الوسم: الثورة

  • بردة النبي: استكشاف روائي في فكر الثورة الإيرانية

    بردة النبي: استكشاف روائي في فكر الثورة الإيرانية


    كتاب “عباءة النبي: الدين والإستراتيجية في إيران” للمؤرخ روي متحدة هو دراسة عميقة للثورة الإيرانية. من خلال سرد حياة دعا علم شيعي، يُظهر متحدة التداخل بين الدين والإستراتيجية في إيران. يتناول الكتاب رحلته الفكرية والعاطفية، ومواجهة التغيرات الاجتماعية والثقافية الناجمة عن التحولات السياسية. كما يستعرض تاريخ إيران الحديث وتأثير المنظومة التعليمية الغربي، وكذلك دور العلماء في حركات المعارضة. يقدم نظرة شاملة عن الهوية الإيرانية، مبرزاً تأثير التراث الفارسي مثل الشعر، ويؤكد على الدين كوسيلة للتكيف والوجود. الكتاب مُشاد به نقدياً على أسلوبه الأدبي وطرحه العميق، رغم بعض criticisms حول تقديم صورة رومانسية عن إيران.

    في سياق الأدب والكتابات الحديثة التي حاولت فك رموز الثورة الإيرانية، يأتي كتاب “عباءة النبي: الدين والإستراتيجية في إيران” للمؤرخ روي متحدة (الذي صدر للمرة الأولى عام 1985) كعمل متميز ينفذ إلى عمق الروح الإيرانية، متجاوزًا التحليل السياسي الذي تقريبا تتبعه أغلب المؤلفات الأكاديمية التي تتناول إيران الحديثة.

    بأسلوب روائي فريد، يقدم متحدة سيرة خيالية لدعا علم شيعي يُدعى “علي هاشمي”. ومن خلال رحلته الشخصية، يرسم لوحة تاريخية وفكرية غنية لإيران، كاشفًا عن الجذور الثقافية والدينية التي ساهمت في إشعال ثورة عام 1979. لاقى الكتاب إشادة نقدية واسعة ووُصف كعلامة بارزة نجحت في تقديم صورة إنسانية عميقة بعيدا عن الصور النمطية التي حوصرت بها المشهد الإيراني ضمن العنف والتعصب.

    روي برفيز متحدة (1940-2024) مؤرخ أميركي بارز من أصل إيراني، يعد واحدًا من أبرز المتخصصين في التاريخ الإسلامي والثقافة الإيرانية. درس في جامعة هارفارد وعمل أستاذا في جامعتي برنستون وهارفارد، حيث شغل منصب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط. تميز بقدرته الفائقة على السرد التاريخي بأسلوب أدبي مشوق مع الحفاظ على الدقة الأكاديمية.

    السرد والحوزة والشعر الفارسي

    يَنسج متحدة كتابه عبر مستويات مترابطة تجمع ببراعة بين الشخصي والاجتماعي والوطني، ليمنح القارئ فهماً شاملاً للمجتمع الإيراني، متميزًا عن الأبحاث السياسية الصرفة بسرد حضاري شامل يربط الفكر بالتاريخ بالمواطنون، مقدماً إيران كلوحة فسيفسائية متعددة الأبعاد.

    تدور القصة حول “علي هاشمي”، شاب من مدينة قم ينحدر من سلالة النبي ﷺ (سيد)، ينشأ في عائلة تقية ويتلقى تعليمه في الحوزة العلمية ليصبح “ملا”. يرافق القارئ تطور تفكيره وروحانته، ويتشارك معه مشاعر متناقضة من الغضب والفرح، والشك والإيمان. تتصدع قناعاته عندما يقرأ عن فظائع الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فيخوض تجربة “عرفانية” عميقة تقوده إلى رؤية صوفية تتجلى فيها “الأنوار” في كل ما يحيط به، مما يشير إلى مكانة التصوف المميزة في الثقافة الإيرانية رغم تحفظ المؤسسة الدينية الرسمية.

    تتداخل رحلة هاشمي مع الاضطرابات السياسية، إذ يُسجن لفترة قصيرة، حيث يعيش اليأس قبل أن يجد إيمانه من جديد. ومع نجاح الثورة، يمتزج فخره برؤية الراية الخضراء للإسلام بقلق حيال مصير بلاده. وتجسد شخصية علي المركبة، التي تعيش صراعًا بين التقوى والشك، والتقليد والحداثة، مرآة صافية تعكس تحولات المواطنون الإيراني في القرن العشرين.

    يفتح الكتاب نافذة واسعة على عالم الحوزات العلمية وطرق المنظومة التعليمية التقليدية في إيران. ويقدم المؤلف صورة حية لمدينة قم كمركز مقدس للتعليم الشيعي، حيث يتعلم هاشمي النحو والبلاغة والمنطق على أيدي الملالي التقليديين، في نظام تعليمي يشبه إلى حد كبير مناهج أوروبا في القرون الوسطى. ويقدم الكتاب نماذج من التقوى الشخصية لبعض رجال الدين، مثل الشيخ مرعشي (أستاذ هاشمي) الذي كان يستيقظ قبل الفجر بساعتين ليكرر دعاء “استغفر الله” 300 مرة، مما يمنح القارئ لمحة عن الورع والانضباط في حياة الحوزة. كما يكشف الكتاب عن “منطقة رمادية” من التسامح، حيث تعايشت الشكوك الفكرية سرًا مع الإيمان، وبقيت تيارات مثل التصوف والتشيع الباطني متواجدة بهدوء داخل مجتمع محافظ للغاية.

    يستكشف الكتاب دور التراث الفارسي، وخصوصًا الشعر، كمصدر وجداني للإيرانيين، ومجالهم للتعبير عن عشقهم للغموض والمجاز بعيدًا عن رقابة السلطات. يستشهد المؤلف بأبيات لكبار شعراء فارس مثل حافظ وسعدي وفردوسي، مما يضفي عمقًا أدبيًا على السرد. ويرى متحدة أن “حب الغموض” هو القلب النابض للثقافة الإيرانية، وهو ما يشهد على قدرتهم على التعايش مع التناقضات، مثل الفخر بالتاريخ الفارسي القديم (كالبطل الأسطوري رستم) والهوية الإسلامية الشيعية.

    الطريق إلى الثورة

    يستعرض الكتاب تاريخ إيران الحديث وكيف أدى دخول المنظومة التعليمية الغربي في عهد الشاه إلى نشوء ازدواجية ثقافية لدى الفئة الناشئة الإيراني. وجد هاشمي نفسه ممزقًا بين عالمي الحوزة والجامعة العلمانية. ثم ينتقل السرد لتحليل المسار التاريخي لنشاط المؤسسة الدينية سياسيًا. بعد أن ظلت العلماء على هامش السلطة، أظهروا دورهم في محطات مفصلية، مثل انتفاضة التبغ (عام 1891) والثورة الدستورية (عام 1906).

    ومع ذلك، كانت التحولات الكبرى جراء سياسات التحديث القسرية التي اتبعتها رضا شاه بهلوي وابنه، والتي استهدفت تقليص نفوذ المؤسسة الدينية وتفكيك “منطقة الغموض” التقليدية. هذه السياسات، التي تضمنت إلغاء المحاكم الشرعية وفرض القوانين المدنية، دفعت كثيرين إلى اتخاذ موقف واضح. ومع تآكل شرعية نظام الشاه نتيجة للاستبداد والاعتماد الأجنبي، استعاد رجال الدين دورهم في قيادة المعارضة، ليصبحوا أقرب إلى اهتمامات الناس من النخبة الحاكمة.

    يوضح الكتاب كيف استثمر الإمام الخميني ذلك الغضب الشعبي، خاصة بعد قمع طلاب الحوزة في قم (عام 1963) ومنح الحصانة القضائية للأميركيين (عام 1964) ليطرح نظرية “ولاية الفقيه” كبديل سياسي إسلامي. ومع سقوط الشاه، اضطر الإيرانيون للخروج من منطقة الالتباس الثقافي واتخاذ قرار حاسم، لتتحول العمائم من رمز للإرشاد الروحي إلى أدوات للحكم السياسي. ورغم أن الثورة حققت هدفها في طرد الشاه، ينهي متحدة كتابه بنبرة قلقة، مشيرًا إلى أن التشدد الأيديولوجي الذي أعقب الثورة يهدد بتقويض إرث التسامح والتنوع الذي ميز الثقافة الإيرانية لقرون.

    الفكر والاجتماع الإيراني

    رغم أن القصة المحورية للكتاب تدور في منتصف القرن العشرين، يربط المؤلف أحداثها ومفاهيمها بجذور تاريخية بعيدة. فهو يستحضر مثلاً شخصيات فكرية إسلامية مثل الفيلسوف ابن سينا (القرن الحادي عشر) وصولاً إلى شخصيات سياسية حديثة مثل الدكتور مصدق والمفكر علي شريعتي في القرن العشرين، ليظهر امتداد خيط الفكر الإصلاحي والديني عبر العصور، ويعتبر أن الثورة الإيرانية لم تكن حدثًا معزولًا، بل جاءت تتويجًا لتطور تاريخي طويل شمل اجتهادات فقهية وصراعات اجتماعية وتأثيرات استعمارية.

    <pيناقش الكتاب الإرث الذي تركه جمال الدين الأفغاني في أواخر القرن التاسع عشر في الدعوة إلى نهضة إسلامية ضد الاستعمار، وتأثير حركة التنباك (احتجاج عام 1891) التي قادها المراجع ضد الهيمنة الماليةية للأجانب. كما يتناول الثورة الدستورية عام 1906 بوصفها أول محاولة لإقامة حكم حديث مع الحفاظ على دور للدين، والتي شهدت أيضًا انقسامات بين تيار العلماء المحافظين والتيار الحداثي. وتعطي هذه المحطات التاريخية وغيرها للقارئ الخلفية اللازمة لفهم شعارات الثورة عام 1979 ومدعاها.

    كذلك يُبرز متحدة الخلفية الاجتماعية لإيران قبل الثورة، فيصف التغيرات الديمغرافية مثل الهجرة الواسعة من القرى إلى المدن خلال الستينيات والسبعينيات وما نتج عنها من زيادة في التدين بين الطبقات الفقيرة كوسيلة للتكيف مع حياة المدينة غير المألوفة. ويرى أن هذه الظروف الاجتماعية المفجرة (مثل الملايين من الفئة الناشئة الريفي العاطل والمهمش في المدن الكبرى مثل طهران) شكلت أرضًا خصبة لرسالة الثورة الإسلامية التي وعدت بالعدالة الاجتماعية ورد اعتبار الهوية الدينية. كما يتناول الكتاب تأثير السياسات الدولية، مثل دعم الولايات المتحدة لحكم الشاه والمواجهة الإقليمي مع العراق، في توسيع المشاعر الثورية داخل إيران.

    على الصعيد الفكري، يظهر الكتاب تأثير متحدة من مجالات معرفية متعددة، فهو مؤرخ ومتخصص في الفكر الإسلامي مما مكنه من قراءة الأحداث من منظور يجمع بين التحليل الاجتماعي والتعمق الفكري. ويتضح للقارئ إلمام المؤلف بالفلسفة الإسلامية والتصوف والفقه الشيعي، إذ نجد شروحات مبسطة لأفكار مثل الاجتهاد (جهود الفقهاء في استنباط الأحكام) ودور المرجعية الدينية في حياة الشيعة.

    يشرح كيف تطور نظام التقليد حيث يقلد عامة الناس مراجع عليا في الأحكام الشرعية، وكيف ساهم هذا النظام الحاكم في تماسك المواطنون الشيعي لكنه أيضًا جعل منه قوة قادرة على التحشيد السياسي حينما يلجأ المراجع إلى إصدار الفتاوى السياسية.

    كما يناقش الكتاب مسألة الثقافة المزدوجة في إيران: مزيج من عناصر إسلامية فارسية وأخرى حديثة غربية. ويحضر هنا مصطلح “المونتاج” الذي استخدمه بعض المثقفين لوصف هوية أهل طهران كمزيج من قطع مستوردة مختلفة، في إشارة إلى تأثيرات غربية متنوعة دمجها الإيرانيون بهويتهم.

    نال الكتاب استحسانًا كبيرًا من النقاد والقراء، واعتبر مساهمة فريدة في فهم إيران الحديثة. أشادت به مجلة “فورين أفيرز” لقدرته على تقديم فهم عميق للثورة يتجاوز ما تقدمه الدراسات السياسية التقليدية. كما وصفته مجلة “الدراسات الإيرانية” بأنه “دراسة رائدة في أدبيات الثورة”، لما قدمه من معالجة شاملة للثقافة والتاريخ في قالب قصصي جذاب. في المقابل، وُجهت للكتاب بعض الانتقادات، أبرزها من الباحث فريد هاليداي الذي رأى أن متحدة قدم صورة رومانسية عن إيران، متجنبا الخوض في تفاصيل القمع الذي تلا الثورة.


    رابط المصدر

  • واغادوغو تحتفل بذكرى توماس سانكارا من خلال نصب يروي قصة الثورة والاستقلال


    افتُتح في واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، نصب تذكاري لتوماس سانكارا، القائد الثوري الذي اغتيل في 1987. يجسد النصب، الذي يعكس احتفالية وذكاء جماعي، النضال ضد الاستعمار. حضر الافتتاح رئيس الوزراء جان إيمانويل ويدراوغو، الذي نوّه على إرث سانكارا في الحرية والعدالة الاجتماعية. هذا المشروع يتماشى مع توجهات الحاكم العسكري إبراهيم تراوري، الذي استولى على الحكم في 2022 وحاول دعم استقلال البلاد. سانكارا، الذي قاد إصلاحات اجتماعية واقتصادية، لا يزال رمزًا للحرية والتضحية في نفوس المواطنين، بينما تواصل السلطة التنفيذية التحقيقات في ملابسات اغتياله.

    في خطوة تبدو كتكريم لبطل لكنها تحمل في طياتها صراعا مع الاستعمار وتاريخه، شهدت العاصمة بوركينا فاسو، واغادوغو، يوم الأحد الماضي، افتتاح نصب تذكاري (تمثال) لتوماس سانكارا، القائد الثوري الذي حكم البلاد من 1983 إلى 1989، ولا تزال ظروف اغتياله غامضة، حيث أنهت تجربته التحريرية الملهمة في أفريقيا.

    تم تصميم النصب بشكل عين مع درجات متناقصة تمثل توماس سانكارا (1949-1987) ومساعديه الاثني عشر الذين اغتيلوا معه، وقد تم افتتاحه بحضور ممثلين عن عدة دول أفريقية.

    وخلال حفل الافتتاح، صرح جان إيمانويل ويدراوغو، رئيس وزراء بوركينا فاسو، أن هذا النصب هو “أكثر من مجرد مبنى؛ بل هو موقع يمثل الوعي الجماعي لأسرة بوركينا فاسو وللمناضلين من أجل الحرية، ولكل من يقدر السلام والعدالة الاجتماعية، وللتضحيات التي قدمها القائد توماس سانكارا ومساعدوه”.

    اللوحة التذكارية للنصب تحمل كلمة لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، النقيب إبراهيم تراوري، تقول: “الثورة التي تركها لنا توماس سانكارا هي الروح والفعل.. نحن عازمون على الإبقاء على الشعلة متقدة لتضيء مسيرتنا نحو السعادة.. لن ننحني، الوطن أو الموت، سننتصر”.

    يُعتبر هذا النصب جزءًا من منتزه كبير يضم مطعماً ومكتبة إعلامية وورش عمل أخرى، في إطار مشروع يكرّم إرث توماس سانكارا من خلال التثقيف والتوعية، وتوفير بيئة ملائمة لاستذكار مبادئ الزعيم الراحل في الحرية والعدالة الاجتماعية.

    المبنى الذي يضم تمثال توماس سانكارا بالعاصمة واغادوغو (مواقع التواصل)

    يأتي هذا النصب تتويجاً لعمل “اللجنة الدولية لإحياء ذكرى توماس سانكارا”، التي تشكّلت في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2016، بهدف كشف الحقائق حول اغتياله ورفاقه، والحفاظ على إرثه السياسي والفكري، وإحياء ذكراه في نفوس مواطنيه الذين يعتبرونه “أب الثورة” في بوركينا فاسو.

    ملهم القائد الجديد

    تعكس هذه المبادرة توجهات الحاكم العسكري الحالي لبوركينا فاسو، إبراهيم تراوري (37 عامًا)، الذي استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2022، ويحاول تقديم نفسه كمنقذ للبلاد من الاستعمار الجديد.

    من أهم القرارات التي اتخذها القائد تراوري إعلان فك الارتباط مع فرنسا، الدولة الاستعمارية السابقة، والدخول في تحالف مع روسيا، بالإضافة إلى اعتماد سياسات اقتصادية جديدة مثل تأميم مناجم الذهب.

    يبدو أن القائد تراوري يحمل إعجابًا بأفكار سانكارا وتجاربه المتعلقة بالاستقلالية والحرية، وكذلك السياسات السنةة المتعلقة بالسيادة الوطنية والمالية.

    كما يظهر هذا الإعجاب في قرار تراوري بنقل رفات سانكارا إلى النصب التذكاري الذي تم تدشينه رسميًا، بدلاً من المدفن السابق البسيط.

    قائد الانقلاب في بوركينا فاسو الكابتن إبراهيم تراوري يُوصف بأنه معجب بالقائد السابق توماس سانكارا (وكالة الأناضول)

    وقد أشاد القائد تراوري السنة الماضي بالقائد سانكارا في الذكرى السابعة والثلاثين لاغتياله، واصفًا إياه بأنه “رجل رؤية عظيم ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ أمتنا من خلال نزاهته ووطنيته”.

    الزعيم الحاضر في الوجدان

    لا يزال اسم توماس سانكارا حاضرًا بقوة في ضمير أبناء بلده الذي كان يُعرف بــ “فولتا العليا” قبل أن يغيره سانكارا إلى “بوركينا فاسو”، بمعنى “أرض الأنقياء” بلغة البلاد، بالإضافة إلى تغيير العلم والنشيد الوطني.

    خلال فترة حكمه، قاد سانكارا حربًا ضد الطبقات التقليدية الراقية، ونفذ حملة ضد الفساد ونهب الثروات السنةة، وسعى لخفض الإنفاق السنة في المجالات غير الضرورية.

    كما أطلق برامج صحية واجتماعية وتعليمية واسعة، وبدأ مشروعًا لمكافحة التصحر الذي سمح بزراعة 10 ملايين شجرة، ووزع الأراضي على السكان المحتاجين.

    على الصعيد الدولي، اكتسبت بوركينا فاسو تحت قيادة سانكارا زخمًا وحضورًا واسعًا في الساحات السنةة، بفضل دعمه لقضايا الشعوب المظلومة والوحدة الأفريقية وتصفية الاستعمار.

    طوال حياته، ظل مدافعًا عن العالم الثالث، منتقدًا ما أسماه “الاستقلال الشكلي” الذي فرضته دول “العالم الآخر” لضمان الاستلاب الفكري والثقافي والماليةي والسياسي في مستعمراتها.

    انتقد سانكارا بشدة فرنسا وطبيعة علاقتها بمستعمراتها السابقة التي تعتمد على نهج الاستغلال المستمر.

    مع تدهور العلاقات مع فرنسا والنظم الموالية لها، حرص سانكارا على تدعيم العلاقات مع دول المعسكر الاشتراكي مثل كوبا وأنغولا ونيكاراغوا.

    البحث عن قاتل سانكارا

    في عام 1987، بدأت تظهر علامات انقلاب تحت قيادة رفيق دربه بليز كومباوري، حيث اندلعت احتجاجات واضطرابات واسعة استمرت عدة أشهر، وبلغت ذروتها في 15 أكتوبر من السنة نفسه، حيث تم اغتيال سانكارا و12 من مساعديه بالرصاص في واغادوغو أثناء اجتماع رسمي، مع تكتم السلطات عن ظروف مقتله.

    وتشير أصابع الاتهام في تلك الجريمة إلى بليز كومباوري، وبخلفه فرنسا عبر شبكات نفوذها.

    كان أول قرار اتخذته كومباوري هو حرق جثة سانكارا، وتجريم كل من ينطق باسمه أو يحمل صورته في جميع أنحاء بوركينا فاسو.

    بعد اغتيال سانكارا، حكم كومباوري البلاد بقبضة حديدية لمدة 27 عامًا، حتى تنحى يوم 31 أكتوبر 2014، وهرب بعد مظاهرات غاضبة احتجاجًا على محاولاته لتعديل الدستور للترشح لولاية ثالثة.

    وقد تعهدت أول حكومة تشكّلت بعد سقوط نظام كومباوري بإعادة فتح ملف سانكارا وبحث قبره لإجراء فحوص الحمض النووي، بسبب الشكوك التي تحوم حول هويته.

    في أولى خطوات البحث عن حقيقة اغتيال سانكارا، سعت السلطة التنفيذية الانتقالية لاستقدام القائد المخلوع كومباوري الذي فرّ إلى كوت ديفوار، على الرغم من تدهور حالته الصحية.

    بعد سلسلة من المساعي لمحاكمة المتورطين، أدان القضاء في أبريل 2021 كلا من كومباوري وضباطه المقربين بالسجن المؤبد بتهمة التقصير في اغتيال سانكارا.

    تواصل اللجنة الدولية لإحياء ذكرى توماس سانكارا جهودها لكشف الحقيقة، وتدعا برفع السرية الدفاعية الخاصة بملف سانكارا ورفاقه من قبل فرنسا.

    نفت باريس رسميًا تورطها في اغتيال سانكارا، ووعد القائد الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في عام 2017 برفع السرية عن التفاصيل المتعلقة بالحادثة، إلا أن الوثائق الأرشيفية التي أرسلتها باريس للقضاء في بوركينا فاسو لم تتضمن معلومات جديدة.


    رابط المصدر

  • عائلة كابيلا: ازدهار الثورة وواقع الاستبداد في جمهورية الكونغو الديمقراطية


    لعب لوران ديزيريه كابيلا دورًا مهمًا في تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث كان من أبرز المعارضين للرئيس موبوتو سيسي سيكو، الذي حكم البلاد بأسلوب استبدادي منذ عام 1965. بدأت مسيرة كابيلا السياسية في الستينيات، وظهرت قوته العسكرية عندما قاد حركة “تحالف قوى التحرير الديمقراطي” ضد موبوتو في تسعينيات القرن الماضي، مدعومًا من رواندا وأوغندا. بعد الإطاحة بموبوتو في 1997، تولى كابيلا الرئاسة وعُرف بانتهاكاته لحقوق الإنسان. اغتيل في 2001، وتولى ابنه جوزيف الحكم، حيث واجه انتقادات لفساد الحكم وتأجيل الاستحقاق الديمقراطي، قبل أن يتنحى في 2019.

    لعب لوران ديزيريه كابيلا دورًا محوريًا في تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي كانت تعرف سابقًا باسم زائير، كأحد أبرز المعارضين للرئيس موبوتو سيسي سيكو، الذي حكم البلاد بأسلوب استبدادي منذ استيلائه على السلطة عام 1965 حتى 1997.

    كان موبوتو يتحكم في ثروات البلاد من مناجم الذهب والفضة والمعادن الثمينة، وسمى بلاده “زائير”، مؤسسًا لنظام استبدادي استغل موارد الدولة في خدمة سلطته وثروته الشخصية، في حين عانى معظم الشعب من الفقر المدقع.

    بدأ كابيلا نشاطه السياسي في أوائل الستينيات، رافعًا شعارات تتعلق بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وسحب لاحقًا تأييد قطاعات واسعة من الشعب الغاضب من حكم موبوتو الفاسد.

    لكن لم يخض كابيلا حربًا مسلحة منظمة ضده إلا في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، خاصة بعد تفاقم الأوضاع في المنطقة إثر الحرب الرواندية (1994)، التي أسفرت عن نزوح ملايين اللاجئين إلى شرق الكونغو، مما زاد من تعقيد المواجهةات الإقليمية والمحلية.

    قاد كابيلا حركة مسلحة ضمن تحالف أوسع يسمى “تحالف قوى التحرير الديمقراطي”، بدعم من رواندا وأوغندا، التي كانت تسعى إلى إزاحة موبوتو نتيجة لمخاوف أمنية وسياسية.

    في عام 1997، نجح هذا التحالف في الإطاحة بموبوتو، الذي فر إلى توغو ثم إلى المغرب حيث توفي بعد فترة قصيرة نتيجة مرضه.

    أعاد كابيلا تسمية البلاد إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وتولى رئاستها.

    لكن حكم كابيلا لم يكن خاليًا من الجدل، إذ اتهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك إعدامات خارج نطاق القضاء، وقمع المعارضين، بالإضافة إلى إلغاء بعض المواد الدستورية التي تحمي الحريات السياسية.

    كما أثار تعيين ابنه جوزيف كابيلا نائبًا للرئيس انتقادات محلية ودولية، حيث اعتبره البعض بمثابة خطوة نحو ترسيخ حكم العائلة.

    في 16 يناير/كانون الثاني 2001، تم اغتيال كابيلا على يد الكولونيل كايمبي نائب وزير الدفاع، الذي كان قد أُقيل مع عدد من الضباط نتيجة خلافات داخل القوات المسلحة تتعلق بالحرب الأهلية والمواجهةات المسلحة في شرق البلاد، خصوصًا بالمناطق الغنية بالموارد الطبيعية.

    بعد اغتيال والده، تولى جوزيف كابيلا حكم البلاد لأكثر من عقدين، مع تعزيز السلطة المركزية ومحاولات إصلاح محدودة، لكنه واجه انتقادات واسعة بسبب قضايا الفساد، واتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، واحتكار السلطة، خاصة مع تأجيل الاستحقاق الديمقراطي وتسليم الحكم.

    في يناير/كانون الثاني 2019، صرح جوزيف كابيلا تنحيه عن الرئاسة بعد ضغوط شعبية ودولية متزايدة، وتسليم السلطة سلمياً إلى القائد المنتخب الجديد، في خطوة نادرة بتاريخ البلاد.

    رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية السابق جوزيف كابيلا الذي ورث الحكم بعد اغتيال والده (رويترز)

    ورغم خروجه من السلطة، لم يتوقف جوزيف كابيلا عن السعي للعودة إلى الساحة السياسية، حيث يقوم بتحركات ومشاورات داخل البلاد وخارجها لتعزيز نفوذه، ولا سيما من خلال حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والسلام، في ظل أجواء سياسية متوترة ومستقبل غير واضح لمسار الديمقراطية في الكونغو.

    ويبقى تأثير لوران ديزيريه كابيلا وابنه جوزيف ملموسًا في تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد شكلا حقبة معقدة تجمع بين مقاومة الاستبداد القديم ومحاولات إعادة بناء الدولة، لكن حكمهما تخللته صراعات داخلية وانتهاكات أثرت على استقرار البلاد وتقدمها الديمقراطي، ويظل تقييم إرثهما موضوع نقاش مستمر داخل البلاد وخارجها.


    رابط المصدر

Exit mobile version