انتهت الحرب الإسرائيلية على إيران موجّهة مشاعر إنجاز عسكري وسياسي، مما أثار تكهنات حول تأثيرها على الاستحقاق الديمقراطي المقبلة. تعالت مدعاات من دونالد ترامب لمنح نتنياهو العفو عن محاكمته، ما أثار سخط الإعلام الإسرائيلي. رغم ذلك، استمر المواطنون في التعبير عن قلقهم إزاء خطط السلطة التنفيذية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن الشعبية تركزت على القوات المسلحة والموساد وليس على نتنياهو. بينما ارتفعت نسبة الثقة في المؤسسات الدفاعية، أظهرت استطلاعات أخرى أن دعم الحزب الليكود بقيادة نتنياهو لم يتغير، مما يجعل تشكيل ائتلاف مستقبلاً صعبًا، مع تركيز كبير على الوضع في غزة.
المشهد الإسرائيلي
27/6/2025–|آخر تحديث: 21:40 (توقيت مكة)
انتهت الحرب الإسرائيلية على إيران بمشاعر قوية بالإنجازين العسكري والسياسي، مما دفع البعض للاعتقاد أنها قادرة على طمس إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووُجد العديد ممّن رأوا تصرفات نتنياهو ووزرائه وتعليقاتهم حول هذا الإنجاز كأنه تمهيد لمعركة انتخابية قريبة، خاصة مع الأزمات التي يواجهها الائتلاف مع الحريديم.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات القائد الأميركي دونالد ترامب حول ضرورة إنقاذه لنتنياهو بعد أن أنقذ إسرائيل، معربًا عن رغبة في إلغاء محاكمته بتهم الفساد أو إصدار عفو عام عنه. من جهته، أبدى ترامب انزعاجه من استمرار ملاحقة أحد أفضل رؤساء وزراء إسرائيل في زمن الحرب، مضيفًا أن الولايات المتحدة أنقذت إسرائيل، والآن يجب إنقاذ بيبي نتنياهو. لكن يبدو أن الإنجازات العسكرية في واد، وموقف الجمهور الإسرائيلي تجاه نتنياهو وحكومته في واد آخر، كما تظهر استطلاعات الرأي ومواقف الإعلام.
واعترضت العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية على اقتراح ترامب، معتبرةً إياه تدخلًا في الشؤون القانونية للدولة. أما قضاة المحكمة المركزية التي تجري فيها محاكمة نتنياهو، فقد رفضوا الطلب بتأجيل المحاكمة لأسبوعين لانشغاله بقضايا سياسية وأمنية مركزية. ومع ذلك، رحب رئيس المحكمة العليا السابق، القاضي أهرون باراك، بفكرة العفو عنه. وفي سياقٍ متصل، تناقلت الصحف معلومات عن خطة كبرى تُعدّها أميركا بالتعاون مع نتنياهو لإنهاء الحرب في غزة وتوسيع اتفاقيات أبراهام، تشمل رؤى لإنشاء دولة فلسطينية. ويسعى نتنياهو لزيارة واشنطن لبحث الخطة من جهة، ولتنظيم “حفل انتصار” مشترك بعد الحرب مع إيران. وقد أثار هذا الحديث غضب الليكود وسُمّوتريتش وبن غفير، وذهب البعض إلى القول إن ممارسته لهذا الاتجاه ستؤدي إلى سقوط حكومته في غضون عشر دقائق.
قاتَلنا بشراسة
وفي مقطع فيديو نشره مكتبه، صرح نتنياهو أن “مصادرنا تقول أن الله سيمنح شعبه القوة، وسينعم الله على شعبه بالسلام”. ونوّه أننا واجهنا إيران بشراسة، وحققنا نصرًا كبيرًا، مما يعطي فرصة لتوسيع اتفاقيات السلام بشكل كبير. وواصل قائلاً إننا نبذل جهودًا لتحقيق ذلك، بالإضافة لإطلاق سراح رهائننا وهزيمة حماس، فهناك فرصة نبغي عدم إضاعتها. وشكر نتنياهو القائد ترامب على اقتراحه بشأن إلغاء محاكمته، مشددًا على تقديره لدعمه الكبير لإسرائيل والشعب اليهودي، ونوّه أننا سنستمر بالعمل معًا لهزيمة أعدائنا المشتركين وتحرير رهائننا وتوسيع السلام بسرعة. وأيد القائد الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ فكرة العفو عن نتنياهو.
بن كسبيت في “معاريف” كتب: “إن طلب القائد الأميركي بوقف محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي، مهما بدا مثيرًا للسخرية (لأنه بطل!!) يحول النقاش حول نجاح أو فشل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، المدفوع بتسريب تقرير سري للغاية من هيئة الطاقة النووية الأميركية للأميركيين، كما أن الواقع المؤلم هو أن ترامب قد بدأ بالفعل برفع العقوبات الأميركية القاسية على إيران، بما في ذلك صلاحية تصدير النفط إلى الصين.”
أما افتتاحية “هآرتس” يوم الجمعة، فاعتبرتها تدخلًا فظًا في الشؤون الداخلية للدولة الإسرائيلية، حيث دعا ترامب بإلغاء محاكمة بنيامين نتنياهو أو منحه العفو. وقد عُرف رأي ترامب في سلطة القانون والمؤسسات الديمقراطية، وليس مفاجئًا أن أحدهم -يمكن التخمين بشأنه- أراد إقناعه بالتدخل لإلغاء المحاكمة. ولفتت الصحيفة إلى أن ترامب أخطأ بتدخله في هذا الأمر، نظرًا لما يمكن أن يضعف إنفاذ القانون الإسرائيلي ويُعمق الاستقطاب، مما يجعل إسرائيل تبدو كدولة تابعة. واعتبرت أن على القائد هرتسوغ عدم الاستسلام للضغوط وأن لا يمنح العفو، لأن “نتنياهو يُحاكم على اتهامات خطيرة عليه أن يتحمل عواقبها”. ونوّهت أن المحكمة هي الجهة الوحيدة المختصة لاتخاذ القرار في ما إذا كان نتنياهو مذنبًا في الرشوة، التزوير، وخيانة الأمانة أم لا.
ووفقًا لاستطلاعات الرأي أثناء الحرب على إيران وبعدها، فقد لوحظ أن هذه الحرب لم تحسن كثيرًا من صورة نتنياهو، حيث ذهبت التقديرات بشكل رئيسي إلى القيادة العسكرية وسلاح الجو والموساد، وقليل جدًا منها إلى نتنياهو وحكومته. وكشف استطلاع دوري أجرته مركز دراسات الاستقرار القومي في جامعة تل أبيب عن ارتفاع ملحوظ في ثقة الجمهور بالمؤسسات الدفاعية والسياسية منذ بدء الحملة ضد إيران، مع تأييد غالبية الجمهور لهذه الحرب. ومع ذلك، أعرب حوالي 70% من المستطلعة آراؤهم عن قلقهم إزاء تطورات الحملة، ويعتقد ما يقرب من نصفهم أن السلطة التنفيذية تفتقد إلى خطة لإنهائها. وزادت نسبة الثقة في القوات المسلحة الإسرائيلي إلى حوالي 82%، مقارنةً بـ75.5% في مايو/أيار 2025. كما ارتفعت نسبة الثقة في السلطة التنفيذية إلى 30%، مقارنةً بـ21% في الفترة الحالية نفسه. وزادت الثقة في سلاح الجو إلى 83%، مقارنةً بـ71% في أبريل/نيسان، وللاستخبارات العسكرية إلى 74%، مقارنةً بـ61% في يناير/كانون الثاني 2024. ولا تزال نسبة الثقة في الموساد مرتفعة عند 81%. وحظي رئيس الأركان بزيادة ملحوظة في نسبة الثقة وصلت إلى 69% لدى الجمهور عامة، مقارنةً بـ56% في مايو/أيار، و81% لدى الجمهور اليهودي، مقارنةً بـ67.5%.
وذكر موقع “زمان إسرائيل” أن دراسة أجريت حول ما إذا كانت الحرب مع إيران قد أثرت على نيات التصويت في الاستحقاق الديمقراطي القادمة أظهرت أن الأغلبية الساحقة من الجمهور لم تغيّر رأيها. وحسب استطلاع أجرته “تاتيكا للأبحاث والإعلام”، فإن حزب الليكود سيفوز بأكبر عدد من النواب، ولكن، كما في الوضع السياسي قبل الحرب، لن يتمكن قيادته تحت نتنياهو من تشكيل ائتلاف. وبيّن الاستطلاع أن ائتلاف نتنياهو لن يحصل على أكثر من 52 مقعدًا لو جرت الاستحقاق الديمقراطي اليوم، بينما ستحصل أحزاب المعارضة الحالية باستثناء العرب على 57 مقعدًا. أما الأحزاب العربية مثل “القائمة الموحدة” و”الجبهة الديمقراطية للسلام والتغيير” فسيأخذون 11 مقعدًا.
ومعنى هذه النتائج هو أنه حتى في حالة عدم قدرة نتنياهو على تشكيل ائتلاف، فهو يحقق كتلة مانعة، مما سيجبر الكتلة الأخرى على تكوين ائتلاف إما مع “القائمة الموحدة”، أو التحالف مع الليكود، أو الذهاب نحو انتخابات إضافية.
كما شمل الاستطلاع مشاركين يهود وعرب، وتم تصنيفه حسب العمر والدين والجنس والمناطق في إسرائيل.
وأظهرت استطلاعات أخرى أن استطلاع تاتيكا كان الأكثر دعمًا لنتنياهو وائتلافه. حيث أظهر استطلاع معاريف الذي أجراه معهد لزار للبحوث أن الإنجاز الذي حققه نتنياهو وحزبه في الحرب قد تلاشى سريعًا. وجاءت خريطة المقاعد على النحو التالي: نفتالي بينيت 25 مقعدًا، الليكود 25، الديمقراطيون 11، إسرائيل بيتنا 9، شاس 9، يوجد مستقبل 8، المعسكر الرسمي 8، يهوديت هتوراة 7، عظمة يهودية 7، الموحدة 6، والجبهة 5. وبذلك، تملك المعارضة برئاسة بينيت 61 مقعدًا، بينما للائتلاف 48 مقعدًا وللكتلتين العربيتين 11.
ولفت الانتباه أن 49% من الجمهور اعتبروا أن إسرائيل لم تحقق نصرا في الحرب مع إيران، رغم تحقيق إنجازات ملحوظة. بينما اعتقد 30% أن النصر كان واضحًا، وقال 16% إن الدولة حققت إنجازات جزئية. وفيما يتعلق بغزة وما يجب أن تفعله إسرائيل حيالها، دعا 59% من الجمهور إلى السعي للوصول إلى اتفاق يعيد كافة المخطوفين مقابل وقف القتال، بينما أيد 34% مواصلة القتال للضغط على حماس لتحرير المخطوفين. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الجمهور (48%) يرى أن السبب القائدي وراء استمرار نتنياهو في القتال بغزة هو اعتبارات سياسية، في حين اعتبر 37% فقط أن الأمر يتعلق باعتبارات أمنية.
انتصار إسرائيل
وعلى الجانب الآخر، أظهر استطلاع “إسرائيل اليوم” و”مأجار موحوت” بعد الحرب على إيران أن 60% من الجمهور يعتقدون أن إسرائيل انتصرت، معتبرين أن 61% يرون أنه يجب إنهاء الحرب في غزة بسرعة. أما خريطة المقاعد فتوزعت كما يلي: الليكود 27، بينيت 23، شاس 10، الديمقراطيون 9، إسرائيل بيتنا 9، يوجد مستقبل 9، عظمة يهودية 8، يهديت هتوراة 7، المعسكر الرسمي 6، الموحدة 4، الجبهة 4، الصهيونية الدينية 4، في حين لا يتجاوز نسبة الحسم كل من الاحتياطيين 2.4 والتجمع 1.7. وبالتالي، يتساوى الائتلاف مع المعارضة يحصل كل منهما على 56 مقعدًا.
وفي وقت لاحق، يمكن لغادي آيزنكوت أن يقلب موازين القوى إذا تولى قيادة المعسكر بدلاً من بيني غانتس. في هذه الحالة، فإن خريطة المقاعد تصبح: الليكود 25، بينيت 21، المعسكر الرسمي 13، يوجد مستقبل 9، الديمقراطيون 9، شاس 9، إسرائيل بيتنا 8، يهديت هتوراة 7، عظمة يهودية 7، الموحدة 4، الجبهة 4، الصهيونية الدينية 4، بينما سيكون الاحتياطيون 2% والتجمع 1.7% خارج حدود النسبة المطلوبة. وفي هذه الحالة، تكون المعارضة 60 مقعدًا، بينما الائتلاف 52.
في جميع استطلاعات الرأي، يتضح أن الحرب على إيران، رغم الدعم الواسع لها، قد ذهبت إنجازاتها إلى القوات المسلحة والمؤسسات الاستقرارية، فيما بالكاد يُستفاد منها نتنياهو وحكومته. وقد ظلت الأنظار موجهة على الحرب الجارية في غزة، حيث يوجد الأسرى ويتساقط الجنود في الميدان.
