الخليج يعيد تقييم ضعفه: من اقتصاد وفير إلى سعي من أجل البقاء – بقلم شاشوف
يواجه النموذج الاقتصادي الخليجي ضغوطات تؤثر على أساسياته، حيث تمثل الأزمات الحالية تهديداً للنمو وتكشف عن هشاشة الهيكل الاقتصادي. رغم الاحتياطيات النفطية، فإن الاعتماد على ممرات بحرية محدودة، مثل مضيق هرمز، يُظهر ضعفاً في القدرة على الاستجابة للضغوط. تواجه دول الخليج تحديات في الأمن الغذائي، وتعتمد على الواردات مما يعرضها لتقلبات الأسعار. التحذيرات من مؤسسات تقييم المخاطر تشير إلى خطر مستمر على الأمن الطاقي. الحاجة ماسة لإعادة بناء البنية اللوجستية وتعزيز الاكتفاء الذاتي لمواجهة الأزمات بكفاءة أكبر.
الاقتصاد العربي | شاشوف
يواجه النموذج الخليجي، القائم على توازن بين الثقل النفطي والانفتاح الاستثماري والخدمات اللوجستية والسياحة، ضغوطاً متزايدة تؤثر على ركائزه الأساسية. هذه التحديات تعيد ترتيب الأولويات من التوسع والنمو إلى الحماية والاحتواء، وسط تحذيرات بخصوص تباطؤ الإصلاحات الاقتصادية في عام 2026.
تشير التقديرات التحليلية التي تابعها “شاشوف” إلى أن هذه الصدمة لا تهدد فقط معدلات النمو على المدى القصير، بل توضح أيضاً وجود خلل هيكلي في قدرة الاقتصادات الخليجية على المواجهة تحت الضغط. أظهرت الأزمة أن امتلاك احتياطيات نفطية ضخمة لا يوازيه بالضرورة أمن طاقي كامل، إذ تبقى نقطة الضعف الحقيقية في قابلية التصدير واستمرارية التدفقات عبر الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز.
وفق تقدير نشرته مؤسسة كارنيغي، فقد أثر ارتفاع كلفة التأمين البحري وتعطل الممرات التجارية بشكل مباشر على ثقة المستثمرين وسرعة تنفيذ المشاريع، مما دفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولوياتها نحو إدارة المخاطر بدلاً من التوسع.
صدرت تحذيرات متزايدة من مؤسسات تقييم المخاطر، بما في ذلك ستاندرد آند بورز، التي أكدت أن استمرار تعطّل مضيق هرمز يهدد الوصول إلى حوالي خُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً، مما يكشف انكشاف الشركات الخليجية في سلاسل الطاقة والبتروكيماويات. يظهر هنا مفهوم “الأمن الطاقي الجزئي”، حيث تمتلك دول الخليج قدرة إنتاجية واحتياطيات كبيرة، لكنها تفتقر إلى مرونة كافية في التصدير بسبب اعتمادها الكبير على ممرات بحرية محددة. هذه الهشاشة تضعف قدرة هذه الدول في مواجهة الأزمات وتجعلها معرضة لاضطرابات النقل والتأمين.
الغذاء في الخليج.. أضعف حلقة
يُعتبر الأمن الغذائي أحد أبرز المظاهر الهشّة في منطقة الخليج. يشير تقرير المعهد الدولي لبحوث السياسات الزراعية إلى أن الاعتماد المرتفع على الواردات، مع مرور جزء كبير من الغذاء والأعلاف عبر ممرات مهددة، يجعل الدول الخليجية عرضة لتقلبات متعددة تشمل النقل والتأمين وأسعار الوقود والأسمدة.
ويحذر التقرير، حسب اطلاع “شاشوف”، من أن قدرة دول الخليج الحالية تقتصر على امتصاص الصدمات طويلة الأجل، وذلك بفضل المخزونات والإدارة الظاهرة، لكنها لا تصل إلى مستوى الاكتفاء الاستراتيجي طويل المدى، ما يعني أن أي اضطراب ممتد قد يفرض ضغوطًا كبيرة على الإمدادات والأسعار.
على صعيد الاقتصاد الكلي، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن استمرار الصراع يؤدي إلى مزيج معقد من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وزيادة كلفة التمويل، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات الخليجية، حتى مع وجود فوائض مالية مستمرة.
زيادة المخاطر تدفع المستثمرين إلى توخي الحذر، مما يرفع كلفة المشاريع ويقلص الهوامش المالية للحكومات الساعية إلى مواصلة الإنفاق التنموي دون إخلال بالتوازنات. وفي هذا السياق، يشير تقرير أوكسفورد إيكونوميكس إلى أن الصناديق السيادية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحصين الاقتصادات الخليجية من تأثيرات الحرب أو للحد من إعادة تسعير المخاطر في المنطقة.
ثغرات استراتيجية عميقة
تظهر الأحداث الراهنة وجود “ثغرات استراتيجية عميقة” في الاقتصادات الخليجية، وخاصة في مجالات الأمن اللوجستي والغذائي والطاقي. الاعتماد الكبير على الممرات البحرية التقليدية، مثل مضيق هرمز، يكشف الهشاشة في البنية اللوجستية، في ظل الافتقار إلى بدائل برية مع دول المشرق العربي.
أظهرت الأزمة محدودية الحماية التي تقدمها التحالفات الدولية، بما في ذلك التحالف مع الولايات المتحدة، مما يستدعي إعادة تعريف دول الخليج لدورها الاقتصادي والأمني، والانتقال من مجرد مصدر للطاقة إلى لاعب أكبر في سلاسل الإمداد العالمية.
يؤكد اقتصاديون أن الأزمة الحالية تتطلب إعادة بناء البنية اللوجستية الخليجية، من خلال تعزيز كفاءة الموانئ والمطارات والطرق البرية، وتحقيق مستوى أعلى من الاكتفاء الذاتي في مجالي الغذاء والدواء. وتبرز سلطنة عُمان كنموذج بديل، حيث استوعب مطار مسقط أكثر من 1500 رحلة إضافية خلال مارس، وارتفعت حركة الشحن الجوي بنسبة 500%، مما يعكس قدرة بعض الهياكل التحتية الخليجية على امتصاص الصدمات.
من الضروري، حسب التقديرات، وضع سيناريوهات طوارئ تشمل احتمالات تعطّل ممرات استراتيجية أخرى مثل باب المندب وقناة السويس، بالإضافة إلى الاضطرابات المحتملة في العلاقات التجارية مع قوى كبرى كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
ختاماً، تكشف الأزمة الحالية أن الاستراتيجية الخليجية التي تعتمد على تنويع مصادر الدخل لم تعد كافية، حيث يكمن التحدي الحقيقي في تنويع “المسارات” وليس فقط “القطاعات”. فالمطلوب اليوم، كما تشير التقارير، هو بناء اقتصاد قادر على العمل تحت الضغط، من خلال تطوير موانئ بديلة، وتعزيز الربط البري، وتوسيع مخزونات الغذاء والطاقة، فضلاً عن الاستثمار في الزراعة والمياه والطاقة المتجددة.