الوسم: من

  • كيف استطاع طفل صغير النجاة من الموت بعد سقوطه من الطابق الخامس عشر؟

    كيف استطاع طفل صغير النجاة من الموت بعد سقوطه من الطابق الخامس عشر؟


    نجا طفل في الثانية من عمره بأعجوبة بعد أن سقط من الطابق الـ15 في مبنى بولاية ميريلاند. الحادث وقع يوم 15 مايو عندما سقط الطفل من شرفة مزودة بزجاج واقٍ، حيث كانت والدته موجودة في المنزل. الشجيرات والمهاد النباتي أسهمت في تقليل شدة السقوط، مما أدى إلى إصابته بكسر في الساق وبعض الإصابات غير المهددة للحياة. تم نقله إلى المستشفى وهو في حالة مستقرة. التحقيقات مستمرة لفحص معايير السلامة في الشرفات الزجاجية. الحادث يذكر بحادث مشابه في الصين، حيث نجت فتاة من سقوط من الطابق الـ25.

    في حادثة أثارت دهشة كبيرة، نجا طفل عمره عامين من موت محقق بعد سقوطه من الطابق الـ15 لأحد المباني السكنية في منطقة وايت أوك بولاية ميريلاند الأميركية، وذلك بفضل شجيرات ومهاد نباتي امتصت قوة الاصطدام، مما خفف من حدة السقوط.

    وبحسب ما ذكرته شرطة مقاطعة مونتغومري، وقع الحادث يوم الخميس 15 مايو/أيار حوالي الساعة الثانية ظهراً، عندما سقط الطفل من شرفة مزودة بزجاج واقٍ بدلاً من درابزين، في مبنى يقع في شارع “أوك ليف درايف”.

    وأفادت المتحدثة باسم شرطة المقاطعة شيرا جوف أن والدة الطفل كانت في المنزل وقت الحادث، وأن التحقيقات ما زالت جارية لفهم الظروف الدقيقة للواقعة، دون توجيه أي اتهامات حتى الآن.

    من جهته، لفت ديفيد بازوس، مساعد رئيس خدمة الإطفاء والإنقاذ في مقاطعة مونتغومري، إلى أن سبب نجاة الطفل يعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها خفة وزنه وصغر حجمه، بالإضافة إلى امتصاص الشجيرات المحيطة بالمبنى لقوة السقوط. ونوّه أن هذه العوامل “ساهمت بشكل مباشر في نجاته المعجزة”.

    وأظهرت اللقطات أن الطفل سقط بين الشجيرات الكثيفة التي تقع أسفل المبنى، مما أدى إلى حدوث كسر في ساقه وبعض الإصابات الداخلية، لكنها لم تكن مهددة للحياة. وتم نقله فوراً إلى مستشفى محلي لتلقي الرعاية الطبية، ومن المتوقع أن يتعافى بشكل كامل.

    وصلت فرق الإطفاء والإنقاذ بسرعة إلى مكان الحادث، ووصفت حالة الطفل بأنها “مؤلمة” لكنها مستقرة. ونوّهت السلطات أن مثل هذه الحوادث نادرة جداً، وأن التحقيقات ستركز على فحص معايير السلامة في الشرفات الزجاجية.

    حادثة مشابهة

    تذكر هذه الحادثة واقعة مشابهة في الصين في مارس/آذار الماضي، عندما نجا فتاة في التاسعة من عمرها من الموت بعد أن سقطت من الطابق الـ25 لمبنى سكني في مدينة تانغشان بمقاطعة خبي، وهبطت على منصة في الطابق السابع. الأمر الملفت هو أن الطفلة لم تفقد وعيها رغم قوة السقوط، وكانت وحدها في المنزل عند وقوع الحادث.

    وبحسب التقارير الصينية، فإن الطفلة قامت بفتح النافذة بسبب شعورها بحرارة شديدة، ولم تكن تدرك أن إطار النافذة غير مثبت، مما أدى إلى انهياره بها وسقوطها.


    رابط المصدر

  • أمنستي تدعا الولايات المتحدة بفتح تحقيق في الهجوم الذي أسفر عن مقتل العشرات من المهاجرين في اليمن


    دعات منظمة العفو الدولية الولايات المتحدة بالتحقيق في ضربة جوية استهدفت مركزًا للمهاجرين في صعدة، حيث قُتل 68 شخصًا على الأقل في 28 أبريل/نيسان. وصفت المنظمة الضربة بأنها “انتهاك للقانون الدولي الإنساني” ومحتملة كجرائم حرب، مشددة على ضرورة التحقيق في الحادث. نوّهت الأمينة السنةة أنييس كالامار أن الهجوم أثار أسئلة حول التزام الولايات المتحدة بالقوانين الدولية. بينما صرحت القيادة العسكرية الأميركية الوسطى أنها تأخذ مزاعم الضحايا المدنيين بجدية. أضافت المنظمة أنه إذا ثبت وقوع إصابات مدنية، يجب تعويض الضحايا وأسرهم عن الانتهاكات.

    دعت منظمة العفو الدولية الولايات المتحدة إلى إجراء تحقيق في الضربة التي استهدفت مركزًا للمهاجرين في صعدة الفترة الحالية الماضي، وأسفرت عن مقتل العشرات. واعتبرت ذلك “انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني” وجريمة حرب.

    وأوضح الحوثيون في اليمن أن 68 شخصًا على الأقل قُتلوا جراء قصف أميركي استهدف مركز إيواء للمهاجرين الأفارقة في صعدة بتاريخ 28 أبريل/نيسان الماضي.

    ونوّهت منظمة العفو الدولية، استنادًا إلى تحليل للصور الملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية، أن “الهجمات الأميركية” على مجمع سجن صعدة استهدفت مركز احتجاز للمهاجرين ومبنى آخر في الموقع.

    ودعات بضرورة التحقيق في الغارة بوصفها “انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني”، حيث تفيد تقارير بمقتل وإصابة مئات الأشخاص نتيجة الضربات الجوية الأميركية على اليمن منذ مارس/آذار 2025.

    وقالت الأمينة السنةة لمنظمة العفو الدولية أنييس كالامار: “هاجمت الولايات المتحدة مركز احتجاز معروف يحتجز الحوثيون فيه المهاجرين الذين ليس لديهم وسيلة للاختباء”.

    وأضافت كالامار: “تثير الخسائر الكبيرة في أرواح المدنيين نتيجة هذا الهجوم تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد التزمت بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك قواعد الاحتياط والتمييز”.

    بينما لفتت المنظمة إلى أنها لم تستطع التحقق بشكل مستقل من عدد الوفيات، نوّهت أنه في حال ثبوت هذا العدد، فإن الغارة ستكون “الأسوأ” التي تلحق ضررًا بالمدنيين في هجوم أميركي واحد منذ غارة جوية على الموصل في العراق عام 2017.

    ودعات كالامار الولايات المتحدة بـ”إجراء تحقيق فوري ومستقل وشفاف في هذه الضربة الجوية وأي غارات جوية أخرى تسببت في سقوط مدنيين، وكذلك في تلك التي ربما انتهكت فيها قواعد القانون الدولي الإنساني”.

    وذكرت القيادة العسكرية الأميركية الوسطى (سنتكوم) في أعقاب الهجوم أنها “على علم بمزاعم تفيد بوقوع خسائر في صفوف المدنيين بسبب الضربات الأميركية في اليمن، وتأخذ تلك المزاعم على محمل الجد”.

    ولفت تقرير منظمة العفو الدولية أنه إذا نوّهت التحقيقات وقوع هجمات مباشرة على المدنيين أو هجمات عشوائية استهدفت أهدافًا عسكرية ومدنيين دون تمييز، وأسفرت عن مقتل أو إصابة مدنيين، فعليها “أن تُعتبر انتهاكات للقانون الدولي وجرائم حرب محتملة”.

    وأضافت المنظمة أنه “في حال تبين تضرر المدنيين، يجب أن يحصل الضحايا وعائلاتهم على تعويض كامل عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني”.

    في 15 مارس/آذار، بدأت واشنطن حملة غارات شبه يومية استهدفت الحوثيين، مما أدى إلى سقوط مئات القتلى، قبل أن يتم إعلان وقف الضربات الأميركية على اليمن والتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والحوثيين بوساطة عُمانية في 6 مايو/أيار.

    بعد اندلاع الحرب في غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأ الحوثيون في استهداف سفن في البحر الأحمر ترتبط بإسرائيل، مؤكدين أن ذلك يأتي دعمًا للفلسطينيين في القطاع.


    رابط المصدر

  • واشنطن تدافع عن اتفاقها مع الحوثيين وقائد عسكري ينبه من التهاون معهم


    وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال في مقابلة مع فوكس نيوز إن واشنطن لن تكرر تجربتها في العراق وأفغانستان، مشيرا إلى أهمية جهودها لحماية الملاحة ضد الحوثيين في اليمن. أنذر جيمس كيلبي من الاستخفاف بالحوثيين، مؤكدا أنهم يشكلون تهديدا. هيغسيث لفت إلى تركيز الولايات المتحدة على مصالحها الأساسية مثل إيران والصين بدلاً من تغيير النظام الحاكم في اليمن. صرح ترامب عن اتفاق مع الحوثيين لوقف الهجمات على السفن الأميركية مقابل وقف الضربات الجوية. الخارجية الأميركية نوّهت رغبة الحوثيين في التهدئة وتوقفهم عن القتال، مما يعكس تحركات أميركية مستقلة عن إسرائيل في المنطقة.

    قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في مقابلة مع فوكس نيوز إن الولايات المتحدة لن تقوم بتكرار ما حدث في العراق وأفغانستان، مشيرًا إلى أن واشنطن تعتبر تدخلها مع الحوثيين في اليمن لحماية الملاحة. من ناحيته، أنذر القائم بأعمال رئيس العمليات في البحرية الأميركية جيمس كيلبي من الاستهانة بالحوثيين، مؤكدًا أنهم يشكلون تهديدًا.

    وأضاف هيغسيث أنه إذا قررت واشنطن تخصيص وقتها لتغيير النظام الحاكم في اليمن، فلن تكون قادرة على التركيز على المصالح القائدية. وأوضح في هذا السياق: “لم ندمر الحوثيين تمامًا ولدينا أولويات أخرى نحتاج للتركيز عليها مثل إيران والصين”.

    ولفت وزير الدفاع الأميركي إلى أن القائد دونالد ترامب حدد هدف الحملة في اليمن “وهو أن نضع الحوثيين في موقف الاعتراف بنهاية دورهم”. ولفت إلى أن الحملة الأميركية في اليمن كانت متواصلة لتحقيق الأهداف العسكرية حسب قوله.

    وخلال جلسة نقاش بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي في العاصمة واشنطن، نوّه القائم بأعمال رئيس العمليات في البحرية الأميركية أن جيش بلاده يراقب عن كثب سلوك الحوثيين.

    وأضاف كيلبي: “من الخطأ الاعتقاد بأن العدو سيكون ساكنًا وسيواصل التصرف بنفس الطريقة. سيتغيرون في تكتيكاتهم. لذلك يجب علينا أن نراقب ذلك ونتوقع ما قد يتغير استعدادًا لذلك”.

    وتابع القائد العسكري الأميركي: “لقد لاحظنا زيادة في النشاط الحوثي. أحيانًا أسمع البعض يتحدثون عنهم بتهوين. إنهم ليسوا الصين، ولكنهم يمثلون تهديدًا، ويستهدفون سفننا. لذا، فإن فهم هذا وعدم التقليل من شأنه والاستعداد هو ما نركز عليه”.

    في تطور حديث، صرحت الولايات المتحدة منذ أسبوعين عن وقف ضرباتها ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، مقابل توقف الجماعة عن استهداف السفن الأميركية في المنطقة، وهي خطوة -بحسب المحللين- تعكس تحركًا أميركيًا منفصلًا عن إسرائيل في بعض القضايا الإقليمية.

    وخلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الكندي، صرح القائد الأميركي دونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين يقضي بتوقفهم عن استهداف السفن في البحر الأحمر مقابل توقف سلاح الجو الأميركي عن مهاجمة الجماعة. كما لفتت الخارجية الأميركية إلى استسلام الحوثيين وعدم رغبتهم في الاستمرار في القتال.


    رابط المصدر

  • اأنذروا من الإبادة الجماعية المحتملة التالية بعد غزة


    الإبادة الجماعية في غزة تكشف جوانب مظلمة من الطبيعة البشرية، حيث يُذبح المدنيون يوميًا تحت القصف والغارات. توجد في شمال سيناء شاحنات محملة بالمساعدات تتحمل الإهمال، بينما يعاني سكان غزة من المجاعة جراء حصار إسرائيل. رئيس الوزراء الإسرائيلي يصر على “الضربة النهائية”، معربًا عن تجاهله لمأساة الفلسطينيين. هذه الأحداث تمثل جزءًا من نمط تاريخي من الإبادة والاحتلال. صرخات الضحايا تنبهنا إلى عودة الوحشية الإنسانية، فتستدعي الحاجة للمقاومة الجماهيرية. تعكس الإبادة في غزة نفاق القيم الإنسانية التي نتمسك بها، في عصر يزداد فيه العنف والاستبداد.

    الإبادة الجماعية في غزة ليست غريبة. فهي تكشف عن جانب أساسي من الطبيعة البشرية، وتُعد إنذارًا مرعبًا بمصير العالم. يبعد معبر رفح النطاق الجغرافيي إلى غزة نحو 200 ميل عن مكاني الحالي في القاهرة.

    ترقد حوالي 2000 شاحنة في الرمال القاحلة لشمال سيناء بمصر، محملة بأكياس الطحين، وخزانات المياه، والطعام المعلّب، والإمدادات الطبية، والأغطية البلاستيكية، والوقود. وتظل هذه الشاحنات خاملة تحت شمس حارقة.

    على بُعد أميال قليلة في غزة، تُقتل العشرات من الرجال والنساء والأطفال يوميًا بالرصاص والقنابل، والغارات الجوية، وقذائف الدبابات، والأمراض المعدية، والسلاح الأقدم في الحصار: المجاعة. واحد من كل خمسة أشخاص يواجه خطر المجاعة بعد نحو ثلاثة أشهر من الحصار الإسرائيلي على الغذاء والمساعدات الإنسانية.

    صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يقوم بهجوم جديد يودي بحياة أكثر من 100 شخص يوميًا، أنه لا شيء سيوقف هذه “الضربة النهائية”، التي أطلق عليها اسم “عربات جدعون”. وقال: “لا سبيل لوقف الحرب، حتى لو أُعيد الرهائن الإسرائيليون المتبقون”. وأضاف: “إسرائيل تدمّر منازل أكثر في غزة”، والفلسطينيون “ليس لديهم مكان يعودون إليه”.

    وفي اجتماع مسرب مع مشرعين، قال نتنياهو: “النتيجة الوحيدة ستكون رغبة الغزيين في الهجرة خارج قطاع غزة، لكن المشكلة القائدية تكمن في العثور على دول تقبلهم”.

    أصبح الشريط النطاق الجغرافيي الذي يمتد تسعة أميال بين مصر وغزة خطًا فاصلاً بين الجنوب العالمي والشمال العالمي، حيث يفرّق بين عالم من العنف والوحشية، وصراع يائس يخوضه من تخلى عنهم الأثرياء.

    يمثل هذا الحد نهاية عالم تُحترم فيه القوانين الإنسانية، والاتفاقيات التي تحمي المدنيين، وأبسط الحقوق الأساسية. لقد دخلنا كابوس هوبزي، حيث يسحق الأقوياء الضعفاء، ولا تُستثنى فيه أي فظاعة، بما في ذلك الإبادة الجماعية، حيث تعود الهمجية الاستعمارية في الشمال العالمي لتجسد قرونًا من النهب والاستغلال.

    نعود زاحفين إلى أصولنا، الأصول التي لم تغادرنا قط، بل اختبأت خلف وعود جوفاء عن الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان. النازيون هم كبش الفداء المريح لتراثنا الأوروبي والأميركي المشترك من المجازر الجماعية، كما لو أن الإبادات الجماعية التي نفذناها في أميركا وأفريقيا والهند لم تحدث أبداً، بل كانت مجرد هوامش غير مهمة في تاريخنا الجماعي.

    في الواقع، الإبادة الجماعية هي عملة الهيمنة الغربية. بين عامي 1490 و1890، كان الاستعمار الأوروبي، بما في ذلك الإبادات الجماعية، مسؤولًا عن مقتل ما يصل إلى 100 مليون من السكان الأصليين، وفقًا للمؤرخ ديفيد إي. ستانارد. ومنذ عام 1950، وقعت حوالي عشرين إبادة جماعية، بما في ذلك في بنغلاديش وكمبوديا ورواندا.

    الإبادة الجماعية في غزة ليست استثناء، بل هي جزء من نمط متكرر. إنها تحذير لإبادات جماعية قادمة، خاصة مع انهيار المناخ وترك مئات الملايين للهروب من الجفاف والحرائق والفيضانات وفقدان المحاصيل وانهيار الدول والموت الجماعي.

    إنها رسالة مغمورة بالدماء منا إلى باقي العالم: لدينا كل شيء، وإذا حاولتم أخذه، فسوف نقتلكم. غزة تدفن كذبة التقدم البشري، وتدحض الأسطورة القائلة بأننا نتطور أخلاقيًا.

    فقط الأدوات تتغير. حيث كنا نضرب الضحايا حتى الموت أو نمزقهم بالسيوف، نحن اليوم نُسقط قنابل تزن 2000 رطل على مخيمات اللاجئين، ونرشّ العائلات بالرصاص من طائرات مسيّرة، أو نسحقهم بقذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة والصواريخ.

    الاشتراكي في القرن التاسع عشر، لويس أوغست بلانكي، على عكس معظم معاصريه، كان رافضًا للفكرة المحورية لدى هيغل وماركس بأن التاريخ البشري يسير في خط تصاعدي نحو المساواة والأخلاق العليا.

    حذّر من أن هذه “الإيجابية الساذجة” تُستخدم للظالمين لسحق المظلومين. وكتب بلانكي: “تتحول جميع فظائع المنتصر، وسلسلة هجماته الطويلة، ببرود إلى تطور دائم وحتمي، كما لو كان تطورًا طبيعيًا. لكن تسلسل الأمور البشرية ليس حتميًا كالعالم الطبيعي. يمكن تغييره في أي لحظة”.

    وحذّر من أن التقدم العلمي والتكنولوجي، بدلاً من كونه دليلًا على التقدم، يمكن أن يتحوّل إلى “سلاح رهيب في يد رأس المال ضد العمل والفكر”.

    وكتب: “الإنسانية لا تقف في مكانها أبدًا. إما أن تتقدم أو تتراجع. إذا تقدمت، فإنها تتجه نحو المساواة. وإذا تراجعت، فإنها تمر بكل مراحل الامتياز حتى تصل إلى العبودية، الكلمة الأخيرة في حق الملكية”.

    وأضاف: “لست من أولئك الذين يزعمون أن التقدم أمر مفروغ منه، أو أن البشرية لا يمكن أن تتراجع”. يُعرف التاريخ الإنساني بفترات طويلة من الجفاف الثقافي والقمع الوحشي.

    أدى سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى بؤس وقمع في أوروبا خلال العصور المظلمة، من القرن السادس إلى القرن الثالث عشر. ضاعت المعرفة التقنية، بما في ذلك كيفية بناء وصيانة القنوات. قاد الفقر الثقافي والفكري إلى فقدان جماعي للذاكرة. وطُمست أفكار العلماء والفنانين القدماء.

    ولم تبدأ النهضة إلا في القرن الرابع عشر، وكانت إلى حد كبير بفضل ازدهار الثقافة الإسلامية التي، عبر ترجمة أرسطو إلى اللغة العربية وغيرها، حفظت حكمة الماضي من الزوال. كان بلانكي يعرف ارتدادات التاريخ المأساوية.

    شارك بلانكي في سلسلة من الانتفاضات الفرنسية، منها محاولة تمرد مسلح في مايو/ أيار 1839، وانتفاضة 1848، وكومونة باريس – الانتفاضة الاشتراكية التي سيطرت على العاصمة الفرنسية من 18 مارس/ آذار إلى 28 مايو/ أيار 1871.

    حاول العمّال في مدن مثل مارسيليا وليون تنظيم كومونات مشابهة، لكنها فشلت قبل أن تُسحق كومونة باريس عسكريًا. نحن ندخل عصرًا مظلمًا جديدًا. لكن هذا العصر يمتلك أدوات العصر الحديث من مراقبة جماعية، والتعرف على الوجوه، والذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والشرطة العسكرية، وحرمان من الإجراءات القانونية، وانتهاكات للحريات المدنية، ليفرض ظلامًا وحكمًا تعسفيًا، وحروبًا لا تنتهي وفسادًا ورعبًا، وهي السمات المشتركة للعصور المظلمة. الثقة في خرافة “التقدم الإنساني” لإنقاذنا تعني الخضوع للقوة الاستبدادية.

    تظل المقاومة – من خلال الحشد الجماهيري، وتعطيل السلطة، خاصة في وجه الإبادة الجماعية – القادرة على إنقاذنا. تطلق حملات القتل الجماعي الوحشية الكامنة في كل البشر. فالمواطنون المنظم، بقوانينه وآدابه وشرطته وسجونه، هي أدوات قسرية تكبح هذه الوحشية.

    لكن إذا تم إزالة هذه العوائق، يصبح الإنسان- كما نرى مع الإسرائيليين في غزة- حيوانًا قاتلًا متعطشًا، يفرح بنشوة الدمار، حتى لو شمل النساء والأطفال. هذا ليس مجرد افتراض. لقد شهدت هذا في كل حرب غطيتها. نادرون من يكونون بمنأى عنه.

    احتل الملك البلجيكي ليوبولد الكونغو في أواخر القرن التاسع عشر باسم “التحضر” و”مكافحة العبودية”، لكنه نهب البلاد، متسببًا بموت نحو 10 ملايين كونغولي بسبب الأمراض والمجاعة والقتل.

    جوزيف كونراد التقط هذا التناقض بين ما نحن عليه وما نزعم أنه، في روايته “قلب الظلام” وقصته “موقع للتقدم”. في “موقع للتقدم”، يروي قصة تاجرين أوروبيين، كايرتس وكارلييه، أُرسلا إلى الكونغو، يدّعيان أنهما هناك لنشر الحضارة الأوروبية.

    لكن الملل، والروتين الخانق، وغياب أي ضوابط، يحوّلهما إلى وحوش. يتاجران بالعبيد مقابل العاج ويتشاجران على الطعام المؤن القليلة. في النهاية، يقتل كايرتس رفيقه الأعزل كارلييه. كتب كونراد عن كايرتس وكارلييه: “كانا شخصين تافهين وعاجزين تمامًا، لا تستقيم حياتهما إلا بفضل التنظيم العالي لحشود المواطنونات المتحضرة.”

    قليلون من يدركون أن حياتهم وجوهر شخصيتهم وقدراتهم وجرأتهم ليست سوى تعبير عن إيمانهم بأمان محيطهم. الشجاعة والثقة والاتزان؛ المشاعر والمبادئ؛ كل فكرة كبيرة أو صغيرة لا تنتمي للفرد، بل للجماهير: الجماهير التي تؤمن أعمى بقوة مؤسساتها وأخلاقها، بسلطة شرطتها ورأيها السنة. لكن التماس مع الوحشية الصافية، ومدى الطبيعة البدائية للإنسان، يزرع اضطرابًا عميقًا ومفاجئًا في القلب.

    فمع شعور المرء بأنه وحيد في نوعه، ومع إدراكه لوحدة أفكاره ومشاعره، ومع تصدع الحالة المألوفة التي تمنحه الأمان، يبرز الأجنبي -المجهول والخطير- باقتحام يربك الخيال ويختبر أعصاب المتحضّر، سواء أكان ساذجًا أم حكيمًا.”.

    إن الإبادة الجماعية في غزة قد فضحت كل الأقنعة التي نخدع بها أنفسنا ونسعى لخداع الآخرين. تسخر من كل قيمة ندّعي التمسك بها، بما في ذلك حرية التعبير. إنها شهادة على نفاقنا وقسوتنا وعنصريتنا.

    لا يمكننا، بعد تقديمنا مليارات الدولارات من الأسلحة، واضطهادنا من يعترضون على الإبادة الجماعية، أن نواصل إطلاق مزاعم أخلاقية يمكن أخذها على محمل الجد.

    من الآن فصاعدًا، ستكون لغتنا هي لغة العنف، ولغة الإبادة، وعواء الوحشية في هذا العصر المظلم الجديد، عصر تسود فيه قوة مطلقة، وطمع لا حدود له، وهمجية بلا رادع.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • سياسات ترامب تحدّ من تدفقسياسات ترامب تحدّ من تدفق السياح إلى الولايات المتحدة


    توقع السنةلون في قطاع السياحة الأميركي أن يكون عام 2025 نقطة انطلاق للتعافي من آثار جائحة كورونا، لكن الإحصائيات تشير لتراجع ملحوظ في عدد السياح الدوليين. ورغم تأكيدات القائد ترامب على انتعاش السياحة، يعزو المعنيون التراجع لسياساته مثل رفع الرسوم الجمركية وتشديد إجراءات الهجرة. كما تراجعت أعداد الكنديين المسافرين للولايات المتحدة بشكل حاد، في وقت تواجه فيه العلاقات الأميركية الكندية توترًا. وزادت المخاوف بين الزوار الأوروبيين بسبب إجراءات الدخول المشددة، مما أثر على الحجوزات. يأنذر مراقبون من تداعيات هذه السياسات على المالية الأميركي، حيث السياحة تلعب دورًا محوريًا في النمو الماليةي.

    في الوقت الذي يعلق فيه السنةلون في مجال السياحة الأميركي آمالهم على عام 2025 ليكون بداية التعافي من الأضرار الماليةية التي خلفتها جائحة كورونا، أظهرت الإحصائيات تراجعًا ملحوظًا في عدد السياح الدوليين مقارنة بالسنة الماضي.

    ورغم تصريحات القائد الأميركي السابق دونالد ترامب بأن السياحة في البلاد تشهد انتعاشًا، إلا أن المختصين في القطاع السياحي يختلفون معه، مشيرين إلى أن هذا التراجع مرتبط بشكل مباشر بمجموعة من السياسات التي اتبعتها إدارته.

    من أبرز تلك السياسات زيادة الرسوم الجمركية والانقطاع في إجراءات الهجرة وتدقيق النطاق الجغرافي، وهي خطوات أثرت سلبًا على تدفق الزوار وأسهمت في تراجع الولايات المتحدة كوجهة سياحية دولية.

    كرر ترامب دعوته لضم كندا إلى الولايات المتحدة بينما شدد كارني على أن كندا ليست للبيع (الأوروبية).

    “كندا ليست للبيع”

    تشهد العلاقات السياسية بين كندا والولايات المتحدة واحدة من أكثر مراحل التوتر في العقود الأخيرة، مما أثر بشكل مباشر على السياحة التي كانت دائمًا أحد أبرز جوانب التعاون بين البلدين.

    فعلى خلفية التصريحات المتزايدة من القائد الأميركي دونالد ترامب، وخصوصًا دعوته المتكررة لضم كندا كـ”الولاية رقم 51″، انخفض عدد الكنديين الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة بشكل حاد، وسط استياء شعبي كبير.

    وكان رئيس الوزراء الكندي السابق، جاستن ترودو، قد نوّه سابقًا أن “كندا لن تكون جزءًا من الولايات المتحدة”، ودعا مواطنيه في فبراير/شباط الماضي لاختيار بلادهم كوجهة رئيسية في خططهم السياحية. وقد تم تفسير حديث ترودو على أنه دعوة مباشرة لمقاطعة السفر إلى الولايات المتحدة، التي كانت وجهة مفضلة للسياحة.

    أما ترامب، فلم يتردد في استغلال أي مناسبة منذ عودته إلى البيت الأبيض لتكرار عرضه بضم كندا للولايات المتحدة. وكان أحدثها خلال استقباله في البيت الأبيض لرئيس الوزراء الكندي الجديد، مارك كارني، الثلاثاء الماضي، حيث قال “ما زلت أعتقد أن كندا يجب أن تكون الولاية رقم 51”. الرد الكندي جاء سريعًا وقاطعًا من كارني الذي نوّه أن “بلادنا ليست للبيع”.

    الكنديون يتخلون عن أميركا كوجهة سفر

    في مارس/آذار الماضي، أصدرت السلطة التنفيذية الكندية تحذيرًا لمواطنيها بشأن السفر إلى الولايات المتحدة، بعد أن صرحت الأخيرة عن إجراءات جديدة تتطلب تسجيل الأجانب الذين تزيد أعمارهم عن 14 عامًا إذا استمرت إقامتهم في الأراضي الأميركية لأكثر من شهر.

    يشمل ذلك الكنديين الذين كان بإمكانهم سابقًا الإقامة حتى 6 أشهر بدون تأشيرة، مما أثار مخاوف تتعلق بالخصوصية وأبرز مؤشرًا إضافيًا على تفاقم الأوضاع في العلاقات.

    أظهرت المعلومات الأخيرة لهيئة الإحصاء الكندية انخفاضًا في عدد المسافرين الكنديين عبر المنافذ البرية إلى الولايات المتحدة بنسبة 32% في مارس/آذار 2025، مقارنةً بالفترة الحالية نفسه من السنة المنصرم، بينما سجل السفر عبر الطيران تراجعًا بنسبة 13.5%. كما تراجعت الحجوزات المسبقة للرحلات الجوية من الولايات المتحدة إلى كندا لأشهر من أبريل/نيسان إلى سبتمبر/أيلول القادم بأكثر من 70%.

    يعتقد المراقبون أن الرسوم الجمركية المرتفعة على المنتجات الكندية دفعت مجموعة من الكنديين لإعادة تقييم زياراتهم إلى الأسواق الأميركية وتخفيف ارتباطهم بها، بعد أن كانت التسوق إحدى الأنشطة الترفيهية القائدية في خياراتهم داخل الولايات المتحدة.

    وفقًا لتقديرات جمعية السفر الأميركية، قد تكلف انخفاضًا بنسبة 10% فقط في أعداد الزوار الكنديين المالية الأميركي نحو 2.1 مليار دولار سنويًا. ونوّه جيف فريمان، القائد والمدير التنفيذي للجمعية، أن السياح الكنديين ينفقون في عطلاتهم ثلاثة أضعاف ما ينفقه المواطن الأميركي، مما يجعلهم “عنصراً أساسياً في الإنفاق السياحي”.

    إجراءات تُربك الأوروبيين

    على غرار الكنديين، يتردد الأوروبيون في زيارة الولايات المتحدة كوجهة سياحية، بعدما شهدت الأشهر الأخيرة تشديدًا في إجراءات الدخول، مما أدى لاحتجاز وترحيل بعض الزوار الأوروبيين، حتى من حاملي التأشيرات والإقامات القانونية.

    منذ لحظة أدائه اليمين الدستورية، بدأ القائد الأميركي في إصدار أوامر تنفيذية صارمة تتعلق بالهجرة، مما أدى إلى تكثيف الحملات ضد المهاجرين غير النظام الحاكميين، وزيادة الرقابة على التأشيرات، وتوسيع تدقيق الاستقرار عند المنافذ النطاق الجغرافيية والمطارات، بما في ذلك المسافرون القادمين من دول صديقة.

    وكان من أبرز حالات الترحيل، ما نشرته وكالة فرانس برس في مارس/آذار الماضي بشأن منع عالم فرنسي من دخول الولايات المتحدة، رغم تلقيه دعوة رسمية للمشاركة في مؤتمر علمي بولاية تكساس. ووفقًا للوكالة، خضع العالم لتفتيش دقيق عند وصوله، وعُثر في هاتفه على رسائل خاصة ينتقد فيها سياسة ترامب تجاه العلماء. لكن تريشيا ماكلولين، مساعدة وزير الاستقرار الداخلي الأميركي، نفت ذلك، مؤكدةً أن القرار استند إلى “حيازته معلومات محمية من مؤسسة بحثية أميركية، وهو ما يعد مخالفة لالتزامات عدم الإفصاح”.

    صحيفة فايننشال تايمز أفادت بأن شركة الخطوط الجوية الفرنسية سجلت انخفاضًا بنسبة 2.4% في الحجوزات من أوروبا إلى الولايات المتحدة في شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران، بينما شهدت الحجوزات الأميركية إلى أوروبا ارتفاعًا بلغ 2.1%. وفي وقت سابق، قامت السلطة التنفيذية البريطانية بتحديث إرشادات السفر، محذّرة مواطنيها من احتمالية “الاحتجاز أو الاعتقال في حال انتهاك” القواعد، وشددت على أن السلطات الأميركية تطبق تلك القواعد بصرامة.

    ألمانيا أيضًا أصدرت تحذيرًا بعد احتجاز مواطن ألماني يحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة لأكثر من أسبوع قبل أن يتم ترحيله، رغم امتلاكه الوثائق القانونية اللازمة. البيان الألماني أوضح أن “الحصول على التأشيرة لا يضمن الدخول إلى الولايات المتحدة”.

    حاكم كاليفورنيا أنذر من مخاطر الرسوم الجمركية وإجراءات الاستقرار النطاق الجغرافيية على السياحة في ولايته (رويترز).

    ولايات تخسر زوارها

    مع تزايد المؤشرات السلبية لانكماش قطاع السياحة الدولي في الولايات المتحدة، بدأت الولايات الأكثر اعتمادًا على هذا القطاع في الشعور بتداعيات التراجع على اقتصاداتها المحلية، وأبرزها ولاية كاليفورنيا. حاكم الولاية، غافين نيوسوم، أصدر بيانًا الإسبوع الماضي أنذر فيه من التهديد الذي يواجه قطاع السياحة الذي يدعم أكثر من مليون وظيفة ويساهم بمليارات الدولارات في خزينة الولاية سنويًا.

    كدعوة استباقية لتجنب الركود، أطلق نيوسوم حملة دعائية موجهة للسوق الكندية، تهدف إلى استقطاب السياح من الشمال. تضمنت الحملة مقطع فيديو نشره الحاكم على منصة “إكس” خاطب فيه الكنديين قائلاً: “أنتم تعرفون من يحاول إثارة المشاكل في واشنطن، لكن لا تدعوا ذلك يفسد خططكم لقضاء عطلة على الشاطئ”.

    أما في ولاية نيفادا، التي تُعد واحدة من أكثر خمس ولايات استقبالا للزوار الأجانب، فقد زادت حدة القلق السياسي بشأن تأثير تراجع عوائد السياحة على الأسر السنةلة والشركات الصغيرة.

    السيناتورة كاثرين كورتيز ماستو، الممثلة عن الولاية، عبرت عن قلقها حول تأثير الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على المالية المحلي، ودعات في رسالة موجهة لعدد من المسؤولين بتقديم خطة واضحة لتخفيف الضغوط الماليةية الناتجة عن هذه السياسات، مذكّرةً بأن قطاع السفر والسياحة يمثل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي ويدعم أكثر من 15 مليون وظيفة على المستوى الوطني.

    في الساحل الشرقي، تعيش مدينة نيويورك، وهي أشهر وجهة سياحية في البلاد، حالة مشابهة من القلق. وفقًا لتقرير صدر عن هيئة السياحة والمؤتمرات في المدينة، من المتوقع أن تستقبل نيويورك 12.1 مليون مسافر أجنبي في عام 2025، وهو ما يعتبر انخفاضًا ملحوظًا عن التقديرات السابقة التي كانت 14.6 مليون. وأرجع مسؤولو المدينة هذا الانخفاض إلى الرسوم الجمركية والسياسات الصارمة بشأن الهجرة.

    قطاع الطيران والسفر يستنجد

    بعيدًا عن الحروب التجارية والرسوم الجمركية، تبرز مخاوف أخرى لدى المسافرين الدوليين إلى الولايات المتحدة، تتعلق بانتهاكات الخصوصية الرقمية، تتجلى في مصادرة الهواتف وأجهزة الكمبيوتر عند نقاط الدخول. ورغم أن السلطات الأميركية تبرر هذه الإجراءات بأنها جزء من إجراءات أمنية موسعة، يرى المراقبون أن توسيع نطاق الفحص قد بدأ يُقلق الزوار.

    تزايدت هذه المخاوف بعد حوادث توقيف طلاب من أصول عربية، شاركوا في احتجاجات داخل الجامعات الأميركية ضد الحرب في غزة. تلك الحوادث أعطت انطباعًا للزوار المحتملين بأن إبداء التضامن مع القضايا الإنسانية، حتى عبر الإعجاب بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قد يُعرضهم للاحتجاز أو الترحيل، حتى لو كانت لديهم تأشيرات سارية. مما دفع العديد إلى إعادة التفكير في فكرة السفر.

    وزارة الخارجية الأميركية نوّهت أنها تتابع وضع حاملي التأشيرات بانتظام للتنوّه من التزامهم بالقوانين الفيدرالية وقواعد الهجرة. وأوضحت أنها تقوم بإلغاء التأشيرات وترحيل أصحابها عند وجود أي انتهاك. ونوّه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في مقال له عبر فوكس نيوز أن “التدقيق الاستقراري لا ينتهي مع منح التأشيرة”، مما يدل على أن المراقبة مستمرة حتى بعد دخول البلاد.

    في هذا الإطار، أنذر جيف فريمان، القائد والمدير التنفيذي لجمعية السفر الأميركية، خلال شهادته أمام مجلس النواب في أبريل/نيسان الماضي، من أن الإجراءات “غير الفعالة” في نظام التأشيرات ونقاط التفتيش في المطارات، قد تؤثر سلبًا على قطاع السفر والطيران، وسط التنمية الاقتصاديةات الكبيرة التي تضخها دول مثل الصين المنافسة. ودعا فريمان إلى ضرورة منح القطاع أولوية قصوى واتخاذ خطوات فورية لتحسين تجربة السفر.

    من جانبه، توقع دين بيكر، كبير الماليةيين في مركز الأبحاث الماليةية والسياسية، استمرار تراجع حركة السفر الدولية إلى الولايات المتحدة، مشيرًا بشكل خاص إلى الطلب المتراجع من الطلاب الدوليين، الذين بدأوا يتجنبون القدوم بسبب مضايقات موظفي الهجرة والجمارك وزيادة شعورهم بعدم الأمان القانوني.

    ومع ذلك، يرى بعض خبراء السياحة أن الوضع الحالي لا يعني امتناعًا نهائيًا عن زيارة الولايات المتحدة، بل هو تأجيل مؤقت في خطط السفر. ويعتبر هؤلاء أن السياحة قد تعود إلى نشاطها مع دخول فصل الصيف، الذي سيكون مؤشرًا حاسمًا على ما إذا كان القطاع يعاني من ركود فعلي أو يمر بمرحلة تذبذب مؤقتة.


    رابط المصدر

  • هجرة اللبنانيين إلى أفريقيا: من بائعين متجولين إلى رواد في مجال المالية والتجارة


    تتناول الهجرة اللبنانية إلى الخارج، مُسلطًا الضوء على دول أخرى بخلاف أميركا، مثل أفريقيا، وأستراليا، وأوروبا، والدول الخليجية، منذ منتصف القرن الـ19. كانت أفريقيا وجهة لبنانيين هربوا من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة. معظمهم كانوا من المارونيين ثم توافد الشيعة من الجنوب خلال الحرب الأهلية (1975-1990). تصدّر اللبنانيون العديد من قطاعات التجارة، لكنهم يعانون من صور نمطية تتعلق بالفقر والثراء، إذ يعتبر 10% منهم أغنياء، بينما يشكل الآخرون جزءًا من الطبقة المتوسطة أو الفقراء. أدوارهم الماليةية تبدو مؤثرة لكن نشاطهم السياسي محدود.

    عند الحديث عن هجرة اللبنانيين إلى الخارج، تتركز الأنظار عادةً على أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) والعديد من دول أميركا اللاتينية، إذ حقق أحفاد الفينيقيين نجاحات اقتصادية وسياسية وأدبية في تلك المناطق البعيدة.

    لكن عند البحث في تفاصيل تاريخ هجرة اللبنانيين إلى بلدان أخرى، نكتشف وجهات أخرى كانت محطّ آلاف المهاجرين منهم منذ منتصف القرن الـ19، مثل أفريقيا وأستراليا وأوروبا ودول الخليج العربي التي جذبتهم في مراحل لاحقة.

    تأثرت موجة الهجرة اللبنانية إلى أفريقيا بوقائع تاریخیة كبرى، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، ونظام الانتداب الفرنسي على لبنان، والحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990.

    في البداية، كانت رحلة اللبنانيين إلى أفريقيا نتيجة للصدف والأقدار، إذ توقفت رحلاتهم نحو أميركا عند شواطئ أفريقيا الغربية بسبب بعض العوامل غير المخطط لها في ذلك الوقت.

    تروي بعض الروايات أن أوائل اللبنانيين الذين وصلوا إلى أفريقيا، كانوا في طريقهم إلى أميركا، لكنهم تعرضوا للخداع بشأن وجهتهم النهائية، حيث أقنعهم الناقلون بأن شواطئ السنغال وغينيا تقع في أميركا.

    تشير تفسيرات أخرى إلى أن العديد من اللبنانيين الطامحين للهجرة لم يكن لديهم خيار سوى الدول الأفريقية بسبب انخفاض تكاليف السفر مقارنة بالرحلة إلى القارة الأميركية، بالإضافة إلى أن الدخول للكثير من بلدان غرب أفريقيا قبل عام 1923 لم يتطلب جواز سفر.

    في تلك الفترة الزمنية، كانت بلدان غرب أفريقيا تمثل وجهة أكثر ملاءمة للمهاجرين القادمين من بيئات فقيرة، والذين لم يحصلوا على تعليم كافٍ، ويفتقرون إلى المهارات الفنية أو الخبرات العملية.

    كل هذه العوامل جعلت الموجة الأولى من اللبنانيين في أفريقيا يعملون كباعة متجولين في الأسواق والشوارع والقرى، قبل أن ينتقلوا إلى تجارة التجزئة في المحلات الصغيرة، ثم تطور الأمر تدريجياً إلى نشاط تجاري منظم يحتكر مواد معينة في هذا البلد أو ذاك، مثل الكاكاو والقهوة في كوت ديفوار، والأخشاب في الغابون.

    طوائف وإحصائيات

    كان غالبية المهاجرين اللبنانيين إلى أفريقيا في البداية من المارونيين، قبل أن يتوافد عدد كبير من المسلمين الشيعة القادمين من جنوب البلاد، وكان القاسم المشترك بينهم هو الهروب من الاضطهادات السياسية والدينية والظروف الماليةية السيئة.

    تشير إحصائيات لبنانية إلى أن 70% من المهاجرين اللبنانيين في أفريقيا هم من الشيعة الذين ينحدرون من جنوب لبنان، حيث زادت أعدادهم بشكل ملحوظ بين عامي 1975 و1990 (سنوات الحرب الأهلية).

    ووفقاً لبعض المصادر المتخصصة في توثيق الهجرة وإحصائياتها، فإن أول قدوم للبنانيين إلى أفريقيا كان إلى السنغال عام 1860.

    ومع بداية القرن العشرين، أصبح العدد بالمئات، ثم ارتفع بشكل ملحوظ بعد أن أصبحت لبنان تحت الانتداب الفرنسي الذي استعمِر أيضاً الدولة السنغالية، وكانت موانئها محطة مهمة لرعايا باريس.

    تسارعت هجرة اللبنانيين إلى أفريقيا خلال فترة الاستعمار الفرنسي لكوت ديفوار، والسنغال، وغينيا، وكذلك خلال حقبة الاستعمار البريطاني لنيجيريا، وغانا، وسيراليون، وغامبيا.

    تساهم العائلات والمواطنونات بطابع عائلي وطائفي في تعزيز الهجرة اللبنانية إلى أفريقيا، إذ يتطلب التضامن التكافلي تضافر الجهود لمساعدة الأقارب، سواء كانوا عائلياً أو مذهبياً، في الوصول إلى تلك البلدان.

    ممثل دار الفتوى اللبنانية بالسنغال محمد العوض ووجهاء الجالية في عزاء خليفة الطريقة التيجانية عام 2017 (مواقع التواصل)

    لا توجد أرقام دقيقة حول عدد اللبنانيين في أفريقيا، لكن التقديرات تشير إلى أنهم يتراوحون بين 300 ألف و500 ألف نسمة، يعيش معظمهم في غرب ووسط أفريقيا في دول مثل كوت ديفوار (حوالي 100 ألف نسمة) والسنغال (حوالي 30 ألف نسمة)، ويمثلون واحدة من أكبر الجاليات في نيجيريا، حيث يتراوح عددهم بين 30 إلى 100 ألف نسمة، وفي الغابون أكثر من 15 ألف نسمة.

    تنتشر أعداد أخرى من اللبنانيين في غانا، وغينيا، وليبيريا، وسيراليون، وبوركينا فاسو، ومالي، وبنين، وتوغو، وأنغولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكونغو برازافيل، وغيرها من الدول في المنطقة.

    فقراء أم أغنياء؟

    يثير التاريخ الطويل لهجرة اللبنانيين إلى أفريقيا العديد من التساؤلات حول أوضاعهم وأدوارهم والصور النمطية المرتبطة بهم، وقد تتعلق هذه الأسئلة بشكل عام بالفقر والثراء والنفوذ التجاري.

    ربما ما يعزز التساؤلات حول “نجاح” أو “ثراء” اللبنانيين هو التحول الكبير من بائعين متجولين في أواخر القرن الـ19 وبداية القرن الـ20 إلى رجال أعمال وأثرياء يقودون مجموعات اقتصادية كبرى في العقود الأخيرة.

    تدفع الصور السائدة عن نجاح اللبنانيين في غرب أفريقيا عالمة الأنثروبولوجيا مروة الشاب للكتابة عن رجال الأعمال اللبنانيين في تلك المناطق.

    تشير الباحثة اللبنانية إلى أن حوالي 10% من أفراد هذه الجالية يمكن اعتبارهم ناجحين اقتصادياً أو أغنياء، بينما يمكن تصنيف ما بين 70% و80% منهم ضمن الطبقة المتوسطة، والبقية يمكن اعتبارهم فقراء بمقارنة باللبنانيين الآخرين هناك.

    وما زال بعض هؤلاء الأفراد يمارسون تجارة التجزئة الصغيرة في السنغال وغينيا، في ظروف تتسم أحياناً بالهشاشة، ويعتمدون على مساعدات مالية واجتماعية عادة ما تقدمها جمعيات أو هيئات تحت غطاء ديني من هذه الطائفة أو تلك.

    غالبًا ما تتسم مكانتهم الاجتماعية بنوع من المفارقة، إذ ينظر إليهم أحيانًا بصفتهم مساهمين في تطوير البلدان التي يقيمون فيها، وأدوارهم المهمة في تعزيز اقتصاداتها، لكن في بعض الدول يُنظر إليهم كسبب لانتشار ممارسات اقتصادية سلبية مثل الاحتكار والقطاع التجاري السوداء والاحتيال الضريبي وتهريب المخدرات والأسلحة والألماس والمعادن النفيسة.

    ترتبط الصور المتناقضة حول الجاليات اللبنانية في أفريقيا بالأوضاع السياسية والماليةية في كل بلد على حدة، إلا أن رجال الأعمال غالباً ما يحظون بالتقدير، خاصة في البلدان التي تتمتع باستقرار وأمان.

    وزن اقتصادي

    تعتبر الجالية اللبنانية في كوت ديفوار الأبرز من ناحية العدد والوزن الماليةي، حيث تشير إحصائية لعام 2018 إلى أن اللبنانيين يديرون أكثر من 3 آلاف شركة في قطاعات العقارات والنقل والصناعة والتوزيع، حيث يمثلون نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي.

    ومن المثير للاهتمام أن نيجيريا شهدت في السنوات العشر الأخيرة زيادة في النشاط الماليةي، حيث أصبحت منصة جاذبة لرائد الأعمال اللبنانيين الذين يسعون لتوسيع وتنويع استثماراتهم.

    وفقًا لبيانات غرفة التجارة الفرنسية اللبنانية لعام 2018، فإن مساهمة رجال الأعمال اللبنانيين في ليبيريا تبلغ حوالي 50%، وفي غانا تُقدّر بـ 25%.

    تأثير سياسي

    يساهم النشاط المكثف للبنانيين في مجالات التجارة والخدمات والتصدير والاستيراد والأنشطة المالية والعقارية في التأثير الماليةي، وأحياناً يمتد ذلك إلى التأثير السياسي.

    بخلاف اللبنانيين في أميركا اللاتينية الذين انخرطوا في العمل السياسي، ظل نشاط الجالية في أفريقيا محدودًا في علاقاتها مع بعض الوزراء أو رؤساء الدول، لتعزيز مصالحهم الفردية أو الجماعية.

    اجتماعيًا، لم يندمج اللبنانيون بشكل كامل في المواطنونات الأفريقية التي يعيشون فيها لأسباب ثقافية وأسرية، مما جعلهم يعيشون في بيئات وشبكات فنية وترفيهية خاصة بهم.

    لكن مع مرور الوقت، بدأت بعض عوائق الاندماج تهدأ، حيث بدأت بعض الدول تفتح أبوابها للمهاجرين اللبنانيين للحصول على الجنسية.

    مع هذه الظروف، بدأت تظهر أجيال جديدة من اللبنانيين يشعرون بأنهم جزء من الأرض التي استقبلت أجدادهم قبل أكثر من قرن، وبينما يظل ارتباطهم بوطنهم الأم عميقاً كما هو الحال مع المهاجرين في العديد من بلدان العالم.


    رابط المصدر

  • في ذكراه: مسار الإنسان من الأحلام إلى الفناء


    يُعتبر الكاتب المكسيكي خوان رولفو (1917-1986) واحدًا من أعمدة الأدب اللاتيني الحديث، لا سيما عبر روايته “بيدرو بارامو” وكتاب “السهل يحترق”. تُعتبر هذه الأعمال تجسيدًا للصراعات النفسية والوجودية، حيث تعكس تأثير الثورة المكسيكية على شخصياته. “بيدرو بارامو” تدعو القارئ إلى تجربة مغامرة مع الأشباح في بلدة كومالا، التي تمثل واقعًا مسكونًا بالخراب والذكريات المؤلمة. على الرغم من مقاربات رولفو السحرية، يبقى تأثيره عميقًا في الأدب العالمي والعربي، حيث يبرز مفاهيم الخذلان والمصائر المشتركة بين الثقافات.

    ماذا يمكن أن يُقال عن الكاتب المكسيكي خوان رولفو (1917-1986) في ذكرى ميلاده، وقد مضى أكثر من قرن على هذا الحدث؟ هل لا زالت هناك ضرورة لتسليط الضوء على أثره في الأدب العالمي، أم أن مكانته أصبحت راسخة بما يكفي للانتقال إلى جانب آخر للتمعن؟

    كلما استثمرنا في القراءة، يتبين لنا أن هناك نوعين من الكتب: كتب نطويها قبل الانتهاء من الصفحة الأخيرة، وأخرى نحتفظ بها في ذاكرتنا حتى بعد أن تجد طريقها إلى الرف. ولكن رواية “بيدرو بارامو”، لا تتبع أي من النوعين هنا.

    إنها من تلك الأعمال الفريدة التي استنفدت كاتبها إلى درجة أنه التزم الصمت لمدة خمسة عشر عاماً قبل أن ينشر عملاً آخر لم يصل إلى شهرة روايته الأولى التي تتحدى التصنيف. وحتى بعد مرور ما يقرب من سبعين عامًا على صدورها، يمكننا أن نصفها بأنها، باختصار: رحلة في اتجاه واحد، تذكرة ذهاب دون عودة.

    عندما تقول: “لا أنصحك بالذهاب إلى كومالا”, فإنك لا تحذّر من السفر الجغرافي، بل تأنذر من الغوص في تلك الهاوية النفسية والوجودية التي لا فكاك منها (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

    لا أنصحك بالذهاب إلى كومالا

    رغم أن شهرة رولفو تعود إلى عملين فقط، “السهل يحترق” (1953) و”بيدرو بارامو” (1955)، يُعتبر أحد أعمدة الأدب اللاتيني الحديث، وأباً روحياً للرواية الجديدة في أميركا اللاتينية. وقد اعترف كتّاب مثل “غابرييل غارثيا ماركيز” و”كارلوس فوينتس” بأن “بيدرو بارامو” ألهمتهما في استكشاف التجريب السردي، بينما اعتبر بعضهم انتقال رولفو من الواقعية في “السهل يحترق” إلى السحرية في “بيدرو بارامو” تحوّلاً غير مفهوم. لكنها تُظهر تطور الصوت الفردي في قصص المجموعة إلى تناغم جماعي في الرواية، حيث تحولت الهموم الشخصية إلى هم مشترك، ليصهر الجميع في بوتقة واحدة تحت اسم كومالا.

    يدعم هذا الزعم الاسم “بيدرو” المستمد من الجذر اللاتيني “Petrus” بمعنى “الصخرة”، و”بارامو” بمعنى “السهل القاحل”. هل ينبهنا رولفو إلى أن “بيدرو بارامو” هو السهل الذي احترق فعلاً؟ هل يُعد مجموعته القصصية كإنذار بكارثة قادمة؟ هل أراد أن يصرخ أولاً وهو في واقعيته، ثم انتقل للسحرية عندما تحولت الإغاثة إلى غير ممكن؟

    يعكس عنوان المجموعة صراعًا أوليا، معركة ضد الزمن والاندثار. أما “بيدرو بارامو”، فتمثل المرحلة التالية بعد أن زحف الزمن، وأتت النيران على كل شيء، حتى تحولت كومالا تدريجياً إلى مدينة أشباح!

    “السهل يحترق” و”بيدرو بارامو” تشكلان معًا تحفة أدبية لخوان رولفو، الذي دمج الواقع بالسحر (الجزيرة)

    التجول في مدينة الأشباح

    من الصعب على أي قارئ التكيف مع أجواء رولفو الواقعية، ناهيك عن كومالا؛ المدينة التي تشكل مسرح روايته الأولى. ولكن سيتمكن القارئ الشغوف من الاندماج، وما إن يصطدم برماد الأرض المحترقة، حتى يدرك أنه ليس بمقدوره العودة. أكثر ما يثير الرعب، أن محاولات هذا القارئ المتحمس للانتقال إلى قصة أخرى، غالبًا ما تبوء بالفشل، كأن لعنة كومالا قد تلازمته، ومن المؤكد أن تلك اللعنة ستظل تطارده، وهو عالق بين أرواح ساكنيها المنسيين الذين لم يجدوا مكاناً لهم في الحياة، ولم تقبلهم السماء بعد موتهم، مما أبقاهم عالقين بين الحياتين، يستغيثون بأي كائن حي دون وعد بالخلاص.

    هل هذه هي سراسة رولفو الفريدة؟ هل هي قدرته على إنهاء حياة بطله واحتجاز قارئه داخل النص؟ أم أن السؤال الملح الذي يسأله كل من دخل كومالا طوعاً أو كرهاً: كيف يمكنني مغادرة هنا؟

    يظهر جوهر كومالا كقرية ابتلعها الخراب في كل تفاصيلها، بدءًا بالطريق المنحدر نحو شوارعها المهجورة وبيوتها ذات الأبواب المشقوقة التي غزت عشبة الحاكمة. مرورا بالوصف المخيف الذي يرويه الشخصيات كما تقول داميانا خادمة بيدرو بارامو:

    .. وفي أيام الهواء تأتي الريح ساحبًا معها أوراق الأشجار، وهنا كما ترى، لا توجد أشجار. لقد كانت الأشجار موجودة في زمن مضى، وإلا من أين تأتي هذه الأوراق؟

    لقد سُجن الماضي هنا، متراكماً فوق بعضه ليفزع كل من يدخل إلى ساحتها، لكن الأكثر رعبا كما تتحدث داميانا:

    هو عندما تسمع الناس يتحدثون، وكأن الأصوات تخرج من شق ما… والآن، بينما كنت آتية، مررت بجماعة تسير حول ميت. فتوقفت لأصلي “أبانا الذي في السماوات”. وكنت أفعل ذلك، عندما انفصلت امرأة عن الأخريات وأتت لتقول لي: داميانا! تضرعي إلى الله من أجلي يا داميانا! ونزعت خمارها فتعرفت على وجه أختي سيبينا.

    – ما الذي تفعلينه هنا؟ – سألتها.

    عندها هرعت لتختبئ بين النساء الأخريات.

    وأختي سيبينا، إذا كنت لا تعرف، ماتت عندما كان عمري اثنتي عشرة سنة… وهكذا بإمكانك أن تحسب كم من الزمن مضى على موتها. وها هي الآن، ما زالت تهيم في هذه الدنيا. لذا لا تفزع إذا ما سمعت أصداء أحدث عهدا يا خوان بريثيادو.

    (ترجمة صالح علماني)

    لاحقًا، يتضح للقارئ أن داميانا نفسها، ماتت منذ زمن بعيد، وكذلك دونيا أدوفيخس أول امرأة استقبلته في بيتها. وهذا الطابع الشبحي يتعزز في حوار أخت دونيس التي تزوجها بعد أن فرغت القرية من أهلها وليس لديه خليلة سوى شقيقته:

    “لو أنك ترى حشود الأرواح التي تهيم في الشوارع. عندما يخيم الظلام، تبدأ بالخروج. إنهم كثيرون، ونحن قليلون جدًا، حتى أننا لا نتكلف مشقة الصلاة من أجلهم لتخليصهم من آخرتهم، لأن صلواتنا لن تكفيهم جميعًا. ربما ينال لكل منهم جزءًا من ‘أبانا الذي في السماوات’، وهذا لن يفيدهم في شيء.”

    مع رحيل الكاتب البيروفي الكبير ماريو فارغاس يوسا، تتضح ملامح جيل أدبي فذ، استطاع أن يحول التجربة اللاتينية إلى سرديات إنسانية، خلدها الأدب العالمي (الأوروبية)

    الواقعية قبل أن تسحرنا

    وُلد رولفو في 16 مايو/أيار 1917، ورحل في يناير/كانون الثاني 1986، ينتمي لجيل تأثر مباشرة بتبعات الثورة المكسيكية (1910–1920) والحرب الأهلية التي تلتها، جيل لم يكن أبناءً للثورة، بقدر ما كانوا ضحايا لخيبتها. ومن هنا نشأت لدى كتّاب تلك المرحلة رؤية مأساوية للواقع.

    لقد فقد رولفو والده ثم والدته في طفولته، ونشأ مثل كثير من أبناء جيله في مؤسسات دينية أو شبه عسكرية. كانت المكسيك تشهد آنذاك عسكرة للمجتمع، وتحولا عنيفا في بنيتها الزراعية والدينية، وسط تحديات بيئية حادة، تحركت في عوالم رولفو الأدبية.

    في قصته “لقد أعطونا الأرض”، تتجلى المفارقة بين خطاب الثورة وواقع الفلاحين الذين يُجبرون على الانتقال إلى أرض قاحلة. وبينما يحدثهم المسؤول الرسمي عن المساحة “الشاسعة” التي منحتها لهم السلطة التنفيذية، يتجاهل شكاويهم. قطعوا أميالاً عديدة حتى جفت حلوقهم، وهم يمضغون الرمال ويذروهم الرياح في صحراء بلا أمل.

    هذه المفارقة تنقلنا إلى “بيدرو بارامو” حيث يظهر الاختلاف الطفيف في العنوان كإشارة لتكامل الرؤية. فالشخصيات التي لفحها الهجير تحولت إلى أشباح بين الحياة والموت، تتنقل بين الذاكرة والمكان، دون أن تجد مخرجًا من مصيرها المحتوم. وهكذا جاءت نصوص هذا الجيل محمّلة بتلك القسوة المزدوجة. إنه الجيل الذي مهد لطفرة “الواقعية السحرية”، إذ بجانب رولفو، نجد كتّابًا مثل خوسيه ريفالتا، أو حتى البدايات الأدبية لأوكتافيو باث، الذين سعوا لاستيعاب صدمة القومية والذاتيّة لما بعد الثورة.

    ومع رحيل الكاتب البيروفي الكبير ماريو فارغاس يوسا، تتضح ملامح جيل أدبي فذ، استطاع تحويل التجربة اللاتينية — بما تحمله من ثورات فاشلة، وحكام دكتاتوريين، وشعوب ممزقة بين الأمل واللعنة — إلى سرديات إنسانية، خلدها الأدب العالمي.

    بيدرو بارامو ليست مجرد رواية عادية، بل هي رحلة بلا عودة إلى عالم ساحر من الأشباح والذاكرة العالقة بين الحياة والموت (الجزيرة)

    لعنة الانتظار

    في واحدة من أشهر حكايات ألف ليلة وليلة، يُروى أن صيادًا فقيرًا ألقى بشبكته في البحر أربع مرات، كعادته، في المرة الرابعة وقع على قمقم نحاسي مختوم بخاتم سليمان. وعندما فتحه، خرج منه دخان كثيف تشكل شيئًا فشيئًا حتى أصبح جنياً هائلاً يهدد بقتله. وحين سأله الصياد عن سبب هذا العقاب، قال الجني:

    إني من الجن المارقين، غضب علي سليمان بن داود فحبسني في هذا القمقم ورماني في قعر البحر. ومكثت مئة عام أقول: من يطلقني أغنيه إلى الأبد. ثم مئة أخرى: من يطلقني أكشف له كنوز الأرض. ثم مئة ثالثة قلت فيها: من يطلقني أحقق له ثلاث أمنيات. فعندما طال انتظاري ولم يأت أحد، أقسمت أن أقتل من يخرجني ولا أحقق له شيئًا!

    أهي لعنة الانتظار الطويل؟ الغضب المتراكم عبر الأعوام؟ تمامًا كما يحدث في كومالا، تلك البلدة التي تحولت إلى ذاكرة مغلقة على نفسها تحتضن ماضيها وتبتأس من حاضرها دون أمل في الخلاص. ربما لهذا تبتلع كل من يخطو إليها، كعقيدة الجني في الفتك بالصائد البائس، لا لذنبٍ ارتكبه، بل لأنه وصل بعد فوات الأوان. هكذا يعرف البطل بموت أبيه وهو في بداية رحلته من دليل الشبح الذي مات هو وحميره، ومع ذلك يواصل الرحلة المقدرة، فإذا به يصبح فريسة للأرواح التي انتظرت طويلًا من يخلصها… وإذا لم يأتِ أحد، قررت الانتقام من كل من البطل والقارئ على حد سواء.

    لقد نجح رولفو في جعل “كومالا” مجازًا لكل البلدان التي خذلتها الوعود الكبرى. فالثورة المكسيكية، كغيرها من الثورات، بشرّت بالعدالة والمساواة، لكنها خلفت وراءها فراغًا موحشًا وأرواحًا تائهة. بذلك، فإن كومالا لا تمثل فقط المكسيك، بل تمتد ظلالها إلى أماكن كثيرة: إلى المدن السورية التي مُحيت من الخرائط، والريف المصري الذي غنّى للثورة ثم اختنق في فقره، وإلى شوارع اليمن المعلقة بين هدنة ومجاعة. تتغير الأسماء والخرائط، لكن كومالا تبقى، مشحونة بأصداء ساكنيها المنسيين.

    رغم أن تأثير رولفو في الرواية العربية لم يُدرس بما يكفي، فإن بصمته تظهر بجلاء في بعض الأعمال المعروفة، لعل أبرزها الطريق لنجيب محفوظ (الجزيرة)

    الحكي ضد الخذلان

    لم يكن أمام الكتّاب اللاتينيين سوى الحكي في مواجهة النسيان. فمعاناة الشخصيات المطحونة تحت وطأة الظلم الاجتماعي والسياسي تبرز في روايات ماركيز، وفوينتس، ورولفو، وهي صورة تتردد أصداؤها في الأدب العربي. لذلك ليس غريبًا أن يُدرك القارئ العربي في كومالا ملامح قريته المنسية، أو في أرواحها التائهة صدى لضحاياه، أو في أبطال رولفو تشابهًا مع أولئك الذين سكنوا روايات محمد شكري وجبرا إبراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيف، ورضوى عاشور.

    ورغم أن تأثير رولفو في الرواية العربية لم يُدرس بشكل كافٍ، فإن بصمته واضحة في بعض الأعمال المعروفة. قد يُعتبر الطريق لنجيب محفوظ، في بعض نواحيها، صدى لرواية بيدرو بارامو، خاصة في اللحظات المحورية: وصية الأم على فراش الموت بالبحث عن الأب الغائب، رمز السلطة والمال.

    ينطلق كلا البطلين إلى مكان غير مألوف: كومالا في المكسيك، التي تحولت إلى بلدة الأشباح، وعالم صابر القاهري، الذي يبدو كمدينة بلا معنى ولا ذاكرة. تتكرر المفارقة المؤلمة: الأب الذي لا يمكن العثور عليه، والصورة التي يحملها الابن في جيبه تبقى بلا معنى. أما النهاية، ففي كلتا الروايتين، ينتهي الأمر بموت ينتظر البطل الذي دفعته أمه في رحلة مجهولة ليعيش حياة كريمة.

    هذا التداخل بين موت الأم، وغموض الأب، والرحلة الفارغة، والنهاية المأساوية، ليس فقط يكشف عن تأثير خوان رولفو في الكاتب النوبلي، بل يُبرز أن الأدب اللاتيني، في أكثر لحظاته صدقًا، كان دائمًا الأقرب إلى الوجدان العربي؛ ليس فقط لتشابه المصائر، بل لأننا، كما قال رولفو، “نولد محكومين بالخذلان، لكننا نستمر في الحكي”.


    رابط المصدر

  • هل تنسحب بريطانيا من اتفاقية بريكست؟


    بعد 5 سنوات من “بريكست”، يسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى إعادة تشكيل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، مشددًا على أهمية الاتفاقات التجارية الجديدة لتحسين المالية. اللقاء في لندن يهدف لحل قضايا معقدة مثل الصيد والمعايير الغذائية، مع تحذيرات من المعارضة بأن التنازلات قد تهدد استقلالية القرار البريطاني. رغم صعوبات المفاوضات، أُبرمت اتفاقيات مع الهند والولايات المتحدة، بينما يحاول ستارمر تعزيز فرص عمل جديدة للبريطانيين. تظهر استطلاعات الرأي رغبة كبيرة بين المواطنين لتحسين العلاقات التجارية مع أوروبا، مع تزايد الضغوط السياسية والاجتماعية حول الهجرة.

    لندن- يبدو أن البريطانيون وجيرانهم في أوروبا قد أدركوا الأثر الكبير الذي خلفه قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويبدو أنهم يستعدون لوضع نهاية لمرحلة “بريكست” عبر التوصل إلى اتفاق جديد يعيد الأمور إلى نصابها بعد سنوات من الانفصال الصعب.

    رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر سيجتمع مع القادة الأوروبيين في لندن لأول مرة منذ توقيع اتفاق الطلاق مع الاتحاد الأوروبي قبل خمس سنوات، بهدف معالجة القضايا العالقة وإعادة توحيد الصفوف مع الشركاء الأوروبيين.

    أوضح ستارمر أنه قريب من إبرام صفقة مع الاتحاد الأوروبي من شأنها تعزيز المالية البريطاني، مؤكدًا أن حكومته تعهدت بإعادة بناء العلاقات مع الكتلة الأوروبية للخروج من أزمة “البريكست”.

    الأوروبيون يتفاوضون على خفض الحواجز التجارية مقابل توقيع بريطانيا اتفاق صيد جديد (الجزيرة)

    عقيدة البريكست

    غير أن البريطانيين والأوروبيين يجدون أنفسهم في مجادلات حساسة سياسية عند الاجتماع، حيث يشاركون في مباحثات معقدة حول تفاصيل الصفقة، التي تعتمد على اتفاق التعاون الدفاعي، بينما يتطلعون للحصول على تنازلات مشتركة بشأن الصيد والرقابة على المنتجات الغذائية والزراعية، بالإضافة إلى تنقل الفئة الناشئة بين البلدين.

    رغم تأكيد ستارمر على أهمية النهج البراغماتي في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، يأنذر خصومه من “خيانة عقيدة البريكست” وتعرض استقلال القرار البريطاني للخطر.

    زعيمة حزب المحافظين (المعارض) كيمي بادونيك هددت بالانسحاب من أي اتفاق يتجاوز النطاق الجغرافي المرسومة للبريكست إذا عادت حزبها للحكم، متهمة ستارمر بتقديم تنازلات أكثر من المطلوب.

    يذكر أن البريطانيين صوتوا في يونيو 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 51%، وقد خاض المفاوضون في بروكسل ولندن مفاوضات صعبة على مدى 3 سنوات قبل التوصل إلى اتفاق الانفصال في 2020.

    محرك الشراكة

    حشد ستارمر الجهود لـ”تحالف الراغبين” بعد وصول القائد الأميركي دونالد ترامب وتلميحاته بالتخلي عن الحلف الدفاعي مع الأوروبيين، مما حفز الأوروبيين لتوسيع شراكة الدفاع مع بريطانيا لإعادة بناء النظام الحاكم الدفاعي الأوروبي.

    سيتيح الاتفاق الدفاعي الجديد الفرص للشركات البريطانية للمشاركة في مشاريع التصنيع الحربي وللحصول على قروض أوروبية لصالح الصناعات الدفاعية البريطانية، في ظل التوجه الأوروبي لإعادة التسليح وتعزيز القدرات الدفاعية المستقلة.

    يشرح ديفيت هينيغ، مدير برنامج السياسات التجارية البريطانية، أن دعم بريطانيا لتحالف عسكري مع الأوروبيين يعد إشارة إيجابية لتعزيز التفاهم التجاري، حيث ستبدأ هذه العملية خلال القمة الأوروبية البريطانية في لندن، لكن النتائج قد تأخذ بعض الوقت لتبرز بوضوح.

    يعتقد الباحث البريطاني أن تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يمثل أكبر مكسب اقتصادي للحكومة الحالية على الرغم من أن المكاسب الفورية قد تكون ضعيفة وطول مدة التفاوض.

    ستارمر يحاول إقناع البريطانيين بجدوى الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي في تحسين معيشتهم اليومية (رويترز)

    مفاوضات تجارية شاقة

    لكن التفاهم حول الدفاع قد يكون أصعب في مجالات أخرى، إذ إن السلطة التنفيذية البريطانية ترفض أي اتفاقيات تجارية تتجاوز النطاق الجغرافي المرسومة لبريكست، مثل العودة إلى القطاع التجاري الأوروبية المشتركة، لكنها تعمل على تخفيف الرقابة المعقدة على تصدير المنتجات الغذائية والنباتية إلى أوروبا.

    من جهة أخرى، يصر الاتحاد الأوروبي على أن تخضع هذه المنتجات للمعايير الصحية المطلوبة، ويشترط لتسهيل الصادرات قبول بريطانيا بالرقابة من المحكمة الأوروبية على بنود الاتفاق.

    يستخدم المفاوضون الأوروبيون، وخصوصًا الفرنسيون، رفع الحواجز التجارية كوسيلة للمقايضة مقابل إبرام اتفاق صيد جديد يضمن حقوق الصيادين الأوروبيين في المياه البريطانية بعد انتهاء الاتفاق الحالي السنة المقبل.

    تشير صحيفة إندبندنت البريطانية إلى أن هذه الشروط قد تعرقل تنفيذ الاتفاقيات الأخرى التي أبرمتها بريطانيا مع دول مثل الولايات المتحدة والهند.

    خلال الإسبوعين الماضيين، تمكنت حكومة حزب العمال من إبرام اتفاق تجارة حرة مع الهند بعد مفاوضات طويلة استمرت حوالي 3 سنوات، بينما تسعى لتحقيق صفقة تجارية مع إدارة ترامب لتقليل الرسوم الجمركية.

    يقول ستيف وولكوك، أستاذ التجارة الدولية، إن بريطانيا لها فرصة أفضل في التفاوض بشأن اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، لكن المهمة ستكون أصعب مع الاتحاد الأوروبي نظرًا للحساسيات السياسية والتفاصيل التقنية والقانونية المعقدة.

    خيارات حزب العمال

    صرح رئيس الوزراء كير ستارمر بفخر أن حكومته قريبة من إتمام صفقات تجارية كبيرة مع ثلاثة من أكبر الأسواق العالمية خلال ثلاثة أسابيع فقط، بعد إبرام اتفاق مع الهند والولايات المتحدة، واستعدادها لتوقيع صفقة مع الاتحاد الأوروبي.

    كما يلمح ستارمر إلى عدم تفضيله أي شريك دولي على الآخر، حيث يسعى لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة للاقتصاد البريطاني الذي يعاني من تأثيرات سلبية على مر السنوات.

    يضيف الخبير وولكوك أن الحرب التجارية التي أطلقها ترامب أدت إلى تعزيز جهود الأوروبيين والبريطانيين للاتفاق على صفقة تجارية قادرة على تجاوز الفوضى التي تسببت بها الإستراتيجية التجارية الحالية.

    يظل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، حيث تشكل صادراتها نحو 41% من إجمالي الصادرات البريطانية، بينما تتجاوز وارداتها من دول الاتحاد 51%.

    يعمل رئيس الوزراء على مخاطبة الناخبين بلغة تجعل من الاتفاقيات التي يسعى لإبرامها مكسبًا انتخابيًا، محاولًا إقناع البريطانيين بجدواها وكيف يمكن أن تعود عليهم بالنفع وتحسن مستوى معيشتهم.

    تجبر المخاوف من تأثير سياسات الهجرة المتشددة تحت إدارة حزب العمال المفاوضين البريطانيين على الامتناع عن إبرام اتفاق لتسهيل حركة الفئة الناشئة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

    يحاول حزب العمال، من خلال تبني سياسات هجرة صارمة، مواجهة ارتفاع شعبية حزب الإصلاح اليميني المتطرف، بعد أن تصدر نتائج الاستحقاق الديمقراطي المحلية الأخيرة، حيث يسعى زعيم الحزب نايجل فاراج لتولي رئاسة السلطة التنفيذية.

    على الرغم من مرور سنوات على قرار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، لا يزال البريطانيون يتبادلون اللوم بشأن اتخاذ القرار، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 72% من البريطانيين يؤيدون علاقات تجارية متطورة مع الاتحاد الأوروبي، وأن 31% منهم يفضلون العودة إلى القطاع التجاري الأوروبية المشتركة.


    رابط المصدر

  • المغرب من منظور إسكندراني: تجربتي في بلادٍ ألفتها قبل أن أراها


    كانت زيارة المغرب بالنسبة لي أكثر من مجرد رحلة سياحية. نشأت في الإسكندرية على حكايات عن المغاربة، ورغبت في استكشاف ثقافتهم الطبيعية. بدأت تخطيط رحلتي بحصولي على تأشيرة إلكترونية، ثم قمت بحجز التذاكر والفنادق. بدأت رحلتي من الرباط إلى مراكش، حيث استقبلتني صديقتي بأول وجبة مغربية. كانت تجربتي في المدينة القديمة رائعة، متجولة بين الأسواق والمعالم التاريخية. انتقلت لاحقًا إلى طنجة عبر القطار الفائق السرعة “البراق”، واستمتعت بجمالها وتاريخها. ثم زرت شفشاون، تلك المدينة الزرقاء الهادئة، حيث اكتشفت شلالات جميلة. سأواصل رحلتي إلى فاس ومراكش.

    لم تكن رحلتي إلى المغرب مجرد حلم سياحي، كوني عاشقة للسفر، بل كانت تجربة أعمق. كان المغرب بالنسبة لي أكثر من مجرد بلد يتمتع بتنوع ثقافي وطبيعي مدهش، بالأخص أنني نشأت في الإسكندرية مع قصص عن مغاربة استقروا قرب بحرنا، وقد أُطلق اسمهم على حي وسوق لا يزالان حيين حتى اليوم.

    أحلم منذ سنوات بالمشي في شوارع المغرب، التي كانت تتعلق بذاكرتي بالدفء والدهشة. وحين جاء الحلم إلى الحياة، شعرت أنني في مكان أعرفه قبل أن أراه.

    من الفكرة إلى التخطيط

    بدأت بتخطيط رحلتي عبر الحصول على التأشيرة إلكترونيًا في وقت قصير. تلا ذلك حجز تذاكر السفر في نهاية ديسمبر/كانون الأول لأودع عامًا واستقبل آخر في بلد جديد.

    والآن، كنت في صدد البحث عن المدن التي أرغب بزيارتها، فما عدا الرحلة التي ستستمر 10 أيام، كان الخيار متنوعًا. وبالتالي، كان من المهم وضع خطة تفصيلية تتيح لي حجز الفنادق مسبقًا والاستفادة من الوقت لاستكشاف المغرب.

    بعد استشارة الأصدقاء، قررت أن أبدأ الرحلة من الرباط وأن أنهيها في مراكش، المدينة التي طالما سمعت عنها. لأني أؤمن بأن متعة السفر تبدأ بالتخطيط، أخذت حجز أماكن الإقامة خلال تخفيضات الجمعة البيضاء في نوفمبر/تشرين الثاني، مما أتاح لي أسعارًا جيدة. كما اخترت السفر عبر الخطوط الجوية المغربية لتكون تجربتي مغربية من البداية.

    في صباح 23 ديسمبر/كانون الأول، أقلعت من مطار القاهرة نحو مطار الدار البيضاء، وإجراءات الوصول كانت سلسة. قمت بصرف بعض الدراهم من صرافة المطار، ثم اشتريت شريحة هاتف محلي، وتوجهت مباشرة إلى محطة القطار داخل المطار متوجهة إلى الرباط.

    مطار الدار البيضاء هو أول محطة من محطات تجربة المسافرين إلى المغرب (غيتي)

    اليوم الأول بالمغرب

    هبطت الطائرة بسلام في مطار الدار البيضاء – “كازا” كما يسميه المغاربة – وبدأت تجربتي مع اللهجة المحلية. رغم محاولتي تعلم بعض الكلمات قبل السفر، وجدت نفسي أتعثر أحيانًا وأسأل عن كلمات جديدة وأقارنها باللهجة المصرية، وكانت تلك جزءًا من متعة السفر التي كنت في انتظارها.

    وصلت إلى منزل صديقتي المغربية حيث استقبلتني بالأتاي، الشاي المغربي التقليدي بالنعناع، والذي يُعد رمزًا للضيافة. وفي صباح اليوم التالي، تناولت “المسمن”، وهي فطيرة شهية من الدقيق والسميد، وكانت هذه بداية العلاقة مع المطبخ المغربي التي استمرت طوال الرحلة.

    الأتاي أو الشاي المغربي رمز الضيافة والحاضر الدائم في المجالس المغربية (الجزيرة)

    نصحتني صديقتي بزيارة المدينة القديمة في الرباط، خاصة يوم الأحد عندما يُقام القطاع التجاري الشعبي. أخذت نصائحها بعين الاعتبار، خاصة حول التنقل باستخدام سيارات الأجرة، حيث يوجد الطاكسي الصغير الذي يعمل بالعداد والطاكسي الكبير الذي عادةً ما يُتفق على أجرته مسبقًا.

    المدينة القديمة في الرباط تحتفظ بجو تاريخي، مع معالم مثل قصبة الأوداية، وشالة، والسور الموحدي، وصومعة حسان. الشعور بالسير في هذه الأزقة العتيقة كان كأني أجد نفسي في متحف مفتوح للفن المغربي، من الزخارف الخضراء إلى النقوش المنحوتة.

    جانب من فن العمارة المغربية في بيوت المدينة العتيقة في الرباط (الجزيرة)

    كانت الأسواق تعج بالمنتجات المحلية من الجلود والأحذية والهدايا التذكارية. أما الحلويات، فكانت تجربة فريدة في كتاب النكهات المغربية، حيث جربت الشباكية وكعب الغزال والمقروط مقابل 5 دراهم فقط (نصف دولار).

    خيارات الطعام كانت ممتعة، إذ يعتبر المطبخ المغربي غنيًا ومتنوّعًا. أينما ذهبت، تجد الطاجين، الكسكس، والمأكولات البحرية المعروفة بـ “الحوت”.

    في ذلك اليوم، اخترت تناول “الصوصيص”، النقانق المشوية المقدمة في شطائر مع الطماطم والخس. بعد ذلك، اشتريت بعض الهدايا التذكارية وانتهى يومي الأول في المغرب محملاً بالنكهات والانطباعات.

    إلى طنجة عبر البراق

    في اليوم الثاني من رحلتي، ذهبت إلى محطة القطار لأستقل “البراق”، أحد معالم المغرب الحديثة والفريدة، الذي يعرف بسرعته الخاطفة كالبَرَق.

    يعتبر البراق أول قطار فائق السرعة في أفريقيا والعالم العربي، تصل سرعته إلى 375 كلم في الساعة، مما يجعله من بين الأسرع في العالم، ويربط بين الدار البيضاء وطنجة، مرورًا بالرباط والقنيطرة.

    محطة القطار في حي نوّهال بالعاصمة المغربية ومنها ينطلق القطار الفائق السرعة “البراق” إلى طنجة (الجزيرة)

    على الرغم من أن تكلفة البراق أعلى من القطارات التقليدية، إلا أنه يُعتبر وسيلة مريحة وفعالة. أنصح بحجز التذكرة مسبقًا عبر الموقع الإلكتروني، خاصة خلال عطلات نهاية الإسبوع والمواسم الرسمية، حيث ترتفع الأسعار وقد يكون من الصعب العثور على مقعد.

    كانت الرحلة على متن البراق هادئة واستغرقت ساعة و20 دقيقة فقط، بدلًا من 5 ساعات بالقطار العادي. لم أفارق مشاهد الطبيعة المتغيرة من نافذة القطار حتى وصلت إلى طنجة، المدينة المحببة إلى قلبي.

    طنجة عروس الشمال

    طنجة، الواقعة في شمال المغرب، تلتقي فيها مياه البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الأطلسي، وتُعرف بعروس الشمال وبسحرها التاريخي والجغرافي. شعرت منذ لحظة وصولي بانتماء غريب، ربما لأني قادمة من الإسكندرية ووجدت في طنجة مدينة بحرية تشبهني.

    مدينة طنجة من أجمل المدن المغربية بفضل موقعها الجغرافي وتاريخها ومعمارها (الجزيرة)

    كانت تجربتي الأولى في الإقامة في المغرب في “رياض” تقليدي يقع في المدينة العتيقة لطنجة، والذي يتميز بتصميم معماري مغربي جميل من الأقواس وأنماط الفسيفساء.

    كثيرًا ما ينتمي الرياض إلى منازل قديمة، وجميع غرفه متجاورة مما يمنح السائح شعورًا بالهدوء والراحة.

    بعد قليل من الراحة، بدأت بالتجول في الأزقة القديمة حتى وصلت إلى قصبة المدينة. كانت عشوائية السير هي خطتي في اليوم الأول، حيث تركت قدمي تقوداني بين المتاجر التقليدية والهدايا التذكارية.

    محلات بيع الهدايا التذكارية تنتشر في المناطق السياحية بالمدينة القديمة لطنجة (الجزيرة)

    ضريح ابن بطوطة

    استمتعت بالسير على غفلة وتوثيق كل لحظة من رحلتي. صدفةً وصلت إلى “زنقة ابن بطوطة” ووجدت ضريحه البسيط المحاط بالزهور. لم أكن أعلم أنني سأزوره نفسي، فأنا التي دُهشت بقراءة رحلاته!

    كان الضريح بسيطًا ويُحيطه سبيل صغير. هناك، لم يكن هناك من يحميه أو يمنع الاقتراب منه، وشعرت بأنني لن أنسى هذه اللحظة!

    جانب من ضريح الرحالة المغربي الأشهر ابن بطوطة في مدينة طنجة (الجزيرة)

    تابعت طريقي نحو القصبة، حيث تتلاقى مياه البحر مع جدران المدينة القديمة، وتعانق القلاع والمباني الأندلسية. تعتبر قصبة طنجة رمزًا لتراث المدينة، حيث زرت متحف القصبة وبيت العود الذي سحرني بأجوائه.

    سرت على الممشى البحري نحو “مارينا طنجة” حيث تتراصف اليخوت وتنتشر المطاعم. ورأيت العبارات التي تعبر إلى أوروبا.

    في المساء، جالت بي ابنة صاحب الرياض الذي أقمت فيه في جولة بالقطاع التجاري، وأرشدتني لأماكن التسوق المناسبة، وشجعتني على تذوق البسطيلة، فطيرة تجمع بين الدجاج والقرفة. كانت هذه التجربة من أجمل ما مررت به في الرحلة.

    هكذا انتهى يومي الأول في طنجة، مع وعود لاستكشاف أماكن جديدة في اليوم التالي. بدأت صباحي بإفطار مغربي يتمثل في صحن البيصارة، والذي يختلف في الطعم وطريقة التحضير عن مصر.

    من لم يذق حساء البيصارة فقد فاته الكثير للتعرف على ثقافة الأكل في طنجة (الجزيرة)

    معالم بحرية

    انطلقت بعد ذلك في جولة عبر الأتوبيس السياحي لمدينة طنجة، الذي يأخذك إلى أهم معالمها. كانت محطتي الأولى مغارة هرقل، الموجودة في منطقة رأس سبارطيل.

    يُعتبر رأس سبارطيل نقطة جغرافية مهمة في المغرب، حيث يقع على ارتفاع أكثر من 300 متر بجنوب مضيق جبل طارق. هناك، توجد مغارة هرقل التي تمتد 30 مترًا داخل الجبل، وتُعتبر من أشهر المعالم الطبيعية في البلاد.

    تتميز المغارة بموقعها وتكوينها الصخري، وهناك أساطير تتعلق باسمها، منها ما يدل على أن البطل الإغريقي هرقل لجأ إليها.

    عديد من الأساطير تحوم حول مغارة هرقل بطنجة سواء بسبب تسميتها أو بعض الأشكال داخلها (الجزيرة)

    انتهت الجولة بالعودة استعدادًا للسفر إلى مدينة شفشاون البعيدة.

    شفشاون الجوهرة الزرقاء

    وصلت إلى شفشاون ليلاً، بعد يوم مرهق من انتقالات المواصلات. كانت السيارة قديمة والرحلة مزدحمة، لكني كنت الوحيدة المصرية فيها. وعرض أحد الشبان المغاربة مساعدتي عندما رأى مشكلتي مع الحقائب.

    وصلت المدينة في سكون وهدوء غير مسبوق. كان البرد قارصًا، وبمجرد خروجك من السيارة كنت أشعر بأشجارها الجبلية من حولي. اتصلت بصاحب الرياض الجديد الذي وجدته بانتظاري ليقودني إلى نُزل صغير وسط الأزقة الزرقاء.

    نموذج لرياض تقليدي في مدينة شفشاون (الجزيرة)

    على الرغم من تعب الرحلة، كنت أعلم أنني وصلت لمدينة مختلفة، مدينة صغيرة تنفرد بسحر خاص.

    خرجت لتمشية في المدينة القديمة، لكنني لم أجدها تنبض بالحيوية كطنجة. شعرت ببعض الإحباط لكنني قررت أن الغد سيوضّح لي جمال شفشاون في وضح النهار.

    بدأت يومي بإفطار بسيط في ساحة هادئة: مسمن مغربي بالجبن وكوب من القهوة المغربية التي كانت أول تجربة لي.

    بوابة القصبة الأثرية في قلب شفشاون شيدها مؤسس المدينة نفسها في القرن التاسع الهجري (الجزيرة)

    شفشاون ومواقع التواصل

    خرجت صباحًا مستعدة لاكتشاف المدينة الزرقاء التي لطالما رأيتها في الصور. لكنني شعرت بأن المدينة أصغر وأهدأ مما توقعت، وكانت أكثر بساطة مما تعكسه صفحات التواصل الاجتماعي، مما سبب لي خيبة أمل لم أخفها.

    لم أجد كل الزوايا الساحرة وبدت لي الشوارع أقل نشاطًا. لكن شفشاون لا تتآمر على السياح.

    في قلب المدينة، حيث تقع القصبة الأثرية التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع الهجري، انتشرت المحال الصغيرة التي تبيع الهدايا التذكارية والمشغولات التقليدية.

    بينما كنت أتمشى، جذبتني أصوات المياه، فتتبعتها حتى وصلت إلى شلال صغير ينساب ببراءة، وكأنما المدينة كلها تنبض هنا.

    معروف عن أهل مدينة شفشاون الاعتناء بشوارعها الضيقة وواجهات المنازل التقليدية (الجزيرة)

    قبل الظهيرة، قررت مغادرة شفشاون راضية عن زيارتي القصيرة المليئة بالهدوء، لكني كنت متحمسة لزيارة المحطة التالية.. مدينة التاريخ والعراقة: فاس.

    في الجزء الثاني، سأتابع رحلتي في المغرب لأتعرف على فاس ومراكش والدار البيضاء.


    رابط المصدر

  • “أوبن إيه آي” تخطط لمساعدة الإمارات في إنشاء واحد من أكبر مراكز المعلومات عالميًا


    تخطط شركة “أوبن إيه آي” لإنشاء مركز بيانات ضخم في أبو ظبي، بطاقة 5 غيغاوات، ليصبح الأكبر عالميًا. المشروع، الذي سيكون بالشراكة مع “جي 42″، يغطي 16 كيلومترًا مربعًا ويستهلك طاقة تعادل 5 مفاعلات نووية. يأتي ضمن مشروع “ستارغيت” الذي أطلقه القائد الأميركي ترامب، والذي يسعى لإنشاء مراكز بيانات عالمية لدعم الذكاء الاصطناعي. رغم تقدم التعاون بين الولايات المتحدة والإمارات، إلا أن العلاقات أثارت مخاوف بسبب ارتباط “جي 42” بشركات صينية سابقة. تم الإعلان عن تغييرات استراتيجية في 2024، بما في ذلك استثمار مايكروسوفت بقيمة 1.5 مليار دولار في “جي 42”.

    تعتزم شركة “أوبن إيه آي” إنشاء مركز بيانات ضخم في أبو ظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة، بقدرة تصل إلى 5 غيغاوات، مما قد يجعله أكبر مركز بيانات في العالم، وفقًا لتقرير نشره موقع رويترز.

    من المقرر أن يغطي مركز المعلومات الجديد في أبو ظبي مساحة ضخمة تصل إلى 16 كيلومترًا مربعًا، مع استهلاك طاقة تعادل 5 مفاعلات نووية، مما يجعله أكبر بكثير من أي بنية تحتية للذكاء الاصطناعي صرحت عنها “أوبن إيه آي” أو أي شركة أخرى في هذا المجال.

    يجدر بالذكر أن هذا المشروع سيتم بالتعاون مع “جي 42” (G42)، وهي شركة تكنولوجيا كبيرة مقرها أبو ظبي، ويأتي كجزء من مشروع “ستارغيت” (Stargate) الذي صرحه القائد الأمريكي دونالد ترامب في يناير/كانون الثاني الماضي.

    يهدف هذا المشروع إلى إنشاء مراكز بيانات ضخمة في مختلف أنحاء العالم، مجهزة بأقوى الشرائح الإلكترونية لدعم تطوير الذكاء الاصطناعي بالشراكة مع “سوفت بانك” (SoftBank) و”أوراكل” (Oracle).

    بينما يُتوقع أن يبلغ حجم أول مركز “ستارغيت” في الولايات المتحدة نحو 1.2 غيغاوات، فإن المركز في أبو ظبي سيتجاوز ذلك بأكثر من 4 مرات، ويعكس هذا المشروع تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة والإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو تعاون يمتد لسنوات وقد أثار مخاوف بعض المشرعين الأمريكيين.

    ترتبط علاقة “أوبن إيه آي” مع الإمارات منذ عام 2023 من خلال شركة “جي 42″، التي تهدف إلى تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وقد أبدى القائد التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” سام ألتمان إعجابه بالإمارات العربية المتحدة، مشيرًا إلى أنها كانت تتحدث عن الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح شائعًا.

    من جهة أخرى، كما هو الحال في العديد من مشاريع الذكاء الاصطناعي، فإن هذه العلاقات تحمل تعقيدات، حيث يرأس شركة “جي 42” الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الاستقرار الوطني في الإمارات وشقيق حاكم البلاد، وقد أثارت علاقته بـ “أوبن إيه آي” مخاوف في الولايات المتحدة في عام 2023 بسبب ارتباطات سابقة بشركات صينية مدرجة على القائمة السوداء، مثل “هواوي” ومعهد بكين للجينوم.

    مع تزايد الضغوط من المشرعين الأمريكيين، صرح القائد التنفيذي لشركة “جي 42” في بداية عام 2024 أن الشركة غيرت استراتيجيتها وتخلت عن استثماراتها في الصين، وأغلقت حضورها هناك بالكامل، وفي وقت لاحق، صرحت مايكروسوفت – إحدى أكبر المستثمرين في “أوبن إيه آي” – عن استثمار بقيمة 1.5 مليار دولار في “جي 42″، كما انضم رئيسها براد سميث إلى مجلس إدارة الشركة، مما قوى التعاون بين الجانبين.


    رابط المصدر

Exit mobile version