الوسم: الأحمد

  • “أسرار خزنة” لهدى الأحمد تكشف تأثير التقنية على الثقافة البدوية وتتألق بقيمة الصيام.

    “أسرار خزنة” لهدى الأحمد تكشف تأثير التقنية على الثقافة البدوية وتتألق بقيمة الصيام.


    تتناول المجموعة القصصية “أسرار خزنة” للقاصة هدى الأحمد حكايات امرأة بدوية، معززة بقيم التضحية والوفاء. تتكون من 14 قصة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية في البادية، متناولة تأثير التقنية على القيم التقليدية. الشخصية القائدية، “خزنة”، تمثل التحديات التي تواجه النساء في مجتمعات بدوية. تتناول المجموعة مواضيع مثل العفة والسرية، مما يعكس التقدير للتراث، رغم تطورات العصر الحديثة. تعبر الكاتبة عن رغبتها في تغيير إيجابي دون التخلي عن الهوية الثقافية. تسلط الضوء على حياة النساء البدوية وأحلامها بطريقة فنية، مؤكدة على أهمية الحفاظ على التراث مع الانفتاح على التغيير.

    يمكن اعتبار المجموعة القصصية “أسرار خزنة” للكاتبة هدى الأحمد، التي صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية، من الأعمال الأدبية الرائدة التي تركز على حكايات امرأة من البادية. هذه الحكايات تستند إلى قيم التضحية والوفاء، حيث تتجلى المشاعر في أفضل صورها. كما تسلط المجموعة الضوء على تغييرات المواطنون البدوي والمواجهة بين الأصالة والحداثة، وتأثير التقنية، أو “صدمتها”، في ثقافة بدوية متجذرة في التاريخ، وهي تحاول التكيف مع كل ما هو حديث.

    تتضمن المجموعة 14 قصة اتسمت بالبساطة وسلاسة الأحداث وشخصياتها، وصُغت بلغة محكية تحمل لهجة بدوية في معظمها. ورغم أنها ارتكزت على تراث حقبة الخمسينيات تقريبًا، إلا أنها أعادت إحياء مفاهيم العفة والنقاء والشهامة، وفضيلة الاحتفاظ بالأسرار، كما يتضح من العنوان الذي يحمل دلالة عميقة، حفاظًا على القيم الاجتماعية والإنسانية، وتحصينًا للمجتمع البدوي من الفتن، أو كما لفت الناقد رائد الحواري “الصيام” عن كشف مثالب الآخرين.

    تتكون المجموعة من 95 صفحة بحجم صغير، وتستند إلى تعدد الشخصيات، على الرغم من أن بطلتها هي فتاة صغيرة تُسمى “خزنة”، وهو اسم شائع في تقاليد البادية. لقد تمكنت هذه الفتاة، التي تتزين ببراءة الصحراء وأخلاقيات البداوة، من كسب قلوب المحيطين بها بفضل حسن تربيتها وقدرتها على الحفاظ على أسرار عشيرتها، فالبدوي، وفق تقاليده، يحفظ الأسرار ولا يفصح عنها مهما كانت الظروف.

    عنوان “أسرار خزنة” يحمل معاني نبيلة وإنسانية، ففي ذاكرتنا وبيوتنا “خزنة” نحتفظ فيها بأسرارنا التي تبقى معنا حتى نستضيف في مساحات ضيقة.

    تحت عنوان “تلويحة”، يبرز الدكتور جروان المعاني أن “أسرار خزنة” هي قصة فتاة من البادية ذات ذكاء فطري، تعيش حياة الدلال، لكنه ليس كالذي يتمتع به بنات المدينة. فهي ترعى أغنام والديها وتساعد والدتها في المنزل وإنتاج مشتقات الحليب. ويشير في تقديمه للمجموعة إلى أن “خزنة” تجسد قصة نساء البادية، حيث تعكس العادات والتقاليد وثقافة المواطنون السائدة. تظهر في المجموعة كمتمردة، لكنها في الحقيقة تحمل شقاوة الطفولة حتى تصدمها الحياة بوفاة والدتها، ملاذها وأمانها، وتكبر معهم همومها.

    وفقًا لرأيه، بين إرادة الكاتبة وإرادة “خزنة”، بطلة المجموعة، تجد هدى الأحمد نفسها محاصرة بما تحمله من موروثات تقيد النساء البدوية التي تكاد تسعى للتخلص منها لتعيش حريتها. تُعتبر المجموعة متنفسًا أخيرًا لفتاة جربت العيش بين البداوة والحضر، وكأن الكاتبة تسجل تجربة حياتها.

    في حوار لها مع الجزيرة نت، تتحدث هدى الأحمد بتفصيل أكبر عن مجموعتها، موضحة أن “أسرار خزنة” تتعرض لبيئة بدوية، قائلة: “لا أرى أن هناك تقاربًا حقيقيًا بين شخصيتها القوية بحكم الظروف وشخصيتي، حتى وإن التقينا في المعاناة. لذا، خلال كتابة المجموعة، عزفت على نوتة صحراوية تجمع بين الوحشة والسلام، والخوف والأمان”.

    تؤكد أن الكتابة واحدة من الوسائل الأساسية للتغيير، مشددة على أنها تدعو للتغيير وليس للانقلاب على تاريخنا البدوي، وأن شخصية “خزنة” خيالية ولكن الأحداث واقعية. وإلى تفاصيل الحوار:

    هدى الأحمد تكشف من خلال “أسرار خزنة” عن المواجهة بين الأصالة والحداثة في البادية وتأثير التقنية على مجتمع له جذور ثقافية عميقة (الجزيرة)
    • هل لديكِ قرب من شخصية “خزنة” ككاتبة؟

    يختار الكتّاب شخصياتهم بناءً على نوع القصة وقدرتهم على توظيف الخيال، وبهذا الشكل يشكلون الأحداث، ويكون قربها أو بعدها عن شخصية الكاتب متصلًا بقرب الشخصية من البيئة التي تعيش فيها. وهنا نتحدث في “أسرار خزنة” عن بيئة بدوية لها معطياتها، حيث يتنقل الناس معًا طلبًا للماء والطعام لهم ولماشيتهم. كانت تلك الحال حتى وقت قريب، لكن الأوضاع تغيرت واستقر الناس.

    أنا ككاتبة من بنات الريف، فلا أحس بتقارب حقيقي بين شخصية “خزنة” وشخصيتي، حتى وإن التقينا في بعض أوجه المعاناة، فالنساء في الوطن العربي يشتركن في معاناة متعددة، خاصة فيما يتعلق بحرية الخيار والقرار، وهنا لا أتحدث بشكل مطلق.

    • كيف تعكس الكتابة النوتة الموسيقية؟ وما الطقوس التي تتبعينها أثناء كتابة “أسرار خزنة”؟

    الكتابة بطقوسها تختلف من كاتب لآخر، فمنهم من يفضل الكتابة في الصباح أو الليل، بينما الآخرين يبدعون في صخب، وبعضهم يحتاجون للصمت المطلق.

    أما بالنسبة لي، أحتاج إلى الانفراد وإغلاق هاتفي، ولا أجهز أمورًا مادية كالقهوة أو الموسيقى، بل أريد فقط التفرغ لشخصيات قصصي والتحرك بهم وفق مسارات القصة، فتتدفق الكلمات لأرتبها بشكل يتناسب مع مجريات الأحداث. وفي “خزنة”، كنت دائمًا أكتب على نوتة صحراوية تتضمن الوحشة والسلام، والخوف والأمان.

    • هل شخصية “خزنة” حقيقية أم متخيلة؟ ولماذا تبدو متمردة على تقاليد البداوة؟

    بالطبع هي خيالية، ولكن الأحداث واقعية للغاية. “خزنة” لا تفضح أسرار البادية، بل تصور أمورًا تتكرر في بوادينا. لكنها تتميز بخصائص معينة: الأولى فقدانها لأمها التي أحبّتها كثيرًا في صغرها، والثانية ابتعادها عن بلدتها وأبيها.

    كل ذلك جعلها تعبر عن رفضها للظلم، فكان لابد لها أن تتمرد في لحظة ما، وترفض الزواج من ابن خالتها، وتبدأ رحلة طويلة تتعرض خلالها لحوادث. كان عليها أن تكون قوية جسديًا ونفسيًا، مما يجعلها تبدو متمردة، والواقع أن شخصيتها تشكلت لتكون قوية، لا متمردة. وكما تعلم، هناك فارق بين التمرد على العادات والتقاليد وبين امتلاك القوة، لذا لم تكن متمردة، بل كانت الظروف تدفعها إلى أن تكون قوية.

    • كيف كانت تجربتك في إخراج المجموعة إلى النور؟

    استغرق كتابة المجموعة أكثر من 5 أشهر، وحتى ترى النور انتظرت في أدراج وزارة الثقافة أكثر من سنة، لأنه كان هناك من اعتبرها تراثية. وكما تعلم، فإن تكاليف طباعة الكتب مرتفعة، لذا كان علي الانتظار عامًا آخر.

    وفي النهاية، تحقق النجاح الذي كنت أسعى إليه، حيث تمت الموافقة على نشر المجموعة بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، مشكورة، رغم أن الدعم بالكاد غطى تكاليف الطباعة. كانت تجربة مرهقة نفسيًا، لكنه بالصبر والمثابرة، تمكنت من إخراج هذه المجموعة القصصية إلى النور، والحمد لله.

    • هل يمكن أن نلمس من مجموعتك دعوة لتغيير جذري في باديتنا الأردنية؟

    لا شك في أن الكتابة تعتبر واحدة من أهم وسائل التغيير في المواطنونات، خاصة تلك التي تتناول التراث والعادات والتقاليد. فإنهيار تأثير المثقف بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح على العالم يعد تحديًا، إلا إذا استغلينا هذه التقنية بشكل صحيح.

    دور النشر في الكثير من الأحيان تستغل جهود الكتّاب لتحقيق مكاسب مادية، لذا فإن تأثيرها يكون ضئيلاً. بالنسبة لي، أرى أن الثورات عمومًا جلبت لنا الويلات، لذا لا أدعو لثورة بيضاء أو حمراء، لكنني أطمح في أن تصل أفكاري و”خزنة” إلى طلبة المدارس والجامعات، ليتعرفوا على جانب من حياة النساء في البادية، مستفيدين من تجاربها، مما يعزز الوعي والانفتاح بين الفئة الناشئة وأمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم.

    نعم، أدعو للتغيير، ولكن ليس للانقلاب الكامل على تاريخنا البدوي، فهو يحمل جماله الخاص. فالعفة في حياة ابنة البادية أهم بكثير من الظهور على “تيك توك”، ودورها في استقبال ضيوف زوجها وأبيها قيمتها كبيرة وتضيء مكانتها، وهي أهم من عرض مفاتنها على وسائل التواصل. إنها دعوة للتغيير والانفتاح بطريقة مدروسة.

    • كيف ترصدين استقبال أهل البادية للتكنولوجيا؟

    حتى منتصف القرن العشرين، كانت حياة أهل البادية بسيطة جدًا، حيث كانت وسائل النقل تقتصر على الجمال والمواشي، ثم بدأ دخول السيارات تدريجياً مما أسرع من وطأة الحياة. لذا، في المجموعة، تناولت مفهوم السيارة عند زيارة زوجة مسؤول للبادية التي تعيش فيها “خزنة”، ورصدت الخوف واستهجان مفهوم “الجني الصغير” (المذياع)، وكيف اعتقدت أم “خزنة” أن زوجها يحب المذيعة، مما دفعها لتحطيمه بحثًا عنها ومنعه من سماع صوتها.

    نعلم جيدًا أن التقنية بدأت تنخرط بشكل أسرع في مجتمعاتنا بعد منتصف السبعينيات، ولدي فكرة لمجموعة قصصية تتعلق بالفترة الانتقالية بين الترحال والاستقرار وما واجهته النساء البدوية خلالها.

    • كيف تفسرين الصدمة الناتجة عن تكنولوجيا الاتصال في الثقافة البدوية؟

    من المعروف أن للتكنولوجيا وجهها الإيجابي والضروري، ومع ذلك، فإن عدم استخدامها بشكل صحيح أدى لظهور مشكلات. قد تعرضنا لصدمة حضارية لم نتغلب عليها حتى الآن. تخلينا عن كثير من مظاهر حياتنا وأصولنا، فبات التواصل في كثير من الأحيان يتم عبر الجوال بدلاً من الزيارات العائلية، والعديد من القيم الراسخة أصبحت تُعتبر عائقًا بدلاً من تعزيز الحضارة. فقد أصبح اللباس التقليدي شيئًا من الماضي، وبدلًا من الأغاني التي تحكي عن بطولات أجدادنا، أصبحت التقنية الحديثة تتحكم بمظاهر حياتنا. ومع هذه الفجوة الحضارية، بدأنا نتجه نحو الحداثة حتى كادنا نفقد صلتنا بتاريخنا الأصلي وبداوتنا.

    من قصص المجموعة، قصة “البئر الغربي” التي تستدعي إلى ذاكرتنا قصة ذكرها ابن بطوطة في رحلته، وهي قصة أهل جزيرة “ذيبة المهل” (المالديف حاليًا) (شترستوك)
    • هل لديكِ مشروع أدبي قادم؟

    عنوان مجموعتي القصصية الجديدة هو “امرأة قادمة من البعيد”، والتي ستصدر قريبًا بإذن الله. من العنوان يتضح أنها تتعلق بامرأة جاءت محملة بأحلامها المؤجلة، وعلاقتها بالرجل، ولكن تحت عناوين متنوعة مثل الحب والشوق والرغبة في السفر وغيرها من الأمور. تتناول المجموعة حياة النساء بشكل أكثر وضوحًا، دون المساس بكينونتها وأنوثتها.

    قاصّة تحفر في تراث البادية

    تشير الدكتورة إنعام زعل القيسي إلى أن هدى الأحمد قاصّة أردنية تحفر في تراث البادية العريق، حيث تكشف لنا عن دفائن الصحراء الثمينة وخفايا رمالها الذهبية في “أسرار خزنة”، لتعيد تشكيل المقروء الثقافي عن واقع عاشه أهلنا إلى واقع جميل يتضاف في مخيلتنا. فتجد “خزنة” ومن حولها يستمتعون بـ”الجني الصغير” (الساحر المسموع)، كما كنا نستمتع بـ”الساحر المرئي” في السبعينيات. إنها تعزف على وتر بعث الماضي وتراثه الأصيل، مما يجعلنا نشعر بالحنين والحب لحياة ساحرة قد ولت.

    وأضافت في حديثها للجزيرة نت أن “خزنة” طفلة مرحة وجميلة تتميز بجديليها السوادين وعينيها اللامعتين بذكاء، ترعى الأغنام وتظهر ولاءً للحيوان والإنسان. كما نوّهت أن “الفتاة السمراء ذات البنية الرشيقة والابتسامة العذبة” تسعى لحياة بنات البادية، مساعدة في تعلم كيفية حلب الأغنام لتكون جاهزة عندما يأتي رجل يطلب يدها، وهي تحمل في صدرها أسرارًا عديدة. لذا، جاء اسمها كمرآة تعكس حالتها ومفتاحًا لفهم مضامين القصص؛ كما في قصة “خزنة” والسر وراء تحطيم الراديو، فضلاً عن غيرة والدتها من صوت المذيعة.

    كما لفتت الناقدة الأكاديمية القيسي إلى أهمية الموروث الثقافي الموجود في بعض قصص هذه المجموعة، بما في ذلك قصة “البئر الغربي” التي تلامس قصص ابن بطوطة المتعلقة بأهل جزيرة “ذيبة المهل” (المالديف حاليًا)، الذين كانوا يحصلون على عفريت يطلب قربانًا من أجمل الفتيات. على الرغم من اختلاف القرابين، فإن الجهل يعتبر السمة السائدة.

    وترى القيسي أن هدى الأحمد نجحت في “أسرار خزنة” بعرض مشاهد من حياة النساء البدوية وأحلامها بأسلوب فني جذاب، وتسليط الضوء على عادات البدو وتقاليدهم. هذا كله يوضح عمق انغماس القاصة في الثقافة البدوية الأصيلة.


    رابط المصدر

Exit mobile version