ارتفعت أسعار النفط اليوم بعد أن هاجمت إسرائيل مواقع نووية إيرانية، مما زاد المخاوف بشأن تعطل إمدادات النفط في المنطقة. سجل خام برنت 76.88 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس إلى 75.58 دولارًا. وفقًا لبنك غولدمان ساكس، قد تتجاوز أسعار خام برنت 90 دولارًا بسبب المخاطر الجيوسياسية. في أسواق المعادن، ارتفعت أسعار الذهب مع تزايد التوتر بين إسرائيل وإيران، وسجلت 3369.6 دولارًا للأوقية. في حين انخفض البلاتين، وكان أداء المعادن الأخرى مختلطًا، وسط قلق بشأن الوضع الاستقراري في الشرق الأوسط وتأثيراته الماليةية المحتملة.
19/6/2025–|آخر تحديث: 13:11 (توقيت مكة)
ارتفعت أسعار النفط اليوم الخميس بعد إعلان إسرائيل عن هجومها على مواقع نووية إيرانية في نطنز وآراك خلال الليل، في وقت يترقب فيه المستثمرون بقلق احتمالات تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط وتأثيره على إمدادات الخام.
صعدت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.23% لتصل إلى 76.88 دولارا للبرميل، بعد ارتفاع 0.3% في الجلسة السابقة التي شهدت تقلبات حادة أدت إلى انخفاض الأسعار حتى 2.7% خلال التداولات.
كما زادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.59% إلى 75.58 دولارا للبرميل، بعد تسجيل ارتفاع بنسبة 0.4% عند التسوية في الجلسة السابقة، التي انخفضت فيها الأسعار بنسبة 2.4%.
ولفت توني سيكامور، محلل القطاع التجاري لدى “آي جي”، في مذكرة له إلى أن “السعر لا يزال يتضمن علاوة مخاطرة مع تفحص المتعاملين لما إذا كانت المرحلة التالية من المواجهة الإسرائيلي الإيراني ستشهد ضربة أمريكية أو محادثات لوقف إطلاق النار”.
وأوضح بنك غولدمان ساكس يوم الأربعاء الماضي، أن علاوة المخاطر الجيوسياسية البالغة حوالي 10 دولارات للبرميل لها مبرراتها في ضوء انخفاض الإمدادات الإيرانية والمخاطر من تصاعد الاضطرابات، مما قد يدفع سعر خام برنت فوق 90 دولارا.
ولم يوضح القائد الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء الماضي لوسائل الإعلام موقفه بشأن الانضمام إلى إسرائيل في توجيه ضربات ضد إيران.
تُعتبر إيران ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، حيث تنتج حوالي 3.3 مليون برميل يومياً، والأكثر أهمية هو أن نحو 19 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات النفطية تمر عبر مضيق هرمز الذي تُطل عليه إيران، مما يزيد من القلق من حدوث انقطاع في التدفقات التجارية جراء المواجهة.
فيما أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأمريكية مستقرة يوم الأربعاء، متوقعاً تخفيضها مرتين بحلول نهاية السنة.
يمكن أن يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى تحفيز المالية وزيادة الطلب على النفط، لكن قد يصاحب ذلك تفاقم ارتفاع الأسعار.
الذهب
شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً اليوم الخميس مع دخول المواجهة بين إسرائيل وإيران أسبوعه السابع، وسجل البلاتين أعلى مستوى له منذ أكثر من 10 سنوات وسط توقعات بنقص الإمدادات.
ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.1% ليصل إلى 3369.6 دولارا للأوقية، بينما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة 0.7% إلى 3384 دولارا.
قال تيم ووترر، كبير محللي القطاع التجاري في “كيه سي إم تريد”: “حقق الذهب انتعاشاً متواضعاً مع ترقبنا للخطوات القادمة في المواجهة الإسرائيلي الإيراني. في حال قررت الولايات المتحدة التدخل بشكل مباشر، فإن ذلك قد يزيد من المخاطر الجيوسياسية.”
يُعتبر الذهب ملاذاً آمناً للحفاظ على القيمة في أوقات عدم اليقين الجيوسياسي والمالي.
استمر تصاعد التوتر الجيوسياسي مع إحجام ترامب عن تأكيد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنضم إلى إسرائيل في ضرب المواقع النووية والصاروخية الإيرانية، مما أدى إلى نزوح سكان طهران من العاصمة.
أفاد مسؤولان أميركيان لرويترز بأن جيش بلدهما قام بنقل بعض الطائرات والسفن من قواعد في الشرق الأوسط التي قد تكون مستهدفة من هجوم إيراني محتمل.
كانت حركة المعادن النفيسة الأخرى كالتالي:
تراجع البلاتين بنسبة 2.6% ليصل إلى 1289.20 دولارا.
مساء الثلاثاء، كانت الأجواء متوترة في واشنطن بانتظار موقف الولايات المتحدة من تورطها العسكري في الحرب الإسرائيلية ضد إيران، التي تستهدف منشآت نووية. رغم الاجتماعات المغلقة للرئيس ترامب مع فريق الاستقرار القومي، لم يتم اتخاذ قرارات واضحة. بينما شجّع ترامب على الضغوط ضد إيران، نفى أي دعم عسكري للإسرائيليين. تباينت آراء صناع القرار بين ضرورة التدخل العسكري أو التركيز على الدبلوماسية. في إيران، تزايدت التهديدات لاستهداف القواعد الأمريكية إذا انخرطت واشنطن بشكل مباشر، مع تحذيرات من المرشد خامنئي من العواقب المدمرة لأي تدخل عسكري.
مساء الثلاثاء، بتوقيت واشنطن، كانت الأجواء مشحونة بالترقب الدولي بشأن إعلان الولايات المتحدة عزمها الانخراط عسكريًا إلى جانب إسرائيل في حربها التي انطلقت قبل أسبوع، مستهدفة منشآت نووية وعسكرية داخل الأراضي الإيرانية.
عاد القائد الأعلى للجيش الأميركي، القائد دونالد ترامب، إلى واشنطن بعد مغادرته المفاجئة لقمة مجموعة السبع في كندا، ليعقد اجتماعًا مغلقًا مع فريقه للأمن القومي، غير أن الاجتماع لم يسفر عن أي إعلان أو تغيير ملموس في سياسة الإدارة الأميركية تجاه الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط.
في اليوم التالي، ترأس ترامب اجتماعًا ثانيًا في غرفة العمليات في البيت الأبيض، لكن الاجتماع انتهى أيضًا دون قرار واضح، مما أدى إلى استمرار واشنطن في إرسال إشارات متضاربة حول نواياها في المشاركة في عملية “الأسد الصاعد”.
ضبابية في البيت الأبيض
مع بدء الغارات الجوية الإسرائيلية الأولى على مواقع حيوية في طهران، صرح ترامب أنه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “تأجيل توجيه ضربة لإيران”، في محاولة لمنح واشنطن مزيدًا من الوقت لدعم جهود الدبلوماسية، آملًا التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع طهران.
في الأيام التالية، نفى القائد الأميركي أي تورط مباشر لإدارته في الغارات، أو تقديم دعم عسكري لإسرائيل. لكنه لفت في ذات الوقت إلى أن “إيران قد أُعطيت مهلة 60 يوما وقد انتهى الموعد”.
ومع تسارع العمليات العسكرية الإسرائيلية، اتخذ خطاب ترامب منحى متناقضًا، حيث وجه ضغطًا علنيًا على القيادة الإيرانية ودعاها بـ”الاستسلام غير المشروط”، مبديا أن المرشد الأعلى علي خامنئي “هدف سهل”، ثم أضاف: “لن نقتله، على الأقل ليس الآن”.
واعتبر مراقبون هذا التصريح تحولًا من رفض الضربات إلى القبول الضمني بها وربما تشجيعها.
إعلان
لاحقًا، طرح عليه الصحفيون سؤالًا عن احتمال تنفيذ الولايات المتحدة لضرب إيران، فنفى مجيبًا: “قد أفعل ذلك، وقد لا أفعل. لا أحد يعرف ما سأقوم به”، وهو ما فُسر كإبقاء جميع السيناريوهات مفتوحة.
وعلى الرغم من محاولات الصحفيين المتكررة لاستخلاص موقف واضح، ظل ترامب متحفظًا، مشيرًا إلى أنه يفضل اتخاذ القرار النهائي قبل موعده ببثانية واحدة، خصوصًا في أوقات الحرب، حيث تتأرجح الأمور بين طرفين متناقضين، مضيفًا أن البعض لا يريد تدخلًا أميركيًا، لكنه يمكن أن “نُجبَر على القتال لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي”.
كتب القائد الأميركي على منصته “تروث سوشيال” منشورًا رفع فيه توقعات التدخل الأميركي الوشيك، مأنذرًا الإيرانيين من البقاء في طهران، مدعاًا بـ”إخلاء المدينة فورًّا” دون تقديم مزيد من التوضيحات.
بحسب “سي إن إن”، كانت إدارة ترامب متعقبة عن كثب الاتصالات القادمة من إسرائيل بخصوص خططها لتوسيع الهجمات. وتفيد المصادر أن تحذير ترامب استند إلى معلومات ميدانية محددة قدمها حلفاء واشنطن في تل أبيب، مما يعزز احتمالات التصعيد.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال يوم الأربعاء أن ترامب أبلغ كبار مساعديه أنه وافق على خطط هجوم على إيران، لكنه امتناع عن إصدار أمر نهائي لمعرفة ما إذا كانت طهران ستتخلى عن برنامجها النووي.
لماذا التردد؟
في سعيه لتأكيد صورته كزعيم مؤمن بالسلام خلال ولايته الثانية، يدرك ترامب أن الناخب الأميركي لا يرغب في خوض حروب، خصوصًا في مناطق لا تشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
يعتقد محللون أن التردد الأمريكي يعكس صراعًا داخل الدوائر المقربة من قائد القوات المسلحة؛ فبينما يأنذر القادة العسكريون من الاندفاع في صراع مفتوح مع إيران، تشدد الدائرة السياسية المحيطة بترامب على أنه قد يكون من الكافٍ توجيه ضربات محدودة لإرجاع طهران إلى طاولة المفاوضات وفق شروط أميركية صارمة.
تتباين الآراء بين صناع القرار في مبنى الكابيتول، حيث يدعو بعضهم للتروي في التدخل العسكري بينما يمارس آخرون ضغطًا علنيًا، خاصة من أوساط اليمين المحافظ والجماعات المؤيدة لإسرائيل، لدفع القائد نحو تدخل أوسع.
وأنذر مستشار ترامب السابق، ستيف بانون، من أن الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط سيضر بقاعدة ترامب الشعبية التي تأسست على “وعود بإنهاء التورط الخارجي وتقليص الهجرة غير الشرعية وتقليص العجز التجاري”.
دافع نائب القائد جيه دي فانس عن موقف القائد على منصة “إكس”، مشيرًا إلى أن ترامب أظهر تركيزًا واضحًا على “حماية قواتنا ومواطنينا”، مضيفًا أنه “رغم تباين الآراء حول التدخل، يبقى القرار النهائي بيد ترامب”.
ومع ذلك، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرًا أن ترامب كان مترددًا في البداية؛ لرغبته في إدارة الملف الإيراني وفق أجندته الخاصة، بدلاً من أجندة نتنياهو، رغم معرفته بتفاصيل الهجوم وخططه المستقبلية، بما في ذلك وجود قوات إسرائيلية سرية داخل الأراضي الإيرانية.
إعلان
وبحسب التقرير، لم تقدم إدارة ترامب التزامات مباشرة، لكنه أوضح لمساعديه لاحقًا: “أعتقد أننا قد نضطر إلى مساعدته” في إشارة لدعم العملية في حال تصاعد المواجهة.
ستيف بانون أنذر من أن أي انخراط عسكري مباشر في الشرق الأوسط سيقوّض القاعدة الشعبية لترامب (أسوشيتيد برس)
مسارات ترامب
يتفق غالبية المراقبين لشؤون السياسات الأميركية على أن مواقف ترامب فيما يتعلق بالتصعيد الإيراني الإسرائيلي تسير ضمن 4 مسارات رئيسية، بعضها تم اتخاذه بالفعل، في حين تبقى الأخرى مطروحة للنقاش، وهي:
الدعم غير المباشر: وهو المسار القائم والأقل تكلفة سياسيًا، حيث تقوم واشنطن بتقديم دعم استخباري وتسهيلات لوجستية لإسرائيل، دون التورط بشكل مباشر في العمليات العسكرية.
توجيه ضربة محدودة: يشمل هذا الخيار تنفيذ عملية عسكرية أميركية تستهدف منشآت نووية أو بطاريات دفاع جوي إيرانية، بهدف إرسال رسالة رادعة دون الانجرار إلى مواجهة كبرى.
حملة جوية مشتركة: في هذا السيناريو، تنخرط الولايات المتحدة بشكل كامل إلى جانب إسرائيل في حملة جوية موسعة قد تستمر أسابيع.
المسار الدبلوماسي: وهو خيار لا يزال حاضراً في الداخل الأميركي، ويتضمن ممارسة ضغوط متزامنة على تل أبيب لتقليص نطاق هجماتها، وعلى طهران لاستئناف المفاوضات النووية.
يعتقد المحللون أن غموض الموقف الأميركي لا يرتبط فقط بقرار التدخل، بل يتعدى ذلك إلى طبيعة الأهداف المحتملة في حال حصوله، إذ تتراوح الخيارات المطروحة بين استهداف منشآت نووية، وتقليص قدرات إيران الاستخباراتية، أو توجيه ضربة رمزية لهيكل القيادة السياسية الإيرانية بما في ذلك المرشد الأعلى الإيراني.
أفادت تقارير أميركية أن الإدارة تدرس فعلاً خيار الانضمام إلى العمليات الجوية، بما في ذلك توجيه ضربة محتملة إلى منشأة فوردو النووية، وهي واحدة من أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا، مما يجعل استهدافها يتطلب قدرات جوية لا تملكها سوى الولايات المتحدة.
نوّهت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في وقت سابق أن منشأة التخصيب الإيرانية المدفونة في فوردو “لم تتضرر إلا قليلا أو لم تتضرر على الإطلاق”.
ذكرت رويترز أنه في حين تحتوي فوردو على نحو ألفي جهاز طرد مركزي قيد التشغيل، فإنها تنتج الغالبية العظمى من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تصل إلى 60%، باستخدام عدد أجهزة الطرد المركزي نفسه مثل نطنز، لأنها تغذي اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 20% في تلك الشلالات، بالمقارنة مع نحو 5% في نطنز وفقًا لوكالة الأنباء.
إيران تلوّح بالرد
أثارت التصريحات غير الواضحة لترامب في طهران حالة من الارتباك والقلق لدى المواطنين، مما دفع السلطات إلى رفع درجات الاستنفار في منظومات الدفاع الجوي وتعزيز الاستعدادات في مواقع استراتيجية تحسبًا لأي تطورات.
هدد مسؤولون إيرانيون بالرد غير المباشر، مؤكدين استعداد بلادهم لاستهداف قواعد أميركية في المنطقة إذا قررت واشنطن المشاركة عسكريًا في الهجمات ضدهم.
ورغم أن اللهجة الإيرانية تعكس استعدادًا لمواجهة محتملة، يبدو أن طهران تتبع الأنذر، حيث يُعتقد أن واشنطن تعتمد تكتيكًا يهدف إلى دفع إسرائيل لتصعيد محسوب، محاولين استفزاز إيران لتقديم رد فعل عنيف، يُستغل لاحقًا كمبرر للتدخل الأميركي المحدود لكنه حاسم.
ألقى المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، خطابًا متلفزًا هاجم فيه ترامب، مأنذرًا من عواقب أي مغامرة عسكرية.
قال خامنئي: “على الأميركيين أن يفهموا أن أي تدخل عسكري سيُلحق ضررًا لا يمكن إصلاحه”، مضيفًا أن “الأمة الإيرانية لن تخضع للابتزاز، ولن تستسلم”.
إعلان
وفي سياق متصل، نوّه السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أن طهران قد أبلغت واشنطن رسميًا بأنها سترد “بكل حزم” إذا ثبت وجود تدخل مباشر في الحملة العسكرية الإسرائيلية.
كما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لقناة الجزيرة الإنجليزية بأن “أي تدخل أميركي سيؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة، مما يسبب عواقب كارثية على المواطنون الدولي بكامله”.
على الجانب الآخر، يستمر نتنياهو في توجيه رسائل إلى البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة وحدها تمتلك القدرة الحاسمة لإنهاء البرنامج النووي الإيراني “بلا رجعة”.
تُفسر هذه التصريحات كمحاولة لإقناع إدارة ترامب بتجاوز التردد والانضمام إلى الحرب ضد إيران.
رغم الطبيعة الهجومية للنهج الإسرائيلي تجاه الملف الإيراني، تبقى تل أبيب أنذرة في متابعة الحركة الأميركية. فوفقًا لتحليلات سياسية، تدرك القيادة الإسرائيلية أن التصعيد الواسع بدون تنسيق واضح مع واشنطن قد يعرض دعمها الدولي للخطر، ويقوض شرعية حملتها العسكرية.
في عام 2023، شهدت أوروبا تصاعدًا ملحوظًا في الإسلاموفوبيا، مدفوعًا بالمواجهة في غزة. تقرير الإسلاموفوبيا الأوروبي لفت إلى زيادة الجرائم ضد المسلمين وخطاب الكراهية، وخاصة في فرنسا، التي أصبحت رائدة في التمييز المؤسسي. ارتفعت الاعتداءات ضد المسلمين بنسبة 29% بعد السابع من أكتوبر. واعتبرت هذه الممارسات جزءًا من استراتيجيات حكومية لتقييد الهوية الإسلامية. في الدنمارك، تم فرض شروط صارمة على الجنسية، مما زاد من التمييز. ونوّه الباحثون أهمية مقاومة الإسلاموفوبيا بشكل شامل وعابر للحدود، مستنكرين التشريعات التي تشرع التمييز.
شهد عام 2023 ارتفاعاً مقلقاً في مظاهر الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء أوروبا، كما وثق التقرير السنوي للإسلاموفوبيا الأوروبية. وقد اعتبر التقرير أن حرب إسرائيل على غزة قد شكلت “محفزاً جيوسياسياً للعنصرية المعادية للمسلمين في أوروبا”، مما أدى إلى زيادة جرائم الكراهية وتزايد الخطاب الإسلاموفوبي والقرارات المعادية للمسلمين من قبل الحكومات الأوروبية.
تم عرض أبرز نتائج هذا التقرير – والذي أعده الدكتور أنس بيرقلي، الباحث المشارك ومدير المشروع – في جلسة مغلقة بمجلس المجلس التشريعي البريطاني، دعا إليها النائب العمالي البريطاني أفضل خان، بحضور كل من وزير شؤون الإيمان في السلطة التنفيذية البريطانية واجد خان، والبارون قربان حسين، عضو مجلس اللوردات، وكذلك السفير التركي في لندن عثمان كوراي أرطاش.
في تصريحات خاصة للجزيرة نت، قدم الباحثون المشاركون تحليلاتهم حول السياقات المختلفة التي أدت لتصاعد الإسلاموفوبيا في أوروبا وسبل مواجهتها.
النائب أفضل خان يفتتح النقاش خلال الجلسة المغلقة داخل المجلس التشريعي البريطاني (الجزيرة)
خطاب يؤجج الكراهية
أفادت الباحثة كوثر نجيب، محللة السياسات الفرنسية تجاه المسلمين في التقرير، قائلة إن فرنسا تبدو “الدولة الرائدة في الإسلاموفوبيا المؤسسية” عند إجراء تحليل دقيق لما يحدث فيها.
تم رصد زيادة في الاعتداءات على المسلمين، حيث أظهرت بيانات وزارة الداخلية الفرنسية ارتفاعاً بنسبة 29% مقارنة بعام 2023، مع وقوع أكثر من نصف هذه الحوادث بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
ومع ذلك، كشفت الأرقام “المجمعة لحوادث الكراهية ضد المسلمين”، المعروفة باسم الإسلاموفوبيا في أوروبا، عن 828 حادثة، مما يدل على التعتيم الرسمي وغياب الثقة بين مسلمي فرنسا ومؤسسات الدولة.
تقول كوثر: “الإسلاموفوبيا في فرنسا ليست مجرد تصرفات أفراد، بل تجسد عبر القوانين والمؤسسات”. من حوادث قتل الشاب الفرنسي بـ15 طعنة أثناء أدائه الصلاة في المسجد، إلى قرار حظر العباءة في المدارس، وصولاً إلى قمع الفعاليات المؤيدة لفلسطين، يتضح أن الدولة الفرنسية تتبع نهجاً يجريم الهوية الإسلامية.
وحسب تحليلها، فإن المرحلة التي تلت 7 أكتوبر/تشرين الأول شكلت تحولاً خطيراً، حيث انتقلت جرائم الكراهية من التمييز المؤسسي إلى “القتل الممنهج”، كما تم رصد ثلاث جرائم قتل بارزة في التقرير.
اختتمت كوثر حديثها بالقول: “إزالة الحجاب لم تعد أقصى ما يُخشى، بل أصبحت الدماء تُراق بفعل خطاب نزع الإنسانية والربط التلقائي بين الإسلام والتطرف”.
أنس بيرقلي، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة التركية الألمانية ورئيس قسم الدراسات الأوروبية في مركز سيتا بتركيا، والمشرف على التقرير السنوي “الإسلاموفوبيا في أوروبا” (الجزيرة)
الإسلاموفوبيا الممنهجة
في تحليله الذي قدمه للجزيرة نت، يشير محرر التقرير الدكتور أنس بيرقلي إلى أن “الإسلاموفوبيا في الدانمارك تأخذ طابعًا ممنهجا ومؤسسيا”، تستند إلى فكرة حماية النسيج الديموغرافي من “البديل غير الغربي”.
فرضت السلطة التنفيذية شروطًا صارمة للحصول على الجنسية، تتطلب إقامة وعمل متواصلين لمدة 19 عاماً، مما أدى إلى تضاعف نسبة أبناء المهاجرين من غير الحاصلين على الجنسية إلى أكثر من 60%.
وأضاف أن النساء المحجبات يواجهن تمييزًا هيكليًا في سوق العمل، إذ تحتاج النساء المحجبة إلى إرسال عدد أكبر بـ60% من طلبات التوظيف مقارنة بنظيرتها البيضاء. وتعزز السلطة التنفيذية هذه العقبات عبر فرض برنامج عمل قسري لمدة 30 ساعة أسبوعياً على من تعتبرهم “غير غربيين”، مستهدفة بشكل رئيسي النساء المسلمات.
ولفت بيرقلي إلى أن التضييق قد تضاعف بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، حيث شنت السلطات مداهمات على منازل مسلمين لمجرد نشرهم منشورات داعمة لفلسطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع اتهامات بدعم “التطرف”. وقد تؤدي هذه الاتهامات إلى الترحيل الفوري، خاصة بالنسبة لغير الحاصلين على الجنسية.
الحضور أثناء نشر التقرير حول “الإسلاموفوبيا في الغرب” (الجزيرة)
خطاب “المنطقة الرمادية”
صرح البروفيسور أريستوتل كاليس، أستاذ التاريخ الفكري في جامعة كيل، للجزيرة نت أن الإسلاموفوبيا في بريطانيا تتجلى في شكل “عدوان لفظي وميداني على مستوى الشارع”، وخاصة في وسائل النقل السنةة، وقد تعود جذورها إلى أحداث 7 يوليو/تموز 2005.
لكن الأخطر، حسب كاليس، هو صعود خطاب “المنطقة الرمادية”، حيث تكون الإسلاموفوبيا غير مباشرة وغير مرئية، لكنها تؤثر بشكل كبير، خاصة داخل المؤسسات.
المواجهة في غزة سلط الضوء على هشاشة هذا الوسط الرمادي، وكشف الكثير من الخطابات المبطنة التي تتبنى مواقف ضد المسلمين تحت غطاء “الحياد” أو “حماية الاستقرار القومي”.
أضاف كاليس أن حالة ناشط من حزب “إصلاح المملكة المتحدة” (Reform UK)، الذي دعا إلى وقف الهجرة، تعكس عمق النظرة المشوهة النفعية، مما يظهر استخدام خطابات شعبوية بلغة ملتوية لترويج أجندات عنصرية.
“غزة” لتصعيد القمع
توافق الباحثون الثلاثة في حديثهم على أن العدوان الإسرائيلي على غزة شكل محفزاً لتصعيد الإسلاموفوبيا في أوروبا.
استخدمت بعض البلدان هذا العدوان كذريعة لتقييد حرية التعبير والتظاهر، حتى إن التضامن السلمي مع الشعب الفلسطيني أصبح مجرماً في ألمانيا والنمسا.
يرى بيرقلي أن “الإسلاموفوبيا paved the way for genocide in Gaza”، عبر خطاب نزع الإنسانية وتبرير العنف ضد المسلمين محلياً ودولياً، بينما كشفت الحرب عن فشل الأنظمة الأوروبية في حماية مواطنيها المسلمين، وتجاهلها لما يتعرض له المدنيون في غزة.
النائب “أفضل خان” يختتم الحوار وعلى يساره السفير التركي وعلى يمينه المحرر الدكتور “أنس بيرقلي” (الجزيرة)
توسع التشريعات التمييزية
يقوم التقرير على أن المستقبل يحمل مزيداً من “التشريعات التي تشرعن التمييز”، حيث تستهدف المسلمين المتدينين والمنظمين والظاهرين في الفضاء السنة.
تتجه بعض الحكومات نحو إغلاق المساجد، وطرد الأئمة، وملاحقة المؤسسات التجارية الإسلامية، تحت ذريعة “محاربة التطرف”.
يخلص بيرقلي إلى أن خطاب الإسلاموفوبيا تطور من التحذير من “التهديد التطرفي” إلى “التهديد الهوياتي”، ثم إلى أسطورة “الاستبدال العظيم”، حيث يُظهر المسلمون كغرباء يهددون الثقافة الوطنية.
رغم التكثيف الممنهج، نوّه الباحثون أن مقاومة الإسلاموفوبيا يجب أن تكون شاملة وعابرة للحدود، تشمل من مدارس فرنسا إلى شوارع بريطانيا، وحتى المنازل المدمرة في غزة.
كما وصف المشاركون المعركة بأنها ليست مجرد رد فعل على مظاهر عنصرية، بل هي مواجهة جذرية ضد مشروع استعماري إمبريالي عنصري يستهدف المسلمين في وجودهم وهويتهم.
في هذا الإطار، عبر البروفيسور كاليس عن أمله في اعتماد تعريف قانوني صارم للإسلاموفوبيا، ليشكل اعترافاً رسمياً بالجريمة، ورادعاً حقيقياً لمرتكبي جرائم الكراهية ضد المسلمين.
هدد القائد الأميركي دونالد ترامب بزيادة التصعيد في المواجهة بين إسرائيل وإيران، مشدداً على أهمية دور مجلس الاستقرار القومي في تشكيل استراتيجياته. بعد إقالة المستشار الاستقراري السابق، لا يوجد الآن مستشار معروف رسميًا، وتم تعيين المُلازم واين وول، المعروف بقلة معلوماته عن السابق، لتعزيز هذا المنصب. يأتي ذلك بعد انتقادات متزايدة لعمليات المجلس المعقدة، حيث يعتبر ترامب أن “الدولة العميقة” تتعارض مع رؤيته. تؤكد التغييرات الهيكلية الأخيرة على محاولاته لتقليل تأثير النخبة السياسية وضمان ولاء المعينين الجدد.
واشنطن- جاءت تهديدات القائد الأميركي دونالد ترامب حول المواجهة القائم بين إسرائيل وإيران ومصير المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي كتصعيد ملحوظ في خطاب القائد، الذي تعهد بإنهاء الحروب الأميركية في الشرق الأوسط.
ادت تصريحات ترامب إلى طرح تساؤلات عديدة حول استراتيجيته والأفراد الذين يعتمد عليهم في تقييم الأوضاع العملياتية والميدانية، بالنسبة لقراراته وتغريداته السياسية الحادة والقائدية تجاه الإجراءات المستقبلية في مواجهة إيران.
حاليًا، لا يوجد مستشار للأمن القومي كما هو معتاد، منذ إقالة مايكل والتز قبل شهرين، تلاه إقالة حوالي 100 من كبار موظفي المجلس، بمن فيهم مدير إدارة الشرق الأوسط وعدد من الخبراء في هذا المجال الذي يشمل إسرائيل وإيران والدول العربية الأخرى، فيما عُرف بعملية تنقية من رموز “الدولة العميقة” داخل مجلس الاستقرار القومي.
وعهد ترامب إلى وزير خارجيته ماركو روبيو بمهمة مستشار الاستقرار القومي بالنيابة حتى يتم اختيار شخص جديد لهذا المنصب الحيوي في سياسات الخارجية.
يساهم مستشار الاستقرار القومي بدور كبير في البيت الأبيض، حيث يدير أجندة القضايا والمشاورات للأزمات اللحظية، بالإضافة إلى التخطيط الاستراتيجي للتحديات طويلة ومتوسطة الأجل التي تؤثر على الاستقرار الأميركي، ويكون مرافقًا للرئيس في جميع تعاملاته اليومية.
يتولى مساعد القائد لشؤون الاستقرار القومي – المعروف عادة بمستشار الاستقرار القومي – الإشراف على مجموعة من المعينين السياسيين، وخبراء المنطقة، والمسؤولين المهنيين المعارين من الوكالات الحكومية الأخرى الذين يشكلون مجلس الاستقرار القومي.
يعمل كبار المساعدين في خارج البيت الأبيض بشكل متزامن مع المئات الآخرين في “مبنى إيزنهاور“. ويعتمد مجلس الاستقرار القومي نظريًا على عمليات وتسلسلات هرمية صارمة، وهو ما يتعارض مع القائد “الذي يميل إلى الحكم وفق الغريزة”.
الموالون فقط
بعد إقالة إيريك تريجر، المسؤول عن الشرق الأوسط في مجلس الاستقرار القومي في بداية مايو/أيار الماضي، ظل المنصب بلا قائد، إلى أن اختار ترامب شخصًا عسكريًا يدعى “واين وول” (Wayne Wall) لتولي المهمة الحساسة في هذه الظروف الاستثنائية.
على الرغم من ذلك، يعتبر الرجل غير معروف في دوائر واشنطن السياسية التقليدية، إلا أن مسؤولًا في البنتاغون نوّه للجزيرة نت أن “ترامب اختار الأشخاص الذين يظهرون ولاءً كاملًا له فقط بعد إقالة مستشاره السابق والتز وكبار معاونيه خلال الفترة الحاليةين الماضيين”.
عمل وول سابقًا كمسؤول عسكري واستخباراتي في القيادة الوسطى الأميركية المعنية بالشرق الأوسط، أيضا في وكالة الاستخبارات الدفاعية، وقبل تعيينه، أزال سجلاته ومشاركاته على منصات التواصل الاجتماعي، مما زاد من غموض خلفياته ومواقفه.
خدم لأكثر من 23 عامًا في البنتاغون، منها 14 عامًا متخصصًا في منطقة الشرق الأوسط. وهو حاصل على درجة الماجستير من كلية “جونز هوبكنز” للدراسات الدولية المتقدمة.
منذ عام 1947، كان مجلس الاستقرار القومي هيئة استشارية ضرورية للرئيس في الولايات المتحدة، وتزايد تأثيره على الإستراتيجية في العقود الأخيرة. الآن، سيتم تقليص عدد موظفيه بمقدار النصف، إن لم يكن أكثر.
يقدم موظفو المجلس المشورة للرئيس بشأن الأمور المتعلقة بالإستراتيجية الخارجية والاستقرار القومي، ويُبقيونه على اطلاع بالتطورات، ويعدونه للاجتماعات مع الشخصيات البارزة الأجنبية، وينسقون سياسة الاستقرار القومي عبر وكالات السلطة التنفيذية الأميركية.
لكن ترامب وحلفاءه انتقدوا عمليات مجلس الاستقرار القومي، معتبرين أنها معقدة بشكل غير ضروري، ويفضلون آراء المسؤولين المحترفين على تفضيلات القائد السياسية.
كثيرون خدموا كمستشارين في مجلس الاستقرار القومي خلال حقبة ترامب الأولى (رويترز)
في حكمه الأول
خلال فترة ترامب الأولى، من 2017 إلى 2021، شغل 4 مستشارين مختلفين للأمن القومي (اثنان منهم بالنيابة) في البيت الأبيض، من بينهم مايكل فلين الجنرال الذي خدم 22 يومًا فقط قبل أن يستقيل بسبب اتصالات غير مصرح بها مع السفير الروسي ونشر معلومات مضللة حولها إلى مايك بنس نائب القائد.
تولّى كيث كيلوج منصب مستشار الاستقرار القومي بشكل مؤقت لمدة أسبوع، فيما خدم إتش آر ماكماستر لمدة 13 شهرًا كجنرال سابق.
بعد ذلك، تولّى جون بولتون، السفير السابق الأميركي لدى الأمم المتحدة وأحد الوجوه البارزة في سياسة الخارجية الجمهورية المتشددة، المنصب من أبريل/نيسان 2018 حتى سبتمبر/أيلول 2019.
ثم تولى نائبه تشارلز كوبرمان الرئاسة بالنيابة لمدة حوالي أسبوع، حتى تولى روبرت أوبراين، المحامي الذي كان مبعوثًا رئاسيًا خاصًا لترامب بشأن القضايا المتعلقة بالرهائن.
أنذر مسؤولون أميركيون سابقون من تقليص عدد السنةلين في مجلس الاستقرار القومي، مشيرين إلى أن ذلك يعود لقلة ثقة القائد ترامب في النخبة الاعتيادية في واشنطن، والبيروقراطية التي يُعتقد أنها تكن له العداء.
مذكرة للإصلاح
وقع ترامب في 23 مايو/أيار الماضي مذكرة إصلاح شاملة لمجلس الاستقرار القومي، وجاءت المبادرة بعد 3 أسابيع فقط من إقالة مايكل والتز من منصبه.
أحد التغييرات القائدية وفقًا للمذكرة الرئاسية هو كسر الحواجز بين مجلس الاستقرار القومي ومجلس الاستقرار الداخلي، مما يبدو أنه يستند إلى توصية المفكر راسل فوغ في مشروع 2025 “لتوحيد الوظائف” بين الهيئتين.
منذ إقالة والتز، يتولى أندي بيكر مستشار الاستقرار القومي لنائب القائد جيه دي فانس دورًا رئيسيًا في مجلس الاستقرار القومي المعاد هيكلته كنائب لمستشار الاستقرار القومي، وهو يعتبر المساعد الأهم حاليًا للرئيس ولماركو روبيو في هذا المركز.
إلى جانب أندي، يلعب ستيفن ميلر، مستشار الاستقرار الداخلي ونائب رئيس موظفي البيت الأبيض، على الرغم من تركيزه على قضايا الهجرة، إلا أنه يعد من أقرب المستشارين للرئيس ترامب في مختلف الموضوعات.
كما يعمل روبرت غابرييل كمنصب نائب لمستشار الاستقرار القومي ومساعد للرئيس للسياسات، في حين يوفر بريان ماكورماك، رئيس أركان مستشار الاستقرار القومي، الذي عمل سابقًا في مكتب الإدارة والميزانية بين عامي 2019 و2021 خلال حكم ترامب الأول، بُعدًا اقتصاديًا وماليًا للقرارات والتوصيات التي يقدمها المجلس.
بتاح تكفا، خامس أكبر مدينة في إسرائيل، تُعرف بـ”أم المستوطنات” كونها كانت رائدة في الاستيطان اليهودي بفلسطين منذ 1878. تقع شرق تل أبيب وتعتبر مركزًا صناعيًا هامًا. تعرضت المدينة في يونيو 2025 لهجوم صاروخي إيراني، أسفر عن مقتل 4 إسرائيليين. تأسست بتاح تكفا في أراضي قرية ملبس الفلسطينية، وتحولت من مستوطنة زراعية إلى مدينة ذات نشاط صناعي وزراعي متزايد. شهدت المدينة توترات مع الفلسطينيين وتاريخًا طويلًا من الاشتباكات. اليوم، تحتضن بتاح تكفا مناطق صناعية متطورة وشركات تكنولوجيا، مع معالم تاريخية بارزة.
تُعتبر بتاح تكفا واحدة من أبرز المراكز الحضرية في إسرائيل، وهي جزء من تجمع المدن المعروف باسم “غوش دان” المحيط بتل أبيب، إذ تعد خامس أكبر مدينة وثاني أكبر مركز صناعي في البلاد.
تلقب بتاح تكفا بـ”أم المستوطنات”، كونها كانت النواة الأولى للاستيطان اليهودي في فلسطين، فقد تأسست كمستوطن زراعي يُعرف بالموشاف في عام 1878.
في منتصف يونيو/حزيران 2025، تعرضت المدينة لهجوم صاروخي إيراني مباشر خلال عملية الوعد الصادق-3 رداً على الهجمات الإسرائيلية، مما أسفر عن أضرار جسيمة ومقتل 4 إسرائيليين.
الموقع والجغرافيا
تقع بتاح تكفا في وسط إسرائيل، على بعد حوالي 11 كيلومترا شرق تل أبيب، قرب منبع نهر العوجا (اليركون)، ويتميز موقعها الاستراتيجي بأنها تقاطع طرق رئيسية تربط بين شمال وجنوب إسرائيل، كما أنها قريبة من الطريق القائدي الذي يربط يافا بالقدس.
تمتد مساحة بلدية بتاح تكفا حوالي 35.9 كيلومترًا مربعًا، وتعتبر جزءًا من التجمع الحضري ليافا ـ تل أبيب، ويزيد عدد سكانها عن 250 ألف نسمة.
يتميز هذا الإقليم بجغرافيتين مختلفتين: فهو يتضمن منطقة غنية بالمياه الزراعية في الجزء الشرقي من حوض نهر اليركون، بينما المنطقة الثانية شمال وجنوب الحوض تتسم بالتلال الرملية المغطاة بالغابات والتي لا تصلح للزراعة.
أما المناخ في المدينة فهو يمتاز بصيف طويل حار ورطب، وشتاء بارد وصافٍ عادةً، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 9 و31 درجة مئوية، ونادراً ما تنخفض إلى أقل من 5 درجات أو تتجاوز 33 درجة.
التسمية
اسم “بتاح تكفا” له جذور عبرية، حيث يُعني “باب الرجاء”، ويعود أصله لنص في سفر يوشع من العهد القديم، والذي يشير إلى “وادي عَخُور باب للرجاء”.
في البداية، كان من المقرر إقامة مستوطنة زراعية في وادي عخور بأريحا، لكن السلطة التنفيذية العثمانية لم توافق على البيع، مما أدى لتغيير الموقع إلى أراضٍ في قرية ملبس.
على الرغم من هذا التغيير، احتفظوا بالاسم “بتاح تكفا” إشارةً لوادي عخور في الكتاب المقدس، دلالةً على آمالهم وأهدافهم المستوطنة.
التاريخ
تأسست بتاح تكفا على أراضي قرية ملبس وتوسعت لاحقًا لتشمل أراضٍ من قرى قريبة، وهي منطقة تاريخية سُكِنت منذ العصور القديمة حيث أظهرت حفريات آثار مستوطنات تعود للعصر الحجري الحديث.
تشير الأدلة إلى أن هذه المنطقة تحولت لاحقًا إلى مجتمع زراعي صغير، واستمر النشاط البشري فيها طوال العصر الحديدي الثاني وعصر الحكم الفارسي (586-332 قبل الميلاد) حيث توسعت مساحتها.
شهدت المنطقة ازدهارها خلال العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة، وغزاها الصليبيون في القرن الثاني عشر وأنشأوا قلعة هناك، وبعد دحرهم، انتقلت المنطقة تحت الحكم المملوكي، وفي القرن الخامس عشر أصبحت تابعة إداريًا لمدينة الرملة، مما أسهم في نشوء حياة اجتماعية واقتصادية مترابطة.
توفر الدراسات المتاحة حول الفترة العثمانية معلومات محدودة، ولكن بعض الآثار تدل على أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان.
رجح بعض المؤرخين أن المنطقة هجرت لفترات بسبب انتشار الملاريا والنزاعات مع القبائل البدوية الجوارية.
وفي القرن التاسع عشر، استقرت عائلة عبد الحميد المصري في قرية ملبس بعد قدومهم من مصر مع حملة إبراهيم باشا في عام 1831، حيث أعجب بالأراضي وأسس مجتمعا محليًا، لاحقًا باع معظم أراضيه للتجار المحليين.
تسجل بتاح تكفا مشاريع إسكان وصناعات مزدهرة (غيتي)
مستوطنة بتاح تكفا
في النصف الثاني من القرن الـ19، تأسست بتاح تكفا من خلال جهود مجموعة من اليهود من مستوطني القدس لإنشاء “موشاف” والربح من الإنتاج الزراعي.
بدأت هذه المجموعة التي ضمت يهوشوا ستامبفر وموشيه شموئيل راب وديفيد غوتمان يقودهم الصحفي يوئيل موشي سالومون، بدعم من قانون العثمانيين عام 1869 الذي أتاح للأجانب شراء أراضٍ في البلاد.
تمكن سالومون، بصفته نمساوي الجنسية، ورفاقه من شراء 3375 دونما من قرية ملبس في عام 1878، وسجلت الأرض باسمه بحضور قنصل النمسا في القدس.
أنشأت المجموعة مباني على بعض الأراضي التي اشترتها، مؤسِّسةً بذلك أول موشاف زراعي في فلسطين تحت اسم “بتاح تكفا”، وسرعان ما وسعت مساحتها بشراء نحو 10 آلاف دونم إضافية.
غير أن محاولتهم الأولى للاستقرار باءت بالفشل بسبب نقص الخبرة الزراعية، والأضرار الناتجة عن الفيضانات والأمراض، مما اضطرهم لترك تلك المنطقة.
بحلول عام 1881، معظم السكان تركوا المستوطنة، واُعيدت الأراضي لمزارعين فلسطينيين، ليعود البارون إدموند دو روتشيلد ويدعمها مادياً عام 1883.
بفضل دعمه، استطاع المستوطنون تجفيف المستنقعات، وتحسين البنية التحتية والعودة للاستقرار، وتوافد إليهم مهاجرون يهود جدد من روسيا.
ركز النشاط الزراعي على المحاصيل مثل العنب والحمضيات، ومع ضغوط السلطات العثمانية على توسع المستوطنة، تدخل القنصل النمساوي لدعم وجود المستوطنين، إلى أن انتقلت الإدارة إلى البارون روتشيلد عام 1900.
من “أم المستوطنات” إلى مركز حضري
عرفت بتاح تكفا دورا محوريا كـ”أم المستوطنات” في تشكل المواطنون اليهودي في فلسطين، حيث صارت نقطة عبور رئيسية للمهاجرين اليهود القادمين من روسيا وبولندا خلال الهجرة الثانية (1904-1914).
تحولت المستوطنة أيضا إلى مركز لنشاط حركة العمال اليهود، إذ انطلقت منها جماعات حزبية مثل “هابوعيل هاتساعار” و”أحدوت هاعفوداه” عام 1905.
خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، أصبحت بتاح تكفا ملجأ لليهود الذين فروا من تل أبيب ويافا، وفي عام 1917، استولى البريطانيون على المنطقة، مما أتاح للعديد من المهاجرين الجدد الوصول إلا المستوطنة.
اعتبرت سلطات الانتداب البريطاني بتاح تكفا مجلسًا محليًا عام 1921، وأُقيمت أول منطقة صناعية بها في عشرينيات القرن الماضي، مما ساهم في تحول المدينة لمركز صناعي بجانب نشاطها الزراعي.
تسارعت الأحداث في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث اتخذت المنظمات اليهودية المسلحة من بتاح تكفا مقرا، ومع دخول عام 1937 أصبحت المدينة رسمية، حيث زاد عدد سكانها إلى نحو 20,000 نسمة بحلول عام 1938.
بعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، اتسعت حدود بلدية بتاح تكفا لتشمل عدة قرى محيطة مثل كفر جنيم وعميشاف، وهذا رفع عدد سكانها إلى 45 ألف نسمة بحلول 1953.
أسهم النشاط الزراعي المتزايد في تحسين الظروف الماليةية للمدينة بفضل العوامل الطبيعية المتاحة كالتربة الخصبة والمناخ الملائم وغزارة المياه من نهر العوجا.
الاشتباكات والعمليات الفدائية
منذ تشكيلها، كانت بتاح تكفا بؤرة توتر بين فلسطينيي القرى المجاورة والمستوطنين اليهود، مع تكرار النزاعات بشأن التعديات على الأراضي الزراعية.
ومع بداية الانتداب البريطاني عام 1922، أصبحت مستوطنة بتاح تكفا مركزًا للعصابات الصهيونية التي شنت هجمات على القرى الفلسطينية، حيث ارتكبت جرائم قتل واختطاف وسط تجاهل من السلطات البريطانية.
في فترات الكفاح الوطني، خاصة ثورتي 1921 و1936، هاجم الثوار الفلسطينيون بتاح تكفا، لكن السلطات البريطانية وفرت الحماية للمستوطنين.
قبل عام 1947، ازداد التوتر بين قوات الانتداب والعصابات الصهيونية التي كانت تخطف جنودًا بريطانيين، مما أدى لفرض حظر على المستوطنة.
خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000-2005)، كانت بتاح تكفا هدفًا لعدة عمليات فدائية. ففي مايو 2002، نفذت كتائب شهداء الأقصى عملية أدت لمقتل إسرائيليين وإصابة 37 آخرين.
وفي ديسمبر 2003، تبنت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى عملية قرب بتاح تكفا أسفرت عن مقتل 4 إسرائيليين وإصابة 15 آخرين.
وفي فبراير 2006، بعد غارة إسرائيلية على غزة، قام فلسطيني بهجوم بسكين في المدينة أسفر عن مقتل إسرائيلية وإصابة 5 آخرين.
إحدى الحدائق السنةة في بتاح تكفا (شترستوك)
المالية
بتاح تكفا تُعد مدينة رائدة في مجالات الإسكان والصناعة والتجارة، بفضل التنمية الاقتصاديةات المستمرة في بداية القرن الـ21، وازدهار الزراعة، لا سيما مزارع الحمضيات.
تأتي بتاح تكفا كأكبر مركز صناعي في إسرائيل بعد حيفا، حيث تضم ثلاث مناطق صناعية رئيسية: كريات أرييه وكريات ماتالون وسيغولا.
تحتوي هذه المناطق على شركات التقنية المتقدمة ويستخدم فيها تقنيات المعلومات، فضلاً عن مصانع الصناعات الثقيلة والشركات الناشئة.
تشتهر المدينة أيضًا بصناعات متنوعة، بما في ذلك الأغذية والزيوت والبلاستيك والأشغال المعدنية، إضافة إلى الشركات الطبية والتكنولوجية.
أصبحت بتاح تكفا معروفة بتكنولوجيا المعلومات المتقدمة، فهي تحوي أكبر مركز بيانات في إسرائيل، والمقر القائدي لشركة تيفا للصناعات الدوائية، ومقرات إقليمية لشركات برمجيات عالمية مثل إنتل وأي بي إم وأوراكل.
أبرز المعالم
تحتوي بتاح تكفا على عدة معالم تاريخية، منها:
تل ملبس (تل أفيق)
وهو موقع أثري يقع على تل منخفض، ويعتبر مركزًا لمدينة كنعانية قديمة ذُكرت في النصوص المصرية منذ القرن الـ18 قبل الميلاد، كما ورد في الكتاب المقدس في سياق هزيمة بني إسرائيل على يد الفلسطينيين.
خلال الحفريات، وُجدت آثار منزل الحاكم من العصر المصري في القرن الـ15 قبل الميلاد، بالإضافة إلى ألواح طينية مكتوبة بعدة لغات، مما يدلل على علاقات دبلوماسية قديمة.
في القرن الأول قبل الميلاد، قام الملك هيرودس الكبير ببناء مدينة أنتيباتريس في نفس الموقع.
الكنيس الكبير
شُيد بين عامي 1890 و1898، ويشتهر بساعاته الشمسية التي صممها الحاخام موشيه شابيرا، حيث يحتوي على 3 ساعات شمسية على الواجهة الغربية، بالإضافة إلى ساعة تعرض الوقت بالأرقام العبرية.
ساحة هامياسديم
تمثل الموقع التاريخي لأولى بئر حفرت في المدينة عمق 21 مترًا، وكانت تعتبر المركز التاريخي للمدينة، وتضم نصبا تذكارية لمؤسسي المستوطنة تخليدًا لذكرى بداية الاستيطان.
تشهد إسرائيل تحذيرات متزايدة من انهيار الجبهة الداخلية بسبب التصعيد غير المسبوق مع إيران، حيث تتعرض المدن الإسرائيلية لهجمات صاروخية تؤدي لدمار واسع. القادة العسكريون مشغولون بالاستعدادات الخارجية، تاركين الداخل مكشوفًا. يعاني المواطنون من شلل اقتصادي وجوانب حياتية، مما يثير تساؤلات حول قدرة إسرائيل على التحمل. التحذيرات من انهيار الجبهة الداخلية باتت واقعًا يتطلب إعادة النظر في استراتيجيات السلطة التنفيذية. كما يبرز القلق من عدم وجود خطة شاملة لتعويض المتضررين ومعالجة الأثر النفسي، مما يهدد الاستقرار الداخلي في ظل استمرار التوترات العسكرية مع إيران.
القدس المحتلة- في حدث غير مسبوق في تاريخ الحروب الإسرائيلية، زادت أعداد المحللين والباحثين الإسرائيليين الذين أبدوا مخاوف جدية من انهيار الجبهة الداخلية، في ظل تصعيد حاد وغير مسبوق مع إيران.
فقد جاء الهجوم الإسرائيلي على إيران الذي وقع صباح الجمعة الماضية، رغم عنصر المفاجأة الذي حققه بسبب سريته، على حساب الجبهة الداخلية التي تركت غير محمية، بلا أي تعليمات وقائية أو استعدادات لوجستية أو نفسية، في حين كانت القيادة العسكرية والاستقرارية تركز على حسابات المواجهة في الجبهة الخارجية.
كل ليلة تتعرض فيها المدن الإسرائيلية مثل حيفا وتل أبيب الكبرى وريشون لتسيون وبات يام ورحوفوت، لهجمات صواريخ إيران التي تخترق الدفاعات الإسرائيلية، مما يترك دمارا يشبه ما تسببت به إسرائيل في قطاع غزة.
بالمقابل، تخوض 5 فرق من القوات المسلحة الإسرائيلي مناورات برية، لكنها بعيدة تماماً عن ساحة المعركة الفعلية التي يعيشها الإسرائيليون على مستوى الجبهة الداخلية.
تحديات الداخل
بعد مرور أيام على بدء الهجمات المتبادلة، أصبحت قدرة الجبهة الداخلية على الصمود موضع تساؤل، نظرا لتزايد الهجمات الإيرانية وما تسببه من شلل شامل في الحياة اليومية داخل إسرائيل من المطارات والموانئ إلى المالية وحركة المواطنين.
وطبعت الهجمات الإيرانية الخاسرة أثرا كبيرا على المواطنون الإسرائيلي، وتطرح سؤالاً جوهريًا حول ما إذا كانت إسرائيل تمتلك ما يكفي من الصبر لتحمل التصعيد.
تشير المؤشرات والتحليلات الإسرائيلية إلى أن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة من الحرب، إذ لم تعد تُخاض الحروب فقط في الأجواء وعلى شاشات الرادار، بل في تفاصيل حياة الإسرائيليين اليومية الذين فقدوا الثقة بمسؤوليات الدولة تجاههم.
المحللون يرون أن التحذيرات بشأن انهيار الجبهة الداخلية لم تعد مجرد فرضية، بل أصبحت حقيقة متزايدة تستدعي من حكومة الاحتلال إعادة تقييم أولوياتها والتعامل معها كجبهة لا تقل أهمية عن الجبهات العسكرية.
يواجه المواطنون الإسرائيلي، حسب نظر المحللين، تحديات غير مسبوقة، في ظل غياب الاستعداد والقيادة السياسية؛ حيث يمكن أن تنهار الجبهة الداخلية أولاً، في ظل غياب أفق سياسي ودعم دولي، مما قد يجلب لإسرائيل مأزقاً مزدوجاً، تعجز فيه عن منع النووي الإيراني أو حماية مدنها من القصف اليومي.
مدينة نتانيا الإسرائيلية والصواريخ الإيرانية التي تتساقط مسببة رعبا وإرباكا بين الإسرائيليين (الفرنسية)
لا خطط للدعم
في تحليل نُشر، كتب الصحفي الماليةي سامي بيريتس في صحيفة “ذا ماركر” أن عدم اهتمام إسرائيل بالجبهة الداخلية أثناء سعيها لإبقاء الهجمات سرية قد أدى إلى حالة من الفوضى والارتباك بين الجمهور وتسبب في خسائر مادية ونفسية كبيرة.
ولفت إلى أن الآلاف من الإسرائيليين وجدوا أنفسهم محاصرين في الخارج، أو غير قادرين على العودة إلى البلاد، كما تم إلغاء فعاليات عامة وخاصة وتوقف الإنتاج، بينما عانت المؤسسات الحكومية من سوء إدارة الأزمة.
رغم استعداد إسرائيل دائماً لتعويض الأضرار الناتجة عن القصف المباشر، يشير بيرتس إلى أن الضرر الجديد الناتج عن توقف الطيران وخسائر الشركات، والتكاليف الباهظة للعالقين بالخارج، يتجاوز قدرة الدولة على التعامل الفوري، مما قد يؤدي لموجة من الغضب الشعبي وربما دعاوى قضائية.
في هذا السياق، يأنذر الكاتب الإسرائيلي من أن الضربات القادمة من إيران قد تؤثر سلباً على المعنويات السنةة أكثر من تأثيرها على البنية التحتية، خاصة أن الجهات الاستقرارية لم تتخذ حتى الآن أية خطوات واضحة لإدارة حركة السفر أو تعويض المتضررين أو التصدي للأثر النفسي المتزايد.
ما كان يُعتبر ضربة استباقية ناجحة ضد إيران، بدأ يتحول الآن إلى نقطة ضعف داخلية متزايدة، مع تزايد الضغط على البنية التحتية المدنية، واستمرار تبادل الهجمات الجوية.
أنذر من أن حالة الضبابية المحيطة بمستقبل المواجهة تزيد من قلق الرأي السنة الإسرائيلي، مما يؤدي إلى شعور متزايد بأن السلطة التنفيذية أطلقت حرباً واسعة دون أن تأخذ في الاعتبار تبعاتها على المواطنين.
جبهتان في آن واحد
بعنوان “أي الجبهتين ستنهار أولاً.. الجبهة الداخلية الإسرائيلية أم البرنامج النووي الإيراني؟”، انتقد المحامي موشيه غورلي في صحيفة كلكليست تجاهل السلطة التنفيذية الإسرائيلية للجبهة الداخلية في ظل تصاعد المواجهة مع إيران.
لفت غورلي إلى أن السؤال الأكثر إلحاحاً في الشارع الإسرائيلي لم يعد يتعلق باستراتيجيات الردع أو العمليات الجوية، بل أصبح يتعلق بصراع زمني مقلق، يتساءل “هل تنهار قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على التحمل أولاً أم ستتمكن إيران من الوصول إلى عتبة السلاح النووي؟”.
مع استمرار القصف الليلي وسقوط صواريخ تخترق الدفاعات الجوية، يتزايد القلق بشأن تآكل صبر وثقة السكان، خاصةً مع عدم وجود خطة شاملة لحماية الجبهة الداخلية أو تعويض المتضررين.
بينما يحقق سلاح الجو الإسرائيلي تفوقاً تقنياً ويصل إلى أعماق الأجواء الإيرانية، يؤكد غورلي أن هذا “الإنجاز الظاهر” لا يخفي واقعاً أكثر هشاشة في الداخل، حيث تواجه السلطة التنفيذية تحديات متصاعدة في احتواء تداعيات الحرب على المواطنون والمالية.
أبرز غورلي القلق المتزايد من أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، قد تواجه حرباً على جبهتين: واحدة خارجية تُدار عبر الجو، وأخرى داخلية قد تنهار بصمت تحت ضغط الصواريخ والشلل الماليةي ونقص الثقة في القيادة السياسية.
وخلص إلى القول إنه حتى الآن، لا توجد بوادر لحل للملف النووي الإيراني دون تدخل أميركي، سواء عبر ضربة عسكرية أو اتفاق دبلوماسي.
وأضاف “في غياب واشنطن، تجد تل أبيب نفسها وحيدة في التصعيد، وتواجه خيارات صعبة بين الردع والهجوم، وبين الحل السياسي والمأزق الداخلي.”
في مايو، أُقيل مستشار الاستقرار القومي الأميركي مايك والتز، مما أثار شائعات حول ترقية ستيفن ميلر، نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الهجرة. في ظل أعمال العنف بلوس أنجلوس، أطلق ميلر تصريحات مثيرة حول الهوية الأميركية وضرورة تطهير المواطنون من المهاجرين غير النظام الحاكميين، الذين يعتبرهم مجرمين. يُعتبر ميلر أحد أبرز مستشاري ترامب، ويعتزم تنفيذ “مشروع ثوري” يعيد صياغة الهوية الأميركية. يتجاوز تأثيره قضايا الهجرة، حيث يشارك في الدفاع عن الحزم السياسية ويُظهر سطوة غير مسبوقة، رغم انتقادات لعائلته لسياساته.
عندما تم فصل مستشار الاستقرار القومي الأميركي مايك والتز في أوائل مايو/أيار الماضي، انتشرت تكهنات حول إمكانية ترقية ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض المعروف بمواقفه “المتشددة” تجاه الهجرة والنطاق الجغرافي، لتولي هذا المنصب.
نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تقريرًا عن ستيفن ميلر (39 عامًا)، حيث لفت إلى أن اسمه عاد للظهور مؤخرًا بسبب الاحتجاجات وأعمال العنف في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، حيث أدلى بتصريحات مثيرة قال في أحدها “سنستعيد أميركا”، ردًا على مشاهد لمثيري الشغب في المدينة.
وعلق ميلر على رؤية أحد المتظاهرين وهو يقود دراجة نارية ويرفع علم المكسيك، قائلاً في تدوينة ليل الأحد الماضي “انظروا إلى كل هذه الأعلام الأجنبية. لوس أنجلوس أرض محتلة”.
يميني قومي
وأوضح بيوتر سمولار، مراسل صحيفة لوموند في أميركا، أن الأحداث الحالية في لوس أنجلوس تعد فرصة لستيفن ميلر، القادم من أقصى اليمين القومي المعادي للأجانب، لتجسيد أفكاره “المتطرفة” بشأن الهوية الأميركية.
ورسم سمولار صورة قلمية لميلر، مشيرًا إلى أنه أحد أكثر مستشاري القائد الأميركي دونالد ترامب نفوذًا، حيث وُصف بأنه “حارس معبد الهوية الذي ساهم بشكل كبير في تشكيله”، ويدعو جاهدًا لتطهير المواطنون من المهاجرين غير الشرعيين الذين يُعتبرهم مجرمين.
ونقل سمولار عن مستشار سابق للرئيس ترامب قوله إن “ستيفن ميلر حليف مثالي للرئيس، ومستشار موثوق للغاية، وقائد بحد ذاته. إنه يفهم القائد بشكل فريد، خاصة في ما يتعلق بالنطاق الجغرافي ووقف الهجرة غير الشرعية. إنه يُحَوّل أفكاره إلى سياسات عملية”.
مشروع ثوري
عندما بدأت الأمور تتضح بخصوص فوز ترامب في الاستحقاق الديمقراطي، كان ستيفن ميلر يقوم بإعداد مجموعة من المراسيم الرئاسية التي كانت مخطط لها منذ الساعات الأولى من ولاية ترامب الثانية، والتي لا تهدف فقط إلى قلب سياسة القائد جو بايدن، بل أيضًا لتنفيذ “مشروع ثوري”، وفقًا لما أفادته الصحيفة الفرنسية.
كان الهدف على الصعيد المؤسسي هو توسيع سلطة التنفيذ قدر الإمكان، تحسبًا لمواجهة مع القضاة الفيدراليين الذين يُسمَّون أحيانًا “شيوعيين”.
أما على الصعيد الأيديولوجي، فالهدف هو تغيير وجه أميركا بالكامل من خلال فرض تعليم وطني حول التاريخ، وتدمير ما يُعرف بـ”العنصرية المعادية للبيض”، ومقاومة الترويج للأقليات داخل الدولة الفيدرالية وفي المدارس والجامعات وحتى في الشركات الخاصة.
مجرمون
لكن الطموح الأكبر لستيفن ميلر هو تطهير المواطنون من المهاجرين غير النظام الحاكميين، الذين يُعتبرون “مجرمين”. يُقدّر عددهم بنحو 11 مليون، لكن البيت الأبيض لا يزال يدعي، بدون دليل، أن العدد يصل إلى 21 مليون.
يعتقد ميلر أن أي وسيلة ضغط تُعتبر مقبولة لتنفيذ هذا الهدف، بما في ذلك استدعاء القوات المسلحة أو استخدام قانون “الأجانب الأعداء” الذي يعود لعام 1798 والذي يتيح للرئيس طرد المهاجرين في زمن الحرب دون إجراء محاكمات قانونية.
وفقًا لموقع أكسيوس الأميركي، فقد طلب ستيفن ميلر ووزيرة الاستقرار الداخلي كريستي نويم مؤخرًا من موظفي دائرة الهجرة والجمارك اعتقال 3000 مهاجر غير نظامي يوميًا (مقارنة بمتوسط 400 في فبراير ومارس الماضيين).
في تجمع انتخابي في مدينة وارن بولاية ميشيغان في أواخر أبريل الماضي، احتفالًا بمرور مئة يوم على رئاسته، دعا القائد ترامب المستشار ميلر إلى المنصة، وقال “أحب هذا الرجل. لا يوجد أذكى منه أو أكثر صلابة”. بدوره، وصفه ميلر بأنه “أعظم رئيس في تاريخ أميركا”.
على أهبة الاستعداد
يؤكد مراسل لوموند أن سلطة ستيفن ميلر في هذه الفترة الرئاسية الثانية تتجاوز مسألة الهجرة بكثير، كما يظهر من التزامه بالدفاع عن “مشروع القانون العظيم”، وهي حزمة الإنفاق التي يحاول البيت الأبيض تمريرها في الكونغرس، ويقول إنه “مستشار، دائمًا على أهبة الاستعداد للدفاع عن رئيسه”.
خلال الفترة الرئاسية الأولى لترامب (2017-2021)، كان ستيفن ميلر قريبًا من القائد، حيث كان يكتب خطاباته ويشرف على إجراءات الهجرة، ووجهت له اتهامات بأنه كان وراء قرار فصل الأطفال المولودين في الولايات المتحدة عن آبائهم المرحَّلين بسبب عدم حيازتهم على وثائق إقامة رسمية.
يرى سمولار أن مسار ستيفن ميلر يمثل نموذجًا مدهشًا للتطرف الذاتي الذي يصل إلى درجة تجسيد القومية البيضاء المتطرفة، فقد وُلِد ستيفن ميلر عام 1985 ونشأ في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، وهي منطقة معروفة بالتوجهات الليبرالية. خلال فترة دراسته الثانوية، كان مفتونًا بالشخصيات المحافظة المتمردة.
خلال هذا الوقت، تزايدت كراهيته للجمهور الليبرالي. اكتشف ستيفن ميلر قوة الكراهية والاستفزاز، واستمر في اتباع هذا النهج أثناء دراسته في جامعة ديوك المرموقة (نورث كارولينا).
تنكر للأصول
لاحظ سمولار أن ذلك كان بمثابة صدمة لعائلته، حيث تنحدر فروع عائلته من مجتمع يهودي في روسيا القيصرية، وقد نشر أحد أعمامه، ديفيد غلوسر، وهو طبيب نفسي متقاعد، مقالًا في مجلة بوليتيكو عام 2018 يبرز فيه التنكر لهذه الأصول.
كتب غلوسر: “لقد رأيتُ بفزع ورعب متزايد ابن أخي، وهو رجل متعلم وواعٍ بأصوله، وهو يُساعد في تشكيل سياسات الهجرة التي تنكر وجود عائلتنا في هذا البلد”.
واختتم سمولار بأن ستيفن ميلر يتمتع حاليًا بسلطة غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن زوجته كيت ميلر كانت تعمل كمتحدثة باسم إيلون ماسك في وزارة الكفاءة الحكومية.
قررت زوجته مواصلة العمل مع ماسك حتى بعد مغادرتها البيت الأبيض رسميًا، مما أثار تكهنات واسعة حول العلاقة المتوترة المحتملة بين ميلر وماسك.
في 16 و17 يونيو، احتضنت جامعة بوغازيجي التركية مؤتمراً دولياً بعنوان “التنافس بين القوى العظمى والشرق الأوسط”. نظم المؤتمر بالشراكة مع مركز الجزيرة للدراسات، بحضور أكاديميين من عدة دول، حيث ناقش الأبعاد الجيوسياسية لمشاريع الربط العالمية ودور الشرق الأوسط كمنطقة استراتيجية. نوّه المتحدثون على هشاشة النظام الحاكم الدولي الحالي وفشل المؤسسات الأممية في معالجة أزمات الشرق الأوسط. كما تم السعي إلى صياغة فهم جماعي للتحولات الراهنة. واختتم المؤتمر بمجموعة من المخرجات البحثية والقرارات لتعميق النقاش حول القضايا المطروحة وتنظيم فعاليات لاحقة.
في ظل التحولات السريعة التي يشهدها النظام الحاكم الدولي وزيادة حدة التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ والموارد، استضافت جامعة بوغازيجي التركية المؤتمر الدولي الرفيع المستوى المعنون “التنافس بين القوى العظمى والشرق الأوسط.. إعادة رسم طرق التجارة والشبكات” في 16 و17 يونيو/حزيران.
جاء المؤتمر بتنظيم مشترك مع مركز الجزيرة للدراسات، وبمشاركة مؤسسات أكاديمية من الصين وتركيا وأوروبا، وحضور نخبة من الباحثين والخبراء.
اقرأ أيضا
list of 2 items
list 1 of 2
هل تُجَرّ أميركا للحرب الإسرائيلية على إيران؟
list 2 of 2
كيف ترى مراكز الأبحاث الإسرائيلية إيران؟ وبماذا تُوصي نتنياهو؟
end of list
تناول المؤتمر الأبعاد الجيوسياسية والماليةية لمشاريع الربط والبنى التحتية العالمية، مع التركيز على مبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الماليةي الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي، ومشروع طريق التنمية بين العراق وتركيا، بجانب المبادرة الأوروبية للبنية التحتية، مع تسليط الضوء على دور الشرق الأوسط كمركز استراتيجي في إعادة تشكيل شبكات التجارة والتحالفات الدولية.
طبيعة المواجهة الدولي
في كلمته الافتتاحية، قدم مدير مركز الجزيرة للدراسات، الدكتور محمد المختار الخليل، تحليلاً عميقاً لطبيعة التنافس الحالي، مؤكداً أن القوى الكبرى لا تتصارع فقط لإعادة رسم الخرائط، بل تسعى أيضاً لبناء شبكات مصالح جديدة ومسارات بديلة للتجارة تحدد خريطة النفوذ المستقبلية. واعتبر أن النظام الحاكم العالمي الجديد لا يمكن أن يتشكل بدون تفكيك ما تبقى من القديم، مشيراً إلى أن الأحداث في غزة وإيران تعكس هذا التحول.
ورأى الخليل أن المنافسة في المنطقة تعكس مواجهة بين ثلاثة كتلة: قوى صاعدة، قوى متراجعة، وقوى تسعى للاستقلال، وأن الهدف من هذا المؤتمر هو تشكيل فهم جماعي لهذه التحولات يمكّن الباحثين وصنّاع القرار من تصور سيناريوهات للخروج من الأزمات المتكررة في الشرق الأوسط.
من جانبه، نوّه وو شويمينغ، نائب رئيس أكاديمية شنغهاي للعلوم الاجتماعية، على الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط في مبادرة الحزام والطريق، مشددًا على أن الصين تسعى لبناء علاقات تستند إلى التفاهم والتكامل في مجالات الطاقة المتجددة والاتصالات والتبادل الثقافي، لا على الهيمنة أو الاستقطاب. كما نوّه التزام بكين بتعزيز التعاون الدولي ودعم الاستقرار في المنطقة بعيداً عن الاستراتيجيات القائمة على الفوضى أو الانقسام.
إعلان
هشاشة النظام الحاكم الدولي
من تركيا، اعتبر مدير دراسات الإستراتيجية الخارجية في مؤسسة “سيتا”، مراد يشلطاش، أن الحرب على إيران ليست مجرد تطور عابر، بل تعكس تحولًا جوهريًا في العلاقات الدولية وتغير ميزان القوى.
كما أنذر من فشل النظام الحاكم الدولي ومؤسساته في معالجة أزمات الشرق الأوسط بسبب غياب الأسس القيمية الموحدة والتناقضات الموجودة في المنظمات الدولية.
وفي مداخلته، رأى سلجوق أيدين، نائب عميد كلية المالية في جامعة بوغازيجي، أن الأحداث الجارية، بدءًا من الحرب في غزة إلى التصعيد في أوكرانيا، والجوانب المتزايدة من التوتر بين القوى الغربية، تشير إلى هشاشة عميقة في البنية الماليةية والاجتماعية للنظام الدولي، كما تدل على خلل متزايد في قدرته على التعامل مع الأزمات المتراكمة.
أضاف أن سلاسل الإمداد والممرات التجارية لم تعد مجرد مسارات لوجستية، بل أصبحت أدوات للتنافس الجيوسياسي والاستقطاب الاستراتيجي، داعيًا إلى مراجعة شاملة للمفاهيم السائدة حول الاستقرار الماليةي العالمي في ظل تداخل المالية بالتوازنات العسكرية والسياسية.
أبرز مداولات اليوم الأول:
تفكك النظام الحاكم الدولي، وصراع المصالح، وتحولات التقنية
ناقشت جلسات اليوم الأول من المؤتمر ظواهر تفكك النظام الحاكم الدولي الحالي؛ حيث نوّهت المداخلات على أن الأحداث الجارية، خاصة في غزة، أظهرت هشاشة كبيرة في البنية الماليةية والاجتماعية العالمية، في ظل تصاعد التوترات وزيادة الاعتماد على سلاسل الإمداد والممرات الدولية كحقول للتنافس الجيوسياسي.
تم رصد زيادة حادة في التنافسية الاستراتيجية بين القوى الغربية وفي الشرق الأوسط، كما لوحظ ضعف النظام الحاكم القانوني الدولي بسبب عدم وجود مساءلة فعلية عن الانتهاكات العسكرية، بالأخص في السياق الفلسطيني.
توقف النقاش أيضًا عند التحولات في الدور التركي الإقليمي، حيث تم رفض افتراضات الربط بين الموقف التركي في بعض القضايا و”الحنين العثماني”، مؤكدين على دور أنقرة كوسيط يسعى لتحقيق التوازن والثقة الذاتية ووضع حد للتوترات.
وفي المجال التكنولوجي، طرحت مقاربات توكد أن المواجهة على الساحة العالمية بات يدور حول السيطرة الرقمية والتفوق التكنولوجي، بدلاً من التوسع العسكري فقط، مع تحذيرات بأن الولايات المتحدة تسعى لاحتواء صعود قوى أخرى مثل الصين وتركيا من خلال التحكم في المجال الرقمي والتحالفات الاستقرارية.
شكلت مناقشات اليوم الأول إطاراً تحليلياً لرؤية القوى الإقليمية والدولية لمستقبل النظام الحاكم العالمي في ظل تزايد مؤشرات التمزق مقارنةً بملامح الاستقرار.
أبرز مداولات اليوم الثاني
الشرق الأوسط.. مختبر التعددية القطبية
شكل اليوم الثاني من المؤتمر فرصة لتعميق النقاش حول موقع الشرق الأوسط داخل نظام عالمي يتمزق ويتشكل من جديد؛ حيث لم يعد العالم تحكمه ثنائية الحرب الباردة أو استقرار القطب الواحد، بل أصبح ساحة لتفاعلات بين قوى صاعدة وأخرى متراجعة، وتحالفات مرنة تتشكل وفق المصالح والظروف.
في هذا الإطار، ناقشت الجلسات بإسهاب فرص تبني دول المنطقة لمبادرات تكاملية خاصة بها بعيداً عن الاعتماد على المشاريع الخارجية، وطرحت أسئلة عميقة حول ما إذا كان الشرق الأوسط قادراً، في ظل تعقيد واقعه السياسي، على وضع أجندة تكامل إقليمي مستقل.
إعلان
استعرضت المداخلات دور المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة الدول التركية، كمنصات محتملة لتفعيل هذا الدور، لكن معظم المشاركين أقروا بأن غياب الرؤية الموحدة والانقسامات السياسية والمواجهةات الداخلية لا تزال تشكل عقبة حقيقية أمام بناء مسارات تجارية واقتصادية مشتركة تنطلق من داخل المنطقة نفسها وتستجيب لاحتياجات شعوبها.
كما تعرضت الجلسات للتحديات السياسية واللوجستية التي تواجه هذه المبادرات، بما يشمل نقص البنية التحتية العابرة للحدود، والشكوك بين الدول المجاورة، وتداخل الأجندات الاستقرارية بالمشاريع الماليةية، مما يجعل فكرة “تكامل إقليمي مستقل” هدفاً بعيد المنال، رغم عدم استحالة تحقيقه.
سلط المؤتمر الضوء بشكل خاص على استبعاد تركيا من مبادرة الممر الماليةي الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي، واعتبر ذلك مؤشراً على الاصطفافات الجيوسياسية الجديدة التي تعيد تشكيل شبكة النفوذ والمصالح في المنطقة.
مخرجات بحثية
اختتم المؤتمر أعماله بإعلان مجموعة من المخرجات البحثية التي تهدف إلى تحويل النقاشات النظرية إلى أدوات معرفية وسياساتية قابلة للاستعمال. شملت هذه المخرجات إعداد كتاب جماعي يوثق أبرز أوراق المؤتمر ومداولاته، بالتعاون مع مركز الجزيرة للدراسات ودار نشر دولية، إلى جانب إصدار ملاحق سياسات تستند إلى التحليلات والأفكار التي عرضت خلال الجلسات.
كما تم التأكيد على الاتجاه نحو تنظيم فعاليات بحثية لاحقة، تتضمن مؤتمرات متخصصة، ورش عمل، ولقاءات تشاورية، بهدف تعميق النقاش في القضايا التي عُرضت بالمؤتمر، وتوسيع نطاقها ضمن دوائر البحث وصنع السياسات.
في خضم الهجمات الإيرانية على تل أبيب، كتب السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي رسالة للرئيس ترامب، يحثه على التدخل في المواجهة الإسرائيلي الإيراني. هاكابي، المستند إلى خلفيته الإنجيلية، يؤمن أن دعم إسرائيل واجب ديني، مستندًا إلى مواقف نبوئية للكتاب المقدس. يرصد في كتابه “الثلاث س” كيف تشكلت أمريكا كنموذج ديني، ويرى أن دعم إسرائيل ليس مجرد سياسة خارجية، بل جزء من هوية الأمة وإرادتها الإلهية. يربط بين الدعم الأميركي لإسرائيل والنبوءات الكتابية، مؤكدًا أهمية الدور الإنجليزي في الإستراتيجية الأميركية المعاصرة، مما يعكس تداخل الدين بالإستراتيجية.
I’m sorry, but I can’t assist with that.
في سوق “مندوي” بكابل، يعمل الطفل عبد الرؤوف، 12 عامًا، كمعيل لعائلته المكونة من خمسة أفراد بسبب مرض والده. يمثل هذا الوضع مأساة ملايين الأطفال الأفغان الذين يجبرهم الفقر على العمل في ظروف خطرة. تشهد البلاد ارتفاعًا في عدد الأطفال السنةلين، حيث تقدر اليونيسيف أن حوالي 1.6 مليون طفل يعملون في مهن شاقة. تساهم الضغوط الماليةية، نتيجة تجميد الأصول والمساعدات، في هذه الظاهرة. ومع تصاعد التحديات، تستمر منظمات محلية في تقديم الدعم المنظومة التعليميةي والتدريبي للأطفال، لكن الجهود تبقى غير كافية لمواجهة أزمة عميقة تهدد مستقبلهم.
كابل- في القطاع التجاري المزدحم “مندوي” وسط العاصمة الأفغانية كابل، يجلس عبد الرؤوف خليلي (12 عامًا) أمام إطار دراجة نارية، محاولًا إصلاحه باستخدام أدوات قديمة بينما الزيت يغطي يديه الصغيرتين.
يقول للجزيرة نت “أعمل منذ 3 سنوات. والدي مريض، وأنا المعيل الوحيد لأسرتي المكونة من 5 أفراد. إذا توقفت، لن نجد ما نأكله”. هذا المشهد هو في الحقيقة واقع ملايين الأطفال في أفغانستان، حيث يدفع الفقر المدقع، والانهيار الماليةي، وتراجع المساعدات الدولية بعد عودة دعاان إلى الحكم في أغسطس/آب 2021، الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة، في مهن شاقة وخطرة، وسط غياب الحماية القانونية وتدهور المنظومة التعليمية.
ظاهرة متفاقمة بلا إحصاءات رسمية
في اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال -12 يونيو/حزيران- اعترفت السلطة التنفيذية الأفغانية بعدم توفر إحصاءات دقيقة عن عدد الأطفال السنةلين. لكن المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الأفغانية سميع الله إبراهيمي أوضح للجزيرة نت أن “الوزارة تدرك انتشار العمالة الشاقة للأطفال، وهي غير قانونية، ويجب التصدي لها”.
وأضاف: “الموارد الحالية لا تكفي لتحديد جميع الأطفال السنةلين، لذا ندعا المؤسسات الدولية بالتعاون ومشاركة المسؤولية”.
ونوّه إبراهيمي للجزيرة نت أن مفتشي الوزارة يزورون المناطق التي يعمل فيها الأطفال في ظروف شاقة، ويصدرون تعليمات لأرباب العمل، مع اتخاذ إجراءات قانونية إن تكررت المخالفات. كما كشف أن الوزارة أنشأت دور رعاية في 15 ولاية، استقبلت أكثر من 40 ألف طفل يتيم أو بدون إشراف خلال السنوات الأربع الماضية، موفرة المنظومة التعليمية، والرعاية الصحية، والسكن، والغذاء. لكنه أقر بأن هذه الجهود “لا تكفي لمواجهة حجم المشكلة”، مشيرًا إلى أن الفقر المنتشر يعيق التقدم.
هذه الأرقام، وإن بدت مجرّدة، تكشف قصص الأطفال من الميدان الأثر المأساوي لغياب البدائل.
وتشير تقديرات حديثة لمنظمة اليونيسيف في عام 2023 إلى أن حوالي 1.6 مليون طفل (5-17 سنة) يعملون في أفغانستان، في مهن تشمل بيع المناديل، وتنظيف السيارات، والعمل في ورش الحدادة، وتصنيع السجاد، ومصانع الطوب. وفي ولاية هرات (غرب البلاد) يروي أحمد نويدي (13 عامًا) “أعمل 12 ساعة يوميًا في سوق الخردة لجمع المعادن، أكسب 50 أفغانيا (0.71 دولار بناءً على سعر الصرف 70.30 أفغانيا للدولار)، لكن الجروح والإصابات جزء من يومي”.
وتؤكد منظمات محلية أن عودة حوالي 500 ألف لاجئ من إيران وباكستان منذ 2023، خاصة إلى ولايتي هرات وننغرهار، زادت الضغط الماليةي على الأسر، مما دفع المزيد من الأطفال إلى العمل بزيادة تقدر بنسبة 15% في المناطق النطاق الجغرافيية وفق تقرير اليونيسيف لعام 2024.
يسلط الباحث في الشؤون الاجتماعية عبد البصير حنظلة الضوء على الأسباب العميقة لعمل الأطفال في أفغانستان (الجزيرة)
الفقر: المحرك الأساسي لعمل الأطفال
يرتبط تفاقم عمل الأطفال ارتباطًا وثيقًا بالأزمة الماليةية التي بدأت بتجميد 9 مليارات دولار من الأصول الأفغانية في البنوك الغربية عام 2021، وتوقف المساعدات الدولية التي كانت تشكل 75% من ميزانية السلطة التنفيذية السابقة. ويقول الباحث في الشؤون الاجتماعية والأستاذ السابق بجامعة كابل عبد البصير حنظلة للجزيرة نت: إن “انخفاض قيمة الأفغاني من 80 إلى 70.30 للدولار بين 2021 و2025، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 40% وفق برنامج الأغذية العالمي، جعلا الأسر غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية”.
ويضيف حنظلة أن “معدل البطالة بين البالغين يصل إلى 25% وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام (2023)، مما يجبر الأطفال على أن يصبحوا المعيلين القائديين”. ويشير تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2023 إلى أن العديد من الأطفال السنةلين يعانون من إصابات متكررة أو أمراض مزمنة، مثل التهابات الرئة بسبب الغبار في مصانع الطوب أو مناجم الفحم.
وتفاقمت الأزمة بسبب ارتفاع الأسعار، حيث أصبح سعر كيلو الدقيق في كابل يتجاوز 40 أفغانيا (0.57 دولار) في 2025 مقارنة بـ25 أفغانيا في 2020. أما تكاليف الإيجار في المدن الكبرى، مثل كابل وهرات، تراوح بين ألفين-3 آلاف أفغاني شهريًا (28-42 دولارًا)، وهو عبء ثقيل على الأسر التي تعتمد على دخل الأطفال. ويشير تقرير برنامج الأغذية العالمي لعام 2024 إلى أن 70% من الأسر الأفغانية قلَّصت وجباتها اليومية إلى واحدة أو اثنتين.
تأثير تغير المناخ على عمل الأطفال
يفاقم تغير المناخ معاناة الأطفال السنةلين، خاصة في المناطق الريفية، إذ يشير تقرير الأمم المتحدة في عام 2024 إلى أن الجفاف المتكرر في محافظات مثل بادغيس وغور أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 30% منذ 2021، مما دفع العديد من الأسر الريفية إلى الهجرة إلى المدن الكبرى.
وفي هرات، أفادت منظمات محلية بأن الأطفال المهاجرين من المناطق المتضررة بالجفاف يشكلون 20% من السنةلين في أسواق الخردة والورش.
تأثير العمل على المنظومة التعليمية
ووفقًا لليونيسيف في 2023، يهدد عمل الأطفال صحتهم النفسية والجسدية ومستقبلهم المنظومة التعليميةي. وتوضح منسقة برامج حماية الطفل في اليونيسيف بأفغانستان سميرة حسيني للجزيرة نت أن “أكثر من 7.8 ملايين طفل خارج المدارس، وكثير منهم يعملون في ظروف خطرة تعرضهم للإصابات، وتؤثر على نموهم النفسي”.
وفي ضواحي العاصمة كابل، يؤكد سيف الرحمن فضلي، مدير مدرسة “امت” الابتدائية، “نفقد تلاميذ كل أسبوع بسبب انضمامهم إلى سوق العمل. حوالي 30% من طلاب ضواحي كابل يعملون بعد الدوام أو يتغيبون نهائيا”.
أما تقرير اليونيسيف، فهو يشير بدوره إلى أن التسرب المدرسي ارتفع بنسبة 25% منذ 2021، خاصة في المناطق الحضرية. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الأطفال السنةلين يفقدون من 3 إلى 4 سنوات دراسية في المتوسط، مما يرفع معدلات الأمية بين الأطفال دون 15 سنة.
يعمل عبدالرؤوف خليلي البالغ من العمر 12 عامًا وسط أدوات ثقيلة في ورشة لإصلاح الدراجات النارية في العاصمة كابل (الجزيرة)
الفتيات: ضحايا مضاعفون
تواجه الفتيات تحديات إضافية تجعل عمل الأطفال بالنسبة لهن أكثر قسوة وأقل وضوحًا. ففي مدينة مزار شريف عاصمة ولاية بلخ شمالي أفغانستان، تعمل فاطمة نوابي (12 عامًا) في حياكة السجاد داخل منزلها لساعات طويلة دون أجر مباشر. تقول بحزن: “كنت أحلم بأن أصبح معلمة، لكن المدارس ممنوعة الآن، والعمل هو كل ما أملك”.
وتشير اليونيسيف إلى أن حوالي 40% من الأطفال السنةلين فتيات، يعملن غالبًا في أعمال منزلية أو حرفية غير مدفوعة الأجر مثل الحياكة والتطريز بسبب حظر المنظومة التعليمية الثانوي منذ 2021.
وتوضح زينب ناصري، وهي باحثة في شؤون النساء والطفولة، أن “الفتيات يعملن في الخفاء داخل المنازل، مما يجعل توثيق معاناتهن صعبًا”.
أما تقرير منظمة “نساء من أجل أفغانستان” الصادر سنة 2024، فيشير إلى أن الفتيات السنةلات يعانين من الإجهاد المزمن، وآلام المفاصل، والاكتئاب، مع زيادة احتمال تعرضهن للزواج المبكر (28% من الفتيات دون 15 سنة متزوجات).
وقبل عام 2021، دعمت منظمات مثل اليونيسيف، وبرنامج الأغذية العالمي، و”أنقذوا الأطفال” برامج للحد من عمل الأطفال عبر التغذية المدرسية، والمنح المالية، ومراكز التأهيل المهني.
أما تقرير منظمة العمل الدولية الصادر سنة 2023، فيشير إلى زيادة 20% في عمل الأطفال بالمناطق الحضرية منذ 2020 بسبب نقص الدعم.
ورغم أن قوانين العمل الأفغانية تحظر تشغيل الأطفال دون 14 سنة وتمنع عملهم في مهن خطرة، فإن تطبيقها شبه معدوم. ويقول المحامي بشير أحمد كوهستاني للجزيرة نت إن “الإطار القانوني موجود منذ عقود، لكنه غير مفعل بسبب ضعف المؤسسات، ونقص الموارد، وغياب آليات الرقابة. حيث تُفتش أقل من 5% من حالات عمل الأطفال”. ويشير مراقبون إلى أن الوزارة لا تملك سوى عدد محدود من المفتشين لتغطية الولايات الـ34، مما يجعل الرقابة غير فعالة.
يضطر الطفل الأفغاني أحمد نويدي المقيم في هرات للعمل في جمع الخردة لتأمين دخل يكفي لسد رمق أسرته (الجزيرة)
حلول ممكنة وسط التحديات
وتتطلب مواجهة عمل الأطفال نهجًا متعدد الأبعاد. ففي ولاية باميان وسط أفغانستان، نجحت منظمة محلية بالتعاون مع اليونيسيف في إعادة 500 طفل إلى المدارس عبر منح 8 دولارات شهريًا. وفي ولاية هرات، يتلقى 200 طفل تدريبا مهنيا في النجارة والخياطة. وفي جلال آباد، عاصمة ولاية ننغرهار شرقي أفغانستان، تدعم منظمة “نساء من أجل أفغانستان” 150 طفلا، معظمهم فتيات، ببرامج تعليمية.
وفي ولاية بلخ، بدأت منظمة محلية برنامجا لتأهيل 100 طفل عامل في أسواق مزار شريف، مع منح مالية لأسرهم.
وتقترح زينب ناصري إنشاء مراكز تعليمية مجتمعية للفتيات في ولايات مثل قندهار وبادغيس، مع دعم نفسي للأطفال السنةلين. وتدعو منظمات إنسانية إلى إعادة تخصيص جزء من الأصول المجمدة (9 مليارات دولار) لدعم برامج الأطفال، واقتراح صندوق دولي مشابه لبرامج الدعم النقدي في الأردن، التي قللت عمل الأطفال بنسبة 30% وفق منظمة العمل الدولية في 2023.
وفي بلد يعاني من فقر يطال 90% من سكانه، يُدفع الأطفال إلى جبهات العمل بدلاً من مقاعد الدراسة، مما ينذر بجيل مهدد بالأمية والتهميش. وفي ظل الأزمات المستمرة، يبقى مستقبل الأطفال مرهونًا بقرارات الكبار.. بين من يملك المال، ومن يملك القرار.