحتاجة إلى شعور عميق من الاغتراب السياسي، وليس مجرد ألم معيشي. غالبًا ما يُنتج القصف، كما تظهر الأبحاث، غضبًا مستهدفًا تجاه المهاجم وليس النظام الحاكم، ويحفز استجابات تركز على البقاء وليس المقاومة.
الإكراه لا الإخضاع
يبني روبرت بيب نظريته حول استخدام القوة الجوية على مبدأ بسيط لكنه حاسم: المسألة لا تتعلق فقط بامتلاك القدرة على توجيه الضربات، بل بكيفية توظيف هذه القدرة بأفضل شكل لتحقيق تغيير في سلوك الخصم. القصف ليس ضمانة للنجاح إذا لم يتم استخدامه في إطار استراتيجية جماعية تراعي طبيعة العدو وأهدافه وحدود ما يمكن تحقيقه.
يتميز بيب بين مفهومين أساسيين: الإكراه (Coercion) والإخضاع عبر القوة الغاشمة (Brute Force). يشير الإكراه إلى استخدام القوة للتأثير على سلوك العدو دون تدميره تمامًا، من خلال تعديل حساباته بشأن التكلفة والفائدة، أي من خلال دفعه لإعادة التفكير في أفعاله برفع تكلفة استمراره في سلوك ما، أو تقليل الجدوى مما يقوم به، دون الحاجة إلى تجريده من قدراته نهائيًا.
في حالة الإكراه، يبقى العدو قادرًا على القتال أو المقاومة، لكنه يختار التراجع لأن تكلفة القتال تفوق العوائد المحتملة. بينما الإخضاع يعني ببساطة تدمير العدو تمامًا حتى يفقد قدرته على المقاومة، كما هو الحال في اجتياح بلد وإنهاء جيشه ونظامه بشكل كامل.
تكمن ميزة الإكراه في أنه يمكن تحقيق أهداف سياسية دون الحاجة إلى نصر عسكري شامل، عبر دفع الخصم لتقديم تنازلات بأقل تكلفة ممكنة، خاصة للطرف المعتدي. وبالمقابل، تمثل القوة الغاشمة نهجًا يقوم على تدمير العدو عسكريًا أولًا، ثم فرض الشروط السياسية عليه وهو في حالة عجز تام. في هذا النموذج، تكون السلطة التنفيذية المهزومة قد فقدت كل قدرة تنظيمية على المقاومة، ولذا لا يمكن الحديث عن إقناع أو ضغط، لأن الخصم لن يستطيع الرفض.
في هذا السياق ينتقد بيب بعض المدارس الحديثة للقوة الجوية التي تتعلق بإمكانية حسم المعارك من الجو، مؤكداً على أن النجاح في الإكراه العسكري لا يُقاس فحسب بمدى القدرة على الضرب، بل أيضًا بمدى فهمك لأهداف العدو وسبل منعه من الوصول إليها بتكاليف أقل.
هنا يبرز ما يسمى بـ “الإكراه عبر الحرمان”، وهو نوع من الضغط العسكري الذي يهدف إلى منع العدو من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وليس مجرد إلحاق الأذى به. الهدف ليس إيذاء الخصم عمدًا، بل جعل أي أمل لديه لتحقيق النجاح العسكري يبدو مستحيلًا، وإظهار أن تكاليف الاستسلام أقل من تكاليف المقاومة، مما يدفعه إلى إعادة تقييم الموقف والتراجع بمحض إرادته.
عندما يدرك العدو أن استمرار القتال لن يجلب له أي مكاسب، بل سيؤدي إلى خسائر فادحة أو مسار مسدود، قد يختار الانسحاب بغض النظر عن انهيار سياسي أو تدمير شامل. وهكذا تتحقق أهداف الحرب بتكلفة أقل على كلا الجانبين. كما أن هذا النوع من الإكراه يوفر للخصم طريقًا للخروج من الأزمة دون إذلال، مما يزيد من فرص نجاحه في النزاعات المعقدة مقارنة بالقصف العقابي أو محاولات الإخضاع المباشر.
على الرغم من دقة القصف الجوي، فإنه لم يؤدِ في أي حالة موثقة إلى إسقاط نظام حكم بمفرده، إذ غالبًا ما يتطلب ذلك غزوًا بريًا أو انهيارًا داخليًا حاسمًا. في أفضل الأحوال، قد يؤدي القصف إلى تراجع القيادة العسكرية أو التوقيع على هدنة لحماية ما تبقى لهم، لكنه نادرًا ما يُفضي إلى التخلي عن السلطة أو تغييرات جذرية في الإستراتيجية.
تؤكد أمثلة أكثر حداثة هذا الاتجاه، مثل ما حدث في ليبيا بعد بدء الثورة ضد معمر القذافي في فبراير/شباط 2011، حيث إن الضربات الجوية لم تكن كافية لإسقاط نظام القذافي دون الإنجازات التي حققها المقاتلون المعارضون له على الأرض.
يُفسر بيب هذا النمط من خلال معادلة اتخاذ القرار في الدول الخاضعة لضغوط قصوى، موضحًا أن القادة، وخاصة في الأنظمة الدكتاتورية أو التعبوية، يدركون جيدًا أن الاستسلام تحت ضغط القصف لا يعني فقط هزيمة سياسية، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لبقائهم الشخصي وربما حياتهم. ومن هنا، يفضل العديد منهم الاستمرار في القتال رغم التكاليف، على أمل الصمود أو قلب المعادلة لاحقًا، خصوصًا في غياب الضغوط البرية.
المطرقة وحدها لا تكفي
يستحضر بيب أمثلة عدة تدعم وجهة نظره، فعلى سبيل المثال، في حرب فيتنام، قامت الولايات المتحدة بشن حملتين جويتين رئيسيتين ضد الشمال، بهدف إجبارهم على التوقف عن تسريب مقاتليهم والإمدادات إلى الجنوب، وإجبار هانوي على التفاوض من أجل تسوية سلمية.
كانت الحملة الأولى تُعرف باسم “الرعد المتدحرج” (Rolling Thunder) خلال فترة حكم القائد جونسون. وركزت فيها الولايات المتحدة على تصعيد الضربات الجوية تدريجيًا، مستهدفةً البنية الصناعية وأحيانًا منشآت مدنية.
انتقلت هذه الحملة بين ثلاث استراتيجيات دون التزام محدد بإحداها: العقاب عبر ضرب أهداف مدنية، الحرمان من خلال استهداف القدرات العسكرية واللوجستية، والتصعيد الرمزي لإرسال رسائل الضغط السياسي.
غير أن الحملة فشلت في تحقيق أهدافها، إذ كانت فيتنام الشمالية تعتبر دعم الجنوب قضية وطنية لا يمكن التنازل عنها، وأظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع القصف نظراً لبساطة بنيتها التحتية، ودعمها العسكري المتواصل من الصين والاتحاد السوفياتي.
أما الحملة الجوية الثانية “لاينباكر” (Linebacker)، فكانت أكثر تركيزًا على إضعاف القدرات الميدانية من خلال هجوم تقليدي واسع، وحققت نجاحًا نسبيًا لأنها تزامنت مع ضغط بري جنوبي وتطور في المواجهة.
يؤكد بيب أن النجاح النسبي لهذه الحملة لم يكن ناتجًا عن دقة الضربات فحسب، بل نتيجة تطابق الاستراتيجية الأمريكية مع نقاط الضعف الحقيقية للعدو، على عكس الحملة الأولى التي استهدفت المدنيين والهياكل الضعيفة دون التأثير الفعلي على قدرة العدو على القتال.
الدروس الأساسية المستفادة من حرب فيتنام، كما يراها بيب، هي أن القصف الجوي وحده، حتى وإن كان مكثفًا، لا يكفي لتغيير القرار السياسي للخصم، ما لم يُدمج ضمن إستراتيجية متكاملة تقضي بإضعاف قدرة العدو على القتال وتعرضه لخسائر حقيقية في ساحة المعركة.
أما في حرب الخليج الثانية (1991)، فقد اعتمدت الولايات المتحدة على حملة جوية ضخمة استمرت ستة أسابيع تحت اسم عملية “الرعد الفوري”، حيث بدأت بالتساؤل عن إمكانية فصل أسهم قطع الرأس، مرتكزةً على حسم المواجهة جويًا فقط، عبر استهداف القيادة العراقية ومراكز الاتصال والاستقرار والبنية التحتية الحيوية. ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بشبكات الطاقة والنفط والاتصالات، لم تتمكن هذه الحملة من تحقيق أهدافها، كما لم تؤدِّ إلى أي تمرد داخلي أو انهيار النظام الحاكم.
ومع تعثر المرحلة الأولى انتقل التحالف إلى استراتيجية “الحرمان”، التي انطلقت فعليًا في الإسبوع الثاني، مركزةً على إضعاف قدرة العراق، عبر تدمير خطوط الإمداد ومهاجمة القوات والمعدات بدقة. ورغم نجاح هذه الاستراتيجية في تفكيك بنية القوات المسلحة العراقي، فإنها لم تُجبر صدام حسين على الانسحاب إلا بعد تهديد حقيقي باجتياح بري واسع.
يظهر بيب أن هذه التجربة تُبرز بوضوح أن إستراتيجية الحرمان هي الأكثر فاعلية في الإكراه الجوي مقارنة بالعقاب أو حتى قطع الرأس. كما تُبرز أهمية الجمع بين “المطرقة الجوية” و”السندان البري” حيث تؤدي القوة الجوية دورًا حاسمًا فقط عندما تُساندها قوة برية تضيق الخناق على العدو وتجعل خياراته محدودة.
يشير بيب أيضًا إلى الحملة الجوية الواسعة ضد ألمانيا النازية بين عامي 1942 و1945، فرغم القصف الكارثي للمدن مثل هامبورغ ودريسدن، وما أدي إلى مئات الآلاف من القتلى ودمار كبير للبنية التحتية، فإن النظام الحاكم النازي لم ينهار وظل يحارب حتى اجتاحت القوات السوفياتية برلين في الأيام الأخيرة للحرب.
تكررت هذه الصورة في اليابان، حيث نفذت القوات الأمريكية حملة جوية عنيفة شملت قصف طوكيو وتدمير المدن الكبرى، culminating in the dropping of atomic bombs on Hiroshima and Nagasaki. ومع ذلك، لم تسلم القيادة اليابانية إلا عندما أصبح الغزو البري وشيكًا، وعقب إعلان الاتحاد السوفيتي دخول الحرب ضدها، مما أجهض أي آمال في إمكانية الصمود أو التفاوض من موقع قوة.
تدعم هذه الأمثلة فرضية بيب المركزية بأن القصف الجوي، مهما بلغت شدته، لا يكفي وحده لإسقاط الأنظمة السياسية أو إقناعها بالتراجع، ما لم يُقترن بضغط بري مكثف أو تهديد وجودي شامل، وقد أدى غياب هذا “السندان البري” إلى تحويل العديد من الحملات الجوية إلى أدوات استنزاف بلا تأثير استراتيجي حاسم.
