الوسم: البدوية

  • مفاتيح الصدمة: كيف تؤثر التقنية على الثقافة البدوية

    مفاتيح الصدمة: كيف تؤثر التقنية على الثقافة البدوية


    مجموعة “أسرار خزنة” للقاصة هدى الأحمد تتناول قصص حياة امرأة بدوية بأسلوب أصيل، مستعرضةً قيم التضحية والوفاء. تضم المجموعة 14 قصة تمتاز بلغة محكية، مقدمةً شخصية “خزنة” التي تمثل جيلًا يعيش صراع الأصالة مع التmodernity. تتناول الأحمد التحولات الاجتماعية وتأثير التقنية على ثقافة البادية، عبر تصوير واقع الحياة اليومية. تُظهر “خزنة” القوة والنقاء، مُستقصية تقاليد البدو وأثرها على النساء. تعتبر الكتابة وسيلة للتغيير، تسلط الضوء على قيم التاريخ دون الدعوة للثورات. تتوقع الأحمد أن يظهر مشروعها الأدبي المستقبلي “امرأة قادمة من البعيد” قريبًا.

    تُعتبر المجموعة القصصية “أسرار خزنة” للقاصة هدى الأحمد، التي صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية، من أولى الأعمال الأدبية التي تركز على حكايات امرأة من باديتنا، وتسلط الضوء على قيم التضحية والوفاء، حيث تتجلى العاطفة في أبهى صورها. وتؤرخ المجموعة في الوقت ذاته تحولات المواطنون البدوي والمواجهة بين الأصالة والعصرنة، وتأثير التقنية، أو ما يُطلق عليه “صدمتها”، في ثقافة بدوية ضاربة بجذورها في التاريخ، وهي تسعى للتكيف مع كل ما هو حديث.

    تتألف المجموعة من 14 قصة تتميز بالبساطة وسلاسة تطور الأحداث والشخصيات، وتمت كتابتها بلغة محكية تحمل لكنة بدوية أهلية. وعلى الرغم من اعتمادها على تراث ثقافي يعود إلى فترة الخمسينيات بشكل أو بآخر، فإنها تنفض الغبار عن مفاهيم العفة والنقاء والشهامة، وفضيلة الحفاظ على الأسرار، كما يُفصح عنه العنوان الذي جاء دقيقا وموفقا، للحفاظ على القيم الاجتماعية والإنسانية، وحصانة المواطنون البدوي من الفتن، أو ما لفت إليه الناقد رائد الحواري بـ”الصيام” عن كشف مثالب الآخرين.

    تتكون المجموعة من 95 صفحة من القطع الصغير، وتعتمد على تعدد الشخصيات رغم أن بطلتها فتاة صغيرة تُدعى “خزنة”، وهو اسم شائع في المواطنون البدوي. استطاعت هذه الفتاة، التي تتزين بنقاء الصحراء وأخلاقيات البداوة، أن تكتسب قلوب من حولها بفضل أخلاقها وتربيتها وقدرتها على كتمان أسرار عشيرتها والذين حولها، فالبدوي، بحسب تقاليده وعاداته الأصيلة، يحفظ الأسرار ولا يكشفها أبدا مهما كانت الظروف.

    يحمل عنوان “أسرار خزنة”، رغم بساطته، معاني إنسانية نبيلة كثيرة، ففي ذاكرتنا وبيوتنا “خزنة” نحتفظ فيها بأسرارنا التي ترافقنا حتى نستضاف في مساحة لا تتجاوز مترا بمتر.

    تحت عنوان “تلويحة”، يرى الدكتور جروان المعاني أن “أسرار خزنة” تتحدث عن فتاة من البادية، تتميز بذكاء فطري، ووحيدة والديها، تعيش في دلال ليس كدلال بنات المدينة، إذ ترعى أغنام والديها وتساعد والدتها في الأعمال المنزلية وإنتاج مشتقات الحليب. ويشير في تقديمه للمجموعة القصصية إلى أن “خزنة” تعبر عن قصص نساء البادية، حيث العادات والتقاليد والثقافة السائدة. وتظهر في هذه المجموعة متمردة، ولكن في الواقع هي فتاة تحمل شقاوة الطفولة حتى تصدمها الحياة بوفاة والدتها، ملاذها ومكان طمأنينتها، وتكبر لتكبر معها همومها.

    ويعتقد أنه بين إرادة الكاتبة وما تحمله “خزنة”، بطلة المجموعة، تجد هدى الأحمد نفسها محاطة بموروثات تقيد النساء البدوية التي تكاد تتخلص منها بأدنى حد لتعيش حريتها. تعتبر المجموعة متنفسا أخيرا لفتاة عاشت بين البداوة والحضر، وكأن الكاتبة تروي تجربتها.

    وفي حوارها مع الجزيرة نت، تتحدث هدى الأحمد عن مجموعتها القصصية بتفصيل أكبر، موضحة أن “أسرار خزنة” تتناول بيئة بدوية، قائلة: “لا أرى قربا بين شخصيتها التي تشكلت لتكون قوية بحكم ظروفها وليس متمردة، وشخصيتي، رغم لقائنا في المعاناة. لذا، أثناء كتابة المجموعة، عزفت على نوتة صحراوية تشمل الوحشة والسلام، والخوف والأمان”.

    وتؤكد أن الكتابة وسيلة تغيير مهمة، مضيفةً أنها تدعو إلى التغيير وليس للانقلاب على تاريخنا البدوي، وأن شخصية “خزنة” خيالية لكن الأحداث واقعية. وإلى تفاصيل الحوار:

    هدى الأحمد تكشف من خلال “أسرار خزنة” عن المواجهة بين الأصالة والحداثة في البادية وتأثير التقنية على مجتمع له جذور ثقافية عميقة (الجزيرة)
    • شخصيات القاص أو المضمون ليست منفصلة عن ذات الكاتب، ما مدى قرب شخصية “خزنة” منكِ؟

    يختار القاص الشخصيات بناءً على نوع القصة وقدرته على توظيف الخيال، وبالتالي يشكل الأحداث، ويكون قربها أو بعدها عن شخصية الكاتب مرتبطا بالبيئة التي يعيشها، فيرسم معالمها بما يتناسب مع الأحداث.

    هنا، في مجموعة “أسرار خزنة”، نتحدث عن بيئة بدوية لها معطياتها، يتنقل فيها الناس بشكل جماعي بحثا عن الماء والطعام لهم ولمواشيهم. كانت تلك الحياة حتى وقت قريب، ولكن الأحوال تغيرت واستقر الناس.

    أنا ككاتبة لمجموعة “خزنة” من بنات الريف، فلا أرى قرباً حقيقياً بين شخصية “خزنة” وشخصيتي، حتى وإن التقينا في بعض أوجه المعاناة، فالنساء في الوطن العربي يعانين من عدد من الأشكال المختلفة، خاصة فيما يتعلق بحرية الاختيار والقرار، وهنا لا أتحدث بالإطلاق.

    • يقال إن الأدب يشبه النوتة الموسيقية، فعلى أي نوتة عزفتِ أثناء كتابة “أسرار خزنة”؟ وما الطقوس التي تمارسينها أثناء اختيار وحركة شخصياتك؟

    تختلف الكتابة بطقوسها من كاتب لآخر، فهناك من يفضل الكتابة في الصباح أو الليل، وآخرون يبدعون وسط الضجيج بينما يحتاج البعض إلى هدوء كامل.

    أما أنا ككاتبة، فأحتاج إلى الانفراد وإغلاق هاتفي، ولا أعد أمورا مادية مثل القهوة أو الموسيقى، بل أحتاج فقط إلى الانفراد بشخصيات قصصي لأحركهم بحسب مسارات القصة، فتتداعى الكلمات لتترتب بما يتماشى مع مجريات الأحداث. وفي مجموعة “خزنة”، عزفت دوما على نوتة صحراوية تحتوي على الوحشة والسلام، والخوف والأمان.

    • شخصية “خزنة” حقيقية أم متخيلة؟ يبدو أنها متمردة على تقاليد البداوة، هل من توضيح؟

    بالتأكيد هي من صنع الخيال، وإن كانت الأحداث واقعية للغاية. “خزنة” لا تكشف أسرار البادية، بل تصور أمورا تتكرر في بوادينا. لكن لدى “خزنة” خصوصيتان: الأولى أنها فقدت أمها التي تحبها كثيرا واعتنت بها في سن صغيرة، والثانية أنها ابتعدت عن ديرتها وأبيها.

    كل ذلك جعلها تعبر عن رفضها بالقوة كلما تعرضت للقهر، فكان لزاما عليها أن تتمرد في لحظة ما، رافضة الزواج من ابن خالتها، وانطلقت مسافة طويلة وتعرضت لمواقف في طريقها وهي تسير بمفردها.

    كان يجب عليها أن تكون قوية جسديا وعاطفياً، فأظهرت في الواقع كمتمردة، في حين أن شخصيتها تشكلت لتكون قوية وليست متمردة. وكما تعلم، هناك فرق بين التمرد على الأعراف والتقاليد وبين التحلي بالقوة، لذا أقول لم تكن متمردة، بل فرضت عليها الظروف أن تكون قوية.

    • ذكرتِ أنكِ ناضلتِ وجاهدتِ لإصدار المجموعة، هل يمكنك تسليط الضوء على هذه التجربة؟

    استغرق الأمر مني كتابة المجموعة أكثر من 5 أشهر، ولرؤية النور مدت في أدراج وزارة الثقافة أكثر من عام، لأن هناك من اعتبر المجموعة تراثية. وكما تعلمون فإن طباعة الكتب مُكلفة، لذا كان عليّ الانتظار عاماً آخر.

    وفي النهاية، تكلل صبري بالنجاح، حيث خضعت المجموعة للتحكيم وتمت الموافقة على نشرها بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، مشكورة، رغم أن الدعم بالكاد غطى تكاليف الطباعة. وكانت تجربة مرهقة نفسياً، لكنها أسفرت عن ظهور هذه التجربة القصصية المغايرة، ولله الحمد، إلى النور.

    • الكتابة رحلة جمال وأداة تغيير، ماذا عن تجربتك القصصية؟ هل نلمس من مجموعتك دعوة لثورة بيضاء في باديتنا الأردنية؟

    لا شك في أن الكتابة من أهم وسائل التغيير في المواطنونات، خاصة تلك التي تغطي التراث والعادات والتقاليد. كما تعلمون، فإن سطوة وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح على العالم قللت من تأثير المثقف، ما لم نستخدم هذه التقنية بشكل صحيح.

    وتستغل دور النشر جهد الكاتب لتحقيق مكسب مادي، وعليه فإن التأثير يكون قليلاً. وما أراه أن الثورات عموماً جلبت الويلات لبلادنا، وبالتالي لا أدعو إلى ثورة بيضاء أو حمراء، ولكنني أؤمل أن تصل أفكاري و”خزنة” إلى طلاب المدارس والجامعات ليطلعوا على جانب من جوانب حياة النساء في البادية، ويستفيدوا منها، فيصبح الفئة الناشئة أكثر وعياً وانفتاحاً على أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم، وعلى النساء بشكل عام.

    نعم، أدعو إلى التغيير، ولكن ليس للانقلاب الكامل على تاريخنا البدوي، ففيه الكثير من الجمال، فعفة ابنة البادية أهم بكثير من انتشارها على “تيك توك”، ودورها في استقبال ضيوف زوجها وأبيها وهم غائبون هو قيمة تعزز مكانتها، وهي أهم من إظهار مفاتنها على وسائل التواصل. هي دعوة للتغيير والانفتاح المنضبط.

    • رصدتِ في المجموعة استقبال أهل البادية للتكنولوجيا وطرق التكيف معها.. ما خلاصة عملية الرصد والتكيف؟

    حتى منتصف القرن العشرين، كانت حياة أهل البادية تسودها البساطة، فكانت الجمال والدواب وسائل النقل الوحيدة، ثم دخلت السيارة تدريجياً وأصبح رتم الحياة أسرع. لذا، في المجموعة، تحدثت عن أعجوبة السيارة حين جاءت زوجة مسؤول لزيارة البادية التي تسكنها “خزنة”، وسجلت مواقف الخوف واستنكار “الجني الصغير” (الراديو)، وكيف أن الأمر جعل أم “خزنة” تشك في حب زوجها للمذيعة، فحطمت الراديو بحثاً عنها ولمنعه من سماع صوتها.

    نعلم جيداً أن التقنية بدأت تتوسع في بلادنا بعد منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وفي ذهني فكرة لمجموعة قصصية تتناول الفترة الانتقالية بين التنقل والاستقرار وما عانته النساء البدوية في تلك الفترة.

    • الثقافة البدوية لها تقاليدها وعاداتها وأصولها وجذورها التاريخية، هل يمكن القول بوجود صدمة من التقنية؟

    ندرك جميعاً أن للتكنولوجيا وجهها الإيجابي المهم، لكن سوء استخدامها أظهر بشاعتها. لذا، نعم، حدثت فجوة وهوة حضارية لم نستطع تجاوز تأثيرها حتى الآن. فقد فقدنا العديد من مظاهر حياتنا وأصولها، فأصبح التواصل بين الأهل ينجزه الجوال بدلاً من لقاءات الأهل، وظهرت التقنية الحديثة على أنها عبء على الحضارة، فتخلينا عن لباسنا التقليدي، وأغانينا التي تروي بطولات أسلافنا، وغيرها الكثير. صار “المِهباش” يستخدم للزينة، ولم يعد مظهراً من مظاهر الشيخة والكرم. وبعد هذه الصدمة والفجوة، بدأنا نأنس إلى الحداثة حتى كدنا ننقطع عن تاريخنا وبداوتنا.

    من قصص المجموعة، قصة “البئر الغربي” والتي يستدعي مضمونها إلى ذاكرتنا قصة أوردها ابن بطوطة في رحلته، وهي قصة أهل جزيرة “ذيبة المهل” (المالديف حاليا) (شترستوك)
    • وأخيرا، هل هناك مشروع أدبي مستقبلي؟

    “امرأة قادمة من البعيد”، هذا هو عنوان مجموعتي القصصية الجديدة التي سترى النور قريبًا بإذن الله. ومن العنوان، يظهر أنها تتحدث عن امرأة جاءت بأحلامها المؤجلة وعن علاقتها بالرجل، ولكن تحت عناوين مختلفة كالحب والشوق والرغبة في السفر وغيرها من الظواهر. مجموعة تتناول حياة النساء بشكل أكثر وضوحًا، دون المساس بكينونتها وأنوثتها.

    قاصّة تحفر في تراث البادية

    وفي سياق متصل، تشير الدكتورة إنعام زعل القيسي إلى أن هدى الأحمد قاصة أردنية حفرت في تراث البادية الأصيل، كاشفة عن دفائن الصحراء الثمينة وخفايا رمالها الذهبية في “أسرار خزنة”، ونقلت المقروء الثقافي عن واقع معايش إلى واقع جميل تُعاش في المخيلة. فـ”خزنة” ومن حولها كانوا يستمتعون بـ”الجني الصغير” (الساحر المسموع) كما كنا نستمتع بـ”الساحر المرئي” في السبعينيات. تدق هدى على وتر إحياء الماضي وتراثه الأصيل، مما يثير فينا الحنين والشوق لحياة جميلة ساحرة.

    أوضحت القيسي في حديثها للجزيرة نت أن “خزنة طفلة شقية وجميلة بجديلتين سوداويين وعينين يتقدان ذكاءً، ترعى الغنم وتكون وفيّة للحيوان والإنسان”. ولفتت إلى أن “الفتاة السمراء الممشوقة القوام ذات الابتسامة الرقيقة” تصر على اللحاق ببنات البادية من أترابها وتتعلم كيف تحلب الأغنام لتجد عريسا يطلب يدها، وهي تحمل في صدرها أسرارًا عدة. جاء اسمها مقاربًا لحالها ومفتاحًا لفهم مضامين القصص؛ فمثلًا: “خزنة” تظهر السر في تحطيم الراديو وغيرة والدتها من النساء التي تتحدث داخله، و”خزنة” تمثل سر “الحنة الضائعة” ووقوع العروس مغشياً عليها. لقد كانت “خزنة” كالصندوق المعدني الذي يُستخدم لحفظ الأشياء الثمينة.

    وذكرت القيسي مع غنى الموروث الثقافي الذي تتميز به بعض قصص المجموعة، مثل قصة “البئر الغربي” التي تستدعي مضامينها إلى ذاكرتنا قصة يوردها ابن بطوطة في رحلته، وهي قصة أهل جزيرة “ذيبة المهل” (المالديف حالياً) الذين كان يظهر لهم شهريًا عفريت من الجن يأتي من جهة البحر ويطلب منهم قربانًا من أجمل فتياتهم ويختفي بعد أن يحصل عليه. وعلى الرغم من اختلاف القرابين بين أهل البادية في “البئر الغربي” وأهل جزيرة ذيبة المهل، فإن الجهل كان السمة المسيطرة على الجميع.

    وترى القيسي أن هدى الأحمد نجحت في “أسرار خزنة” في تقديم مشاهد من حياة النساء البدوية وأحلامها وأمنياتها، وبيان دورها في بيئتها الاجتماعية والمشكلات التي تواجهها بفنية بارعة، من خلال التركيز على شخصية “خزنة” شكلاً ومضموناً. كما نجحت في عرض عادات البدو وتقاليدهم ومفردات لهجتهم وعباراتهم الأصيلة، وهو ما يعكس تشبع القاصة بالثقافة البدوية الأصيلة.


    رابط المصدر

  • “أسرار خزنة” لهدى الأحمد تكشف تأثير التقنية على الثقافة البدوية وتتألق بقيمة الصيام.


    تتناول المجموعة القصصية “أسرار خزنة” للقاصة هدى الأحمد حكايات امرأة بدوية، معززة بقيم التضحية والوفاء. تتكون من 14 قصة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية في البادية، متناولة تأثير التقنية على القيم التقليدية. الشخصية القائدية، “خزنة”، تمثل التحديات التي تواجه النساء في مجتمعات بدوية. تتناول المجموعة مواضيع مثل العفة والسرية، مما يعكس التقدير للتراث، رغم تطورات العصر الحديثة. تعبر الكاتبة عن رغبتها في تغيير إيجابي دون التخلي عن الهوية الثقافية. تسلط الضوء على حياة النساء البدوية وأحلامها بطريقة فنية، مؤكدة على أهمية الحفاظ على التراث مع الانفتاح على التغيير.

    يمكن اعتبار المجموعة القصصية “أسرار خزنة” للكاتبة هدى الأحمد، التي صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية، من الأعمال الأدبية الرائدة التي تركز على حكايات امرأة من البادية. هذه الحكايات تستند إلى قيم التضحية والوفاء، حيث تتجلى المشاعر في أفضل صورها. كما تسلط المجموعة الضوء على تغييرات المواطنون البدوي والمواجهة بين الأصالة والحداثة، وتأثير التقنية، أو “صدمتها”، في ثقافة بدوية متجذرة في التاريخ، وهي تحاول التكيف مع كل ما هو حديث.

    تتضمن المجموعة 14 قصة اتسمت بالبساطة وسلاسة الأحداث وشخصياتها، وصُغت بلغة محكية تحمل لهجة بدوية في معظمها. ورغم أنها ارتكزت على تراث حقبة الخمسينيات تقريبًا، إلا أنها أعادت إحياء مفاهيم العفة والنقاء والشهامة، وفضيلة الاحتفاظ بالأسرار، كما يتضح من العنوان الذي يحمل دلالة عميقة، حفاظًا على القيم الاجتماعية والإنسانية، وتحصينًا للمجتمع البدوي من الفتن، أو كما لفت الناقد رائد الحواري “الصيام” عن كشف مثالب الآخرين.

    تتكون المجموعة من 95 صفحة بحجم صغير، وتستند إلى تعدد الشخصيات، على الرغم من أن بطلتها هي فتاة صغيرة تُسمى “خزنة”، وهو اسم شائع في تقاليد البادية. لقد تمكنت هذه الفتاة، التي تتزين ببراءة الصحراء وأخلاقيات البداوة، من كسب قلوب المحيطين بها بفضل حسن تربيتها وقدرتها على الحفاظ على أسرار عشيرتها، فالبدوي، وفق تقاليده، يحفظ الأسرار ولا يفصح عنها مهما كانت الظروف.

    عنوان “أسرار خزنة” يحمل معاني نبيلة وإنسانية، ففي ذاكرتنا وبيوتنا “خزنة” نحتفظ فيها بأسرارنا التي تبقى معنا حتى نستضيف في مساحات ضيقة.

    تحت عنوان “تلويحة”، يبرز الدكتور جروان المعاني أن “أسرار خزنة” هي قصة فتاة من البادية ذات ذكاء فطري، تعيش حياة الدلال، لكنه ليس كالذي يتمتع به بنات المدينة. فهي ترعى أغنام والديها وتساعد والدتها في المنزل وإنتاج مشتقات الحليب. ويشير في تقديمه للمجموعة إلى أن “خزنة” تجسد قصة نساء البادية، حيث تعكس العادات والتقاليد وثقافة المواطنون السائدة. تظهر في المجموعة كمتمردة، لكنها في الحقيقة تحمل شقاوة الطفولة حتى تصدمها الحياة بوفاة والدتها، ملاذها وأمانها، وتكبر معهم همومها.

    وفقًا لرأيه، بين إرادة الكاتبة وإرادة “خزنة”، بطلة المجموعة، تجد هدى الأحمد نفسها محاصرة بما تحمله من موروثات تقيد النساء البدوية التي تكاد تسعى للتخلص منها لتعيش حريتها. تُعتبر المجموعة متنفسًا أخيرًا لفتاة جربت العيش بين البداوة والحضر، وكأن الكاتبة تسجل تجربة حياتها.

    في حوار لها مع الجزيرة نت، تتحدث هدى الأحمد بتفصيل أكبر عن مجموعتها، موضحة أن “أسرار خزنة” تتعرض لبيئة بدوية، قائلة: “لا أرى أن هناك تقاربًا حقيقيًا بين شخصيتها القوية بحكم الظروف وشخصيتي، حتى وإن التقينا في المعاناة. لذا، خلال كتابة المجموعة، عزفت على نوتة صحراوية تجمع بين الوحشة والسلام، والخوف والأمان”.

    تؤكد أن الكتابة واحدة من الوسائل الأساسية للتغيير، مشددة على أنها تدعو للتغيير وليس للانقلاب على تاريخنا البدوي، وأن شخصية “خزنة” خيالية ولكن الأحداث واقعية. وإلى تفاصيل الحوار:

    هدى الأحمد تكشف من خلال “أسرار خزنة” عن المواجهة بين الأصالة والحداثة في البادية وتأثير التقنية على مجتمع له جذور ثقافية عميقة (الجزيرة)
    • هل لديكِ قرب من شخصية “خزنة” ككاتبة؟

    يختار الكتّاب شخصياتهم بناءً على نوع القصة وقدرتهم على توظيف الخيال، وبهذا الشكل يشكلون الأحداث، ويكون قربها أو بعدها عن شخصية الكاتب متصلًا بقرب الشخصية من البيئة التي تعيش فيها. وهنا نتحدث في “أسرار خزنة” عن بيئة بدوية لها معطياتها، حيث يتنقل الناس معًا طلبًا للماء والطعام لهم ولماشيتهم. كانت تلك الحال حتى وقت قريب، لكن الأوضاع تغيرت واستقر الناس.

    أنا ككاتبة من بنات الريف، فلا أحس بتقارب حقيقي بين شخصية “خزنة” وشخصيتي، حتى وإن التقينا في بعض أوجه المعاناة، فالنساء في الوطن العربي يشتركن في معاناة متعددة، خاصة فيما يتعلق بحرية الخيار والقرار، وهنا لا أتحدث بشكل مطلق.

    • كيف تعكس الكتابة النوتة الموسيقية؟ وما الطقوس التي تتبعينها أثناء كتابة “أسرار خزنة”؟

    الكتابة بطقوسها تختلف من كاتب لآخر، فمنهم من يفضل الكتابة في الصباح أو الليل، بينما الآخرين يبدعون في صخب، وبعضهم يحتاجون للصمت المطلق.

    أما بالنسبة لي، أحتاج إلى الانفراد وإغلاق هاتفي، ولا أجهز أمورًا مادية كالقهوة أو الموسيقى، بل أريد فقط التفرغ لشخصيات قصصي والتحرك بهم وفق مسارات القصة، فتتدفق الكلمات لأرتبها بشكل يتناسب مع مجريات الأحداث. وفي “خزنة”، كنت دائمًا أكتب على نوتة صحراوية تتضمن الوحشة والسلام، والخوف والأمان.

    • هل شخصية “خزنة” حقيقية أم متخيلة؟ ولماذا تبدو متمردة على تقاليد البداوة؟

    بالطبع هي خيالية، ولكن الأحداث واقعية للغاية. “خزنة” لا تفضح أسرار البادية، بل تصور أمورًا تتكرر في بوادينا. لكنها تتميز بخصائص معينة: الأولى فقدانها لأمها التي أحبّتها كثيرًا في صغرها، والثانية ابتعادها عن بلدتها وأبيها.

    كل ذلك جعلها تعبر عن رفضها للظلم، فكان لابد لها أن تتمرد في لحظة ما، وترفض الزواج من ابن خالتها، وتبدأ رحلة طويلة تتعرض خلالها لحوادث. كان عليها أن تكون قوية جسديًا ونفسيًا، مما يجعلها تبدو متمردة، والواقع أن شخصيتها تشكلت لتكون قوية، لا متمردة. وكما تعلم، هناك فارق بين التمرد على العادات والتقاليد وبين امتلاك القوة، لذا لم تكن متمردة، بل كانت الظروف تدفعها إلى أن تكون قوية.

    • كيف كانت تجربتك في إخراج المجموعة إلى النور؟

    استغرق كتابة المجموعة أكثر من 5 أشهر، وحتى ترى النور انتظرت في أدراج وزارة الثقافة أكثر من سنة، لأنه كان هناك من اعتبرها تراثية. وكما تعلم، فإن تكاليف طباعة الكتب مرتفعة، لذا كان علي الانتظار عامًا آخر.

    وفي النهاية، تحقق النجاح الذي كنت أسعى إليه، حيث تمت الموافقة على نشر المجموعة بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، مشكورة، رغم أن الدعم بالكاد غطى تكاليف الطباعة. كانت تجربة مرهقة نفسيًا، لكنه بالصبر والمثابرة، تمكنت من إخراج هذه المجموعة القصصية إلى النور، والحمد لله.

    • هل يمكن أن نلمس من مجموعتك دعوة لتغيير جذري في باديتنا الأردنية؟

    لا شك في أن الكتابة تعتبر واحدة من أهم وسائل التغيير في المواطنونات، خاصة تلك التي تتناول التراث والعادات والتقاليد. فإنهيار تأثير المثقف بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح على العالم يعد تحديًا، إلا إذا استغلينا هذه التقنية بشكل صحيح.

    دور النشر في الكثير من الأحيان تستغل جهود الكتّاب لتحقيق مكاسب مادية، لذا فإن تأثيرها يكون ضئيلاً. بالنسبة لي، أرى أن الثورات عمومًا جلبت لنا الويلات، لذا لا أدعو لثورة بيضاء أو حمراء، لكنني أطمح في أن تصل أفكاري و”خزنة” إلى طلبة المدارس والجامعات، ليتعرفوا على جانب من حياة النساء في البادية، مستفيدين من تجاربها، مما يعزز الوعي والانفتاح بين الفئة الناشئة وأمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم.

    نعم، أدعو للتغيير، ولكن ليس للانقلاب الكامل على تاريخنا البدوي، فهو يحمل جماله الخاص. فالعفة في حياة ابنة البادية أهم بكثير من الظهور على “تيك توك”، ودورها في استقبال ضيوف زوجها وأبيها قيمتها كبيرة وتضيء مكانتها، وهي أهم من عرض مفاتنها على وسائل التواصل. إنها دعوة للتغيير والانفتاح بطريقة مدروسة.

    • كيف ترصدين استقبال أهل البادية للتكنولوجيا؟

    حتى منتصف القرن العشرين، كانت حياة أهل البادية بسيطة جدًا، حيث كانت وسائل النقل تقتصر على الجمال والمواشي، ثم بدأ دخول السيارات تدريجياً مما أسرع من وطأة الحياة. لذا، في المجموعة، تناولت مفهوم السيارة عند زيارة زوجة مسؤول للبادية التي تعيش فيها “خزنة”، ورصدت الخوف واستهجان مفهوم “الجني الصغير” (المذياع)، وكيف اعتقدت أم “خزنة” أن زوجها يحب المذيعة، مما دفعها لتحطيمه بحثًا عنها ومنعه من سماع صوتها.

    نعلم جيدًا أن التقنية بدأت تنخرط بشكل أسرع في مجتمعاتنا بعد منتصف السبعينيات، ولدي فكرة لمجموعة قصصية تتعلق بالفترة الانتقالية بين الترحال والاستقرار وما واجهته النساء البدوية خلالها.

    • كيف تفسرين الصدمة الناتجة عن تكنولوجيا الاتصال في الثقافة البدوية؟

    من المعروف أن للتكنولوجيا وجهها الإيجابي والضروري، ومع ذلك، فإن عدم استخدامها بشكل صحيح أدى لظهور مشكلات. قد تعرضنا لصدمة حضارية لم نتغلب عليها حتى الآن. تخلينا عن كثير من مظاهر حياتنا وأصولنا، فبات التواصل في كثير من الأحيان يتم عبر الجوال بدلاً من الزيارات العائلية، والعديد من القيم الراسخة أصبحت تُعتبر عائقًا بدلاً من تعزيز الحضارة. فقد أصبح اللباس التقليدي شيئًا من الماضي، وبدلًا من الأغاني التي تحكي عن بطولات أجدادنا، أصبحت التقنية الحديثة تتحكم بمظاهر حياتنا. ومع هذه الفجوة الحضارية، بدأنا نتجه نحو الحداثة حتى كادنا نفقد صلتنا بتاريخنا الأصلي وبداوتنا.

    من قصص المجموعة، قصة “البئر الغربي” التي تستدعي إلى ذاكرتنا قصة ذكرها ابن بطوطة في رحلته، وهي قصة أهل جزيرة “ذيبة المهل” (المالديف حاليًا) (شترستوك)
    • هل لديكِ مشروع أدبي قادم؟

    عنوان مجموعتي القصصية الجديدة هو “امرأة قادمة من البعيد”، والتي ستصدر قريبًا بإذن الله. من العنوان يتضح أنها تتعلق بامرأة جاءت محملة بأحلامها المؤجلة، وعلاقتها بالرجل، ولكن تحت عناوين متنوعة مثل الحب والشوق والرغبة في السفر وغيرها من الأمور. تتناول المجموعة حياة النساء بشكل أكثر وضوحًا، دون المساس بكينونتها وأنوثتها.

    قاصّة تحفر في تراث البادية

    تشير الدكتورة إنعام زعل القيسي إلى أن هدى الأحمد قاصّة أردنية تحفر في تراث البادية العريق، حيث تكشف لنا عن دفائن الصحراء الثمينة وخفايا رمالها الذهبية في “أسرار خزنة”، لتعيد تشكيل المقروء الثقافي عن واقع عاشه أهلنا إلى واقع جميل يتضاف في مخيلتنا. فتجد “خزنة” ومن حولها يستمتعون بـ”الجني الصغير” (الساحر المسموع)، كما كنا نستمتع بـ”الساحر المرئي” في السبعينيات. إنها تعزف على وتر بعث الماضي وتراثه الأصيل، مما يجعلنا نشعر بالحنين والحب لحياة ساحرة قد ولت.

    وأضافت في حديثها للجزيرة نت أن “خزنة” طفلة مرحة وجميلة تتميز بجديليها السوادين وعينيها اللامعتين بذكاء، ترعى الأغنام وتظهر ولاءً للحيوان والإنسان. كما نوّهت أن “الفتاة السمراء ذات البنية الرشيقة والابتسامة العذبة” تسعى لحياة بنات البادية، مساعدة في تعلم كيفية حلب الأغنام لتكون جاهزة عندما يأتي رجل يطلب يدها، وهي تحمل في صدرها أسرارًا عديدة. لذا، جاء اسمها كمرآة تعكس حالتها ومفتاحًا لفهم مضامين القصص؛ كما في قصة “خزنة” والسر وراء تحطيم الراديو، فضلاً عن غيرة والدتها من صوت المذيعة.

    كما لفتت الناقدة الأكاديمية القيسي إلى أهمية الموروث الثقافي الموجود في بعض قصص هذه المجموعة، بما في ذلك قصة “البئر الغربي” التي تلامس قصص ابن بطوطة المتعلقة بأهل جزيرة “ذيبة المهل” (المالديف حاليًا)، الذين كانوا يحصلون على عفريت يطلب قربانًا من أجمل الفتيات. على الرغم من اختلاف القرابين، فإن الجهل يعتبر السمة السائدة.

    وترى القيسي أن هدى الأحمد نجحت في “أسرار خزنة” بعرض مشاهد من حياة النساء البدوية وأحلامها بأسلوب فني جذاب، وتسليط الضوء على عادات البدو وتقاليدهم. هذا كله يوضح عمق انغماس القاصة في الثقافة البدوية الأصيلة.


    رابط المصدر

Exit mobile version