الوسم: الإداري

  • بول دانز: مهندس التغيير الإداري في الولايات المتحدة ومفكر “الترامبية” الحديثة

    بول دانز: مهندس التغيير الإداري في الولايات المتحدة ومفكر “الترامبية” الحديثة


    في يوليو 2024، استقال بول دانز من مؤسسة “هيريتيج” تحت ضغط حملة ترامب، لكن تأثيره استمر رغم رحيله. باحث ليبرالي سابق، دانز أصبح رمزا لمشروع “تفويض القيادة 2025″، الذي يسعى لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة الأميركية بيد محافظين على استعداد لتولي السلطة. المشروع، الذي يتضمن تدريب الكوادر وإعادة تصنيف موظفين حكوميين، يهدف لتجاوز عقبات البيروقراطية. ورغم تنصل حملة ترامب منه، استمرت ارتباطات دانز وتأثيراته في السياسات. المشروع حظي باهتمام عالمي كأداة للسيطرة الإدارية، ما يجعل إرثه مؤثرا في اليمين المحافظ خارج الولايات المتحدة.

    في إحدى ليالي يوليو/تموز 2024، غادر بول دانز مقر مؤسسة “هيريتيج” في واشنطن وهو يحمل متعلقاته الشخصية، بعد أن أصبح مضطراً للاستقالة تحت ضغط حملة ترامب الرئاسية. بدا ذلك وكأنه نهاية مسيرته القصيرة والمثيرة في دوائر اليمين الأميركي.

    لكن في الواقع، كان قد زرع بذوراً عميقة، وها هي تنمو بسرعة غير مسبوقة. ففي الأشهر التالية، بدأت ملامح مشروعه الذي أطلق عليه “تفويض القيادة 2025” تظهر في العديد من قرارات إدارة ترامب الثانية، وأصبح بول دانز واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في واشنطن رغم عدم وجود منصب رسمي له.

    هذا المقال يسعى إلى استكشاف شخصية دانز، قراءة مسيرته الفكرية والمهنية، وتحليل المشروع الذي قاده، واللحظة السياسية الأوسع التي جعلته رمزاً لتحول راديكالي في الدولة الأميركية.

    من جذور ليبرالية إلى حامل لواء ثورة المحافظين

    في زمن هيمنت فيه الليبرالية في أميركا، وُلد بول دانز قبل أقل من ستين عاماً في عائلة تعكس نموذج النخبة العلمية الليبرالية. والده بيتر طبيب بارز وأستاذ في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز.

    أما والدته كوليت ليزوت، التي تنحدر من أصول كندية فرنسية، فقد عملت مُعلمة لغة فرنسية وعالِمة كيمياء، قبل أن تتجه نحو المنظومة التعليمية. ولم يكن متوقعاً أن أحد أبنائهم سيتحول إلى شخصية بارزة تسعى لتقويض النظام الحاكم الليبرالي الذي استفادوا منه، كما يقول منتقدوه.

    كان دانز في شبابه شغوفاً بالمناقشات، محباً للتاريخ الأميركي، وبدأ بطرح تساؤلات غير تقليدية حول سلطة الدولة ودور المواطن، متأثراً بنزعة نخبوية محافظة تعتقد أن أميركا انحرفت عن مبادئها الأصلية.

    التحق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لدراسة المالية، حيث حصل على درجة الماجستير في تخطيط المدن، وركزت أطروحته على إعادة تطوير المناطق الصناعية. خلال تلك الفترة، تعرف على زملاء من جمعية الطلاب الجمهوريين، ووصف تلك السنوات بأنها “مرحلة التشكيل الفكري”. ثم انتقل إلى كلية الحقوق بجامعة فيرجينيا للحصول على دكتوراه مهنية، وانضم إلى جمعية الفيدراليين، حيث شارك في نقاشات حول كيفية إعادة صياغة دور القانون في الدولة.

    كان دانز قارئاً نهمًا ومتحدثاً لبقاً، يجمع بين الصرامة القانونية والبلاغة المخ überzeugende. كتب مقالات نقدية في مجلة القانون بجامعة فيرجينيا حول “ارتفاع الأسعار البيروقراطي” و”انفلات الهيئات المستقلة”، مأنذراً من تحول النظام الحاكم الإداري إلى طبقة حاكمة. هذه الأفكار لم تكن شائعة، لكنها أصبحت لاحقاً جوهر فلسفته في إدارة الدولة.

    في بداية حياته المهنية، عمل دانز في مكاتب محاماة كبرى في نيويورك، مدافعاً عن شركات النفط مثل شيفرون ضد دعاوى بيئية، مما أكسبه سمعة باعتباره مدافعاً عن القطاع التجاري الحرة بين الجمهوريين. لكنه شعر بعد فترة بالضيق من ثقافة الشركات الكبرى، واصفاً إياها بأنها “ليبرالية في القيم، انتهازية في المالية”.

    جمع دانز بين صفات متناقضة: ثقافة قانونية نخبوية، خلفية عائلية محافظة من الطبقة المتوسطة، تجربة في القطاع الخاص، وتعرض مبكر للصراعات الأيديولوجية في الجامعات. وقد جعله ذلك يتبنى موقفاً نقدياً تجاه الليبرالية الأميركية. وفي عام 2012، أنشأ مكتبه الخاص في تشارلستون بولاية ساوث كارولينا، واندماج في الحياة السياسية المحلية، وعمل كمستشار قانوني للمرشحين المحافظين، حيث كانت رسالته واضحة: “لن نحكم حتى نحرر المؤسسات من داخلها”.

    من هامش الإدارة إلى مفصل السلطة

    مع صعود ترامب، وجد دانز فرصته في شخصية القائد الجمهوري الجديد. كتب أوراقاً خلف الكواليس تناقش كيف يمكن للرئيس استخدام سلطاته في التعيين والفصل لتجاوز مقاومة الدولة العميقة، وظل يتواصل مع البيت الأبيض بعروض للمساعدة.

    بعدما لم يُستجب له في البداية، أتيحت له فرصة في أواخر عام 2018، عندما حضر اجتماعاً للجمعية الفيدرالية في واشنطن وتعرف على جيمس بيكون، الذي كان مساعداً لوزير الإسكان والتنمية الحضرية آنذاك.

    خلال إدارة ترامب الأولى، أنشأ دانز شبكة من المتعاونين داخل وكالات متعددة، وجمع تقارير عن مدى مقاومة بعض الدوائر لسياسات القائد، خاصة في مجالات الهجرة، وتنظيم البيئة، والمنظومة التعليمية (أسوشيتد برس)

     

    بمساعدة بيكون، انضم دانز في يوليو/تموز 2019 إلى مكتب التخطيط والتنمية المواطنونية التابع لوزارة الإسكان والتنمية الحضرية كمستشار أول، مما أتاح له فرصة مراقبة آلية اتخاذ القرار بشكل قريب، دون أن يكون جزءاً من المواجهةات الداخلية بين مؤيدي الإدارة. وأظهر التزاماً بتنفيذ أجندة ترامب بلا ضجة، ما أكسبه ثقة بعض رموز الجناح المحافظ.

    ومع ترقية بيكون إلى مكتب شؤون الموظفين الرئاسي، انضم دانز إليه، ليصبح بحلول فبراير/شباط 2020 ضابط الاتصال بين البيت الأبيض ومكتب إدارة شؤون الموظفين، المسؤول عن إدارة الموارد البشرية للحكومة الفيدرالية، وتحديد قواعد التوظيف والتدريب والتقييم والتأديب لنحو مليوني موظف حكومي.

    مكنه هذا الموقع من اكتشاف ما اعتبره “الصدع القائدي” في الدولة، حيث أدرك أن المواجهة لا يدور فقط حول السياسات، بل حول من ينفذها.

    رأى دانز أن مكتب شؤون الموظفين، مثل غيره من البيروقراطيات، قد تحول إلى حصن يعيق الإرادة السياسية للبيت الأبيض، محصناً موظفين مع توجهات ليبرالية، يستخدمون سلطتهم لإبطاء السياسات الجمهورية.

    أصبح لديه إطلاع على المعلومات الداخلية واكتشف أن تعيين موظفين موالين للرئيس يواجه سلسلة طويلة من الإجراءات التي تتحكم بها لجان داخلية، وأن حتى ترقية موظف أو فصله قد يستغرق العديد من الأشهر أو يعرقله القادة الإداريون داخل الوكالات الحكومية.

    رأى دانز أن هذه الهيكلة لم تكن صدفة بل نتيجة لعقود من التشريعات والقرارات التنفيذية التي تبني استقلال الخدمة المدنية وتقيّد سلطات القائد. كان يعتقد أن هذه المنظومة نشأت من عقلية تكنوقراطية ترى نفسها حامية للدولة أمام تقلبات الإستراتيجية. ولكن من وجهة نظره، فإن ذلك يؤدي إلى إنشاء دولة بلا مساءلة؛ حيث يفوز القائد بالاستحقاق الديمقراطي، لكنه يفشل في تنفيذ سياساته.

    كان رد فعل دانز جريئًا، إذ اقترح إعادة تصنيف فئات وظيفية عليا ضمن جدول جديد يسمى “الجدول F”، الذي يسمح بإخراج هؤلاء الموظفين من نظام الحماية الإدارية، وتحويل تصنيفهم إلى مناصب سياسية قابلة للتغيير. كان التقدير الأولي أن نحو 50,000 موظف قد يتأثرون بهذا التصنيف، ما يتيح للرئيس تطهير الوكالات التنفيذية من معارضيه، أو على الأقل من أولئك الذين لا يؤمنون بأجندته.

    ولم يكتفِ دانز بإعداد الاقتراح، بل دفع نحو تنفيذه. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، قبل أسابيع معدودة من الاستحقاق الديمقراطي، وقع القائد ترامب على أمر تنفيذي بإنشاء “الجدول F”، ورغم أن إدارة بايدن ألغته لاحقًا، اعتبر دانز أن الفكرة وُلدت ولا يمكن التراجع عنها.

    خلال إدارة ترامب الأولى، أسس دانز شبكة من المتعاونين في وكالات مختلفة، وجمع معلومات حول مقاومة بعض الدوائر للسياسات، خاصة في مجالات الهجرة، وتنظيم البيئة، والمنظومة التعليمية.

    بدأ بلورة رؤيته لمشروع يعيد تشكيل آليات تعيين وتدريب موظفي الدولة ككل، واعتبر أن تصحيح المسار يتطلب ثورة تنظيمية وليس مجرد إصلاح إداري. تبلورت لديه فكرة المشروع الكبير؛ الموظفون هم الإستراتيجية، والسلطة تعتمد على الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة.

    مشروع أميركا 2025

    اعتبر بول دانز أن تجربته القصيرة في مكتب إدارة شؤون الموظفين لم تكن النهاية، بل بداية لفهم أعمق لمشكلة أكبر، حيث أن القائد القادم، حتى لو كان جمهورياً، لن يتمكن من الحكم دون خطة متكاملة لتوجيه الدولة.

    بعد خروجه من إدارة ترامب الأولى، بدأ في البحث عن منصة فكرية وتنظيمية تمكنه من تحويل هذا الإدراك إلى مشروع عملي. وجد ضالته في مؤسسة “هيريتيج”، واقترح على قيادتها تبني مبادرة لإعادة بناء الدولة الأميركية.

    كتب بول دانز في مقدمة مشروع 2025 أن الغاية ليست مجرد تقديم توصيات، بل إعداد جيش إداري محافظ جاهز لتولي مفاصل الدولة في اللحظة الحاسمة (أسوشيتد برس)

     

    لم يكن المشروع معنيًا فقط بوضع السياسات، بل بتحديد من سيطبقها، وكيف، وبأي أدوات. وبالتالي وُلد مشروع “تفويض القيادة 2025” كمنصة تنفيذية أيديولوجية. في يناير/كانون الثاني 2023، اجتمع 15 شخصًا لمدة ثلاثة أيام في مؤسسة “هيريتيج” للبدء في بناء الإدارة الجمهورية المقبلة، أي قبل عامين من اعتلاء القائد الجمهوري منصبه مجددًا.

    كان هدف دانز واضحًا: إنشاء إدارة مستعدة مسبقًا، لا تُكرر أخطاء 2016 عندما فاز ترامب دون أن يمتلك فريقًا مؤهلاً. أراد أن يتحول المشروع إلى “لينكد إن المحافظين”، وأن يشكل ما يشبه جيشًا من الكوادر العقائدية لتسيير الدولة من الداخل.

    احتوى المشروع على أربعة مكونات رئيسية:

    • وثيقة سياسات: تألفت من أكثر من 900 صفحة، وأشرف على إعدادها نحو 400 خبير وباحث، حيث تناولت مجالات حكومية متنوعة من وزارة العدل إلى المنظومة التعليمية، ومن الإستراتيجية الخارجية إلى الموازنات، مع توصيات تفصيلية حول ما يجب فعله في كل مؤسسة بدءًا من اليوم الأول.
    • قاعدة بيانات للمرشحين: أنشأ الفريق ما يشبه بنك كفاءات يضم أكثر من 10,000 اسم، جُمعت من شبكات المحافظين، وشملت اختبارات أيديولوجية للمرشحين تتعلق بمواقفهم من قضايا عدة.
    • أكاديمية القيادة المحافظة: تأسست برامج تدريبية قصيرة للمرشحين لتعليمهم مبادئ “القيادة التنفيذية المحافظة”، مع دروس في استخدام سلطات الطوارئ، وفهم النظام الحاكم الإداري، وكيفية مجابهة مقاومة البيروقراطية من الداخل.
    • خطط تنفيذية مفصلة: وُضعت لكل وكالة حكومية خطة تتضمن اليوم الأول، والإسبوع الأول، وأول 100 يوم، مع سيناريوهات جاهزة لمواجهة المعارضات القانونية أو الإعلامية.

    كان طموح المشروع واضحًا. فقد كتب دانز في مقدمة المشروع أن الغاية ليست مجرد تقديم توصيات، بل تشكيل جيش إداري محافظ جاهز لتولي مفاصل الدولة في اللحظة المناسبة. وقد أُطلق على المشروع في الصحافة الأميركية “أطلس انقلابي إداري”، مُصمم للاستيلاء على السلطة بشكل قانوني، لكنه يحمل طابعًا جذريًا في جوهره.

    في مقابلات إعلامية، أقرَّ دانز بأنه استلهم النموذج من خطة روزفلت في الثلاثينيات، التي نقلت البلاد نحو الدولة الاجتماعية الحديثة، محاولاً عكسها عبر تفكيك الدولة الحديثة والعودة إلى ما يعتبره الفلسفة الأصلية للجمهورية الأميركية القائم على إرادة الناخبين.

    القائد الأميركي السابق فرانكلين روزفلت (مواقع التواصل)

     

    عمل دانز في قلب هذه العملية، بصفته مدير المشروع، فتنقل بين ورش العمل، وأشرف على وضع المعايير، مؤكدًا في كل مناسبة أن هذه ليست مجرد تمرين فكري، بل خطة تعبئة سياسية وإدارية متكاملة.

    وبذلك تحول المشروع من ورقة على الشاشة إلى ماكينة تعيين وتدريب وتوجيه أيديولوجي، تهدف إلى بناء طبقة بيروقراطية محافظة تستبدل التشكيلة الحالية. في عام 2022، أطلق دانز مشروع “تفويض القيادة 2025” من داخل مؤسسة “هيريتيج”، بدعم من رئيسها كيفن روبرتس.

    السقوط الخادع

    مع قرب الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية لعام 2024، بدأت حملة ترامب تدرك أن ارتباطها الوثيق بمشروع 2025 قد يشكل عبئًا انتخابيًا. بدأت وسائل الإعلام تسلط الضوء على المشروع باعتباره انقلاباً بيروقراطياً يغلف الشرعية، يهدف إلى إقامة دولة سلطوية يمينية. تزايدت المقارنات بين مشروع 2025 وأجندات الأنظمة الاستبدادية التي تستخدّم أدوات إدارية لتصفية الخصوم.

    في هذه الأجواء، قررت حملة ترامب الابتعاد علناً عن المشروع، حيث أصدرت التصريحات من المتحدثين باسم الحملة أن القائد لا يعرف تفاصيل المشروع، ولم يشارك في صياغته، وأن “البيت الأبيض هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن وضع السياسات”. زعم ترامب نفسه مرارًا أنه لم يقرأ مشروع 2025، ولا يعرف من يقف وراءه. يبدو أن هدف هذه التصريحات، كما لفتت عدة صحف أميركية، هو امتصاص الانتقادات، خصوصًا من الناخبين المعتدلين الذين يشعرون بالقلق من الأفكار الجريئة التي يتضمنها المشروع.

    لكن وراء الكواليس، وفقًا لمراقبين، استمرت خطوط الاتصال. كانت الشخصيات التي ساهمت في صياغة مشروع 2025 جزءاً من الفريق الذي يعد لعودة ترامب إلى البيت الأبيض. فعّلت قاعدة بيانات المرشحين، وبدأت فرق التقييم تقدم توصياتها إلى الفريق الانتقالي غير الرسمي.

    في يوليو/تموز 2024، بعد عدة تصريحات استفزازية من بول دانز، قال في إحدى المقابلات: “نحن في خضم الثورة الأميركية الثانية، والتي ستبقى بلا دماء إذا سمح اليسار بذلك”. أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة مما دفع دانز للاستقالة من منصبه في مؤسسة “هيريتيج”. لكنه أدرك أن الاستقالة ليست النهاية، بل فرصة للانسحاب من الأضواء، وترك المؤسسات التي أسسها تعمل من تلقاء نفسها، حيث اكتملت قاعدة المعلومات، وتدربت الكوادر، وتم وضع الخطة.

    استمرت أفكار المشروع في التسلل إلى مراكز صنع القرار. وفي أول 100 يوم من ولاية ترامب الثانية، ظهرت آثار مشروع 2025 بوضوح: إعادة تعريف النوع الاجتماعي والأسرة، ومحاولات تفكيك وزارة المنظومة التعليمية، واستعادة “الجدول F” مما يسمح بإعادة تصنيف آلاف الموظفين المدنيين كمعينين سياسيين، لتسهيل فصلهم واستبدالهم بمواليين للإدارة، وتعيين شخصيات ساهمت في صياغة المشروع في مناصب بارزة مثل راسل فوغت رئيس مكتب الإدارة والميزانية، وجيمس برايد مدير مكتب الشؤون التشريعية، وبيتر نافارو مستشار التجارة للرئيس، وجون راتكليف مدير وكالة المخابرات المركزية.

    مجمل القول، قُدرت عدد من المراقبين بأن إدارة ترامب نفذت أو بدأت في تنفيذ 153 من أصل 532 توصية تنفيذية موجودة في المشروع.

    حتى مع مغادرته منصبه، ظل دانز حاضراً في الخلفية. في مقابلات لاحقة، عبّر عن رضاه الكبير قائلاً: “ما يحدث الآن يفوق كل آمالي الجامحة. كنا نأمل، نحن الذين عملنا على مشروع 2025، أن يستغل القائد المحافظ القادم هذه الفرصة، ولكن ترامب يستغل كل دقيقة”. ونوّه دانز أن المشروع لم يكن خاصاً بترامب، بل “بالمبادئ المحافظة التي تأخرت كثيراً في استعادة الدولة”.

    مستقبل المشروع

    بعد أكثر من عامين على انطلاقه، أصبح واضحًا أن مشروع 2025 تجاوز كونه مجرد خطة لولاية رئاسية واحدة، بل تحول إلى مدرسة فكرية ومؤسسية داخل التيار المحافظ.

    بدأت علامات التأثير البعيد المدى تظهر بين الجمهوريين الفئة الناشئة، خاصة أولئك الذين تلقوا تدريبهم داخل الأكاديمية التي أسسها دانز.

    هذا الجيل الجديد من المحافظين ينظر إلى وثيقة 2025 كدستور موازٍ للحكم التنفيذي، ويعتبرون أن الدولة الإدارية هي التحدي الأكبر أمام تنفيذ أي أجندة محافظة، وأن أدوات التغيير لا تكمن فقط في الكونغرس، بل تشمل أيضاً مكاتب التوظيف، الميزانيات، واللوائح.

    في ضوء ذلك، تُطرح تساؤلات جدية داخل الحزب الجمهوري حول إمكانية تحول المشروع إلى برنامج دائم لما بعد ترامب. بينما يُعتبر ترامب قائداً شعبياً، يُنظر إلى دانز كمنظر يوفر ركائز مؤسسية للشعبوية.

    تُطرح تساؤلات جدية داخل الحزب الجمهوري حول ما إذا كان مشروع 2025 قد يتحول إلى برنامج دائم لما بعد ترامب (الفرنسية)

    شهدت أصوات شبابية داخل الحزب الجمهوري تدعو إلى جعل المشروع مؤسسياً، وتحويله إلى هيئة مستقلة تُدرّب القيادات وتنتج السياسات، على غرار ما فعله الديمقراطيون في السبعينيات عبر معاهدهم البحثية. وبالتالي، فإن إرث بول دانز قد يتجاوز نطاق ولاية واحدة ليصبح بداية لبناء طبقة بيروقراطية يمينية تؤمن بأن الدولة يجب أن تُحكم من الداخل، وفق عقيدة محددة.

    الجدل حول دانز ومشروعه

    في الصحافة الليبرالية، وُصف دانز بأنه “الوجه البيروقراطي للسلطوية الأميركية الناشئة”. خصصت مجلة “ذي أتلانتيك” تحقيقًا موسعًا حوله بعنوان: “الرجل الذي يريد ترويض واشنطن”، حيث صورته كمخطط لانقلاب صامت يُنفذ بالأوامر التنفيذية وقواعد التعيين بدلاً من القوة العسكرية. بينما أنذرت صحيفة “نيويورك تايمز” من مشروع 2025 باعتباره محاولة لإحياء الحقبة المكارثية، مع مطاردة فكرية للموظفين غير الموالين.

    شخصية بول دانز نفسها أصبحت موضوعًا للجدل. فبعضهم يرونه تكنوقراطياً عبقريًا يقود ثورة إدارية من الداخل، في حين يصوره الآخرون كمنظر سلطوي يسعى لبناء دولة الحزب الواحد. وعلى الرغم من أن مشروع 2025 مصمم لإعادة هيكلة الدولة الأميركية من الداخل، إلا أن صداه بدأ يتردد على نطاق أوسع.

    في أوروبا، لاحظ اهتمام متزايد من الحركات اليمينية المحافظة بالمقاربة التي ابتكرها بول دانز، خاصة في المجر وبولندا، حيث لفت بعض السياسيين والكتّاب إلى أهمية “السيطرة على الدولة من الداخل” بدلاً من الاعتماد فقط على الفوز بالاستحقاق الديمقراطي.

    في إسرائيل، أعرب بعض أعضاء حزب الليكود عن إعجابهم بمفهوم “الجدول F” كوسيلة للقضاء على البيروقراطية من خصوم السلطة التنفيذية في القضاء والإعلام والأوساط الأكاديمية. وظهرت تحليلات في الصحافة العبرية تقارن بين جهود نتنياهو للحد من سلطات المحكمة العليا وسعي دانز لفرط قوة البيروقراطية الأميركية.

    يشير كل ذلك إلى أن مشروع بول دانز، رغم جذوره المحلية، قد يصبح نموذجًا للحكم اليميني الجديد، الذي يسعى لاختراق الدولة وإعادة توجيهها عبر أدوات قانونية وإدارية. وفي ظل صعود اليمين المستمر، فإن تأثير دانز قد يتجاوز حدود واشنطن بكثير.


    رابط المصدر

Exit mobile version