الوسم: عبر

  • إسرائيل تحرم مرضى وجرحى غزة من العلاج عبر منع سفرهم.

    إسرائيل تحرم مرضى وجرحى غزة من العلاج عبر منع سفرهم.


    حنان ديب، وهي جريحة فلسطينية، تعاني من إصابات خطيرة بعد غارة جوية إسرائيلية دمرت خيمتها في دير البلح. أصيبت مع عائلتها، حيث بتر الأطباء أصابع قدمها و3 أصابع من قدم زوجها. بينما يعاني 3 من أبنائها من إصابات بالغة، منها شظية في رأس ابنها وفقدان البصر في عين ابن آخر. العائلة تنتظر فرصة للسفر للعلاج، وسط قيود مشددة على المعابر منذ بداية الحرب. يُعاني العديد من الجرحى، حيث توفي 546 شخصًا في انتظار العلاج. الوضع الصحي في غزة يزداد تدهورًا، مع إغلاق المعابر وافتقار المستشفيات للإمدادات الطبية.

    غزة- تتابع الجريحة حنان ديب حالتها الجسدية وهي تفقد أجزاءً منها جراء إصابتها وعائلتها خلال غارة جوية إسرائيلية أدت إلى احتراق خيمتها في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة.

    حدثت هذه الغارة في 16 يناير/كانون الثاني الماضي بالقرب من الخيمة التي انتقلت إليها حنان (40 عاماً) وزوجها ياسر (41 عاماً) وأبناؤهما الخمسة، ما أسفر عن احتراق الخيمة بالكامل وإصابة الأسرة بجروح وحروق خطيرة، مما اضطر الأطباء لبتر أصابع قدمي الأم و3 أصابع من قدم الزوج اليمنى.

    توضح حنان -للجزيرة نت- أن 3 من أبنائها الخمسة يعانون من إصابات متفاوتة، حيث استقرت شظية في رأس ابنها محمد (11 عاماً)، وفقد ابنها عمرو (13 عاماً) بصره في إحدى عينيه بسبب إصابة بليغة في الوجه، بينما أصيب الابن الأكبر عماد (20 عاماً) بكسر في ساقه تطلب جراحة وتركيب شرائح بلاتين.

    غارة جوية إسرائيلية تشتت شمل أسرة حنان ديب وتوزع أفرادها على أسرِّة المستشفى (الجزيرة)

    أُسرة جريحة

    كانت أسرة ديب، التي نُزحت من مدينة غزة، تعيش في الخيمة منذ بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

    بسبب الغارة الجوية على هدف قريب، تشتت الأسرة، حيث يرقد الوالدان مع أحد الأبناء في “مستشفى شهداء الأقصى” في دير البلح، ويعيش القلق الأم على حالتها وحالة أبنائها. ترفض بشدة بتر قدمها اليسرى طبقًا لتوجه الأطباء، وتتمنى السفر في أقرب وقت للعلاج في الخارج لإنقاذ قدمها.

    تعود الأسرة على تحويلات طبية للعلاج بالخارج، وحسب حديث أحمد الصبيحي (شقيق حنان) للجزيرة نت، والذي يتواصل مع منظمة الرعاية الطبية العالمية، فإن المنظمة أبلغته بأنها تعد قوائم الجرحى والمرضى للسفر، وكل ما يمكنهم فعله هو الانتظار حتى يتم فتح المعابر للسفر للعلاج.

    “كل يوم يمر يزيد من المخاطر ويقربنا من البتر”، وقد بدأت الأطباء بإجراء بتر لأصابع القدم اليمنى لحنان، ثم لأصابع القدم اليسرى. ومع مرور الوقت، أوصى الأطباء ببتر كامل القدم اليسرى للسيطرة على آثار الإصابة ومنع تفاقمها، لكن الأسرة رفضت وتمسكت بالأمل في سفرها لإنقاذ قدمها، كما ذكر الصبيحي.

    بسبب شظية استقرت في رأس حنان، تعاني من ضعف في القدرة على الكلام والحركة في إحدى يديها وجزء من وجهها، بالإضافة إلى تعرضها وعائلتها لحروق من الدرجتين الثالثة والرابعة. تقول بصوت ثقيل: “الحمد لله على كل حال، وأدعو الله ليلاً ونهاراً أن يسرع في سفري لتلقي العلاج، حتى أتمكن من أداء دوري كزوجة وأم وتربية أبنائي”.

    يرقد ياسر على سرير مجاور لزوجته، وخلال حديثهم، فضل الصمت، ويقول الصبيحي: “إنه مهدد ببتر نصف قدمه اليمنى بعد بتر 3 أصابع منها”.

    صحة أفراد هذه الأسرة تتدهور يوميًا، حسب الصبيحي، فإن سرعة سفر شقيقته وزوجها وأبنائهما تزيد من أمل الشفاء، وتمنع “سكين البتر” القريبة من أجسادهم، وتساعد في استعادة عمرو للرؤية في عينه التي تسوء حالتها بمرور الوقت.

    حصار المرضى

    يواجه المرضى والجرحى قيودًا مشددة على السفر منذ بداية الحرب، وقد زادت هذه القيود تعقيدًا مع إغلاق المعابر كافة في الثاني من مارس/آذار الماضي، واستئناف الحرب في 18 من الفترة الحالية نفسه.

    كان معبر رفح مع مصر المنفذ الوحيد للغزيين إلى العالم الخارجي، لكنه مُدمر ومغلق كليًا منذ اجتياح الاحتلال لم العلام النطاق الجغرافي الفلسطينية المصرية في مدينة رفح في 6 مايو/أيار 2024.

    لم تجد المريضة إيمان أحمد (37 عامًا) فرصة للسفر والعلاج من مرض الفشل الكلوي، على الرغم من حصولها على تحويلة طبية منذ ما قبل احتلال مدينة رفح.

    كان من المقرر أن يقوم وفد طبي أجنبي بمعاينة حالة إيمان، لكن الاحتلال لم يسمح له بالوصول إلى القطاع، الذي تعاني مستشفياته من انهيار في الوقت الحالي، وضعف في الموارد البشرية والمادية، نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المباشر.

    المريضة إيمان أحمد تنتظر منذ شهور طويلة فرصة السفر للعلاج من مرض الفشل الكلوي (الجزيرة)

    إيمان متزوجة ولديها طفلان، وتعيش مع أسرتها في خيمة قريبة من مستشفى شهداء الأقصى، حيث تقول للجزيرة نت إنها نُزحت من مدينة غزة، وأقامت في خيمة قريبة من المستشفى لتسهيل الوصول إلى وحدة غسيل الكلى وسط أزمة مواصلات حادة.

    تعاني إيمان من هذا المرض منذ 7 سنوات، وتخضع لجلسات غسيل كلى 3 مرات أسبوعيًا، بمعدل ساعتين للجلسة الواحدة، وترى أن هذا لا يكفي، حيث كانت الجلسة تدوم 4 ساعات قبل الحرب، لكن المستشفيات اضطرت لتقليص المدة بسبب نقص الأجهزة وضغوط المرضى.

    في الفترة الأخيرة، تدهورت صحتها بشدة، وانخفض وزنها من 65 كيلوغرامًا إلى 50 كيلوغرامًا بسبب المجاعة وسوء التغذية وعدم توفر الغذاء الصحي، وعلى الرغم من أملها في العلاج من خلال تبرع شقيقها بكليته، إلا أنها الآن تخشى أكثر من أي وقت مضى من الموت، وتشعر بقلق شديد على طفليها.

    الدكتور أحمد الفرا: استشهاد 546 جريحا ومريضا وهم ينتظرون على قوائم السفر للعلاج بالخارج (الجزيرة)

    شهداء مع وقف التنفيذ

    صرح مدير أقسام الأطفال والتوليد في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، للجزيرة نت، بأن 14 ألف جريح ومريض مسجلون في قوائم السفر للعلاج بالخارج، وحياتهم تعتمد على فتح الاحتلال للمعابر.

    من بين هؤلاء، 546 قد فقدوا أرواحهم وهم ينتظرون فرصة السفر، في وقت يفرض فيه الاحتلال حصارًا مشددًا ويغلق المعابر، مما يعرقل السفر للعلاج. يخشى الدكتور الفرا من زيادة عدد الشهداء من المرضى والجرحى في قوائم الانتظار ما لم يتم فتح المعابر سريعًا لتيسير سفرهم وتلقي العلاج المناسب في الخارج.

    يوضح المسؤول الصحي أن وضع هؤلاء الجرحى والمرضى، الذين يحتاجون بشكل ماسة للسفر، قد تدهور نتيجة تشديد الحصار واستئناف الحرب في مارس/آذار الماضي.

    اتهم الدكتور الفرا الاحتلال بارتكاب “جرائم قتل صامتة” بحق الآلاف من الجرحى والمرضى، من خلال وضع عوائق أمام سفرهم، واتباع سياسة معقدة. بينما يتم عرقلة سفر الحالات الإنسانية، يستثني الاحتلال حالات فردية نادرة من السفر عبر المعابر الخاضعة لسيطرته العسكرية.

    يعتبر مرضى الكلى الأكثر تضررًا من هذه الإجراءات المعقدة، حيث فقد أكثر من 40% من بين 1150 مريضًا حياتهم منذ بداية الحرب بسبب القيود على السفر وعدم توفر الخدمات الطبية المناسبة لهم، وفقًا لبيانات وزارة الرعاية الطبية الفلسطينية.


    رابط المصدر

  • إيران لا تزال قائمة وإسرائيل أغفلت عبر التاريخ


    في فجر 17 يناير 1991، استهدفت أميركا بغداد بصواريخ “توماهوك”، مما أسفر عن دمار هائل وزعم الأميركيون أن الضربات ستقوض نظام صدام حسين. ومع أن الحملة الجوية استمرت 43 يومًا، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها، وبقي صدام في الحكم لنحو 12 عامًا أخرى. يوجد دلالات على أن الهجمات الإسرائيلية ضد إيران تهدف إلى زعزعة النظام الحاكم، مشابهةً لتجربة العراق. وفقًا للدراسات، قوة القصف الجوي وحدها لا تسقط الأنظمة، بل تتطلب ضغطًا بريًا متزامنًا لتحقيق الأهداف السياسية. يظهر تاريخ القصف أن الإكراه الجوي بلا استراتيجية شاملة يصبح مجرد استعراض للقوة بلا فائدة.

    في بغداد، كان الفجر في يوم 17 يناير/كانون الثاني 1991، بمثابة جرس إنذار لا لإعلان بداية يوم جديد، بل لنهاية حقبة قديمة، كما اعتقد الأمريكيون. استيقظت المدينة على وهج مستمر في السماء، تقطعه أصوات صواريخ “توماهوك” وهي تمر فوق نهر دجلة كسهام متلألئة، قبل أن تنفجر في أهدافها منتجة سحبًا من الدخان الفوسفوري الذي عانى منه العراقيون لعقود طويلة بعد ذلك.

    على أسطح المنازل، كان الناس يتمعنون في مشهد الطائرات الأمريكية وهي تلقي بحمولات غير محدودة من القنابل “الذكية”، بينما كانت تصريحات النظام الحاكم العراقي تصر على أن العدو سيتقهقر عن أبواب بغداد.

    اعتقد المخططون في البنتاغون أن هذه الضربات الجوية، التي استمرت 43 يومًا، ستؤدي إلى تدمير الشبكات الكهربائية والجسور ومقار حزب البعث، وتُحدث شرخًا يؤدي إلى الإطاحة بصدام حسين أو إلى انقلاب ضباطه عليه.

    إلا أن هنالك خيبة أمل عميقة؛ فعندما خمد صوت الطائرات وتم الإعلان عن وقف إطلاق النار، خرج صدام من ملجأه المحصن، وتمشى في الأزقة المليئة بالغبار، سيجارته بين أصابعه وابتسامة التحدي ترتسم على وجهه، وكأنما كان يقول إن السلطة لا تؤخذ من الجو. بقيت صوره معلقة على المباني المتضررة، وظل نظامه يمسك بزمام الحكم في العراق لاثني عشر عامًا إضافية.

    تشبه الحالة العراقية ما يأمله الإسرائيليون تجاه إيران. فقد بدأت الحملة الجوية الإسرائيلية ضد إيران فجر يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران، حيث صرحت السلطة التنفيذية الإسرائيلية رسميا أن الهدف هو “كبح القدرات الإيرانية ومنع التهديدات المباشرة لإسرائيل”، مشددة على برنامج إيران النووي، وزاعمة أن إيران كانت قريبة جدًا من تصنيع قنبلة نووية.

    لكن هناك دلالات ميدانية ورمزية تثير تساؤلات جدية حول النوايا الحقيقية وراء التصعيد الإسرائيلي، والتي تتجاوز بوضوح القضية النووية.

    فطبيعة الأهداف، بما في ذلك عمليات اغتيال واسعة لمسؤولين إيرانيين، وتوسيع نطاق الهجمات لتشمل منشآت عسكرية غير مرتبطة بالبرنامج النووي، بالإضافة إلى أماكن إدارية ومدنية، يعزز الفكرة بوجود أهداف أكبر لهذه العملية، وهو ما يتضح أيضًا من الاسم “الأسد الصاعد” الذي أطلقته إسرائيل على عمليتها؛ وهو اسم يرمز للأمل في استعادة ماضي إيران غير البعيد.

    وقد نوّه رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، هذا المعنى عندما دعا الشعب الإيراني إلى الثورة ضد حكومته، ملوحًا باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، مما يعني أن الضربة الإسرائيلية صُممت منذ البداية لتقويض النظام الحاكم الإيراني، ولو جزئيًا.

    تفسر العديد من التحليلات، سواء في إسرائيل أو خارجها، أن استهداف مراكز القيادة الإيرانية يحمل في طياته نية “زعزعة الوضع الداخلي”، على أمل أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام الحاكم ذاتيًا أو تسهيل انقلاب داخلي. إنها استراتيجية تراهن، كما في تجارب تاريخية عديدة، على فعالية الإكراه الجوي لتحقيق مكاسب سياسية كبيرة دون الحاجة لتدخل بري أو معارك شاملة.

    كتاب “القصف من أجل الفوز” نُشر عام 1996 (دار نشر جامعة كورنيل)

    هل يكفي الضغط الجوي لإجبار النظام الحاكم الإيراني على التراجع أو السقوط؟ وهل تستوعب إسرائيل دروس التاريخ عندما تعتمد على مثل هذه الطموحات الجريئة في أجواء الحرب؟

    ثلاثة أوجه للقصف

    في كتابه “القصف من أجل الفوز: القوة الجوية والإكراه في الحرب”، الذي نُشر قبل حوالي عشرين عامًا، والذي لم يُلقَ بالًا له باللغة العربية، يحلل أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو الأمريكية روبرت بيب (Robert Pape) التصور السائد حول قدرة القصف الجوي وحده على إسقاط الأنظمة المعادية أو حتى إكراه العدو على تغيير سلوكه السياسي، وهو التصور الذي تقبله العديد من القوى الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية.

    بعد دراسة أربعين حملة قصف جوي خلال الفترة من الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) حتى حرب الخليج الأولى عام 1991، توصل بيب إلى نتيجة مفادها أن الغارات الجوية نادراً ما تحقق أهدافًا سياسية كبرى بمفردها. فهي قد تُضعف العدو أو تؤخر تقدمه، لكنها لا تجبره على الاستسلام أو تقديم تنازلات جوهرية، ما لم ترفق بضغط عسكري بري أو تهديد وجودي مباشر.

    يفصل بيب في تحليله بين ثلاثة استراتيجيات رئيسية لاستخدام القوة الجوية، لكل منها منطقها وأهدافها، ولكن فعالية كل منها تعتمد على طبيعة المواجهة. الأولى هي إستراتيجية العقاب (Punishment)، حيث يهدف القصف إلى استهداف البنية التحتية المدنية والأفراد، لرفع تكلفة الحرب على المواطنون ودفعه إلى الضغط على القيادة السياسية للتراجع أو الاستسلام. في هذه الحالة، تراهن القوة المعتدية على إحداث إرهاق اجتماعي وتحويل السخط إلى أداة ضغط داخلي.

    يُفرّق بيب ضمن إستراتيجية العقاب بين نمطين: الأول هو “العقاب الأقصى” الذي يستهدف تدمير واسع وشامل للمناطق السكنية والتجارية، مستخدمًا ذخائر حارقة وهجمات ليلية مكثفة. أما الثاني، فهو العقاب التدريجي أو “حملة مخاطر” يتم فيها تصعيد القصف تدريجيًا من أهداف مدنية إليها أهداف أكثر إيلامًا، مع وجود فترات توقف تتيح الفرص الدبلوماسية.

    انفجارات متعددة في مناطق مختلفة من العاصمة طهران وعدد من المدن الإيرانية الأخرى بسبب القصف الإسرائيلي (وكالة تسنيم)

    أما الإستراتيجية الثانية فهي إستراتيجية الحرمان (Denial)، وتركز على استهداف القدرات العسكرية واللوجستية للعدو، بهدف منعه من استغلال هذه القدرات لتحقيق مكاسب ميدانية أو استمرار العمليات القتالية. وبالتالي، تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقويض قدرة العدو المادية على تحقيق النصر، مما يُضعف إرادته للاستمرار في القتال.

    وأخيراً، الإستراتيجية الثالثة هي قطع الرأس (Decapitation)، وتركز على توجيه ضربات دقيقة إلى مراكز القيادة والسيطرة، أو اغتيال القادة السياسيين والعسكريين، بهدف إرباك منظومة الحكم وتعطيل سلسلة القيادة، مما يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار أو انهيار مبكر للبنية القيادية.

    في الحالة الإيرانية، توضح الضربات الجوية الإسرائيلية ميلاً إلى دمج استراتيجيات العقاب والحرمان وقطع الرأس، دون انتماء واضح لأحدها. ومع أن هذا التنوع قد يمنح الحملة الجوية شمولية ويعزز قدرتها على تحقيق أهدافها، فإن هذا “التشتت” يقلل من فاعلية “الإكراه الجوي”، كما يكشف عدم وجود استراتيجية متكاملة أصلاً.

    ولن تختلف الضربات الإسرائيلية عن نظيرتها الأمريكية من حيث التأثير، حتى وإن اختلفت في الحدة. فقد أظهرت الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وإصفهان النووية، النطاق الجغرافي التي تستطيع القوة الجوية الأمريكية بلوغها.

    فقد نفذت سبع قاذفات شبحية من طراز B-2 رحلةً ذهابًا وإيابًا بطول 14 ألف ميل، انطلاقًا من ميزوري، وألقت 14 قنبلة خارقة للتحصينات بوزن 30 ألف رطل كل منها، بينما أطلقت غواصة صواريخ توماهوك، وقدمت أكثر من 125 طائرة أخرى حماية جوية، وتزود بالوقود.

    القاذفة الشبحية الأميركية بي-2 (B-2) خلال وصولها إلى قاعدة وايتمان الجوية في ولاية ميزوري، الأحد 22 يونيو/حزيران 2025 (أسوشيتد برس)

    ومع غارة بهذا التعقيد والدقة، قد يخطر للبعض أن النتائج ستكون مختلفة. لم يحقق التفوق الجوي الأمريكي انتصارات حاسمة في العراق أو أفغانستان أو حتى في الحملة ضد جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن. تبقى السيطرة على الأراضي وإعادة بناء الدول مهمتين أساسيتين – ومكلفتين سياسيًا – لا تستطيع الضربات الجوية وحدها إنجازهما.

    هذا ما لفت إليه ماكس بوت، المؤرخ والخبير في الجغرافيا السياسية في مقال نشره على موقع مركز العلاقات الخارجية الأمريكي. يرى بوت أن إيران، على الأرجح، لن ترضخ أو توقع على استسلام غير مشروط كما يطلب ترامب.

    يؤكد بوت أيضًا أن طهران تستطيع كسب الوقت وتنفيذ ردود فعل محدودة، ثم إصلاح منشآتها النووية أو إعادة تشغيلها. لا جدوى من الاعتماد على غضب شعبي يطيح بالنظام الحاكم، فالشعوب تحت القصف تميل عادةً للالتفاف حول حكوماتها بدلاً من الإطاحة بها.

    حسب تحليل بيب للعشرات من حملات القصف عبر التاريخ، يُعتبر “إستراتيجية الحرمان” الأكثر نجاحًا، بشرط أن تُنفذ بدقة، تستهدف مفاصل القوة العسكرية للعدو مثل مراكز القيادة، وخطوط الإمداد، أو البنية اللوجستية. أما ضرب الرموز أو المدنيين بمعزل عن إعاقة قدرة العدو الفعلية، فإنه غالبًا لا يؤدي إلى التراجع أو تقديم تنازلات، بل قد يعزز تماسك النظام الحاكم داخليًا ويزيد من تأييد الشعب للقادة السياسيين.

    يستشهد روبرت بيب بأدبيات علم الاجتماع، التي تُشكك في فعالية إستراتيجية العقاب، وخاصة تلك التي تتوقع أن المعاناة ستحفز الشعوب للضغط على أنظمتها.

    الدراسات تُظهر أن الحرمان قد يثير إحباطًا فرديًا، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تمرد جماعي أو ثورة، لأن الشعوب تحتاجة إلى شعور عميق من الاغتراب السياسي، وليس مجرد ألم معيشي. غالبًا ما يُنتج القصف، كما تظهر الأبحاث، غضبًا مستهدفًا تجاه المهاجم وليس النظام الحاكم، ويحفز استجابات تركز على البقاء وليس المقاومة.

    الإكراه لا الإخضاع

    يبني روبرت بيب نظريته حول استخدام القوة الجوية على مبدأ بسيط لكنه حاسم: المسألة لا تتعلق فقط بامتلاك القدرة على توجيه الضربات، بل بكيفية توظيف هذه القدرة بأفضل شكل لتحقيق تغيير في سلوك الخصم. القصف ليس ضمانة للنجاح إذا لم يتم استخدامه في إطار استراتيجية جماعية تراعي طبيعة العدو وأهدافه وحدود ما يمكن تحقيقه.

    يتميز بيب بين مفهومين أساسيين: الإكراه (Coercion) والإخضاع عبر القوة الغاشمة (Brute Force). يشير الإكراه إلى استخدام القوة للتأثير على سلوك العدو دون تدميره تمامًا، من خلال تعديل حساباته بشأن التكلفة والفائدة، أي من خلال دفعه لإعادة التفكير في أفعاله برفع تكلفة استمراره في سلوك ما، أو تقليل الجدوى مما يقوم به، دون الحاجة إلى تجريده من قدراته نهائيًا.

    في حالة الإكراه، يبقى العدو قادرًا على القتال أو المقاومة، لكنه يختار التراجع لأن تكلفة القتال تفوق العوائد المحتملة. بينما الإخضاع يعني ببساطة تدمير العدو تمامًا حتى يفقد قدرته على المقاومة، كما هو الحال في اجتياح بلد وإنهاء جيشه ونظامه بشكل كامل.

    تكمن ميزة الإكراه في أنه يمكن تحقيق أهداف سياسية دون الحاجة إلى نصر عسكري شامل، عبر دفع الخصم لتقديم تنازلات بأقل تكلفة ممكنة، خاصة للطرف المعتدي. وبالمقابل، تمثل القوة الغاشمة نهجًا يقوم على تدمير العدو عسكريًا أولًا، ثم فرض الشروط السياسية عليه وهو في حالة عجز تام. في هذا النموذج، تكون السلطة التنفيذية المهزومة قد فقدت كل قدرة تنظيمية على المقاومة، ولذا لا يمكن الحديث عن إقناع أو ضغط، لأن الخصم لن يستطيع الرفض.

    في هذا السياق ينتقد بيب بعض المدارس الحديثة للقوة الجوية التي تتعلق بإمكانية حسم المعارك من الجو، مؤكداً على أن النجاح في الإكراه العسكري لا يُقاس فحسب بمدى القدرة على الضرب، بل أيضًا بمدى فهمك لأهداف العدو وسبل منعه من الوصول إليها بتكاليف أقل.

    تصاعد الدخان إثر غارة إسرائيلية على مبنى تستخدمه شبكة أخبار جمهورية إيران الإسلامية، التابعة للتلفزيون الرسمي الإيراني (غيتي)

    هنا يبرز ما يسمى بـ “الإكراه عبر الحرمان”، وهو نوع من الضغط العسكري الذي يهدف إلى منع العدو من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وليس مجرد إلحاق الأذى به. الهدف ليس إيذاء الخصم عمدًا، بل جعل أي أمل لديه لتحقيق النجاح العسكري يبدو مستحيلًا، وإظهار أن تكاليف الاستسلام أقل من تكاليف المقاومة، مما يدفعه إلى إعادة تقييم الموقف والتراجع بمحض إرادته.

    عندما يدرك العدو أن استمرار القتال لن يجلب له أي مكاسب، بل سيؤدي إلى خسائر فادحة أو مسار مسدود، قد يختار الانسحاب بغض النظر عن انهيار سياسي أو تدمير شامل. وهكذا تتحقق أهداف الحرب بتكلفة أقل على كلا الجانبين. كما أن هذا النوع من الإكراه يوفر للخصم طريقًا للخروج من الأزمة دون إذلال، مما يزيد من فرص نجاحه في النزاعات المعقدة مقارنة بالقصف العقابي أو محاولات الإخضاع المباشر.

    على الرغم من دقة القصف الجوي، فإنه لم يؤدِ في أي حالة موثقة إلى إسقاط نظام حكم بمفرده، إذ غالبًا ما يتطلب ذلك غزوًا بريًا أو انهيارًا داخليًا حاسمًا. في أفضل الأحوال، قد يؤدي القصف إلى تراجع القيادة العسكرية أو التوقيع على هدنة لحماية ما تبقى لهم، لكنه نادرًا ما يُفضي إلى التخلي عن السلطة أو تغييرات جذرية في الإستراتيجية.

    تؤكد أمثلة أكثر حداثة هذا الاتجاه، مثل ما حدث في ليبيا بعد بدء الثورة ضد معمر القذافي في فبراير/شباط 2011، حيث إن الضربات الجوية لم تكن كافية لإسقاط نظام القذافي دون الإنجازات التي حققها المقاتلون المعارضون له على الأرض.

    يُفسر بيب هذا النمط من خلال معادلة اتخاذ القرار في الدول الخاضعة لضغوط قصوى، موضحًا أن القادة، وخاصة في الأنظمة الدكتاتورية أو التعبوية، يدركون جيدًا أن الاستسلام تحت ضغط القصف لا يعني فقط هزيمة سياسية، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لبقائهم الشخصي وربما حياتهم. ومن هنا، يفضل العديد منهم الاستمرار في القتال رغم التكاليف، على أمل الصمود أو قلب المعادلة لاحقًا، خصوصًا في غياب الضغوط البرية.

    المطرقة وحدها لا تكفي

    يستحضر بيب أمثلة عدة تدعم وجهة نظره، فعلى سبيل المثال، في حرب فيتنام، قامت الولايات المتحدة بشن حملتين جويتين رئيسيتين ضد الشمال، بهدف إجبارهم على التوقف عن تسريب مقاتليهم والإمدادات إلى الجنوب، وإجبار هانوي على التفاوض من أجل تسوية سلمية.

    كانت الحملة الأولى تُعرف باسم “الرعد المتدحرج” (Rolling Thunder) خلال فترة حكم القائد جونسون. وركزت فيها الولايات المتحدة على تصعيد الضربات الجوية تدريجيًا، مستهدفةً البنية الصناعية وأحيانًا منشآت مدنية.

    انتقلت هذه الحملة بين ثلاث استراتيجيات دون التزام محدد بإحداها: العقاب عبر ضرب أهداف مدنية، الحرمان من خلال استهداف القدرات العسكرية واللوجستية، والتصعيد الرمزي لإرسال رسائل الضغط السياسي.

    غير أن الحملة فشلت في تحقيق أهدافها، إذ كانت فيتنام الشمالية تعتبر دعم الجنوب قضية وطنية لا يمكن التنازل عنها، وأظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع القصف نظراً لبساطة بنيتها التحتية، ودعمها العسكري المتواصل من الصين والاتحاد السوفياتي.

    أما الحملة الجوية الثانية “لاينباكر” (Linebacker)، فكانت أكثر تركيزًا على إضعاف القدرات الميدانية من خلال هجوم تقليدي واسع، وحققت نجاحًا نسبيًا لأنها تزامنت مع ضغط بري جنوبي وتطور في المواجهة.

    يؤكد بيب أن النجاح النسبي لهذه الحملة لم يكن ناتجًا عن دقة الضربات فحسب، بل نتيجة تطابق الاستراتيجية الأمريكية مع نقاط الضعف الحقيقية للعدو، على عكس الحملة الأولى التي استهدفت المدنيين والهياكل الضعيفة دون التأثير الفعلي على قدرة العدو على القتال.

    الدروس الأساسية المستفادة من حرب فيتنام، كما يراها بيب، هي أن القصف الجوي وحده، حتى وإن كان مكثفًا، لا يكفي لتغيير القرار السياسي للخصم، ما لم يُدمج ضمن إستراتيجية متكاملة تقضي بإضعاف قدرة العدو على القتال وتعرضه لخسائر حقيقية في ساحة المعركة.

    أما في حرب الخليج الثانية (1991)، فقد اعتمدت الولايات المتحدة على حملة جوية ضخمة استمرت ستة أسابيع تحت اسم عملية “الرعد الفوري”، حيث بدأت بالتساؤل عن إمكانية فصل أسهم قطع الرأس، مرتكزةً على حسم المواجهة جويًا فقط، عبر استهداف القيادة العراقية ومراكز الاتصال والاستقرار والبنية التحتية الحيوية. ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بشبكات الطاقة والنفط والاتصالات، لم تتمكن هذه الحملة من تحقيق أهدافها، كما لم تؤدِّ إلى أي تمرد داخلي أو انهيار النظام الحاكم.

    ومع تعثر المرحلة الأولى انتقل التحالف إلى استراتيجية “الحرمان”، التي انطلقت فعليًا في الإسبوع الثاني، مركزةً على إضعاف قدرة العراق، عبر تدمير خطوط الإمداد ومهاجمة القوات والمعدات بدقة. ورغم نجاح هذه الاستراتيجية في تفكيك بنية القوات المسلحة العراقي، فإنها لم تُجبر صدام حسين على الانسحاب إلا بعد تهديد حقيقي باجتياح بري واسع.

    يظهر بيب أن هذه التجربة تُبرز بوضوح أن إستراتيجية الحرمان هي الأكثر فاعلية في الإكراه الجوي مقارنة بالعقاب أو حتى قطع الرأس. كما تُبرز أهمية الجمع بين “المطرقة الجوية” و”السندان البري” حيث تؤدي القوة الجوية دورًا حاسمًا فقط عندما تُساندها قوة برية تضيق الخناق على العدو وتجعل خياراته محدودة.

    يشير بيب أيضًا إلى الحملة الجوية الواسعة ضد ألمانيا النازية بين عامي 1942 و1945، فرغم القصف الكارثي للمدن مثل هامبورغ ودريسدن، وما أدي إلى مئات الآلاف من القتلى ودمار كبير للبنية التحتية، فإن النظام الحاكم النازي لم ينهار وظل يحارب حتى اجتاحت القوات السوفياتية برلين في الأيام الأخيرة للحرب.

    تكررت هذه الصورة في اليابان، حيث نفذت القوات الأمريكية حملة جوية عنيفة شملت قصف طوكيو وتدمير المدن الكبرى، culminating in the dropping of atomic bombs on Hiroshima and Nagasaki. ومع ذلك، لم تسلم القيادة اليابانية إلا عندما أصبح الغزو البري وشيكًا، وعقب إعلان الاتحاد السوفيتي دخول الحرب ضدها، مما أجهض أي آمال في إمكانية الصمود أو التفاوض من موقع قوة.

    تدعم هذه الأمثلة فرضية بيب المركزية بأن القصف الجوي، مهما بلغت شدته، لا يكفي وحده لإسقاط الأنظمة السياسية أو إقناعها بالتراجع، ما لم يُقترن بضغط بري مكثف أو تهديد وجودي شامل، وقد أدى غياب هذا “السندان البري” إلى تحويل العديد من الحملات الجوية إلى أدوات استنزاف بلا تأثير استراتيجي حاسم.

    سحابة فطرية ترتفع بعد انفجار قنبلة ذرية تحمل الاسم الرمزي “الرجل السمين” بعد أن أسقطتها قاذفة بي-29 تابعة للقوات الجوية الأمريكية فوق ناغازاكي، اليابان، في 9 أغسطس/آب 1945 (رويترز)

    استعراض بلا نتيجة


    رابط المصدر

  • إغلاق مطار بن غوريون يُجبر إسرائيليين على السفر عبر البر


    أجبر إغلاق مطار “بن غوريون” بعد العدوان الإسرائيلي على إيران مئات الإسرائيليين على استخدام الطرق البرية لمغادرة البلاد وسط مخاوف من حرب إقليمية شاملة. رغم التحذيرات الاستقرارية، هاجر العديد إلى مصر عبر معبر “طابا”. في الوقت الذي تسعى فيه السلطات لإعادة العالقين من الخارج، بدأ الإسرائيليون بالتحرك للخارج بطرق مختلفة، بما في ذلك السفر البحري. منذ بدء العدوان، قُتل 224 شخصًا وأصيب 1277 من بينهم عسكريون، في حين ردت إيران بإطلاق صواريخ، مما زاد القلق الدولي بشأن اتساع نطاق الحرب.

    جاء إغلاق مطار “بن غوريون” الدولي نتيجة الهجوم الإسرائيلي على إيران، مما أجبر مئات الإسرائيليين على مغادرة البلاد بوسائل برّية، مع تزايد المخاوف من احتمالية نشوب حرب إقليمية.

    وعلى الرغم من التحذيرات الاستقرارية بعدم السفر إلى دول مثل مصر، سارع العديد من الإسرائيليين إلى عبور معبر “طابا” النطاق الجغرافيي نحو مدينة شرم الشيخ في سيناء.

    وصنفت صحيفة يديعوت أحرونوت هذه الظاهرة بـ”العكس”، حيث في حين تسعى السلطات لإعادة عشرات الآلاف من الإسرائيليين العالقين بالخارج، يسعى البعض الآخر لمغادرة البلاد بأية وسيلة، بما في ذلك السفر عبر البر والبحر.

    نقلت الصحيفة عن مسافرة قولها إن شعوراً بالخوف رافقها في طريقها إلى إيلات، لكنها شعرّت بالطمأنينة بعد دخولها سيناء، مشيرة إلى أنها فضلت الخروج عبر مصر بدلاً من الأردن بسبب إغلاق مجالها الجوي بشكل متقطع.

    كما لفتت الصحيفة إلى مغادرة بعض الإسرائيليين عبر البحر، دون إعطاء تفاصيل، بالإضافة إلى هروب آلاف السياح الأجانب الذين كانوا في إسرائيل عند بدء العدوان على إيران.

    ذكرت صحيفة هآرتس أن الشارع الإسرائيلي يشهد حالة من الذعر، حيث انتقل البعض من وسط البلاد إلى مناطق أبعد عن متناول الصواريخ الإيرانية، في حين فر آخرون إلى الخارج رغم صعوبة التنقل.

    إعادة العالقين في الخارج

    في هذا السياق، بدأت السلطات الإسرائيلية، اليوم الأربعاء، بإعادة عشرات الآلاف من الإسرائيليين العالقين في الخارج بعد تعليق الرحلات الجوية وإغلاق مطار بن غوريون الدولي.

    ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن أولى رحلات الإجلاء وصلت صباح الأربعاء إلى مطار بن غوريون قادمة من لارنكا القبرصية، في عملية تنسقها وزارة النقل، وتشمل 19 رحلة إغاثة إضافية من وجهات أوروبية مثل روما وباريس وأثينا وفارنا والجبل الأسود.

    تشير التقديرات إلى أن نحو 100 ألف إسرائيلي عالقون بالخارج، بعد إغلاق المجال الجوي ونقل الطائرات المدنية الإسرائيلية سراً إلى مدن أوروبية.

    منذ الجمعة الماضية، تشن إسرائيل هجوماً عسكرياً على إيران استهدف منشآت نووية وقواعد عسكرية، مما أسفر عن مقتل 224 شخصاً وإصابة 1277 آخرين، بينهم قادة عسكريون وعلماء.

    ردت طهران بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، مما أسفر عن سقوط نحو 24 قتيلاً ومئات المصابين داخل إسرائيل.

    يتزايد القلق الدولي من احتمال اتساع نطاق الحرب، في ظل تقارير تفيد بإمكانية انضمام الولايات المتحدة إلى الاعتداء على إيران، مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دعا فيها طهران بـ”الاستسلام دون شروط”.

    المصدر: الصحافة الإسرائيلية + وكالة الأناضول


    رابط المصدر

  • التراث الإفريقي في مكة: حكاية تمتد عبر القرون


    عبد الله بن عمر التشادي “المكي” يؤكد أن الوجود الأفريقي في مكة يمتد جذوره لما قبل الإسلام، مشيرًا إلى تاريخ جبل “ثبير الزنج”. خلال استضافته في بودكاست “حكايات أفريقية”، تناول دور الأفارقة في تاريخ مكة، وخاصة منذ القرن الـ18 الميلادي. تزايد الوجود الأفريقي في المسفلة وجرول، وبرزت تجمعات في حي الحفائر. وذكر شخصيات مهمة كبلال بن رباح وعطاء بن أبي رباح، اللذين أسهما في تاريخ المدينة. واختتم التشادي بقصة عائلته، معبرًا عن عمق انتمائه لمكة التي عاش فيها طفولة غنية بالتنوع الثقافي.

    نوّه الباحث والكاتب عبد الله بن عمر التشادي “المكي” أن الوجود الأفريقي في مكة المكرمة ليس ظاهرة جديدة، بل تعود جذوره إلى ما قبل الإسلام، موضحا أن أحد جبال مكة السبعة كان يعرف تاريخيا باسم “ثبير الزنج”.


    ولفت التشادي -الذي نشأ في مكة- إلى أن علاقته بالمدينة المقدسة تجسدها بيت الشعر الذي يقول “أنا ابنها من أهلها، ورضيعها من صدرها، وربيبها في حجرها”، حيث قضى طفولته في بيئة ثقافية غنية تأثرت بقدوم الحجاج من مختلف أنحاء العالم.

    وتناول التشادي خلال استضافته في حلقة (2025/6/6) من بودكاست “حكايات أفريقية” -الذي يقدمه أحمد ولد فال الدين- التاريخ العريق للأفارقة مع هذه المدينة المقدسة والدور البارز الذي لعبوه في حضارتها.

    وعن بداية الوجود الأفريقي الكثيف، لفت الباحث إلى أن الدراسات تشير إلى أن هذا الوجود بدأ بشكل واضح منذ القرن الثامن عشر الميلادي، عندما استقر الأفارقة في منطقتين رئيسيتين: الأولى في “المسفلة” الواقعة في جنوب مكة، والثانية في منطقة جرول شمال الحرم، حيث كان سكان جنوب مكة يتمتعون بمستوى تعليمي أعلى وأصول أقدم وأكثر اندماجا اجتماعيًا واقتصاديًا.

    واستمر الوجود الأفريقي في التطور ليشمل مناطق أخرى، حيث ظهرت في القرن التاسع عشر تجمّعات كبيرة قرب المسجد الحرام في حي يُعرف بحي الحفائر وسوق البرنو، بالإضافة إلى شارع المنصور الذي امتدت على جانبيها أحياء مسكونة بالأفارقة، بعضها يمكن اعتباره مناطق مغلقة تُعبر عن شبه انتماء عرقي.

    وأوضح التشادي أن هذه الأحياء كانت مُقسمة بشكل ما حسب البلدان التي جاء منها السكان، مثل تجمعات للنيجيريين والسنغاليين والتشاديين، على الرغم من أن هذا التقسيم ليس صارماً بالكامل، حيث يتواجد نوع من الاندماج بين الجنسيات المختلفة.

    شخصيات مؤثرة

    فيما يتعلق بالشخصيات الأفريقية المؤثرة في تاريخ مكة، لفت الباحث إلى بلال بن رباح -رضي الله عنه- كأشهر شخصية أفريقية في التاريخ الإسلامي، بينما ذكر مقدم الحلقة معلومة تفيد بأن دليل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- من مكة إلى المدينة في الهجرة كان أفريقيًا.

    كما سلط الباحث الضوء على شخصية عطاء بن أبي رباح، التابعي الذي أدرك 200 من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم كونه عبدا حبشيا أسود أصلع أعور أعرج، فقد أصبح إمام مكة وسيد المسلمين فيها، مما دفع الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك إلى توجيه نصيحة لولديه بعد لقائه “عليكما بالعلم، فإني لا أنسى ذلنا أمام هذا العبد الأسود”.

    وروى التشادي عن تجربته الشخصية قصة عائلته التي تجسد رحلة الأفارقة إلى مكة، حيث جاءت والدته من نيجيريا عبر السودان وهي طفلة صغيرة مع جدها الذي ترك زعامة قبيلته سعياً وراء حلم الموت في مكة، بينما وصل والده من تشاد بعد رحلة طويلة عبر ليبيا ومصر ولبنان وسوريا والأردن والعراق قبل أن يستقر في مكة.

    ولفت إلى أن طفولته تمحورت حول المسجد الحرام وحلقات تحفيظ القرآن، حيث لم يعرف شيئاً في الدنيا بعد صلاة العصر سوى أن يكون في المسجد حتى المغرب، مما منحه فهماً عميقاً للتنوع الثقافي الذي تشهده مكة خلال موسم الحج.

    ونوّه الباحث أنه لم يشعر يوماً بأنه غريب في مكة، بل اعتبرها أرضه ووطنه، مشيراً إلى أن هذا الإحساس بالانتماء يعكس عمق الجذور الأفريقية في هذه المدينة المقدسة على مر السنين، وأن الأفارقة ليسوا دخيلين على مكة، بل هم جزء أصيل من نسيجه الاجتماعي والثقافي.


    رابط المصدر

  • ترامب وشي جين بينغ يناقشان عبر الجوال نزاع التجارة


    أجرى القائدان الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ اتصالاً هاتفياً لمناقشة العلاقات التجارية بين البلدين، في ظل جهود لتجنب حرب تجارية. ووصف ترامب الاتصال بأنه “إيجابي للغاية”، بينما نوّهت بكين على ضرورة “تصحيح مسار” العلاقات. هذا الاتصال هو الأول منذ تولي ترامب الرئاسة مجددًا، وقد جاء بعد اتهامات بانتهاك هدنة تجارية. اتفق الجانبان على تعليق زيادة التعريفات لفترة مؤقتة، مع دعوات للقاء مباشر. رغم ذلك، لم يتم تناول مسألة الحرب الروسية الأوكرانية، وعلق ترامب على صعوبة التوصل إلى اتفاق مع شي.

    أجرى القائدان الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ اتصالاً هاتفياً يوم الخميس الماضي كان متوقعاً بشدة، خاصة في سياق سعيهما لتجنب حرب تجارية شاملة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

    وأوضح ترامب أن الاتصال الجوالي resulted in a “خلاصة إيجابية للغاية”، وذكر أنه تم الاتفاق بينهما على عقد لقاء مباشر، لكن بكين أظهرت موقفاً أكثر تحفظاً، مشيرة إلى أن شي نوّه على الحاجة إلى “تصحيح مسار” العلاقات الثنائية.

    جاء الاتصال -وهو الأول منذ عودة ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية في يناير/كانون الثاني الماضي- بعد اتهامات متبادلة بانتهاك هدنة تجارية تم تحققها في جنيف في مايو/أيار الماضي.

    ساعة ونصف

    كتب ترامب على منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشيال “دام الاتصال قرابة ساعة ونصف، وأسفر عن خلاصة إيجابية للغاية لصالح البلدين”، مشيراً إلى أن مسؤولين تجاريين من كلا الطرفين سيلتقون “قريباً”.

    وأضاف “القائد شي دعاني والسيدة الأولى بلباقة لزيارة الصين، وقد قمت بالمثل، لأننا رئيسان لأمتين عظمتين ونتطلع لذلك”.

    قال ترامب إنه سيتم الإعلان لاحقاً عن موعد الاجتماع “الذي سيعقد قريباً” والمكان المقرر له.

    ومع ذلك، لم يتناول القائدان قضية الحرب الروسية الأوكرانية حسب تقرير ترامب، رغم اعتماد الولايات المتحدة على قدرة بكين للتأثير على موسكو لإنهاء الحرب.

    ذكر ترامب أن “التركيز في الحوار كان تقريباً كاملاً على التجارة”، وأبرز الآمال لدى الجانبين في إيجاد حلول لمشكلات تتعلق بالمعادن النادرة المستخدمة في المنتجات التكنولوجية.

    تستمر العلاقات بين القوتين المتنافسين في التوتر بعدما فرض ترامب في أبريل/نيسان الماضي تعريفات مرتفعة على الشركاء التجاريين، مع تركيز الجانب الأكبر على المنتجات الصينية.

    توافق الجانبان على تعليق مؤقت لزيادة التعريفات المتبادلة التي بلغت 125% على المنتجات الأميركية و145% على الصينية.

    قال ترامب، قبل يومين، إنه “من الصعب للغاية التوصل إلى اتفاق” مع نظيره الصيني.

    وفقاً لوسائل الإعلام الصينية، كان الاتصال بطلب من ترامب، ولم يصدر تأكيد رسمي من البيت الأبيض بشأن ذلك.

    تصحيح المسار

    وفي بيان موجز بشأن الاتصال، نوّهت بكين الحاجة لبذل مزيد من الجهد لتحسين العلاقات.

    ذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن شي أبلغ ترامب أن “تصحيح مسار العلاقات الصينية الأميركية الكبيرة يتطلب منا توخي الدقة في توجيه الأمور وإزالة جميع أشكال التدخل أو التدمير”.

    كما لفتت الوكالة إلى أن شي دعا ترامب لزيارة الصين مجدداً، حيث كانت زيارة ترامب الأولى إلى بكين خلال فترة رئاسته الأولى في عام 2017.

    لم يحدث اتصال مؤكد بين القائدين الصيني والأميركي منذ عودة ترامب إلى السلطة قبل أكثر من 5 أشهر رغم تأكيد ترامب المتكرر عن قرب حدوث اتصال.

    في مقابلة مع مجلة تايم في أبريل/نيسان الماضي، ذكر ترامب أن شي اتصل به، لكن بكين نوّهت أنه لم يحدث اتصال في الآونة الأخيرة.

    اتفق البلدان في الفترة الحالية الماضي خلال محادثات في جنيف على تقليل التعريفات الجمركية لمدة 90 يوماً، لكنهما تبادلا الاتهامات منذ ذلك الحين بانتهاك الاتفاق.

    تجديد التوتر

    أعاد ترامب تسليط الضوء على التوتر مع الصين الإسبوع الماضي بعد أن اتهم ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم بانتهاك الاتفاق بشأن خفض الرسوم الجمركية المتبادلة بشكل مؤقت.

    قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي يوم الثلاثاء الماضي إن الصين تعارض ما تعتبره تدابير أميركية جديدة “تهدد الحقوق والمصالح المشروعة للصين”.

    ولفت إلى ضرورة أن “تخلق واشنطن الظروف اللازمة لإعادة العلاقات الصينية الأميركية إلى مسارها الصحيح”.

    كتب ترامب قبل يومين في منشور على منصته تروث سوشيال “أقدّر القائد شي، وقد أحببته وسأظل كذلك، لكن التوصل إلى اتفاق صعب جداً”.

    في سياق متصل، تستهدف إدارة ترامب الرعايا الصينيين، سواءً كانوا قد دخلوا بشكل نظامي أو غير نظامي إلى الولايات المتحدة، وقد تعهد ترامب الإسبوع الماضي بشن حملة قوية لإلغاء تأشيرات الطلاب الصينيين.

    كما زاد ترامب من التوتر مع شركاء تجاريين آخرين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، حيث تعهد برفع الرسوم الجمركية العالمية على الصلب والألمنيوم إلى 50% اعتباراً من يوم الأربعاء.


    رابط المصدر

  • لماذا قامت إدارة ترامب بنقل مواطنين من جنوب أفريقيا إلى أمريكا عبر الطائرات؟


    بحلول 2025، أطلق ترامب برنامجًا لمساعدة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا على الهجرة إلى الولايات المتحدة، مما يثير تساؤلات حول دوافعه. يشير بعض التحليلات إلى أن هذه الحملة مرتبطة بمزاعم إيلون ماسك عن “اضطهاد البيض”، رغم عدم وجود تجربة شخصية له تُظهر ذلك. في المقابل، تؤكد حكومة جنوب أفريقيا عدم صحة هذه الادعاءات، بينما تواصل الأبحاث عرض الحقائق حول العنف الزراعي. تتزايد العلاقات الدولية لجنوب أفريقيا، مع الاستعداد لاستضافة قمة مجموعة العشرين، بينما تسعى واشنطن لفرض نفوذها على المالية العالمي، داعمة للتوترات القائمة بين البلدين.

    |

    عند تولي دونالد ترامب رئاسة أمريكا، أطلق برنامجًا يهدف إلى مساعدة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا على الانتقال إلى الولايات المتحدة. حيث تم تحويل مواطنين بيض (أفريكان) عبر طائرات مستأجرة، مما أثار الكثير من التساؤلات حول دوافع هذا البرنامج.

    يتضح أن إحدى الأسباب التي تعزز خطاب إيلون ماسك حول “اضطهاد السود للأقلية البيضاء” تعود إلى أن هذه الأقلية، رغم كونها لا تتجاوز 7% من السكان، تسيطر على حوالي 70% من الأراضي الزراعية. الرسالة الضمنية هنا تُلقي باللوم على السود في إخفاق السياسات الماليةية التي أُقيمت بعد انتهاء نظام الفصل العنصري بعد ثلاثة عقود.

    ومع ذلك، يبرز تساؤل: لماذا يتزعم إيلون ماسك هذه الحملة؟ فالرجل وُلد في جنوب أفريقيا عام 1971، ثم انتقل إلى كندا وأخيرًا إلى الولايات المتحدة، دون أن يواجه تجارب مباشرة مع المضايقات من السود في بلده الأصلي.

    تُظهر الحملة أيضًا قلقًا متزايدًا لدى الأقلية البيضاء بشأن جهود الحكومات ذات الأغلبية السوداء في تعزيز التمكين الماليةي، والتي تهدد بمسح الثروة من أيديهم. هذا القلق يتزايد مع وجود قانون يتيح مصادرة الأراضي لأغراض اقتصادية. وفي سياق ذلك، توضح المؤشرات السياسية منذ عهد نيلسون مانديلا أن جنوب أفريقيا تسير نحو سياسات أكثر استقلالًا عن الغرب.

    القائد الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا لم يفوت أي فرصة لدحض الادعاءات التي روج لها إيلون ماسك، وكذلك ترامب، حتى خلال الاجتماع الأخير بينهما في البيت الأبيض. حيث أصر ترامب على عرض فيديو يدعم الرواية الأمريكية حول “اضطهاد البيض” في جنوب أفريقيا، ويظهر مقاطع لجوليوس ماليما، السياسي اليساري، وهو يوجه هتافات من فترة الفصل العنصري ضد البيض.

    وفي منتدى في أبيدجان بساحل العاج، علق رامافوزا على إعلان أمريكا بفتح أبواب الهجرة للأفارقة البيض بدعوى تعرضهم للاضطهاد، قائلًا: “هذا لا ينطبق عليهم، فهم لا يستوفون تعريف اللاجئ”، مشدّدًا على أن اللاجئ هو من يهرب من بلاده خوفًا من الاضطهاد السياسي أو الديني.

    تشير إحصائيات من الشرطة إلى أن الفترة بين أبريل/نيسان 2020 و2024 شهدت مقتل 225 شخصًا في المزارع، بينهم 53 من المزارعين البيض فقط. ورغم ذلك، تبقى أمريكا مستمرة في تضخيم الحوادث التي تستهدف البيض، مما يطرح تساؤلاً: لماذا هذا التركيز الأمريكي على هذه المسألة تحديدًا؟

    هناك جانب آخر مرتبط بظهور جنوب أفريقيا على الساحة العالمية؛ حيث تم إدراجها ضمن اقتصادات الأسواق الناشئة، وانضمت إلى مجموعة العشرين التي تمثل نحو 85% من المالية العالمي، رغم أن مساهمتها ضئيلة. والأكثر أهمية هو أنها ستستضيف قمة مجموعة العشرين هذا السنة، مما يعزز مكانتها الدولية.

    لكن الأهمية لا تقتصر على هذا الحضور الدولي، بل إن هذه القمم تسهم في تعزيز الوعي الأفريقي بقيمة الثروات والموقع الجيوسياسي للقارة، مما يثير قلق الولايات المتحدة والشركات التي تسعى لتوسيع سيطرتها على المالية العالمي.

    جنوب أفريقيا وروسيا

    أعربت جنوب أفريقيا بوضوح عن تضامنها مع روسيا منذ بداية غزوها لأوكرانيا، لكن القائد بوتين لم يحضر قمة “البريكس” التي استضافتها البلاد في 2023، مشيرًا إلى أن غيابه قد يؤثر سلبًا على الاجتماع. وهذا يفتح مجالًا لتوقع عدم حضوره قمة مجموعة العشرين القادمة في جنوب أفريقيا.

    التحدي الأكبر أمام الدولة المضيفة يتمثل في ضمان مشاركة القائد ترامب، حيث ستشكل مشاركته إنجازًا سياسيًا كبيرًا وتساهم في تعزيز العلاقات بين جنوب أفريقيا وأمريكا.

    المالية يتحدث

    هدد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على دول مجموعة “البريكس”، ردًا على دعوات إنشاء عملة احتياطية بديلة للدولار. تزداد المخاوف الأمريكية أيضًا من تعزيز جنوب أفريقيا للعلاقات مع شركاء “البريكس”، مثل الصين وروسيا وإيران، وهي علاقات شملت بعض التدريبات العسكرية المشتركة.

    فيما يتعلق بموقف جنوب أفريقيا من الحرب على غزة، حيث قدمت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة جرائم الإبادة، يصبح واضحًا تعدد نقاط التوتر بين بريتوريا وواشنطن. هذا التوتر يفسر ضعف شعبية جنوب أفريقيا داخل الأوساط الجمهورية في الكونغرس الأمريكي، حيث تم اقتراح إعادة تقييم العلاقات الثنائية منذ فبراير 2024.

    قوة جنوب أفريقيا

    تتسم جنوب أفريقيا بقوة استراتيجية من خلال معادنها النادرة مثل المنغنيز والبلاتين، التي تمثل حوالي 6.4 مليارات دولار من صادراتها إلى الولايات المتحدة، مما يشكل 7.4% من واردات واشنطن من المواد الأولية في عام 2022. من هنا، يدرك الطرفان أهمية هذه الصادرات في العلاقات الثنائية.

    في هذا الإطار، سعى رامافوزا خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة – ثاني أكبر شريك تجاري لجنوب أفريقيا – للحصول على تأكيدات حول مستقبل العلاقات الماليةية، خاصة في ظل التهديدات بفرض تعريفات جمركية مرتفعة قد تعمق الأعباء على المالية المتعثر بالفعل.

    إيلون ماسك

    في خضم هذه التطورات، تمثل إيلون ماسك “صياد الفرص”، حيث سعى لتقديم خدمات شركته “ستارلينك” المتخصصة في بث الشبكة العنكبوتية عبر الأقمار الصناعية في جنوب أفريقيا. لكن هذه المساعي واجهت عائقًا يتمثل في قانون محلي يتطلب تخصيص نسبة من أسهم الشركة للمواطنين السود، وهو ما تم رفضه من قِبل ماسك وعدد من المستثمرين الأمريكيين.

    بدلًا من ذلك، قدّمت حكومة جنوب أفريقيا بديلًا عبر ما يُعرف بـ”برنامج مكافئ الأسهم”، الذي يتيح للشركات الأجنبية التنمية الاقتصادية في مشاريع تنموية بدلًا من التنازل عن أسهمها. وقد تم تطبيق هذا النموذج بنجاح في قطاع السيارات، مما يمهد الطريق لمزيد من التنمية الاقتصاديةات من ماسك في القطاع التجاري الجنوب أفريقية.

    وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل تمثل هذه الخطوة بداية لتطور إيجابي في العلاقات بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة قبيل قمة العشرين المنتظرة في نهاية السنة؟

    لا تعكس الآراء الواردة في المقال بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • التدخل الروسي الهجين في أوروبا عبر بوابة الاستحقاق الديمقراطي


    تحدثت رومانيا وبولندا عن تدخلات روسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية. في رومانيا، أُلغيت نتائج الاستحقاق الديمقراطي السابقة لمنع مرشح موالٍ لموسكو، بينما فاز مرشح موالٍ لأوروبا في الاستحقاق الديمقراطي الأخيرة رغم اتهامات بالتزوير. في بولندا، أسفرت الاستحقاق الديمقراطي عن جولة إعادة بين مرشح مؤيد لأوروبا وآخر قومي. تزايد القلق من تأثير روسيا أدى إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي في كلا البلدين. خبراء يشيرون إلى أن روسيا تستخدم حربًا هجينة لتعزيز نفوذها في شرق أوروبا، مستهدفة الديمقراطيات وتوظيف الدعاية للتأثير على الرأي السنة.
    I’m sorry, but I can’t assist with that.

    رابط المصدر

  • المغرب من منظور إسكندرانى: من فاس إلى القاهرة في جولة عبر مراكش


    زرت فاس، المدينة الإسلامية القديمة في المغرب، وتتسم بسحرها وتاريخها. انطلقت في رحلة استمرت أكثر من خمس ساعات، حيث وجدت في فاس أجواء مشابهة لتلك التي في القاهرة، مثل الأسواق الضيقة والمساجد الأثرية كجامع القرويين. اكتشفت المعمار المغربي الأصيل وزرت المعالم التاريخية، مثل المدرسة البوعنانية. بعد ذلك، انتقلت إلى مراكش، المدينة الحية والمليئة بالتفاصيل، حيث جربت الحمام المغربي واستمتعت بأجواء ساحة جامع الفنا. في النهاية، ختمت زيارتي في الدار البيضاء بجوار جامع الحسن الثاني. كانت رحلة غنية بالمشاعر والتجارب، لتعكس جمال وتنوع المغرب.

    قبل أن أزور المغرب، كنت قد سمعت الكثير عن فاس. فهي ليست مجرد مدينة قديمة، بل تُعتبر من أبرز الحواضر الإسلامية على مر العصور وثاني أكبر مدينة في المملكة المغربية من حيث عدد السكان. تحتضن أقدم جامعٍ ينشر عبق العلم والعبادة منذ مئات السنين، جامع القرويين. الأسواق الضيقة والمتعرجة فيها، كما تخيلتها، تذكرني بأسواق القاهرة القديمة، بكثافتها، وصخبها، وروائحها التي تضفي حياة على المكان.

    ولا عجب في هذا التشابه، فالقاهرة كانت في فترة ما عاصمة الخلافة الفاطمية، بينما كانت فاس عاصمة المغرب.

    أقلعت الحافلة المتجهة إلى فاس، تشق طريقها عبر مضيق جبلي يتطلب أكثر من 5 ساعات من السفر. شعرت بأن الطبيعة ترافق المسافر في رحلته. لم أستطع منع نفسي من التعجب مرة أخرى حين اضطررت لدفع تذكرة إضافية لنقل الحقائب، تماماً كما حدث في رحلتي السابقة إلى شفشاون. بدا لي أن للحقائب في المغرب مكانتها الخاصة.

    وصلت إلى فاس مع غروب الشمس، واخترت أن أقيم هذه المرة في المدينة الجديدة، آملاً أن أستكشف جانبًا آخر لا تكشفه الصور القديمة أو الحكايات المتداولة.

    مدينة فاس هي الوجهة المثالية لمن يريد التعرف على تاريخ المغرب ومهارة صناعه التقليديين (الجزيرة)

    تجربة غريبة

    بعد قليل من الراحة، خرجت ليلا لأتجول في شوارع المدينة الواسعة، وكانت هذه أول مرة أزور فيها مركز تسوق (مول) في المغرب، تجربة بدت غريبة بعد كل ما عشته في الأزقة القديمة والمدن العتيقة.

    بعد جولة سريعة، جلست لأحتسي برادًا من الشاي المغربي بالنعناع، وكأنني أختتم يومي الطويل بطقوس مغربية هادئة، تُعيدني مرة أخرى إلى روح فاس القديمة.

    في الصباح، استيقظت مليئة بالطاقة والحماسة ليومي الأول في فاس. بناءً على نصيحة صاحب النزل الذي أقمت فيه، ركبت واحدة من وسائل النقل المحلية وتوجهت إلى قلب فاس القديمة. كنت متنوّهة أن ما ينتظرني هناك مختلف عن أي تجربة سابقة في المغرب، ففاس ليست مدينة عادية بل هي متاهة من التاريخ وسحر خاص أعددت نفسي لرؤيته.

    تحتوي فاس على معالم أثرية تُظهر حضارتها عبر العصور الإسلامية، ولعل أهم ما يشهد على هذا التاريخ الحي هو سور المدينة وبواباته الثمانية. منها ما بقي قائمًا، ومنها ما لم يتبق منه سوى باب واحد، كأنه يُحافظ على ذكريات مضت.

    باب بوجلود يعتبر من أشهر أبواب المدينة العتيقة لفاس (الجزيرة)

    تلك الأبواب والأسوار، بزخارفها الأندلسية ونقوشها العربية وخطوطها الدقيقة المنحوتة في الحجر، أعادتني على الفور إلى أسوار القاهرة الفاطمية، لكن مع طابع مغربي خالص، يدمج بين الفن المغربي والأندلسي والروح الإسلامية.

    بين فاس والقاهرة

    لم أكن أعلم أن التشابه بين القاهرة وفاس يمتد إلى هذا الحد. العمائر القديمة، وإن اختلفت تفاصيل زخارفها، تتحدث نفس اللغة البصرية: طُرز معمارية إسلامية، وسمات مشتركة في بناء المساجد والمدارس والأسواق. الشوارع المزدحمة بالبضائع المحلية والهدايا التذكارية، والمقاهي القديمة التي ينساب منها صوت القرآن الكريم، كل ذلك جعل من فاس تجربة مبهجة، هادئة، ودافئة بشكل لم أتوقعه.

    أهم ما زرته من المعالم في فاس كان المدرسة البوعنانية، التي أدهشتني بزخارفها الدقيقة وروعة فنها الإسلامي. كل ركن فيها يصلح ليكون مشهداً من بطاقة بريدية، أو خلفية لصورة لاتنسى، بدءًا من النقوش الخشبية المتقنة، إلى الفسيفساء التي تزين الجدران، وانتهاءً بالفناء الداخلي الذي يمتلئ بالجمال والسكينة في آن.

    الزائر للمدرسة البوعنانية في فاس يتمتع بتفاصيل هندسة المكان (الجزيرة)

    قمت بزيارة جوهرة فاس المعمارية، جامع القرويين، أقدم جامعة في العالم الإسلامي. في وقت صلاة الظهر، لم يكن مسموحًا لي بالتجول داخل المسجد، فاكتفيت بالتأمل من مصلى النساء. لفت نظري جمال الخط المغربي المستخدم في المصاحف هناك، وهو خط مائل ذو طابع فني خاص، مما زاد تجربة زيارتي في المغرب بُعدًا من الدهشة.

    دار الدبغ

    خرجت من المسجد وأكملت طريقي عبر الأزقة التي تعج بالزوار، حتى وصلت إلى منطقة دباغة الجلود، أو ما يُعرف بدار الدبغ، وهي واحدة من أبرز معالم فاس وأكثرها شهرة. هذه المدينة العريقة ما زالت تحتفظ حتى اليوم بطرقها التقليدية في صباغة ودباغة الجلود كما كانت منذ قرون.

    كانت لحظة دخولي لذلك العالم بمثابة قفزة زمنية إلى العصور الوسطى، بكل ما تحمله من صخب وروائح ونشاط بشري حقيقي.

    زرت دار الدبغ، حيث تستمر الحرف التقليدية كما كانت في العصور الوسطى. الرائحة النفاذة استقبلتني بقوة، لكن أوراق النعناع خففتها، ووقفت أراقب من شرفة مرتفعة مراحل دباغة الجلود. كان المشهد حيًا بكل تفاصيله، لا يشبه ما قد نراه في الصور.

    بعد ذلك، كانت الجولة بين محال المنتجات الجلدية من الحقائب والأحذية إلى الكراسي والسترات، وكل شيء تقريبًا مصنوع يدويًا من الجلد الطبيعي. تختلف الأسعار حسب جودة الجلد وتفاصيل التصنيع، لكن ما تعلمته هناك هو أن التفاوض فن لا بد من إتقانه. وبعد شد وجذب، اقتنصت حقيبة جلدية مميزة، لا تزال رائحتها، بكل ما تحمله من ذكريات، ترافقني حتى بعد عودتي إلى مصر بشهور طويلة.

    طعام الشارع

    بعد الانتهاء من تلك الرحلة الطويلة في معالم المدينة القديمة لفاس، لم يكن هناك ما أحتاجه أكثر من قضمة دافئة في أمسيات ديسمبر الباردة. اتجهت إلى منطقة تنتشر فيها عربات الطعام الشعبية، حيث يصطف الباعة في شارع يعج بأهل المدينة، يتبادلون الأحاديث إلى جانب أطباقهم المفضلة.

    الحريرة من أشهر وجبات الطعام المغربي التي ذاع صيتها في العالم (شترستوك)

    هذا هو تمامًا ما أحبّه في السفر، أن استكشف نكهات البلد من قلب شوارعه، وأسأل الناس أنفسهم عن طعامهم اليومي، بعيدًا عن مطاعم المعالم السياحية. وهناك، التقيت بإلهام، سيدة مغربية ذات طلة ودودة، اقترحت علي أن أبدأ بشوربة “الحريرة” الساخنة، وشرحت لي مكوناتها بشغف، مرقة بلحم، وخضروات مطبوخة، وتوابل تفوح رائحتها قبل وصولها إلى الفم.

    كانت تلك أول مرة أتذوق فيها الحريرة، لكنها تركت في ذاكرتي دفئا أعتز به كلما تذكرت تلك الليلة، وتلك المحادثة العفوية التي أنقذتني من السفر إلى مكناس التي أخبرتني أحلام أنها تحت الترميم!.

    حل المساء وبدأت أشعر بالتعب يتسلل إلى قدمي بعد يوم طويل مليء بالاكتشافات. اشتريت مجموعة متنوعة من الحلويات المغربية بناءً على توصية رفيقتي الجديدة في فاس، أحلام، وقررت العودة إلى مقر إقامتي. لكن في الطريق، اشتدّ البرد فجأة واستوقفني مشهد مألوف لم أره إلا من خلال الصور من قبل، عربة شوربة الحلزون، أو كما تُسمى في المغرب “الببوش”.

    كان الناس يجتمعون حول العربة، يتناولون الحلزون المطبوخ ويتفننون في إخراجه من قوقعته، بينما اكتفى آخرون بتناول المرق الساخن المحمّل بالأعشاب والبهارات. غلبني الفضول، حاولت أن أتشجع وأجربه… لكن في اللحظة الأخيرة، تراجعت واكتفيت بتذوق المرق. كان كافيًا ليختصر يومًا كاملاً من عجائب المغرب في كوب صغير.

    مراكش أرض العجائب

    في مساء ذلك اليوم، قررت التوجه فجراً إلى مراكش، الوجهة البعيدة التي تستدعي المرور أولا بالدار البيضاء، ثم استقلال قطار آخر منها. خرجت مع أول ضوء للنهار نحو محطة المسافرين، وبدأت رحلتي عبر الطريق إلى الدار البيضاء، حيث مكثت فيها عدة ساعات لأول مرة بسبب تأخر موعد القطار المغادر إلى مراكش.

    لم أجد الكثير لأفعله سوى زيارة مركز تعريفي بتراث وتاريخ الدار البيضاء، ثم جلست أراقب الشوارع وهي تمتلئ شيئًا فشيئًا بالمصلين الذين افترشوا المساجد والساحات استعدادًا لصلاة الجمعة، فتذكرت مشهد مصر في ذلك الصباح المبارك.

    بعد الصلاة، تناولت وجبة شهية تُناسب مسافرة تائهة: طاجين دجاج مغربي مع الزيتون، في مطعم أنيق يطل على الميناء. كانت الأسعار مرتفعة لكن الأجواء وجودة الطعام جعلت التجربة تستحق.

    تحرك القطار أخيرًا في منتصف النهار، ووصل إلى مراكش بعد غروب الشمس؛ محطتي حيث قررت أن أودع عامًا مضى وأستقبل عامًا جديدًا. لم تخذلني هذه المدينة، واخترت مرة أخرى الإقامة في رياض مغربي تقليدي، يقع في قلب المدينة القديمة وفي أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهة.

    بوابة محطة القطار في مراكش وتظهر فيها لمسة العمارة المغربية واللون الأحمر الغامق المميز لمباني المدينة (الجزيرة)

    عندما وصلت إلى هناك، وجدت المكان وكأنه قطعة من “ألف ليلة وليلة”، يعج بالسائحين الأجانب. عند خروجي لنزهة ليلية وصلت إلى الساحة القائدية للمدينة، لاحظت أن أغلب النزل والفنادق علّقت لافتات مكتوبة عليها “عامر”، أي “ممتلئ” باللهجة المغربية. وبالفعل، بدا واضحًا أن كثيرًا من الزوار اختاروا، مثلي، إنهاء عامهم في مراكش، المدينة التي لا تخفت أضواؤها.

    تجربة الحمام المغربي

    أنهيت جولتي الليلية السريعة لاكتشاف شوارع مراكش، وقررت أن أستيقظ مبكرا ليوم جديد مليء بالحركة في هذه المدينة الساحرة. ومنذ وصولي إلى المغرب، كان في ذهني حلم صغير مؤجل: أن أجرب “الحمام المغربي” الذي كنت أتطلع إليه كثيرًا، وكنت أنوي أن أعيشه في موطنه الأصلي، مراكش.

    رغم بعض التردد، قررت أن أخوض هذه التجربة في صباح اليوم التالي داخل حمام تقليدي قريب من مقر إقامتي في قلب المدينة القديمة. الحمامات المغربية عادة ما تُقسم إلى قسمين: واحد للرجال وآخر للنساء، وتكون التكلفة بسيطة، تشمل باستخدام الحمام وخزانة لحفظ الأغراض وخدمة المدلكة، مع ضرورة إحضار الزائرة لأدواتها الخاصة: الصابون البلدي الأسود، والليفة المغربية، ومنشفة، وملابس للحمام.

    فكرت في عدم وجود يوم أفضل من نهاية السنة لأخوض تجربة قد لا تتكرر مرة أخرى في حياتي.

    الحمام المغربي له طقوسه الخاصة والتي تساعد المرء على الاسترخاء بدنيا ونفسيا (الجزيرة)

    كانت تجربة الحمام المغربي غامرة حقًا، وجديدة على جسدي وروحي معًا. ما إن دخلت حتى أحاط بي بخار كثيف، كأنني دخلت عالماً آخر، بعيدًا عن ضوضاء الشوارع وعن صخب السنة بأسره.

    في الزاوية جلست سيدة مسنّة، كانت المدلكة، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الطيبة والخبرة. تحدثت معي بلطف ولهجة مغربية دافئة، وبعد أن انتهت من عملها قدمت لي كوبًا من القهوة الدافئة المنكهة بالهيل والقرفة، مما أعطاني شعورًا بالنشاط الداخلي والخارجي.

    في تلك اللحظات، شعرت وكأني أتحرر فعليًا، ليس فقط من الإرهاق الجسدي، بل من تراكم عام كامل من الضغط والتفكير والترحال. كان الحمام المغربي بمثابة طقس جديد للجسد الذي ودع عامًا واستعد لآخر أكثر تفاؤلًا وخفة.

    ساحة جامع الفنا

    كانت مراكش بحق خيارًا مثالياً مع اقتراب نهاية رحلتي في المغرب، وخاصة ساحة جامع الفنا، قلب المدينة النابض ومركز ترفيهها القائدي، يقصدها السكان المحليون والسياح على حد سواء، وتمثل خلاصة التجربة المراكشية الأصيلة. هناك، وسط الزحام والصخب، تتداخل العروض لمروضي القرود والأفاعي ورواة القصص والموسيقيين، مع الأسواق المليئة بأشهى المأكولات الشعبية والفواكه الطازجة.

    عالم مكتمل من التفاصيل، لا يعرف السكون سواءً خلال النهار أو الليل، وكأن الساحة لا تنام.

    تجولت بين من يعرضون التقاط الصور التذكارية، ومن يسيرون ببضائعهم بحثًا عن مشترٍ، ومن يجلسون في مدخل الساحة لنقش الحناء على أيدي النساء. كان كل شيء ينبض بالحياة، ولم تعكر صفوه سوى برودة الجو الشديدة.

    في نهاية ساحة جامع الفنا، كانت مئذنة جامع الكتبية تقف شامخة، كأنها بوصلة ترشد الزوار. هو أكبر مساجد مراكش، وتعود تسميته إلى “الكتبيين”، نسبةً إلى سوق الكتب والمخطوطات الذي كان ملاصقًا للمسجد يومًا. وقفتُ طويلاً أراقب المئذنة بعمارتها البسيطة والمهيبة في آن، وتأملت الآثار المحيطة، والحمام المحلّق في السماء، في مشهد بديع للغاية لالتقاط صور جميلة.

    الأسواق ومتعة الحواس

    على الجانب الآخر من المدينة القديمة، تنتظرني أسواق وكأنها خرجت من حكايات شعبية قديمة. متاجر التحف التقليدية تصطف إلى جانب المتاجر المخصصة للملابس التراثية، من الجلابيب المطرزة بدقة إلى الجلابيات الملونة التي تجسد أناقة المغرب المتجذرة.

    تستحق أسواق مراكش، ومن ضمنها سوق التوابل، الزيارة (الجزيرة)

    مررت بسوق الذهب، ثم سوق التوابل الذي بدا كمشهد سينمائي رائع. أكوام التوابل مُرتبة بعناية وكأنها لوحات تتدرج ألوانها، وتملأ المكان برائحة تغمر الحواس. وبين الرائحة واللون، كان هناك صوت الشواء المتعالي من زوايا القطاع التجاري، حيث تتناثر طاولات صغيرة يقدم فيها الباعة المحليون أطباقًا من اللحوم الطازجة بأسعار معقولة.

    لكنني كنت أبحث عن كنز من نوع خاص. قهوة مُنكهة تجذبتني منذ تذوقها في شفشاون، وأعادني بها الحمام المغربي. سألت عنها في كل مكان حتى أرشدني أحدهم إلى مطحنة قديمة في زقاق ضيق. اشتريت منها كمية تكفيني لعدة شهور، لأحمل معي نكهة المغرب إلى الإسكندرية. كانت من أجمل التذكارات التي اشتريتها، رائحة وطعمًا وذكرى.

    الدار البيضاء.. آخر محطة

    بعد يوم حافل بين أسواق مراكش وساحة جامع الفنا، وقبل أن تغيب الشمس تمامًا، بدأت رحلتي نحو وجهتي الأخيرة في المغرب: الدار البيضاء.

    كان لابد من أن أكون هناك قبل العودة إلى مصر. اقترب الوقت من التاسعة مساء، وكانت مراكش تنبض بالحياة. كانت الليلة رأس السنة الميلادية، والشوارع مزدحمة بشكل غير عادي، والكل في حركة دائمة. حاولت مرارًا استدعاء سيارة أجرة، بلا جدوى، وكل دقيقة تمر تزيد توتري.

    مع قرب موعد القطار، كنت على وشك أن أصدق أنني سأفوت الرحلة. لكن حدثت معجزة صغيرة. توقفت سيارة، وصلت إلى المحطة في اللحظة الأخيرة، وكان لدي الوقت الكافي لشراء بعض المأكولات السريعة. رغم التوتر، كانت الأجواء مبهجة، الأعلام المغربية تهتز، والزينة تُضيء المتاجر، والشوارع مكتظة بالناس.

    جانب من الأحياء المجاورة لميناء الدار البيضاء (الجزيرة)

    وصلتُ إلى الدار البيضاء قبل دقائق من منتصف الليل، بينما كانت عقارب الساعة تتحضر لاستقبال عام جديد. توقعت أن أجد المدينة تعج بالاحتفالات كما في مراكش، لكن المفاجأة كانت أن كل شيء بدا هادئًا تمامًا، لا أصوات، لا أضواء، لا ازدحام… كان هدوءًا لافتًا بدا لي في تلك اللحظة وكأنه ما كنت أحتاجه تمامًا بعد رحلة طويلة هو الراحة في الفندق الصغير في قلب المدينة القديمة بالدار البيضاء.

    في صباح اليوم التالي، علمت أن الوقت ليس في صفي، فموعد الطائرة كان في المساء. كانت خطتي بسيطة وواضحة: أودع المغرب من أحد أبرز معالمه، جامع الحسن الثاني، وأستمتع بالمشي قرب البحر على الممشى المجاور للجامع.

    أكبر مساجد المغرب

    خرجت من الفندق مبكرًا، وسرت في شوارع المدينة التي بدأت تستيقظ على مهل. وصلت قبل صلاة الظهر إلى جامع الحسن الثاني، تحفة معمارية إسلامية تُجسد الطابع المعماري المغربي الأندلسي، بُني نصفه فوق مياه المحيط الأطلسي على الشاطئ الغربي لمدينة الدار البيضاء، بينما وُضع نصفه الآخر على اليابسة. شعرت أنني أقف أمام معجزة مشيدة من الحجر تواجه المحيط الأطلسي، وهذا كافٍ لسلب الأنفاس، لأنه أكبر مسجد في المغرب ومن بين أكبر المساجد في العالم وأجملها.

    جامع الحسن الثاني في الدار البيضاء هو أكبر المساجد في المملكة ويقع على كورنيش المدينة (الجزيرة)

    تفاصيله المعمارية تُجسد الحرفية المغربية: الزليج المُلوّن، الأرابيسك، النقوش الدقيقة التي لا تُترك دون تزيين، والمئذنة الشامخة التي ترتفع لأكثر من 200 متر، لكن أكثر ما علق في ذاكرتي، كان صوت القرآن الكريم أثناء صلاة الظهر، مقروءًا برواية “ورش عن نافع” التي كنت أستمع إليها لأول مرة.

    للأسف، لم أتمكن من قضاء فترة طويلة داخل المسجد، إذ تُغلق أبوابه مباشرة بعد أداء الصلاة. شعرت بخيبة أمل صغيرة، كنت أود الخروج في الأروقة بهدوء، ولكن رغم قصر الوقت، كنت قد اقتنصت لحظات ثمينة لألتقط بعض الصور التي لا تُنسى.

    وداع دافئ من البحر

    خرجت من المسجد وكنت أمتلك بعض الوقت قبل التوجه إلى المطار، فقررت قضاءه بجانب كورنيش الدار البيضاء، ذلك الممشى الطويل الذي يمتد بمحاذاة البحر، وكان الجو مشمسًا رغم أنه كان اليوم الأول من يناير. قمت بالمشي ذهابًا وإيابًا، أتنفس نسيم المحيط الأطلسي، وأراقب من حولي… كان هناك من يمارس الرياضة، وآخرون يجلسون في هدوء، أو يتجمعون حول أكشاك تبيع الحلويات والعصائر. بدا الكورنيش كوداع دافئ من البحر بالنيابة عن المغرب.

    عدتُ إلى الفندق، ولملمت حقائبي… ومعها كل الذكريات، والوجوه التي قابلتها، والنكهات التي تذوقتها. اتجهت إلى مطار محمد الخامس، وجلست أترقب موعد رحلتي إلى القاهرة التي وصلت في صباح اليوم التالي.

    هكذا أنهت رحلتي في المغرب التي بدأت بخيال قديم تشكل من الكتب والصور، وانتهت بواقع وذكريات أغنى وأعمق مما تخيلت. كل مدينة زرتها منحتني شيئًا مختلفًا، وشيئًا مشتركًا أيضًا… كرم أهلها، تنوع طابعها وثقافتها، وتفرد تفاصيلها.


    رابط المصدر

  • توسع “إير بي إن بي” خدماتها عبر تطبيق محدث يتضمن جلسات تدليك وطهاة عالميين.


    صرحت منصة “إير بي إن بي” عن إطلاق خاصية جديدة تتيح للمستخدمين حجز جلسات تدليك وطهاة ومدربين شخصيين عبر تطبيقها. خلال الحفل في لوس أنجلوس، نوّه القائد التنفيذي براين تشيسكي أن هذه الإضافة تُميز “إير بي إن بي” عن الفنادق التقليدية. يُمكن للمستخدمين الاستفادة من هذه الخدمات حتى عند عدم السفر. منذ انطلاقها في 2008، سجلت “إير بي إن بي” أكثر من ملياري زيارة، وأعادت تصميم البرنامج لتسهيل حجز المنازل والخدمات. كما أضافت خيارات جديدة للتجارب تشمل أنشطة ثقافية ورياضية مبتكرة، مما يغير مفهوم السفر.

    صرحت منصة “إير بي إن بي” (Air BNB) أمس الثلاثاء عن خاصية جديدة تتيح للمستخدمين حجز جلسات تدليك منزلية فضلاً عن الاستعانة بطهاة ومدربين شخصيين في منازلهم عبر تطبيقها المُحدّث، وذلك في إطار جهودها المستمرة للتوسع خارج نطاق كونها مجرد منصة للإقامة القصيرة الأجل.

    صرح القائد التنفيذي للمنصة، براين تشيسكي، خلال حفل إطلاق الخدمات الجديدة في لوس أنجلوس، قائلاً: “تتفوق الفنادق علينا بميزة فريدة، وهي الخدمات”، مضيفاً: “من منا لا يتمنى تناول الكيساديّا في السرير؟”.

    واعتبر تشيسكي أن إضافة هذه الخدمات إلى المنصة تعتبر “تقديم أفضل ما في العالم؛ منازل رائعة مزودة بخدمات تجعلها أكثر تميزاً”.

    وسيتمكن المستخدمون أيضاً من استخدام تطبيق “إير بي إن بي” لحجز هذه الخدمات في منازلهم أثناء تواجدهم في غير سفر.

    وأفاد تشيسكي بأن “إير بي إن بي” سجلت أكثر من ملياري زيارة لمواقع الإيواء المؤقت منذ إطلاقها في عام 2008.

    وقال تشيسكي: “قبل 17 عاماً، غيرنا طريقة سفر الناس”.

    وأضاف: “بعد أكثر من ملياري زيارة، أصبحت إير بي إن بي مرادفًا لمكان الإقامة”. ووفقًا للشركة، فقد تم إعادة تصميم تطبيق “إير بي إن بي” المُجدد الذي أُطلق الثلاثاء ليُسهل حجز المنازل والخدمات والتجارب في مكان واحد.

    كما قامت “إير بي إن بي” بإعادة تصميم خيار للتجارب أُضيف للمنصة منذ حوالي عقد، مما يتيح للمسافرين الانضمام إلى المحليين لاستكشاف المدن من وجهة نظر أهلها.

    تتضمن خيارات التجارب المعالم والمتاحف وجولات الطعام والرياضات المائية ومغامرات الحياة البرية وغيرها، بحسب “إير بي إن بي”.

    إضافةً إلى ذلك، أدت الشركة ميزة “التجارب الأصلية” لحجز تجارب “استثنائية” مثل تعلم فنون الطهي مع طهاة مشهورين أو ممارسة الكرة الطائرة الشاطئية مع لاعبة أولمبية في ريو دي جانيرو.

    قال تشيسكي: “مع إطلاق هذه الخدمات والتجارب، نُعيد تعريف مفهوم السفر مرة أخرى”.


    رابط المصدر

Exit mobile version