الوسم: في

  • مقتل تسعة عناصر من القاعدة في غارات يُعتقد أنها أمريكية في جنوب اليمن

    مقتل تسعة عناصر من القاعدة في غارات يُعتقد أنها أمريكية في جنوب اليمن


    قُتل 9 عناصر من تنظيم القاعدة في غارات يُعتقد أنها أمريكية بجنوب اليمن، وفقاً لمصادر أمنية محلية. الضربات استهدفت مواقع في منطقة جبلية بمحافظة أبين، حيث عُثر على جثث محترقة. في البداية، أُبلغ عن 5 قتلى، وورد أن أحد القيادات المحلية كان بينهم. يُعتبر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من أخطر أذرع القاعدة، ورغم انحسار نشاطه في السنوات الأخيرة، فقد استغل الفوضى الناتجة عن الحرب في اليمن. تأسس التنظيم عام 2009، وفي مارس 2024، تم الإعلان عن وفاة زعيمه خالد باطرفي وتعيين سعد بن عاطف العولقي خلفاً له.

    تعرّضت مناطق في جنوب اليمن لغارات نُسِبت إلى الولايات المتحدة، مما أسفر عن مقتل 9 عناصر من تنظيم القاعدة.

    وذكر مصدر أمني يمني في محافظة أبين أن الضربات أدت إلى مقتل 9 أشخاص مرتبطين بالجماعة، بينهم أحد القياديين المحليين.

    وأضاف المسؤول الاستقراري، الذي صرح في وقت سابق بأن الهجوم وقع مساء الجمعة في شمال مديرية خبر المراقشة، أن الضربات استهدفت عددًا من المواقع في المنطقة الجبلية المعروفة بنشاط تنظيم القاعدة.

    ولفت مسؤول قبلي في المنطقة إلى أنه “رأيت خمس جثث متفحمة في موقع واحد تعرض للقصف، بالإضافة إلى سيارة محترقة، بينما وُجدت بقية الضحايا في موقع آخر”.

    وفي وقت سابق، نوّه مسؤول أمني آخر أن الحصيلة الأولية تشير إلى 5 قتلى من أعضاء تنظيم القاعدة، مشيرًا إلى اعتقاده بوجود أحد القادة المحليين بينهم، لكن لم تُعرف أسماؤهم بعد.

    ومنحت الحرب في اليمن فرصة لجماعات مسلحة متعددة، بما فيها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي تعتبره واشنطن أحد أخطر الأذرع للتنظيم الأم، رغم تراجع وتيرة هجماته في السنوات الأخيرة.

    تأسس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في عام 2009، وبرزت نشاطاته خلال الفوضى التي خلّفتها الحرب في اليمن.

    وفي مارس/آذار 2024، صرح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عن وفاة زعيمه خالد باطرفي، وصرح عن تعيين سعد بن عاطف العولقي خلفًا له.


    رابط المصدر

  • انخفاض حصة أوروبا في سوق السيارات الإسرائيلي لصالح الصين


    ذكرت صحيفة غلوبس الماليةية أن الصين تحتل أكبر حصة في سوق السيارات الإسرائيلية، حيث وصلت نسبة السيارات الصينية إلى 25.5% من إجمالي تسليمات السيارات الجديدة في الربع الأول من 2025. تتفوق إسرائيل على دول مثل أستراليا والإمارات والبرازيل، بينما سجلت أوروبا 4.1% فقط. تجاوزت مبيعات السيارات الصينية في إسرائيل 200 ألف مركبة، مع 21 علامة تجارية صينية موجودة في القطاع التجاري، مع توقعات بانضمام 5 علامات جديدة بحلول نهاية 2025. سجلت السيارات الصينية 92% من سوق السيارات الهجينة القابلة للشحن، مع زيادة مستمرة في حصة السيارات الهجينة التقليدية.

    ذكرت صحيفة غلوبس الماليةية أن الصين أصبحت تستحوذ على الحصة الأكبر من سوق السيارات في إسرائيل مقارنة بجميع الدول المتقدمة، حيث وصلت حصة السيارات الصينية إلى 25.5% من إجمالي تسليمات السيارات الجديدة في الربع الأول من عام 2025.

    بهذا الترتيب، تتفوق إسرائيل على دول مثل أستراليا التي سجلت نسبة 20%، والإمارات بنسبة 14%، والبرازيل بنسبة 7%. وفي أوروبا، بلغت الحصة 4.1% فقط خلال الفترة الحاليةين الأولين من عام 2025، رغم الزيادة الملحوظة مقارنة بالسنة السابق، وفقًا لتقرير غلوبس.

    كما أفادت الصحيفة أنه بحلول نهاية أبريل/نيسان 2025، تخطى إجمالي مبيعات السيارات المصنعة في الصين بإسرائيل حاجز 200 ألف مركبة، معظمها تم استيراده بعد عام 2020.

    وعلى الرغم من أن روسيا لا تزال تتصدر الترتيب العالمي بنسبة 53% من إجمالي القطاع التجاري لصالح السيارات الصينية، إلا أن القطاع التجاري الروسي لا يُصنف ضمن الأسواق المتقدمة بسبب العقوبات الغربية المفروضة بعد الحرب في أوكرانيا، مما أدى إلى توقف معظم شركات السيارات الغربية عن البيع هناك.

    عدد قياسي من العلامات التجارية الصينية

    بحسب “غلوبس”، تعتبر إسرائيل “الدولة المتقدمة” التي تملك أكبر عدد من العلامات التجارية الصينية، حيث تتواجد 21 علامة تجارية صينية في القطاع التجاري، على الرغم من أن بعض هذه العلامات غير نشطة حاليًا. وتتوقع الصحيفة إضافة 5 علامات جديدة بحلول نهاية عام 2025.

    عدد العلامات التجارية الصينية في القطاع التجاري الإسرائيلي هو 21، مع توقع دخول 5 علامات جديدة بحلول نهاية 2025 (رويترز)

    شهد القطاع التجاري الإسرائيلي تغييرات في تركيبة السيارات المستوردة، حيث كانت السيارات الكهربائية تهيمن حتى عام 2023، لكن القطاع التجاري توسع ليشمل سيارات هجينة، قابلة للشحن، وأخرى تعمل بالبنزين، مما أتاح للمنتجات الصينية الوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين.

    سيطرة واسعة على السيارات الهجينة القابلة للشحن

    في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، بلغت حصة السيارات الصينية من سوق السيارات الهجينة القابلة للشحن في إسرائيل 92%، وهو ما يمثل 6.2% من إجمالي تسليمات السيارات الجديدة.

    كما زادت الحصة الصينية في سوق السيارات الهجينة التقليدية من أقل من 1% في 2024 إلى 6.6% هذا السنة.

    ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو مع طرح نماذج هجينة جديدة من شركتي إم جي وبايك الصينيتين في الأشهر القادمة، وفقًا لما أفادت به الصحيفة.


    رابط المصدر

  • البلقان في حالة اضطراب: عودة ترامب والمواجهة من أجل التوازنات الإقليمية


    تتزايد التوترات الجيوسياسية في جنوب غرب البلقان وسط المنافسة بين القوى الكبرى. صربيا، تحت قيادة ألكسندر فوتشيتش، تلعب دورًا مركزيًا بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي واحتياطياتها من المعادن، مثل الليثيوم. تعود الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب بنهج جديد لتعزيز تحالفات مع دول المنطقة، بينما تحافظ روسيا والصين على نفوذها من خلال دعم صربيا ومشاريع البنية التحتية. تزايد النفوذ التركي أيضًا يعزز التنافس الإقليمي. يتعين على فوتشيتش التوازن بين العلاقات مع القوى الغربية وروسيا، مما قد يؤدي إلى تصعيد محتمل للنزاعات إذا تفاقمت الأوضاع في كوسوفو أو البوسنة.

    تتزايد التوترات الجيوسياسية في منطقة جنوب غرب البلقان بشكل ملحوظ، خاصة في ظل التغيرات الكبرى التي يشهدها النظام الحاكم الدولي، وتنافس القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا والاتحاد الأوروبي.

    تعود هذه المنطقة لتكون مركزًا للصراع على النفوذ مع عودة القائد الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم وطرحه رؤية جديدة “لتوازن القوى”، والتي تركز على البراغماتية والصفقات الماليةية والاستقرارية.

    اقرأ أيضا

    list of 2 items

    list 1 of 2

    المواجهة الهندية الباكستانية.. نزاع مزمن على حافة النووي

    list 2 of 2

    ترامب ونتنياهو.. هل عمقت زيارة الخليج الشرخ بين الحليفين؟

    end of list

    في سياق هذا التنافس، تعتبر صربيا محور المواجهة، نظرًا لموقعها وحجمها وتأثيرها الإقليمي، بالإضافة إلى ثرواتها المعدنية المهمة، بما في ذلك احتياطيات الليثيوم التي تهم كل من الغرب والصين.

    وفي ما يتعلق بأهمية منطقة جنوب البلقان في الساحة الدولية، نشر مركز الجزيرة للدراسات ورقة تحليلية بعنوان “جنوب غرب البلقان بين التنافس الدولي وتعددية المحاور: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في ظل عودة ترامب وأهمية مشاريع الطاقة والمعادن“، حيث حلل الدكتور كريم الماجري المشهد المركب في هذه المنطقة وسياقاته.

    البلقان.. عقدة تنافس مفتوحة

    لم تكن منطقة البلقان بعيدة عن الحروب، إلا أن التغيرات الأخيرة إثر الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 نوّهت أهمية استراتيجية جديدة.

    إعلان

    فالاتحاد الأوروبي، الذي يعاني من مشاكل داخلية على الصعيدين السياسي والماليةي، أصبح أقل قدرة على فرض إرادته، بينما تستخدم روسيا البلقان كمنطقة للضغط على الغرب.

    ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، عاد مبدأ “إعادة التموضع الجغرافي السياسي” إلى السطح، حيث تعتبر واشنطن السيطرة على الممرات البلقانية ضرورية لمواجهة التمدد الروسي والمشروع الصيني “الحزام والطريق”.

    صفقات ترامب

    خلال فترة ولاية ترامب الأولى (2017-2021)، كانت هناك محاولات واضحة للولايات المتحدة لإعادة التمركز في البلقان، أبرزها اتفاق التطبيع الماليةي بين صربيا وكوسوفو في سبتمبر 2020.

    مع عودة ترامب، عادت هذه المقاربة لكن بحزمة أكبر تشمل تعاونا عسكريا واقتصاديا، مع التركيز على بناء تحالفات مع دول مثل ألبانيا وكوسوفو، ودفع إدماج مقدونيا الشمالية والبوسنة في مشاريع دفاعية مشتركة عبر الناتو.

    كما تستفيد واشنطن من انكشاف البنية الماليةية في البلقان، مستثمرة في مشاريع البنية التحتية الرقمية والمعادن النادرة، مع اهتمام خاص بمشروع “يادار” الصربي والذي يحتوي على أحد أكبر احتياطيات الليثيوم في أوروبا.

    صربيا وإستراتيجية الحياد النشط

    تمثل صربيا، بقيادة القائد ألكسندر فوتشيتش، معضلة معقدة في البلقان، حيث إنها تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ 2012، لكنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع روسيا وتستقبل استثمارات غربية. وتعرض بلغراد هذه الازدواجية كـ”سياسة حياد عسكري”، بينما في الواقع تحاول الحفاظ على تواصل مع جميع الأطراف.

    من الجدير بالذكر أن واشنطن، رغم الضغوطات، تتجنب دفع فوتشيتش نحو اتخاذ قرارات صارمة، مدركة أن سقوطه قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة في صربيا والبوسنة وكوسوفو.

    على الجانب الآخر، تستخدم روسيا علاقاتها مع صربيا لتعزيز نفوذها، حيث استعملت موسكو بلغراد كمنصة لتعزيز الخطاب القومي خلال الحرب الأوكرانية. وفي الوقت نفسه، ترى الصين في صربيا بوابة لدخول القطاع التجاري الأوروبية، واستثمرت في مشاريع استراتيجية تشمل قطاعات عدة.

    تضع هذه الأنماط من السياسات صربيا في موقع متميز يجسد مفهوم “التعددية الموجهة”، مما يؤدي إلى منافسة مستمرة، ولكنه أيضًا يخلق بيئة مليئة بالتحديات الدبلوماسية.

    التنافس الدولي في البلقان

    رغم هيمنة الاتحاد الأوروبي كمصدر رئيسي للمساعدات في البلقان، إلا أن جاذبيته الإستراتيجية تراجعت بسبب البيروقراطية والانقسامات السياسية.

    أدى هذا التراجع لفتح المجال أمام الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا لتعزيز وجودهم في المنطقة.

    يمكن تلخيص أهداف القوى الدولية والإقليمية في البلقان كما يلي:

    1. الولايات المتحدة

    • تحرص على الشراكات الثنائية، خاصة مع ألبانيا وكوسوفو.
    • تستثمر في مجالات الطاقة والمعادن والبنية التحتية الرقمية.
    • تعمل على إدماج دول المنطقة في نظام دفاع موحد تحت مظلة الناتو.
    • تقيم قواعد تدريب عسكرية في المنطقة.

    2. روسيا

    • تعتمد على العلاقات الثقافية الأرثوذكسية مع صربيا وصرب البوسنة.
    • تقدم دعمًا سياسيًا في مجلس الاستقرار.
    • توفر صفقات تفضيلية لصربيا في مجالات الأسلحة والغاز.

    إعلان

    3. الصين

    • ترجح التمويل طويل الأجل ومشاريع البنية التحتية الكبرى.
    • تتجنب التدخل السياسي، مما يناسب الأنظمة السلطوية مثل صربيا والجبل الأسود.
    • تتبع سياسة “الدبلوماسية الصامتة” مقابل التنمية الاقتصاديةات الطويلة الأجل.

    4. الاتحاد الأوروبي

    • يظل المانح الأكبر من حيث المساعدات المالية.
    • تعاني من تراجع الجاذبية السياسية بسبب التعقيدات الداخلية.
    • تفرض شروطًا صارمة في قضايا الحوكمة وحقوق الإنسان، مما يسبب استياء الأنظمة المحافظة.

    في الوقت نفسه، تسعى تركيا لتعزيز علاقاتها عبر الجاليات المسلمة في البوسنة وكوسوفو، مستفيدة من التاريخ العثماني لدعم نفوذها الثقافي والماليةي.

    على الرغم من محدودية حضورها العسكري، تزداد قوتها الناعمة من خلال دعم مشاريع عمرانية وتعليمية وثقافية.

    تجمع هذه الشبكة المعقدة من الفاعلين بين المصالح الآنية والتنافس الدائم، مما يجعل صربيا قادرة على المناورة دون أن تتعرض لعقوبات حقيقية.

    المجر وصربيا.. تحالف خارج الضوابط

    تحت قيادة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، تتعزز العلاقات بين بودابست وبلغراد عبر مختلف الميادين، من المشاريع الماليةية الكبرى إلى التنسيق في قضايا الهجرة والطاقة.

    يرى أوربان في فوتشيتش حليفًا استراتيجيًا ضد البيروقراطية الأوروبية، ويسعى لتقوية “محور محافظ” يمتد بين بودابست وبلغراد وربما سراييفو.

    اضطر القائد فوتشيتش في الأشهر الأخيرة لمواجهة وضع حساس، حيث أدت الاحتجاجات الشعبية المدعاة بمحاربة الفساد إلى استقالة رئيس الوزراء ميلوس فوتشيتش وعدد من الوزراء.

    إعلان

    ومع ذلك، لا تقتصر مشكلات فوتشيتش على الاحتجاجات، فقد واجه ضغطًا متزايدًا من الاتحاد الأوروبي وروسيا لاختيار جانب، مما ضيق مساحات المناورة لديه.

    قد تؤدي هذه الظروف إلى صراعات مسلحة يمكن أن تعيد إحياء النعرات القومية القديمة، خاصة إذا استغلت روسيا الوضع لإلهاء العالم عن جبهات أخرى مثل أوكرانيا.

    لكن سيناريو “صفقة أميركية كبرى” قد يكون مطروحًا في ظل وجود ترامب، حيث قد تقدم واشنطن اعترافًا صربيًا بكوسوفو مقابل شراكة اقتصادية أوسع وضمانات لبقاء فوتشيتش في الحكم.

    يمكن تلخيص السيناريوهات المحتملة كما يلي:

    أولاً: استمرار فوتشيتش وتعميق نموذج “الحياد الذكي”

    إذا استطاع القائد فوتشيتش الحفاظ على توازنه، فإنه قد يستمر في الحكم بمساعدة الغرب والصين وروسيا، مقابل تنازلات شكلية بشأن كوسوفو.

    ثانيًا: انزلاق إقليمي بسبب أحداث في كوسوفو أو البوسنة

    قد يؤدي أي تصعيد في كوسوفو أو إعلان استقلال صرب البوسنة لمواجهة إقليمية كبيرة.

    ثالثًا: مقايضة أميركية تعيد تشكيل المنطقة

    طرح احتمال عقد صفقة إقليمية تشمل اعتراف صربي بكوسوفو مقابل تطبيع اقتصادي واسع تحت إشراف أمني أميركي.


    رابط المصدر

  • لماذا تستهدف أوروبا نتنياهو في هذه اللحظة بالذات؟


    أبدت عدة دول أوروبية استنكارًا للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مدعاة بوقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية. بريطانيا قامت بتعليق المفاوضات التجارية مع إسرائيل وفرض عقوبات ضد المستوطنات، فيما صوت الاتحاد الأوروبي على مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. التغيرات في المواقف الأوروبية تعكس فشلاً عسكريًا إسرائيليًا، وتزايد الضغوط الشعبية ضد العدوان. هذا يحث الدول العربية على استغلال هذه الظروف للضغط على إسرائيل، ووقف التطبيع إذا لم توقف الاعتداءات على غزة. تظل الإجراءات الأوروبية بحاجة إلى خطوات فعالة لمواجهة الإبادة الجماعية ورفع الحصار عن الفلسطينيين.

    عبّرت العديد من الدول الأوروبية عن دعمها لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مُدعاةً بوقف الحرب وإيصال المساعدات بشكل عاجل، رافضةً بقوة سياسة التجويع التي انتشرت أخبارها في جميع أنحاء العالم.

    أوقفت بريطانيا مفاوضاتها بشأن التجارة الحرة مع إسرائيل، وفرضت عقوبات على أفراد وكيانات تدعم الاستيطان في الضفة الغربية. وفي 20 أيار/ مايو، حذّر رئيس وزرائها كير ستارمر ووزير خارجيتها ديفيد لامي من فرض عقوبات جديدة خلال الأيام والأسابيع المقبلة إذا لم تستجب إسرائيل لدعواتها بإدخال المساعدات على الفور.

    جاء الموقف البريطاني بعد بيان مشترك من بريطانيا وفرنسا وكندا شديد اللهجة، يهدد بـ”اتخاذ إجراءات إذا لم توقف إسرائيل هجومها على غزة وترفع القيود المفروضة على المساعدات”، مؤكدين أنهم “لن يقفوا مكتوفي الأيدي في الوقت الذي تستمر فيه حكومة نتنياهو في أفعالها الفاضحة”.

    وفي نفس السياق، صوت الاتحاد الأوروبي في 20 أيار/ مايو، بأغلبية 17 صوتًا من أصل 27 على مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وفقًا لمعايير القانون الدولي وحقوق الإنسان، مما يفتح الباب أمام احتمال فرض عقوبات مستقبلية.

    هذا، بالإضافة إلى تصديق المجلس التشريعي الإسباني على النظر في مقترح حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل، وإعلان فرنسا على لسان رئيس وزرائها فرانسوا بايرو؛ بأن حركة الاعتراف بدولة فلسطين لن تتوقف، في إشارة إلى نية فرنسا وبريطانيا وكندا الاعتراف بدولة فلسطين.

    صحوة أوروبية متأخرة

    بالرغم من أن المواقف الأوروبية جاءت متأخرة جدًا، وما زالت تتجنب وصف ما يحدث في قطاع غزة بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إلا أنها تظل مهمة لأنها صادرة عن دول صديقة تاريخيًا لإسرائيل.

    هذه الدول لطالما لاحقت أي ناقد لسياسات إسرائيل العنصرية وانتهاكاتها للقوانين الدولية وحقوق الإنسان تحت ذريعة معاداة السامية، مما يشكل تحولًا في مواقف هذه الدولة وفشلًا للرواية الإسرائيلية المعتمدة على المظلومية. اليوم، تُنظر إسرائيل في أعين أصدقائها وكأنها قاتلة للأطفال، ومرتكبة لانتهاكات فظيعة بحق المدنيين العزّل.

    هذا التغيير في المواقف دفع مصدرًا في الخارجية الإسرائيلية للتعليق على الموضوع لصحيفة يديعوت أحرونوت في 21 أيار/ مايو بالقول؛ “نحن أمام أسوأ وضع مررنا به على الإطلاق، والعالم ليس معنا.. نحن أمام تسونامي حقيقي سيزداد سوءًا”.

    رغم أهمية المواقف الأوروبية، إلا أنها لم تصل بعد إلى مستوى الفعل أو ترجمتها إلى إجراءات اقتصادية وعسكرية قوية ضد إسرائيل لوقف الإبادة الجماعية وسياسة التجويع بحق الأطفال والمدنيين في غزة. وهذا يُعتبر استحقاقًا سياسيًا وأخلاقيًا لا بد منه إذا أرادت الدول الأوروبية استعادة جزء من مصداقيتها التي تدهورت بدعمها إسرائيل، وبصمتها على جرائمها طوال 19 شهرًا، والتي ارتفعت إلى مستوى الإبادة الجماعية.

    إن عدم اتخاذ الدول الأوروبية لعقوبات جادة كفيلة بوقف جرائم إسرائيل يعد مجرد وسيلة واضحة لتبرئة الذات أمام الرأي السنة الدولي، لأن الجميع يعرف قدرات الاتحاد الأوروبي على الضغط على إسرائيل، إذ يُعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك لإسرائيل وفقًا لاتفاقية الشراكة الموقعة بينهما منذ السنة 1995، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 يونيو/ حزيران 2000.

    وتشكل هذه الاتفاقية مجالًا للتعاون المشترك في الإستراتيجية، والتنمية الماليةية، والتبادل التجاري، والتعاون العلمي والتكنولوجي، والثقافة، وتعتبر احترام حقوق الإنسان جزءًا أساسيًا من بنودها.

    لفهم أسباب هذا التحول في الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل ونتنياهو، يمكن الإشارة إلى عدة مسائل أبرزها:

    • فشل إسرائيل في استراتيجيتها العسكرية، وعدم وجود أفق لتحقيق النجاح رغم قسوتها، فضلاً عن استمرار حكومة نتنياهو المتطرفة في العدوان على قطاع غزة بهدف تهجير الفلسطينيين، كما أوضح ذلك وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مما يجعل آفاق المواجهة غامضة ومربكة لكافة الأطراف، وقد تحمل في طياتها اضطرابات شرق أوسطية، وأزمات داخل بعض الدول العربية بسبب تزايد الاحتقان لدى الشعوب العربية، مما يُقلق الأوروبيين، شركاء العرب في منطقة البحر الأبيض المتوسط، التي لم تستقر منذ “الربيع العربي” 2011.
    • تحوّل العدوان الإسرائيلي على غزة إلى حالة من العبث بأرواح المدنيين والأطفال، مما خلق حرجًا للحكومات الغربية أمام شعوبها التي ترفض العدوان والإبادة والتجويع، خاصة في الدول الأوروبية المهمة مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا والنرويج وبلجيكا وبريطانيا، حيث شهدت بريطانيا يوم السبت 17 أيار/ مايو مسيرة شارك فيها نحو نصف مليون مواطن.
    • استمرار التوحش الإسرائيلي وارتكاب القوات المسلحة الإسرائيلي لأبشع الفظائع ضد المدنيين والأطفال تهدد السلطة الأخلاقية للنظام الغربي الذي لطالما تأمل بأنه متفوق على غيره، واستخدمتها للضغط على أنظمة محددة. لذا فإن الاستدراك الأوروبي من باب القانون الدولي وحقوق الإنسان يُعتبر محاولة، وإن كانت متأخرة، لإنقاذ image المنظومة الغربية واستعادة مصداقيتها أمام العالم وشعوبها الناقدة، بسبب وحشية إسرائيل وارتكابها إبادة جماعية وتجويع أكثر من مليونَي إنسان في قطاع غزة.
    • الموقف الأوروبي يستمد قوته أيضًا من توجه الإدارة الأمريكية نحو وقف إطلاق النار في غزة، وحدوث تباين بين الموقف الأمريكي وإسرائيل في معالجة الملف النووي الإيراني. إضافةً إلى انسحاب واشنطن من النزاع مع الحوثيين في اليمن، ورفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، مما يجعل المواقف الأوروبية تتقاطع مع الرغبة الأمريكية لوقف الحرب على غزة، ما يفسر الامتناع الأمريكي عن انتقاد تلك المواقف، وبالتالي يعد قبولًا ضمنيًا لها.

    فرصة عربية

    التغير في الموقف الأوروبي يمنح الدول العربية فرصة سانحة للاستفادة منها لتفعيل مواقفها ضد إسرائيل وحربها المجنونة والعبثية في قطاع غزة.

    تمتلك الدول العربية أوراقًا مهمة وقوية يمكن أن تشكل عاملًا حاسمًا لوقف الإبادة الجماعية، ومن ثم رفع الحصار وبدء عملية الإعمار وفقًا للخطة العربية.

    فكما بدأ الاتحاد الأوروبي في التهديد والشروع في إجراءات تدريجية، يمكن للعرب القيام بذلك وأكثر؛ بوقف التطبيع وقطع العلاقات السياسية ووقف كافة الشراكات الاستقرارية والماليةية إذا لم توقف إسرائيل عدوانها وحرب الإبادة على غزة وتفتح المعابر لإدخال المساعدات على الفور، فبريطانيا ليست أولى بفلسطين من العرب، الذين هم جيران وأهل العمق الاستراتيجي لفلسطين.

    وإذا كان البعض يخشى من ردة فعل واشنطن، فهذا قد انتفى الآن بناءً على صمت واشنطن على المواقف الأوروبية النقدية والمهددة لإسرائيل بالعقوبات في أقرب الآجال، بالإضافة إلى إعراب واشنطن عن رغبتها في إنهاء الحرب وإحلال السلام في المنطقة.

    ليس هناك أسوأ من استمرار العدوان على غزة وتهجير الشعب الفلسطيني، فهذه وصية تسبب الاضطراب وتُهدّد أمن المنطقة وسلامتها، لذا يصبح التحرك الآن أكثر فعالية وقدرة على حماية المنطقة العربية من تصرفات إسرائيل المحتلة التي تعتبر في صمت العرب تشجيعًا لها على التمادي والغطرسة ومواصلة العدوان على غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان.

    تمتلك الدول العربية القدرة والإمكانات للضغط المباشر على إسرائيل، كما أن تفعيل أوراق قوتها سيحفز واشنطن ويدفع القائد ترامب إلى اتخاذ موقف حاسم بوقف العدوان على غزة ومنع تهجير الفلسطينيين، مما سيساهم في حماية القضية الفلسطينية وأمن المنطقة وسلامتها من شرور إسرائيل وتجاوزاتها المتكررة.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • معاناة الروهينغا: وجود غير شرعي وموت يُهمل في الذاكرة


    في ربيع 2025، وصل يومو رحمن، لاجئ من الروهينغا، إلى ألمانيا محملاً بماضيه من الخوف والفقد. وُلِد في أراكان، حيث حُرم من الهوية والجنسية. بعد هجمات القوات المسلحة الميانماري عام 2017، فرَ إلى بنغلاديش، منعزلًا عن حياته السابقة. رغم حصوله على جواز سفر بنغلاديشي ومنحة دراسية في تركيا، واجه صعوبات جديدة في أوروبا، بما في ذلك اعتقالات مع محاولات الهجرة. في بنغلاديش، يعيش الروهينغا في ظروف صعبة، وسط مضايقات وقيود. ورغم تاريخهم الغني، يواجهون تحديات في الحفاظ على هويتهم وثقافتهم، مدعاين بحق العودة والاعتراف الكامل بوجودهم.

    بورما- في ربيع 2025، وقف يومو رحمن أمام بوابة إحدى المدن الألمانية، لاجئا مُحملا بمزيد من الحقائب على كتفيه، ليست فقط مليئة بالملابس، بل تحمل سنوات طويلة من الخوف والملاحقة والنكران. لم يكن هارباً فقط من قريته المُتَدمَّرة، بل من حياة كاملة لم يُسمح له بأن يكون جزءًا منها.

    وُلِد رحمن في ولاية أراكان غرب ميانمار (بورما) لعائلة من الروهينغيا المسلمين، وكان ذلك كافيا ليسلبه جنسيته واعتراف المواطنون بوجوده، وكأن النظام الحاكم القانوني مصمم خصيصاً ليقول له “أنت غير مرئي”. عندما حلم بدراسة الطب، سُدَّت جميع الأبواب في وجهه، وعندما قرر الفرار، تعرض للاعتقال والضرب والابتزاز، وهُدِّمَت حياته إلى أخرى لا تحتمل سوى المعاناة.

    وتعتبر قصة يومو مرآة لمأساة شعب الروهينغا بأسره، فقد وُلِد ليعيش في وضع “وجود بلا قانون”، بين جدران صامتة لا تعترف بإنسانه.

    على الرغم من أن معاناة شعب الروهينغا تمتد لعقود، فإن عام 2017 كان نقطة تحول دموية، حيث شنّ جيش ميانمار حملة عسكرية واسعة ضدهم، اعتُبرت من جانب واشنطن في عام 2022 إبادة جماعية، إذ وصل النزوح الداخلي لأعلى مستوياته التاريخية، مع تهجير أكثر من 3.3 مليون شخص داخل البلاد، وفقاً للأرقام الأممية.

    وفي عام 2024، ارتفعت حدة المواجهة المسلح في ولاية أراكان (راخين) بين جيش ميانمار وميليشيا محلية تُعرف باسم “جيش أراكان“، مما زاد من معاناة الروهينغا الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين فكي كماشة: يُقتَلون داخل الوطن، ويُطردون خارجه.

    ومن بين آلاف القصص المماثلة لحكاية يومو، ترصد الجزيرة نت في هذا التقرير خيوط المأساة المتشابكة، بدءاً من واقع اللاجئين الروهينغا في المنافي المكتظة، إلى وضع من تبقى منهم في ميانمار، ووصولاً إلى الجرح الأعمق، وهو وضعهم القانوني الذي تحول من أداة تهميش إلى سلاح إبادة بطيئة.

    من التزوير للتهريب

    في عام 2017، فرّ أكثر من 700 ألف من الروهينغا من ميانمار إلى بنغلاديش، بحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، هرباً من حملة عسكرية قمعية معتبرة من قبل الولايات المتحدة بمثابة إبادة جماعية.

    وكان يومو واحداً منهم، حيث قرر مغادرة قريته في ولاية أراكان بعدما تصاعدت الهجمات، بدعم من والده الذي وعده بتأمين تكاليف الرحلة والدراسة، لينطلق في سبتمبر/أيلول مع رفاقه نحو بلدة مونغدو بالقرب من النطاق الجغرافي البنغلاديشية، إلا أنهم اُعتقلوا خلال رحلتهم على يد جيش ميانمار، كما يقول للجزيرة نت.

    بعد دفع الشاب نحو 400 دولار أميركي، أُفرج عنه، بينما ظل مصير رفاقه مجهولا. لجأ إلى منزل أحد أقاربه في مونغدو، وبعد أسبوع من محاولات الخروج، منها تزوير شهادة ميلاده، تمكن من الوصول إلى مدينة شيتا غوينغ في بنغلاديش.

    هناك، التحق بقسم علم النفس في إحدى الجامعات، وتعلم اللغة البنغالية، مشيراً إلى أنه “رغم اندماج نسبي، إلا أنني ما زلت أحمل شعور الهوية المكسورة”، مما دفعه لتأمين مستقبله باستصدار جواز سفر بنغلاديشي، استغرق منه وقتاً وجهداً وكلف نحو 250 ألف تاكا بنغلاديشية (2066 دولاراً تقريباً).

    فتح جواز السفر ليومو أبواباً جديدة، فحصل على منحة دراسية في تركيا، حيث تعلم اللغة والتحق بالجامعة. بدا وكأنه يعيش حلماً، لكن في سنته الثالثة انتهت صلاحية الجواز، ولم يكن باستطاعته تجديد الإقامة لفقدانه أوراقاً رسمية تثبت هويته العائلية، مما جعله في وضع غير قانوني، واضطر للعمل في الخفاء معتمداً على مساعدات من والده.

    في مارس/آذار الماضي، قرّر يومو الهجرة عبر التهريب إلى أوروبا، بعد أن جمع 8 آلاف يورو من مدخراته، ولكن رحلته كانت محفوفة بالمخاطر، حيث ألقت الشرطة القبض عليه أثناء محاولته العبور إلى بلغاريا، وضربته قبل إعادته قسراً.

    إلا أنه لم يستسلم، وجرب طريق البوسنة، ثم المجر، حيث تكرر الاعتقال والضرب، لكنه تمكن من الوصول إلى ألمانيا بعد عدة محاولات، لتبدأ رحلة جديدة أقل قسوة، لكنها ما زالت غير واضحة.

    مخيمات اللاجئين الروهينغا مكتظة وتفتقر لمقومات الحياة الأساسية (رويترز)

    المعاناة في بنغلاديش

    استقبلت بنغلاديش أكثر من مليون لاجئ روهينغي منذ عام 2017، ويعيش معظمهم في ظروف صعبة في مخيمات مكتظة بشدة، مثل تلك الموجودة في كوكس بازار وجزيرة باسان تشار.

    على الرغم من التزام السلطة التنفيذية لسنوات بمبدأ “عدم الإعادة القسرية” كحجر أساسي في القانون الدولي، إلا أن هذا المبدأ تغير في بداية عام 2025، ففي 5 يناير/كانون الثاني الماضي، اعتقل حرس النطاق الجغرافي البنغلاديشي 36 لاجئاً خلال محاولتهم عبور النطاق الجغرافي وأعادوهم قسراً إلى ميانمار.

    وتكررت حوادث مماثلة لاحقاً، حيث تم احتجاز 58 لاجئاً في الحادي عشر من الفترة الحالية ذاته، وفقاً لصحيفة الغارديان البريطانية. حسب الصحيفة، صدرت تعليمات بمنع الدخول “غير القانوني” حتى لأسباب إنسانية، مما رافقه تضييق داخلي تمثل في تقييد حركة اللاجئين وتدمير مصادر دخلهم وإغلاق المدارس غير الرسمية، مما خلق شعوراً بأنهم لم يعودوا موضع ترحيب.

    لم تقتصر السياسات الصارمة على بنغلاديش، بل وثقت “هيومن رايتس ووتش” حالات إعادة قسرية في الهند وتايلند أيضاً. في مايو/أيار الحالي، دان المقرر الأممي الخاص بميانمار، توم أندروز، السلطة التنفيذية الهندية بعد أن أجبرت عشرات اللاجئين الروهينغا على النزول من سفينة تابعة للبحرية، وتركتهم في قارب صغير في المياه الدولية، واصفاً الحادثة بأنها “غير قانونية وغير أخلاقية”، واعتبرها استمرارية للفظائع المرتكبة بحق الروهينغا.

    أحياء على الهامش

    يعيش محمد سيان مع أسرته في مخيم داخلي للنازحين قرب مدينة بوثيدونغ في ولاية راخين، حيث تستمر الحياة بمعاناة يومية لا تنتهي. تُعاني هذه المخيمات من نقص حاد في مقومات الحياة الأساسية كالكهرباء، والمياه النظيفة، والرعاية الصحية والمنظومة التعليمية. وبسبب غياب الوثائق الرسمية، يُمنع السكان من التنقل حتى داخل قراهم، ويواجهون خطر الاعتقال إذا خرجوا دون تصاريح.

    يقول سيان في حديثه للجزيرة نت: “إذا تم القبض علينا ونحن نتنقل دون إذن، نعتقل على الفور، أما العمل الرسمي فهو شبه مستحيل بسبب عدم امتلاكنا وثائق قانونية، مما يدفع كثيرين للقبول بوظائف مؤقتة بأجور زهيدة أو الوقوع في فخ العمل القسري. كما أن الوصول للسلع الأساسية صعب، والأسعار مرتفعة، إضافة إلى أن المساعدات الإنسانية ممنوعة، مما يُجبرنا أحياناً على الاعتماد على النباتات البرية للبقاء”.

    ويتابع “لكن كل ذلك يهون أمام مأساة الولادة والوفاة، فعند ولادة طفل، يصبح تسجيله رسمياً شبه مستحيل، حيث ترفض السلطات إصدار شهادات ميلاد، ويضطر بعض العائلات لدفع رشاوى للحصول على وثائق مزورة لا تعترف بها، بينما يعتمد آخرون على تسجيلات مجتمعية بلا قيمة قانونية”.

    أما الموت، فليس أقل قسوة كما يصف سيان، حيث “لا تصدر السلطات شهادات وفاة، وكل شيء يتم بطرق غير رسمية، والأسوأ أن جيش أراكان استولى مؤخراً على عدد من مقابرنا، مما يجبرنا على البحث عن أماكن بديلة لدفن أحبائنا، أو دفع المال للحصول على إذن مؤقت، وكأن الموت نفسه يحتاج إلى تصريح”.

    وفي ظل النزاع المستمر بين جيش ميانمار والجماعات المسلحة مثل “جيش أراكان”، لا توجد سلطة ضامنة، ويجد المدنيون الروهينغا أنفسهم محاصرين، حيث يقول سيان “غالباً ما يُستخدمنا جيش أراكان دروعاً بشرية، ويجبر الفئة الناشئة على القتال في صفوفه، في حين يحاصرنا القوات المسلحة النظام الحاكمي بالقيود والاعتقالات، ويحرِمنا من أبسط الحقوق”.

    ويختم بقوله “الخوف لا يفارقنا، لا نعرف متى تبدأ الاشتباكات، أو من سيقتحم منازلنا في الليل، هل القوات المسلحة أم الجماعات المسلحة”.

    لكن حتى من قرروا الهرب من الجحيم، لم ينجوا من المصير القاسي، فقد نوّهت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ما لا يقل عن 569 شخصًا من مسلمي الروهينغا لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الفرار بحراً من ميانمار أو بنغلاديش خلال عام 2023، وهو أعلى عدد مسجّل منذ عام 2014، عندما بلغ 730 شخصاً، وفق بيان رسمي.

    وأضافت المفوضية أن تلك الحالات وقعت خلال محاولات عبور نحو 4500 شخص لبحر أندامان وخليج البنغال، في ظروف بالغة الخطورة، حيث يواجه اللاجئون غالباً مخاطر الموت جوعاً أو غرقاً أو الوقوع ضحايا لتهريب البشر.

    دول الجوار ترفض استقبال الروهينغا بسبب عدم امتلاكهم أوراقا رسمية (رويترز)

    القانون أداة للإبادة

    لم تكن مأساة الروهينغا نتيجة الحروب فحسب، بل إن جذورها تمتد إلى البنية القانونية نفسها. في ميانمار، لم يكن القانون أداة لحماية الحقوق، بل أصبح وسيلة ممنهجة لنزع الاعتراف وفرض العزلة والإقصاء عبر مجموعة من القوانين، على رأسها قانون الجنسية لعام 1982، الذي حرَم الروهينغا من الانتماء الوطني وأبعدهم عن منظومة الحقوق المدنية والسياسية.

    بما أن دستور ميانمار لا يعترف بهم بوصفهم شعباً أصلياً، فإنهم محرومون من الجنسية، ونتيجة لذلك، يُمنعون من امتلاك الممتلكات، ومن الالتحاق بكليات المنظومة التعليمية الثانوي، والمشاركة في الحياة السياسية والعسكرية.

    بدورها، نوّهت مفوضية اللاجئين أن التشريعات القانونية تعد من الأسباب الجذرية وراء اضطهاد الأقليات، فضلاً عن غياب الإشراف المدني على القوات المسلحة، وضعف النظام الحاكم الديمقراطي، والإفلات من العقاب، وضعف حكم القانون.

    كل هذه العوامل ساهمت في تعميق انتهاكات حقوق الإنسان في ميانمار، حيث تُعاني النساء والفتيات العبء الأكبر جراء العنف القائم على النوع والعنف الجنسي.

    في هذا السياق، استندت السلطة التنفيذية المؤقتة في بنغلاديش إلى هذه القوانين لتبرير رفضها استقبال اللاجئين الروهينغا، مؤكدة أنهم من سكان ميانمار ولا يجوز لهم عبور النطاق الجغرافي دون وثائق رسمية.

    ويشرح الخبير في الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان، كمال المشرقي، أن تشريعات ميانمار وضعت تصنيفاً تمييزياً صارماً للجنسية، لا يعترف إلا بمن ينتمي إلى واحدة من “135 قومية معترف بها”، مما يُقصي الروهينغا.

    ويضيف للجزيرة نت أن “القانون يفرض شرط الإثبات الإقامة في البلاد قبل عام 1823، وهو شرط غير منطقي وغير عملي”، ويرى أن هذه الممارسات تُعد انتهاكًا للقانون الدولي، بما فيها المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية 1954 بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية، واتفاقية 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية، والتي تحظر حرمان الأفراد من الجنسية بطريقة تعسفية.

    لكن الأخطر وفقًا للمشرقي، هو أن وضع الروهينغا لا يندرج فقط تحت خانة “عديمي الجنسية”، بل يتجاوز إلى مفهوم “اللاوجود القانوني”، وهو غياب كامل لأي اعتراف قانوني بوجودهم، وحرمان شامل من الوثائق والحماية والحقوق الأساسية.

    هذا على العكس من عديمي الجنسية، الذين رغم غياب الجنسية قد يحصلون على بعض الحقوق كالمنظومة التعليمية والرعاية الصحية. أما الروهينغا، فيواجهون محوًا قانونيًا لإنسانيتهم، وحرمانًا من أي إمكانية قانونية للتوثيق أو الحماية أو اللجوء.

    يشير المشرقي إلى أن الإستراتيجية المتبعة في ميانمار ضد الروهينغا يمكن أن تُصنف قانونيًا كجريمة تطهير عرقي، نظراً لما تتضمنه من طرد قسري وتمييز ممنهج وعنف موجه ضد جماعة بعينها بهدف محو هويتها الجماعية.

    كما يلفت إلى أن الأفعال قد تندرج أيضاً ضمن تعريف الفصل العنصري وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1973، إذا ثبت وجود نية مبيتة للإبقاء على الروهينغا تحت سيطرة قانونية غير عادلة، وحرمانهم من حقوقهم.

    صراع الدين والهوية

    على الرغم من أن أزمة الروهينغا تُعرض غالباً كـ “وجود غير قانوني”، فإن جذورها أعمق وأكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الأبعاد القانونية مع خلفيات دينية وثقافية تمتد عبر قرون.

    وجود المسلمين الروهينغا في ولاية أراكان ليس طارئًا، بل تشير المصادر التاريخية إلى أن الإسلام جاء إلى سواحل أراكان منذ القرن السابع الميلادي عبر التجار العرب، مما أدى إلى تشكيل مجتمع مسلم مستقر يمتلك ثقافته وهويته الدينية الخاصة.

    رغم هذا الإرث التاريخي، يتعرض الروهينغا لمحاولات منهجية لطمس وجودهم، من خلال استهداف هويتهم الدينية تحديدًا. ينظر إليهم الخطاب الرسمي والمواطنوني بوصفهم “أقلية مسلمة دخيلة” على النسيج القومي ذي الأغلبية البوذية، مما أضفى طابعًا دينياً عميقاً على الاضطهاد، متجاوزاً حدود النزاع العرقي والسياسي، وفقًا لما ورد في مجلات الدراسات العربية.

    في هذا السياق، يقول سليم نور الأركاني، المدير التنفيذي لجمعية أراكان الإنسانية، إن المواطنون الروهينغي في ميانمار يعتمد على وسائل بدائية لكنها فعالة للحفاظ على هويته. حيث تُعلِّم الأسر أطفالها اللغة الروهينغية شفهيًا داخل المنازل، وتقيم حلقات دينية لتحفيظ القرآن والحديث، وتنقل الأغاني الشعبية والأمثال والعادات الاجتماعية في نطاق عائلي أو مجتمعي محدود، غالبًا ما يتم في الخفاء لتجنب بطش السلطات.

    يضيف الأركاني أن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على الداخل فقط، بل يمتد أيضًا إلى الشتات. في مخيمات اللاجئين في بنغلاديش، وبين مجتمعات الروهينغا في السعودية وماليزيا وأوروبا، بدأ تلاشي معالم الثقافة الروهينغية تدريجيًا، لا سيما بين الجيل الجديد، حيث يتحدث الأطفال غالبًا بلغة البلد المضيف ويتلقون تعليمهم وفق مناهج أجنبية، في مجتمعات تجهل تاريخ الروهينغا ونضالهم.

    وفي ماليزيا، بدأت الأسر تستخدم اللغة الماليزية أو الإنجليزية في حياتهم اليومية، في حين تراجعت الروهينغية إلى مجرد “لغة الأجداد”. أما في السعودية، رغم وجود جالية روهينغية كبيرة، فإن العديد من الأطفال باتوا يتحدثون العربية بطلاقة، لكنهم يجهلون كثيرًا من تراثهم الثقافي والديني.

    يأنذر الأركاني، في حديثه مع الجزيرة نت، من أن هذا الانصهار الثقافي، رغم ما يتيحه من فرص تعليم وانفتاح، يُنذر بخطر حقيقي يتمثل في ضياع الذاكرة الجمعية، مما قد يؤدي إلى تهميش الرواية الذاتية للشعب الروهينغي، ويحولها إلى مجرد صفحة منسية في تقارير المنظمات.

    في داخل ميانمار، يعد المنظومة التعليمية جبهة مركزية في معركة الهوية، فمعظم أبناء الأجيال السابقة لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس الحكومية بسبب غياب الوثائق الرسمية، وفي حالات نادرة، كانت بعض المدارس تقبل تسجيل أطفال الروهينغا شريطة التخلي عن أسمائهم الإسلامية وتعلم اللغة البوذية والمشاركة في الطقوس الدينية ضمن الأنشطة اللاصفية.

    يختتم الأركاني بأن هذا الإقصاء المنهجي دفع الأسر إلى تأسيس نظام بديل يُعرف بـ “الكتاتيب”، وهو تعليم ديني تقليدي يتعلم فيه الأطفال الحروف العربية، والقرآن، وبعض العلوم الإسلامية، مما جعله خط الدفاع الأخير في معركة الحفاظ على الدين والهوية.

    ما يريده الروهينغا، بحسب ما أفاد به مَن قابلتهم الجزيرة نت، ليس أكثر من حقهم في العودة إلى ديارهم بسلام وكرامة، عودة لا تُنقص من إنسانيتهم، ولا تحرمهم من حقوقهم القانونية والثقافية والدينية. وتبدأ مدعاهم من استعادة جنسيتهم الكاملة، وإلغاء قوانين التمييز، ومحاكمة المسؤولين عن ظلمهم، إذ إنهم يطلبون فرصة للحياة كأشخاص متساوين، وليس كمواطنين من الدرجة الثانية أو لاجئين في وطنهم، مؤكدين أن هذه ليست مجرد مدعا سياسية، بل هي حق أساسي لكل إنسان، وأمل يتمسكون به رغم كل الألم والمعاناة.


    رابط المصدر

  • تزايد غير مسبوق في طلبات الجنسية البريطانية من قبل الأمريكيين خلال فترة رئاسة ترامب


    سجلت المملكة المتحدة زيادة ملحوظة في طلبات الجنسية من الأميركيين خلال الربع الأول من 2024، حيث قدم 6,618 أميركياً طلبات، وهو أعلى رقم سنوي منذ 2004. يعود هذا الارتفاع، بنسبة 30% عن السنة السابق، إلى المناخ السياسي في الولايات المتحدة بعد إعادة انتخاب ترامب، مما دفع الكثيرين للتفكير في الانتقال. بالإضافة إلى ذلك، حصل عدد قياسي من الأميركيين على حق الاستقرار في بريطانيا، مع زيادة 20% عن 2023. يتوقع المحامون استمرار الطلبات المرتفعة نتيجة التغيرات السياسية والإجراءات الحكومية الجديدة بشأن متطلبات الإقامة.

    أظهرت إحصائيات جديدة من حكومة المملكة المتحدة زيادة ملحوظة في عدد الأميركيين الذين يسعون للحصول على الجنسية البريطانية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا السنة، وهو ما يربطه بعض الخبراء بالأوضاع السياسية في الولايات المتحدة.

    وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن 6,618 أميركياً قدموا طلبات للحصول على الجنسية البريطانية خلال السنة المنتهية في مارس/آذار الماضي، محققين أعلى رقم سنوي منذ بدء تسجيل المعلومات في عام 2004، وفقًا للإحصاءات الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية يوم الخميس.

    وقد تم تقديم أكثر من 1,900 طلب بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، وهو الرقم الأعلى المسجل لأي ربع سنة.

    ونوّه محامو الهجرة أنهم شهدوا زيادة في الاستفسارات من أشخاص في الولايات المتحدة بشأن الانتقال إلى بريطانيا بعد إعادة انتخاب القائد دونالد ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

    المحامي مهونثان باراميسفاران في شركة ويلسونز للمحاماة بلندن يقول إن الاستفسارات من الأميركيين الراغبين في الاستقرار في بريطانيا شهدت زيادة “في أعقاب الاستحقاق الديمقراطي مباشرة وما تلاها من إعلانات”.

    وجاء هذا الارتفاع في طلبات الجنسية البريطانية من الأميركيين بالتوازي مع زيادة مشابهة من مختلف أنحاء العالم، إلا أن المعدل العالمي، الذي بلغ 9.5% سنويًا، تم تجاوزه بشكل كبير بنسبة 30% من الولايات المتحدة.

    تتوقع زينا لوشوا، الشريكة في شركة لورا ديفاين للهجرة، أن تشهد الأشهر المقبلة زيادة أخرى نظرًا لـ “المناخ السياسي” في الولايات المتحدة.

    وأضافت: “لقد لاحظنا زيادة في الاستفسارات والطلبات ليس فقط من المواطنين الأميركيين، بل أيضًا من المقيمين في الولايات المتحدة من جنسيات أخرى الذين يخططون للاستقرار في المملكة المتحدة”.

    وتشير إلى أن العديد من الاستفسارات التي تتلقاها ليست فقط حول الجنسية البريطانية، بل تتعلق أيضًا بالانتقال بشكل عام.

    وكشفت بيانات منفصلة نشرتها وزارة الداخلية هذا الإسبوع عن عدد قياسي من الأميركيين الذين حصلوا على حق الإقامة في بريطانيا عام 2024، مما يسمح لهم بالعيش والعمل بشكل دائم في البلاد كخطوة أساسية قبل التقدم للجنسية.

    ومن بين 5,521 طلب استقرار مُنح لمواطني الولايات المتحدة السنة الماضي، كان أغلبها لأشخاص مؤهلين بناءً على روابط عائلية مثل الأزواج أو الوالدين، بينما كانت هناك نسبة كبيرة ممن قدموا إلى بريطانيا بتأشيرات مؤقتة “للعمال المهرة” ويرغبون في البقاء.

    هذا الرقم ارتفع بنسبة 20% مقارنة بعام 2023، وهو رقم قياسي يمنح الأميركيين الفرصة للبقاء في بريطانيا بشكل دائم. ومع ذلك، كانت الزيادة أقل من الزيادة السنةة في منح تصاريح الاستقرار لجميع الجنسيات، التي سجلت ارتفاعًا بنسبة 37% في نفس الفترة.

    يعتقد باراميسفاران أن معدل طلبات الاستقرار سيتسارع أكثر في الأشهر القادمة بعد أن صرحت السلطة التنفيذية البريطانية مؤخرًا أنه سيتعين على معظم الأشخاص العيش في البلاد لمدة 10 سنوات بدلاً من 5 سنوات حاليًا قبل التقدم بطلب الاستقرار الدائم.

    من جهته، قال مارلي موريس، المدير المساعد للهجرة في معهد لندن لأبحاث السياسات السنةة، إن هناك “مجموعة من العوامل” التي تفسر الزيادة السنةة في طلبات الاستقرار من جميع أنحاء العالم، وإن “الدوافع السياسية” تعد من بين هذه العوامل.

    تسعى الحكومات البريطانية المتعاقبة إلى تقليل صافي الهجرة، الذي انخفض إلى النصف في 2024 وفقًا للأرقام الصادرة يوم الخميس، وترافق هذا الانخفاض مع تزايد القيود من قبل السلطة التنفيذية المحافظة السابقة.


    رابط المصدر

  • مقاتل في حماس يتنكر بزي صحفي: ادعاء جديد من إسرائيل


    استشهد الصحفي الفلسطيني حسن الأصليح في قصف إسرائيلي لمجمع ناصر الطبي في خان يونس في 13 مايو، وهي المرة الثانية التي يستهدف فيها. قُتل حسن بعد تعرضه لإصابات في هجوم سابق في أبريل، حيث استشهد زميله أحمد منصور. ادعى القوات المسلحة الإسرائيلي أنه كان هدفًا بسبب ارتباطاته مع حماس، وهو ادعاء مُدان من قبل الصحفيين والنقابات. انتقدت منظمة “Honest Reporting” حسن، مما أدى إلى تحريض مباشر على قتله. بينما يستمر الطلاب في الولايات المتحدة في الاحتجاج على الوضع في غزة، دعوا لإضرابات عن الطعام دعماً لفلسطين.

    في 13 مايو/أيار، استهدفت إسرائيل مجمع ناصر الطبي في خان يونس، مما أسفر عن مقتل الصحفي الفلسطيني الشهير حسن الأصليح. وكانت هذه المرة الثانية التي يُستهدف فيها.

    سابقًا، في 7 أبريل/ نيسان، تعرض لهجوم عندما قصف القوات المسلحة الإسرائيلي خيمة الصحفيين خارج مستشفى ناصر، ما أدى إلى استشهاد الصحفي أحمد منصور.

    على الرغم من نجاته من هجوم أبريل/ نيسان، قضى حسن في الهجوم الثاني بعد أسبوع، بينما كان يتلقى علاجًا لحروق بالغة وفقدان إصبعين، إذ دمر الانفجار أيضًا وحدة الحروق في المستشفى.

    صرح جيش الاحتلال الإسرائيلي أن حسن كان هدفًا في الهجومين، مدعيًا أنه مقاتل في حماس “يستخدم زي الصحافة كستار”. وهي المزاعم الكاذبة التي تدعيها إسرائيل دائمًا عند تصفية أي صحفي في غزة، وكانت تلك أحدث كذباتها.

    ردًا على “تصريحات القوات المسلحة الجنونية”، كتب رايان غريم، الشريك المؤسس لموقع “دروب سايت نيوز”، واصفًا مزاعم إسرائيل بأنها “سلوك نفسي منحرف موضوعيًا”.

    وزعم جيش الاحتلال أنه قصف المستشفى؛ لأن “مسؤولًا ماليًا في حكومة حماس، الذي تم اغتياله، كان يعمل في المستشفى خلال مارس/ آذار”. واعتبرت إسرائيل ذلك مبررًا “لقصف المستشفى في مايو/ أيار”. كما نوّه غريم، فإنه “وجود موظفين حكوميين في مستشفى لا يجعله هدفًا مشروعًا قانونيًا أو أخلاقيًا، لا سيما بعد عدة أشهر”.

    وأضاف: “قصف وحدة الحروق لاغتيال صحفي بارز يتلقي العلاج بها يمثل انحدارًا غير مسبوق. لا تتجرأ سوى قلة من الحكومات خلال المئة عام الماضية على ارتكاب جرائم من هذا النوع، وأقل منها على فعله تحت أنظار العالم”.

    انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعليقات مؤثرة في وداع روح حسن، منها منشور للصحفي أبي بكر عابد الذي كتب: “وداعًا لبطل قتلته إسرائيل لمجرد أنه كان صحفيًا”.

    فوق صورة لحسن يرتدي سترته وخوذته التي تحمل شعار “PRESS” وهو ينظر حادًا إلى الكاميرا، كتب صحفي آخر: “إسرائيل اغتالتك يا حسن.. قتلوك لأن صوتك كان قويًا جدًا.. عاليًا جدًا”.

    لفت هذا المنشور انتباه منظمة ضغط صهيونية تُدعى “Honest Reporting”، وهو اسم يحمل سخرية حيث أنها منظمة وُجدت خصيصا لفبركة الروايات وفرض الرقابة على الصحافة.

    تأسست المنظمة عام 2006 على يد جو هيامز، المتحدث السابق باسم السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة، وعملت في السر على مهاجمة كل من ينتقد إسرائيل، خصوصًا الصحفيين في غزة، وقد اتضح فيما بعد أن لها دورًا كبيرًا في مقتل حسن.

    نشرت “Honest Reporting” تغريدة قالت فيها: “لا عدد الكاميرات ولا سترات الصحافة ولا الخوذ يمكن أن تخفي من هو حسن الأصليح”، وادعت أنه “عمل بشكل وثيق مع حماس للترويج لدعايتها التطرفية”.

    كان هذا المنشور تحريضًا صريحًا على القتل، حيث علق مستخدم يُدعى “ballofworms”: إن الصحفي المدافع عن حسن أصبح “هدفًا مشروعًا”، ودعا الاحتلال الإسرائيلي: “افعلوا ما يتعين عليكم فعله”.

    منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، استمرت المنظمة في اتهام حسن وغيره من الصحفيين بأنهم عناصر في حماس لمجرد أنهم وثقوا ما حدث يومها.

    قد اتّهمت المنظمة وكالات: رويترز، وأسوشيتد برس، وسي إن إن، وحتى صحيفة نيويورك تايمز، باستخدام صور من 7 أكتوبر/ تشرين الأول، زعمت أنها من حماس.

    ردّت رويترز وأسوشيتد برس بقوة، وأجرت رويترز تحقيقًا مستقلًا خلص إلى أنه “لا دليل يدعم مزاعم التنسيق مع حماس”، ووصفت المنظمة بأنها تنشر “ادعاءات غير مسؤولة”.

    وأوضح مدير رويترز التنفيذي جيل هوفمان أن مثل هذه “الإيحاءات” تشكل خطرًا على سلامة الصحفيين في غزة، مُشيرًا: “نؤمن بأن Honest Reporting، يجب أن تُحاسب على نشر المعلومات المضللة، وعلى المخاطر والضرر الذي لحق بمصداقية الصحفيين الذين يعملون في تغطية هذا المواجهة”.

    في الولايات المتحدة، تتحمل منظمات إسرائيلية أخرى مسؤولية غير متناسبة عن اعتقال واحتجاز الطلاب الأجانب المعارضين للإبادة الجماعية، المقيمين في أميركا.

    على سبيل المثال، منظمة “بيتار أميركا ” “Betar USA”، ذات التوجهات الفاشية، ومنظمة “Canary Mission” التي وصفتها مجلة “The Nation” بأنها “حملة واسعة النطاق للتشهير والتجسس مصدرها إسرائيل”، تستهدف الطلاب والأساتذة المنتقدين لإسرائيل، وتوجه لهم تهمًا افتراضية تهدف إلى “الإضرار بفرصهم المستقبلية في العمل”.

    في عام 2018، كشفت صحيفة The Forward أن مؤسسة Helen Diller Family Foundation خصصت سرًا 100 ألف دولار لصالح “Canary Mission”، عبر “الصندوق المركزي لإسرائيل” (CFI)، وهي منظمة خيرية في نيويورك تعمل كوسيط للتبرعات السرية المعفاة من الضرائب التي يقدمها أثرياء أميركيون لدعم الجماعات المتطرفة في إسرائيل.

    كما كُشف مؤخرًا في وثائق المحكمة أن “بيتار” و”Canary Mission” هما الجهتان اللتان تقفان خلف القوائم التي استخدمتها وزارة الخارجية الأميركية لاحتجاز الطلاب المنتقدين لإسرائيل. في 8 أبريل/نيسان 2025، نشر حساب “بيتار” تغريدة تضمنت ملفًا شخصيًا لدعا تركي يُدعى إيفي إيرجيليك، معلقًا: “لقد حددنا هذا الشخص ومهدنا الطريق لترحيله.

    يوجد الكثير من هؤلاء الأوغاد في أنحاء البلاد، لكنها حالة متطرفة في ولاية ماساتشوستس الفاسدة”. ووفقًا للمحامي المتخصص في الهجرة آرون رايشلين- ميلنيك، فإن إدارة ترامب قامت بسحب تأشيرة هذا الدعا “بسبب تغريدة من بيتار”.

    بعد 48 ساعة فقط من تلك التغريدة، أصدرت السلطات مذكرة توقيف بحق الدعا “استنادًا إلى كذبة صريحة”. ونوّهت أوراق الدعوى أن وزارة الاستقرار الداخلي استخدمت تغريدة “بيتار” للموافقة على احتجاز إيفي إيرجيليك.

    بعد أن قدّم المحامون في ماساتشوستس التماسًا للمحكمة، أمر القاضي بالإفراج عن الدعا، مؤكدًا أن “الاحتجاز تم بناءً على تحريض شبه حصري من منظمة بيتار العالمية”.

    صدرت هذه الأحكام استنادًا إلى أن اعتقال الدعا كان غير دستوري، لأن “أنشطته” و”خطابه” محميان بموجب التعديل الأول الذي يكفل حرية التعبير. حتى الآن، تأثرت أوضاع الهجرة لـ1.800 دعا في 280 مؤسسة تعليمية، وتم إلغاء العديد من تأشيراتهم.

    كتبت منصة Mondoweiss تأبينًا لحسن ونقلت عنه قوله: “قد يستهدفونني داخل المستشفى، في غرفتي هذه. ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا أقاتل. أنا أعمل، وأنا مسؤول عن مهنتي.. وإذا قتلني القوات المسلحة الإسرائيلي، فإن الصور التي التقطتها والقصص التي رويتها للعالم ستظل حية. اسمي وقضيتي وصوتي سيبقى حيًا – بينما الاحتلال سيفنى”.

    بالفعل، الاحتلال سيفنى، لأن الطلاب والنشطاء لن يرضخوا أو يتراجعوا عن مناهضة الإبادة الجماعية. وفي ظل القمع الكبير للحراك الطلابي في الجامعات، يخوض عدد من الطلاب حاليًا إضرابات عن الطعام تضامنًا مع الفلسطينيين.

    فقد بدأ نحو عشرين دعاًا في كاليفورنيا إضرابًا عن الطعام في 5 مايو/أيار، للفت الانتباه إلى المجاعة المفتعلة في غزة، حيث كتبوا: “نحن طلاب من جامعات سان فرانسيسكو، وساكرامنتو، ولونغ بيتش، وسان خوسيه الحكومية، نبدأ اليوم إضرابًا جماعيًا عن الطعام تضامنًا مع مليونَي فلسطيني مهددين بالمجاعة في غزة”، كما صرحت حركة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”. وفي 11 مايو/ أيار، انضم ستة طلاب من جامعة ييل إلى الإضراب.

    وبحلول يوم الاثنين، انتقل الاحتجاج إلى جامعة ستانفورد، حيث شارك ما لا يقل عن 10 طلاب و3 من أعضاء هيئة التدريس. وقد بدأت هذه التحركات تؤتي ثمارها؛ إذ صرح طلاب جامعة ولاية سان فرانسيسكو انتهاء إضرابهم بعد التوصل إلى اتفاق مع إدارة الجامعة.

    وفي نيويورك، بتاريخ 15 مايو/ أيار، ألقى الدعا الشجاع لوغان روزوس من جامعة نيويورك NYU كلمة في حفل تخرجه وسط تصفيق حار، حيث قال: “أتحدث إلى كل ذي ضمير.. إلى من يشعر بالألم الأخلاقي تجاه هذه الفظائع.. أدين هذه الإبادة الجماعية وكل من يتواطأ فيها”. وفي محاولة انتقامية بائسة، قررت إدارة الجامعة حجب شهادته، لكن هذه المسرحية الجبانة ستنكشف قريبًا على أنها فعلًا منافقًا ومخزيًا.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • هذه هي حقيقة المعادن النفيسة في جزيرة غرينلاند.


    رغم اهتمام عالمي متزايد بثروات غرينلاند المعدنية، خاصة بعد تصريحات ترامب، لم تُترجم هذه الاهتمامات إلى نشاط ملموس بعد. تواجه الجزيرة تحديات عدة منها صعوبة استخراج المعادن وارتفاع تكاليف الإنتاج. منطقة غرينلاند تمتاز بتاريخ جيولوجي غني، وتضم معادن مثل النحاس والنيكل، لكن استخراجها يتطلب عمليات معقدة وطويلة. كما أن البنية التحتية الضعيفة والمناخ القاسي تُعقد عملية التعدين. يعد الطلب على المعادن الأساسية مثل الليثيوم والنيكل متزايداً في ظل التحولات العالمية نحو الطاقة المتجددة، مما يزيد من أهمية تطوير هذا القطاع الهام في الجزيرة.

    رغم تزايد الاهتمام العالمي مؤخرًا بمصادر الثروة المعدنية في جزيرة غرينلاند بعد تصريحات القائد الأمريكي دونالد ترامب ورغبته في شرائها، لكن لم يتم تحويل ذلك إلى أي نشاط عملي حتى الآن.

    بينما تمتلك الجزيرة القطبية الشمالية احتياطيات معدنية غنية غير مستغلة، لا تزال التحديات في استخراج هذه الموارد وعزلها، بالإضافة إلى التكاليف العالية للإنتاج، تُشكّل عقبات رئيسية تمنع جذب التنمية الاقتصاديةات الكافية.

    لفهم طبيعة المعادن النادرة والتحديات التي تواجه صناعة التعدين في أكبر جزيرة في العالم، أجرت الجزيرة نت لقاءً مع الجيوفيزيائي توماس فارمينغ، المستشار في هيئة المسح الجيولوجي للدانمارك وغرينلاند، ورئيس فريق الجيولوجيين في غرينلاند.

    التاريخ الجيولوجي

    تغطي المنطقة غير الجليدية في غرينلاند مساحة تقارب 0.4 مليون كيلومتر مربع، وتحتوي على تضاريس جيولوجية معقدة تمثل تقريبًا 4 مليارات سنة من التاريخ الجيولوجي، تتراوح من العصر الأركي إلى العمليات الحديثة.

    ولفت توماس فارمينغ إلى أن التاريخ الجيولوجي الطويل للجزيرة أدى إلى مراحل تكوين متنوعة ووجود أنظمة جيولوجية متعددة، وهو أمر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعمليات استكشاف المعادن.

    أضاف فارمينغ في حديثه للجزيرة نت أن غرينلاند تطورت عبر الزمن، وهي أطراف قديمة ومستقرة ضمن الغلاف الصخري للأرض تحت الصفائح التكتونية القارية.

    أدّى التصادم القاري إلى نشوء نظام المضيق البحري في غرينلاند، حيث شهدت أيضًا ثورات بركانية قبل 60 مليون سنة في وسط غرب الجزيرة ومنطقة خليج ديسكو، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى ساحلها الشرقي.

    وعند النظر إلى العصر الطباشيري، أي قبل حوالي 120 مليون سنة، نوّه الجيوفيزيائي أن غرينلاند لم تكن في منطقة باردة، بل كانت في موقع أكثر جنوبًا حيث كانت تحوي أشجارًا ضخمة وغابات مطيرة وديناصورات.

    نماذج من أحجار ومعادن داخل وزارة المالية والتعدين في العاصمة نوك غرينلاند (الجزيرة)

    العناصر الأرضية النادرة

    تم تقييم 67 مادة فردية من المواد الخام وثلاث مجموعات تم تصنيف أكثر من 32 منها كمواد خام نادرة. ورغم أن النحاس والنيكل لا يندرجان ضمن هذا التصنيف، إلا أن المفوضية الأوروبية تصنفهما كمواد استراتيجية، مما يرفع إجمالي المواد الحيوية التي يصنفها الاتحاد الأوروبي إلى 34 مادة.

    دعا رئيس فريق الجيولوجيين في غرينلاند إلى أن “العناصر الأرضية النادرة” توجد داخل المعادن، مشيرًا إلى أنها ليست نادرة فعلًا، حيث تتوفر في مناطق عديدة من العالم مثل الصين والسويد والنرويج.

    وذكر أن المعادن الشائعة التي تحتوي على هذه العناصر تشمل اليوتروليت، والكرونيكليت، والأسبربونيت.

    على عكس المتوقع، لفت توماس فارمينغ إلى أن اليورانيوم ليس له قيمة اقتصادية في غرينلاند، بسبب قانون يمنع التنقيب عن أي مادة يكون اليورانيوم منتجًا ثانويًا فيها، بحيث يكون الحد الأقصى 100 جزء في المليون، مما يجعله غير قابل للتطبيق في أعمال الإنتاج التجاري.

    في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أبرم الاتحاد الأوروبي شراكة إستراتيجية مع غرينلاند تتعلق بسلاسل إمداد المواد الخام المستدامة، بهدف تطوير قطاع التعدين في الجزيرة عبر جذب التنمية الاقتصاديةات وتبادل المعرفة وتعزيز تنمية المهارات المحلية.

    رغم أن هذه الشراكة تعكس اهتمامًا مشتركًا بتطوير مشاريع التعدين في الجزيرة، إلا أن العديد من العقبات لا تزال قائمة ويتعين تجاوزها قبل تحقيق الرؤية السياسية والماليةية لجعل غرينلاند مصدرًا رئيسيًا للمواد الخام في أوروبا.

    صعوبات جادة

    يعتبر المستشار في هيئة المسح الجيولوجي للدانمارك وغرينلاند أن استخراج المعادن النادرة من جوف الأرض هو الجزء السهل نسبيًا، إذ يتطلب فقط معرفة الكمية المتوفرة ودرجة الجودة وبعض الخصائص الأخرى، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في المعالجة.

    ويعزو توماس فارمينغ ذلك إلى أنه “بسبب تشابهها الكيميائي، يصعب جدًا استخراج هذه العناصر الأرضية النادرة وعزلها. ولإستخراج هذه العناصر إلى مكوناتها المعدنية، كلّ على حدة، يجب المرور بعملية طويلة ومعقدة للغاية وتستهلك الكثير من المواد الكيميائية”.

    إلى جانب تداخل أنواع المعادن في غرينلاند، تكمن الصعوبة الأخرى في نقص البنية التحتية، حيث تقع مناطق التعدين بعيدًا عن القرى أو المدن، مما يستدعي التفكير في بناء ميناء ومساكن وتوفير إمدادات الطاقة والمياه ونظام الصرف الصحي، إضافة إلى إنشاء مطار يتناسب مع عدد السنةلين في المنجم؛ وكلها تتطلب استثمارات مالية ضخمة.

    يجدر بالذكر أن الجليد يغطي 80% من مساحة الجزيرة القطبية الشمالية التي تتميز بمناخ قاسي وظروف بيئية صارمة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل. لذلك، لكي تُصبح هذه المعادن مصدر دخل كبير لغرينلاند، يجب أن يرتفع سعر المواد الخام، لأن استخراجها ليس فعّالاً من الناحية الماليةية في الوقت الراهن.

    التحديات الجيولوجية واللوجستية تعيق تطوير قطاع التعدين في جزيرة غرينلاند (الجزيرة)

    من جهة أخرى، يستبعد فارمينغ إمكانية بناء منجم خلال عامين فقط في غرينلاند، على عكس الدول ذات الطقس الجيد، حيث ستعوق قسوة الطقس في فصل الشتاء الشركات عن العمل طوال السنة، ولذلك قد يحتاج الأمر إلى 4 سنوات على الأقل.

    أهمية إستراتيجية واقتصادية للمعادن النادرة

    تشكل المعادن الأساسية مثل النحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة مكونات رئيسية للعديد من تقنيات الطاقة الحديثة التي تتطور بسرعة، بدءًا من توربينات الرياح إلى الشبكات الكهربائية وصولًا إلى المركبات الكهربائية. ويتزايد الطلب على هذه المواد بشكل متسارع مع تسريع التحولات في قطاع الطاقة، حسب تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية.

    أوضح الجيوفيزيائي فارمينغ أن العناصر الأرضية النادرة تُستخدم بكثرة في التقنيات الحديثة، من الهواتف الذكية والمصابيح الثنائيّة الباعثة للضوء (LED) إلى السيارات الكهربائية، مؤكدًا أهميتها أيضًا في المجال العسكري، خاصة في بناء الغواصات والطائرات الحربية والصواريخ.

    في السنوات القادمة، ستكون ضمانات إمدادات موثوقة من المعادن الأساسية أمرًا حيويًا لأمان أنظمة الطاقة. كما تكتسب هذه المعادن أهمية متزايدة في سياق “التحول الأخضر”، أي الانتقال من الاعتماد على الوقود الأحفوري نحو الطاقة المتجددة، وهو هدف تسعى إليه معظم دول العالم.

    وفي هذا السياق، صرح رئيس فريق الجيولوجيين في غرينلاند أن “العديد من هذه الرواسب التي نملكها ضرورية للتحول الأخضر، حيث يُستخدم الليثيوم والغرافيت في صناعة البطاريات، بالإضافة إلى عناصر تدخل في تصنيع المغناطيسات الفائقة القوة، مثل توربينات الرياح والسيارات الكهربائية وكهربة القطارات”.

    وأسهب قائلاً “الكثير من هذه الرواسب المعروفة منذ عقود لم تكن ضرورية في السابق لأن الناس لم يدركوا استعمالاتها، ولكن مع تكنولوجيا اليوم والسعي لعالم خالٍ من الوقود الأحفوري، أصبحت هذه المعادن ضرورية”.


    رابط المصدر

  • ما هي دلالات الهجوم على المتحف اليهودي في واشنطن؟ وهل تسعى إسرائيل لاستغلال الوضع؟


    أثار هجوم المتحف اليهودي في واشنطن، الذي أسفر عن مقتل موظفين في السفارة الإسرائيلية، تساؤلات حول سياقه وتداعياته وسط الحرب في غزة. تجاوز الشايجي، أستاذ العلوم السياسية، الفهم التقليدي واعتبر الهجوم نتيجة للاعتداءات على غزة وليس معاداة للسامية. ولفت إلى تصاعد الكراهية لإسرائيل، كما انتقد غولان السلطة التنفيذية الإسرائيلية لتفاقم الوضع. رأى مسؤولون أمريكيون أن الحادث يرتبط بمعاداة السامية، ونوّهوا على تعزيز الاستقرار في المنشآت الإسرائيلية. بينما اعتبر ترمب أن الحادث يجب أن يقابَل بحزم. الشايجي رأى أن الروايات الإسرائيلية عن الضحية تتعرض للاختراق عالمياً.

    اجتذب الهجوم على المتحف اليهودي في العاصمة الأميركية واشنطن، والذي أسفر عن مقتل موظفين من السفارة الإسرائيلية، العديد من التساؤلات حول ظروفه وتأثيراته المحتملة في سياق الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.

    في هذا السياق، أبدى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، الدكتور عبد الله الشايجي، اعتقاده بأن الهجوم ليس له علاقة بمعاداة السامية، بل هو نتيجة طبيعية لاستمرار الحرب وتجويع سكان قطاع غزة وقتل الأطفال والنساء.

    ولفت الشايجي -في حديثه لبرنامج “ما وراء الخبر”- إلى أن تداعيات الحرب في غزة لم تعد محصورة على فلسطين والمنطقة فقط، بل أصبحت قضية عالمية تتطلب الانتباه في ظل ارتكاب إسرائيل جرائم حرب بشكل وحشي أمام الكاميرات.

    كما أضاف الشايجي أن القمع الذي يتعرض له الطلاب في الولايات المتحدة قد زاد من الكراهية تجاه إسرائيل، التي باتت تُعتبر دولة مكروهة ومنبوذة.

    ورأى الشايجي، وهو خبير في الشؤون الأميركية أيضاً، أن المنفذ أراد توصيل رسالة تعبر عن عدم التحمل، إضافة إلى رسالة أخرى للإسرائيليين تفيد بأنهم “سيدفعون ثمن إصرار رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو على حرب بلا أفق”.

    وكانت وزارة الاستقرار الداخلي الأميركية قد صرحت عن مقتل موظفَين في السفارة الإسرائيلية نتيجة إطلاق النار عليهما من قبل شخص يبلغ من العمر 30 عاماً قرب المتحف اليهودي في واشنطن، حيث كان القتيلان حاضرين في فعالية نظمتها اللجنة اليهودية الأميركية.

    وحسب تصريحات الشرطة، فإن المنفذ، المدعو إلياس رودريغيز من مدينة شيكاغو بولاية إلينوي، لا يحمل أي سوابق إجرامية، وقد صرخ بعبارة “الحرية لفلسطين” خلال تسليم نفسه بعد الهجوم.

    حول التداعيات المحتملة، توقع الشايجي أن تسعى إسرائيل إلى تغيير الرواية عبر اتهام الأوروبيين بتحريض على قتل الإسرائيليين، وترويج سردية ضحية لأنهم يهود.

    ولفت إلى أن الرواية التي قدمتها إسرائيل حول “المظلومية” على مدى 77 عاماً قد انهارت، إذ أصبحت معروفة عالمياً بأنها “دولة ترتكب إبادة جماعية ومجازر دموية، ولا تكترث بالقانون الدولي والمواثيق الدولية”.

    في تعليقه على الهجوم، قال زعيم حزب الديمقراطيين في إسرائيل يائير غولان إن حكومة نتنياهو هي المسؤولة عن تأجيج معاداة السامية وكراهية إسرائيل.

    وذكر غولان أن النتيجة هي عزلة دبلوماسية غير مسبوقة تواجهها إسرائيل، وخطر على كل يهودي في أي مكان في العالم.

    موقف واشنطن

    بدوره، علق الضابط السابق في الاستخبارات الأميركية مايكل مولروي على مقتل موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن، ووصفه بأنه حادث مروع، مصنفاً إياه في إطار معاداة السامية.

    وحاول مولروي تبرير تصنيفه بالقول إن المنفذ “لم يكن يعلم أن الضحيتين يعملان في السلطة التنفيذية الإسرائيلية، لكنه افترض أنهما يهود”، مدعااً بانتظار تحقيقات على مأساة.

    وتوقع مولروي أن تتبنى الولايات المتحدة إجراءات مشددة لتأمين دور العبادة والمتاحف، وكذلك تشديد الإجراءات الاستقرارية الإسرائيلية حول سفاراتها وقنصلياتها في مختلف أنحاء العالم.

    وفي هذا الإطار، أفادت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي بأن السلطات تعتقد أن المشتبه به تصرف بمفرده، ولفتت إلى أن قوات الاستقرار الأميركية قد كثفت من وجودها حول المنشآت الدبلوماسية الإسرائيلية.

    من جهته، ربط القائد الأميركي دونالد ترامب الهجوم بمعاداة السامية، قائلاً إن “جرائم القتل المروعة في واشنطن المرتبطة بمعاداة السامية يجب أن تتوقف فوراً”.

    لكن الضابط السابق في الاستخبارات الأميركية استبعد أن يؤثر الهجوم على حق التظاهر وحرية التعبير في الولايات المتحدة، موضحاً أن الضغوط في الجامعات تطال “الطلاب الأجانب وليس الأميركيين”، وفقاً لما ذكره.


    رابط المصدر

  • المغرب من منظور إسكندرانى: من فاس إلى القاهرة في جولة عبر مراكش


    زرت فاس، المدينة الإسلامية القديمة في المغرب، وتتسم بسحرها وتاريخها. انطلقت في رحلة استمرت أكثر من خمس ساعات، حيث وجدت في فاس أجواء مشابهة لتلك التي في القاهرة، مثل الأسواق الضيقة والمساجد الأثرية كجامع القرويين. اكتشفت المعمار المغربي الأصيل وزرت المعالم التاريخية، مثل المدرسة البوعنانية. بعد ذلك، انتقلت إلى مراكش، المدينة الحية والمليئة بالتفاصيل، حيث جربت الحمام المغربي واستمتعت بأجواء ساحة جامع الفنا. في النهاية، ختمت زيارتي في الدار البيضاء بجوار جامع الحسن الثاني. كانت رحلة غنية بالمشاعر والتجارب، لتعكس جمال وتنوع المغرب.

    قبل أن أزور المغرب، كنت قد سمعت الكثير عن فاس. فهي ليست مجرد مدينة قديمة، بل تُعتبر من أبرز الحواضر الإسلامية على مر العصور وثاني أكبر مدينة في المملكة المغربية من حيث عدد السكان. تحتضن أقدم جامعٍ ينشر عبق العلم والعبادة منذ مئات السنين، جامع القرويين. الأسواق الضيقة والمتعرجة فيها، كما تخيلتها، تذكرني بأسواق القاهرة القديمة، بكثافتها، وصخبها، وروائحها التي تضفي حياة على المكان.

    ولا عجب في هذا التشابه، فالقاهرة كانت في فترة ما عاصمة الخلافة الفاطمية، بينما كانت فاس عاصمة المغرب.

    أقلعت الحافلة المتجهة إلى فاس، تشق طريقها عبر مضيق جبلي يتطلب أكثر من 5 ساعات من السفر. شعرت بأن الطبيعة ترافق المسافر في رحلته. لم أستطع منع نفسي من التعجب مرة أخرى حين اضطررت لدفع تذكرة إضافية لنقل الحقائب، تماماً كما حدث في رحلتي السابقة إلى شفشاون. بدا لي أن للحقائب في المغرب مكانتها الخاصة.

    وصلت إلى فاس مع غروب الشمس، واخترت أن أقيم هذه المرة في المدينة الجديدة، آملاً أن أستكشف جانبًا آخر لا تكشفه الصور القديمة أو الحكايات المتداولة.

    مدينة فاس هي الوجهة المثالية لمن يريد التعرف على تاريخ المغرب ومهارة صناعه التقليديين (الجزيرة)

    تجربة غريبة

    بعد قليل من الراحة، خرجت ليلا لأتجول في شوارع المدينة الواسعة، وكانت هذه أول مرة أزور فيها مركز تسوق (مول) في المغرب، تجربة بدت غريبة بعد كل ما عشته في الأزقة القديمة والمدن العتيقة.

    بعد جولة سريعة، جلست لأحتسي برادًا من الشاي المغربي بالنعناع، وكأنني أختتم يومي الطويل بطقوس مغربية هادئة، تُعيدني مرة أخرى إلى روح فاس القديمة.

    في الصباح، استيقظت مليئة بالطاقة والحماسة ليومي الأول في فاس. بناءً على نصيحة صاحب النزل الذي أقمت فيه، ركبت واحدة من وسائل النقل المحلية وتوجهت إلى قلب فاس القديمة. كنت متنوّهة أن ما ينتظرني هناك مختلف عن أي تجربة سابقة في المغرب، ففاس ليست مدينة عادية بل هي متاهة من التاريخ وسحر خاص أعددت نفسي لرؤيته.

    تحتوي فاس على معالم أثرية تُظهر حضارتها عبر العصور الإسلامية، ولعل أهم ما يشهد على هذا التاريخ الحي هو سور المدينة وبواباته الثمانية. منها ما بقي قائمًا، ومنها ما لم يتبق منه سوى باب واحد، كأنه يُحافظ على ذكريات مضت.

    باب بوجلود يعتبر من أشهر أبواب المدينة العتيقة لفاس (الجزيرة)

    تلك الأبواب والأسوار، بزخارفها الأندلسية ونقوشها العربية وخطوطها الدقيقة المنحوتة في الحجر، أعادتني على الفور إلى أسوار القاهرة الفاطمية، لكن مع طابع مغربي خالص، يدمج بين الفن المغربي والأندلسي والروح الإسلامية.

    بين فاس والقاهرة

    لم أكن أعلم أن التشابه بين القاهرة وفاس يمتد إلى هذا الحد. العمائر القديمة، وإن اختلفت تفاصيل زخارفها، تتحدث نفس اللغة البصرية: طُرز معمارية إسلامية، وسمات مشتركة في بناء المساجد والمدارس والأسواق. الشوارع المزدحمة بالبضائع المحلية والهدايا التذكارية، والمقاهي القديمة التي ينساب منها صوت القرآن الكريم، كل ذلك جعل من فاس تجربة مبهجة، هادئة، ودافئة بشكل لم أتوقعه.

    أهم ما زرته من المعالم في فاس كان المدرسة البوعنانية، التي أدهشتني بزخارفها الدقيقة وروعة فنها الإسلامي. كل ركن فيها يصلح ليكون مشهداً من بطاقة بريدية، أو خلفية لصورة لاتنسى، بدءًا من النقوش الخشبية المتقنة، إلى الفسيفساء التي تزين الجدران، وانتهاءً بالفناء الداخلي الذي يمتلئ بالجمال والسكينة في آن.

    الزائر للمدرسة البوعنانية في فاس يتمتع بتفاصيل هندسة المكان (الجزيرة)

    قمت بزيارة جوهرة فاس المعمارية، جامع القرويين، أقدم جامعة في العالم الإسلامي. في وقت صلاة الظهر، لم يكن مسموحًا لي بالتجول داخل المسجد، فاكتفيت بالتأمل من مصلى النساء. لفت نظري جمال الخط المغربي المستخدم في المصاحف هناك، وهو خط مائل ذو طابع فني خاص، مما زاد تجربة زيارتي في المغرب بُعدًا من الدهشة.

    دار الدبغ

    خرجت من المسجد وأكملت طريقي عبر الأزقة التي تعج بالزوار، حتى وصلت إلى منطقة دباغة الجلود، أو ما يُعرف بدار الدبغ، وهي واحدة من أبرز معالم فاس وأكثرها شهرة. هذه المدينة العريقة ما زالت تحتفظ حتى اليوم بطرقها التقليدية في صباغة ودباغة الجلود كما كانت منذ قرون.

    كانت لحظة دخولي لذلك العالم بمثابة قفزة زمنية إلى العصور الوسطى، بكل ما تحمله من صخب وروائح ونشاط بشري حقيقي.

    زرت دار الدبغ، حيث تستمر الحرف التقليدية كما كانت في العصور الوسطى. الرائحة النفاذة استقبلتني بقوة، لكن أوراق النعناع خففتها، ووقفت أراقب من شرفة مرتفعة مراحل دباغة الجلود. كان المشهد حيًا بكل تفاصيله، لا يشبه ما قد نراه في الصور.

    بعد ذلك، كانت الجولة بين محال المنتجات الجلدية من الحقائب والأحذية إلى الكراسي والسترات، وكل شيء تقريبًا مصنوع يدويًا من الجلد الطبيعي. تختلف الأسعار حسب جودة الجلد وتفاصيل التصنيع، لكن ما تعلمته هناك هو أن التفاوض فن لا بد من إتقانه. وبعد شد وجذب، اقتنصت حقيبة جلدية مميزة، لا تزال رائحتها، بكل ما تحمله من ذكريات، ترافقني حتى بعد عودتي إلى مصر بشهور طويلة.

    طعام الشارع

    بعد الانتهاء من تلك الرحلة الطويلة في معالم المدينة القديمة لفاس، لم يكن هناك ما أحتاجه أكثر من قضمة دافئة في أمسيات ديسمبر الباردة. اتجهت إلى منطقة تنتشر فيها عربات الطعام الشعبية، حيث يصطف الباعة في شارع يعج بأهل المدينة، يتبادلون الأحاديث إلى جانب أطباقهم المفضلة.

    الحريرة من أشهر وجبات الطعام المغربي التي ذاع صيتها في العالم (شترستوك)

    هذا هو تمامًا ما أحبّه في السفر، أن استكشف نكهات البلد من قلب شوارعه، وأسأل الناس أنفسهم عن طعامهم اليومي، بعيدًا عن مطاعم المعالم السياحية. وهناك، التقيت بإلهام، سيدة مغربية ذات طلة ودودة، اقترحت علي أن أبدأ بشوربة “الحريرة” الساخنة، وشرحت لي مكوناتها بشغف، مرقة بلحم، وخضروات مطبوخة، وتوابل تفوح رائحتها قبل وصولها إلى الفم.

    كانت تلك أول مرة أتذوق فيها الحريرة، لكنها تركت في ذاكرتي دفئا أعتز به كلما تذكرت تلك الليلة، وتلك المحادثة العفوية التي أنقذتني من السفر إلى مكناس التي أخبرتني أحلام أنها تحت الترميم!.

    حل المساء وبدأت أشعر بالتعب يتسلل إلى قدمي بعد يوم طويل مليء بالاكتشافات. اشتريت مجموعة متنوعة من الحلويات المغربية بناءً على توصية رفيقتي الجديدة في فاس، أحلام، وقررت العودة إلى مقر إقامتي. لكن في الطريق، اشتدّ البرد فجأة واستوقفني مشهد مألوف لم أره إلا من خلال الصور من قبل، عربة شوربة الحلزون، أو كما تُسمى في المغرب “الببوش”.

    كان الناس يجتمعون حول العربة، يتناولون الحلزون المطبوخ ويتفننون في إخراجه من قوقعته، بينما اكتفى آخرون بتناول المرق الساخن المحمّل بالأعشاب والبهارات. غلبني الفضول، حاولت أن أتشجع وأجربه… لكن في اللحظة الأخيرة، تراجعت واكتفيت بتذوق المرق. كان كافيًا ليختصر يومًا كاملاً من عجائب المغرب في كوب صغير.

    مراكش أرض العجائب

    في مساء ذلك اليوم، قررت التوجه فجراً إلى مراكش، الوجهة البعيدة التي تستدعي المرور أولا بالدار البيضاء، ثم استقلال قطار آخر منها. خرجت مع أول ضوء للنهار نحو محطة المسافرين، وبدأت رحلتي عبر الطريق إلى الدار البيضاء، حيث مكثت فيها عدة ساعات لأول مرة بسبب تأخر موعد القطار المغادر إلى مراكش.

    لم أجد الكثير لأفعله سوى زيارة مركز تعريفي بتراث وتاريخ الدار البيضاء، ثم جلست أراقب الشوارع وهي تمتلئ شيئًا فشيئًا بالمصلين الذين افترشوا المساجد والساحات استعدادًا لصلاة الجمعة، فتذكرت مشهد مصر في ذلك الصباح المبارك.

    بعد الصلاة، تناولت وجبة شهية تُناسب مسافرة تائهة: طاجين دجاج مغربي مع الزيتون، في مطعم أنيق يطل على الميناء. كانت الأسعار مرتفعة لكن الأجواء وجودة الطعام جعلت التجربة تستحق.

    تحرك القطار أخيرًا في منتصف النهار، ووصل إلى مراكش بعد غروب الشمس؛ محطتي حيث قررت أن أودع عامًا مضى وأستقبل عامًا جديدًا. لم تخذلني هذه المدينة، واخترت مرة أخرى الإقامة في رياض مغربي تقليدي، يقع في قلب المدينة القديمة وفي أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهة.

    بوابة محطة القطار في مراكش وتظهر فيها لمسة العمارة المغربية واللون الأحمر الغامق المميز لمباني المدينة (الجزيرة)

    عندما وصلت إلى هناك، وجدت المكان وكأنه قطعة من “ألف ليلة وليلة”، يعج بالسائحين الأجانب. عند خروجي لنزهة ليلية وصلت إلى الساحة القائدية للمدينة، لاحظت أن أغلب النزل والفنادق علّقت لافتات مكتوبة عليها “عامر”، أي “ممتلئ” باللهجة المغربية. وبالفعل، بدا واضحًا أن كثيرًا من الزوار اختاروا، مثلي، إنهاء عامهم في مراكش، المدينة التي لا تخفت أضواؤها.

    تجربة الحمام المغربي

    أنهيت جولتي الليلية السريعة لاكتشاف شوارع مراكش، وقررت أن أستيقظ مبكرا ليوم جديد مليء بالحركة في هذه المدينة الساحرة. ومنذ وصولي إلى المغرب، كان في ذهني حلم صغير مؤجل: أن أجرب “الحمام المغربي” الذي كنت أتطلع إليه كثيرًا، وكنت أنوي أن أعيشه في موطنه الأصلي، مراكش.

    رغم بعض التردد، قررت أن أخوض هذه التجربة في صباح اليوم التالي داخل حمام تقليدي قريب من مقر إقامتي في قلب المدينة القديمة. الحمامات المغربية عادة ما تُقسم إلى قسمين: واحد للرجال وآخر للنساء، وتكون التكلفة بسيطة، تشمل باستخدام الحمام وخزانة لحفظ الأغراض وخدمة المدلكة، مع ضرورة إحضار الزائرة لأدواتها الخاصة: الصابون البلدي الأسود، والليفة المغربية، ومنشفة، وملابس للحمام.

    فكرت في عدم وجود يوم أفضل من نهاية السنة لأخوض تجربة قد لا تتكرر مرة أخرى في حياتي.

    الحمام المغربي له طقوسه الخاصة والتي تساعد المرء على الاسترخاء بدنيا ونفسيا (الجزيرة)

    كانت تجربة الحمام المغربي غامرة حقًا، وجديدة على جسدي وروحي معًا. ما إن دخلت حتى أحاط بي بخار كثيف، كأنني دخلت عالماً آخر، بعيدًا عن ضوضاء الشوارع وعن صخب السنة بأسره.

    في الزاوية جلست سيدة مسنّة، كانت المدلكة، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الطيبة والخبرة. تحدثت معي بلطف ولهجة مغربية دافئة، وبعد أن انتهت من عملها قدمت لي كوبًا من القهوة الدافئة المنكهة بالهيل والقرفة، مما أعطاني شعورًا بالنشاط الداخلي والخارجي.

    في تلك اللحظات، شعرت وكأني أتحرر فعليًا، ليس فقط من الإرهاق الجسدي، بل من تراكم عام كامل من الضغط والتفكير والترحال. كان الحمام المغربي بمثابة طقس جديد للجسد الذي ودع عامًا واستعد لآخر أكثر تفاؤلًا وخفة.

    ساحة جامع الفنا

    كانت مراكش بحق خيارًا مثالياً مع اقتراب نهاية رحلتي في المغرب، وخاصة ساحة جامع الفنا، قلب المدينة النابض ومركز ترفيهها القائدي، يقصدها السكان المحليون والسياح على حد سواء، وتمثل خلاصة التجربة المراكشية الأصيلة. هناك، وسط الزحام والصخب، تتداخل العروض لمروضي القرود والأفاعي ورواة القصص والموسيقيين، مع الأسواق المليئة بأشهى المأكولات الشعبية والفواكه الطازجة.

    عالم مكتمل من التفاصيل، لا يعرف السكون سواءً خلال النهار أو الليل، وكأن الساحة لا تنام.

    تجولت بين من يعرضون التقاط الصور التذكارية، ومن يسيرون ببضائعهم بحثًا عن مشترٍ، ومن يجلسون في مدخل الساحة لنقش الحناء على أيدي النساء. كان كل شيء ينبض بالحياة، ولم تعكر صفوه سوى برودة الجو الشديدة.

    في نهاية ساحة جامع الفنا، كانت مئذنة جامع الكتبية تقف شامخة، كأنها بوصلة ترشد الزوار. هو أكبر مساجد مراكش، وتعود تسميته إلى “الكتبيين”، نسبةً إلى سوق الكتب والمخطوطات الذي كان ملاصقًا للمسجد يومًا. وقفتُ طويلاً أراقب المئذنة بعمارتها البسيطة والمهيبة في آن، وتأملت الآثار المحيطة، والحمام المحلّق في السماء، في مشهد بديع للغاية لالتقاط صور جميلة.

    الأسواق ومتعة الحواس

    على الجانب الآخر من المدينة القديمة، تنتظرني أسواق وكأنها خرجت من حكايات شعبية قديمة. متاجر التحف التقليدية تصطف إلى جانب المتاجر المخصصة للملابس التراثية، من الجلابيب المطرزة بدقة إلى الجلابيات الملونة التي تجسد أناقة المغرب المتجذرة.

    تستحق أسواق مراكش، ومن ضمنها سوق التوابل، الزيارة (الجزيرة)

    مررت بسوق الذهب، ثم سوق التوابل الذي بدا كمشهد سينمائي رائع. أكوام التوابل مُرتبة بعناية وكأنها لوحات تتدرج ألوانها، وتملأ المكان برائحة تغمر الحواس. وبين الرائحة واللون، كان هناك صوت الشواء المتعالي من زوايا القطاع التجاري، حيث تتناثر طاولات صغيرة يقدم فيها الباعة المحليون أطباقًا من اللحوم الطازجة بأسعار معقولة.

    لكنني كنت أبحث عن كنز من نوع خاص. قهوة مُنكهة تجذبتني منذ تذوقها في شفشاون، وأعادني بها الحمام المغربي. سألت عنها في كل مكان حتى أرشدني أحدهم إلى مطحنة قديمة في زقاق ضيق. اشتريت منها كمية تكفيني لعدة شهور، لأحمل معي نكهة المغرب إلى الإسكندرية. كانت من أجمل التذكارات التي اشتريتها، رائحة وطعمًا وذكرى.

    الدار البيضاء.. آخر محطة

    بعد يوم حافل بين أسواق مراكش وساحة جامع الفنا، وقبل أن تغيب الشمس تمامًا، بدأت رحلتي نحو وجهتي الأخيرة في المغرب: الدار البيضاء.

    كان لابد من أن أكون هناك قبل العودة إلى مصر. اقترب الوقت من التاسعة مساء، وكانت مراكش تنبض بالحياة. كانت الليلة رأس السنة الميلادية، والشوارع مزدحمة بشكل غير عادي، والكل في حركة دائمة. حاولت مرارًا استدعاء سيارة أجرة، بلا جدوى، وكل دقيقة تمر تزيد توتري.

    مع قرب موعد القطار، كنت على وشك أن أصدق أنني سأفوت الرحلة. لكن حدثت معجزة صغيرة. توقفت سيارة، وصلت إلى المحطة في اللحظة الأخيرة، وكان لدي الوقت الكافي لشراء بعض المأكولات السريعة. رغم التوتر، كانت الأجواء مبهجة، الأعلام المغربية تهتز، والزينة تُضيء المتاجر، والشوارع مكتظة بالناس.

    جانب من الأحياء المجاورة لميناء الدار البيضاء (الجزيرة)

    وصلتُ إلى الدار البيضاء قبل دقائق من منتصف الليل، بينما كانت عقارب الساعة تتحضر لاستقبال عام جديد. توقعت أن أجد المدينة تعج بالاحتفالات كما في مراكش، لكن المفاجأة كانت أن كل شيء بدا هادئًا تمامًا، لا أصوات، لا أضواء، لا ازدحام… كان هدوءًا لافتًا بدا لي في تلك اللحظة وكأنه ما كنت أحتاجه تمامًا بعد رحلة طويلة هو الراحة في الفندق الصغير في قلب المدينة القديمة بالدار البيضاء.

    في صباح اليوم التالي، علمت أن الوقت ليس في صفي، فموعد الطائرة كان في المساء. كانت خطتي بسيطة وواضحة: أودع المغرب من أحد أبرز معالمه، جامع الحسن الثاني، وأستمتع بالمشي قرب البحر على الممشى المجاور للجامع.

    أكبر مساجد المغرب

    خرجت من الفندق مبكرًا، وسرت في شوارع المدينة التي بدأت تستيقظ على مهل. وصلت قبل صلاة الظهر إلى جامع الحسن الثاني، تحفة معمارية إسلامية تُجسد الطابع المعماري المغربي الأندلسي، بُني نصفه فوق مياه المحيط الأطلسي على الشاطئ الغربي لمدينة الدار البيضاء، بينما وُضع نصفه الآخر على اليابسة. شعرت أنني أقف أمام معجزة مشيدة من الحجر تواجه المحيط الأطلسي، وهذا كافٍ لسلب الأنفاس، لأنه أكبر مسجد في المغرب ومن بين أكبر المساجد في العالم وأجملها.

    جامع الحسن الثاني في الدار البيضاء هو أكبر المساجد في المملكة ويقع على كورنيش المدينة (الجزيرة)

    تفاصيله المعمارية تُجسد الحرفية المغربية: الزليج المُلوّن، الأرابيسك، النقوش الدقيقة التي لا تُترك دون تزيين، والمئذنة الشامخة التي ترتفع لأكثر من 200 متر، لكن أكثر ما علق في ذاكرتي، كان صوت القرآن الكريم أثناء صلاة الظهر، مقروءًا برواية “ورش عن نافع” التي كنت أستمع إليها لأول مرة.

    للأسف، لم أتمكن من قضاء فترة طويلة داخل المسجد، إذ تُغلق أبوابه مباشرة بعد أداء الصلاة. شعرت بخيبة أمل صغيرة، كنت أود الخروج في الأروقة بهدوء، ولكن رغم قصر الوقت، كنت قد اقتنصت لحظات ثمينة لألتقط بعض الصور التي لا تُنسى.

    وداع دافئ من البحر

    خرجت من المسجد وكنت أمتلك بعض الوقت قبل التوجه إلى المطار، فقررت قضاءه بجانب كورنيش الدار البيضاء، ذلك الممشى الطويل الذي يمتد بمحاذاة البحر، وكان الجو مشمسًا رغم أنه كان اليوم الأول من يناير. قمت بالمشي ذهابًا وإيابًا، أتنفس نسيم المحيط الأطلسي، وأراقب من حولي… كان هناك من يمارس الرياضة، وآخرون يجلسون في هدوء، أو يتجمعون حول أكشاك تبيع الحلويات والعصائر. بدا الكورنيش كوداع دافئ من البحر بالنيابة عن المغرب.

    عدتُ إلى الفندق، ولملمت حقائبي… ومعها كل الذكريات، والوجوه التي قابلتها، والنكهات التي تذوقتها. اتجهت إلى مطار محمد الخامس، وجلست أترقب موعد رحلتي إلى القاهرة التي وصلت في صباح اليوم التالي.

    هكذا أنهت رحلتي في المغرب التي بدأت بخيال قديم تشكل من الكتب والصور، وانتهت بواقع وذكريات أغنى وأعمق مما تخيلت. كل مدينة زرتها منحتني شيئًا مختلفًا، وشيئًا مشتركًا أيضًا… كرم أهلها، تنوع طابعها وثقافتها، وتفرد تفاصيلها.


    رابط المصدر

Exit mobile version