تعاني كوبا من أزمة اقتصادية خانقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، مع تصاعد الحصار الأمريكي الذي يركز على قطاع الطاقة منذ 9 يناير، مما يهدد الاقتصاد والاجتماع. انخفضت مخزونات النفط، مما أدى إلى انقطاعات كهربائية واسعة وشلل في السياحة، التي تمثل مصدر العملة الصعبة. تراجعت أعداد السياح إلى 1.8 مليون مقابل 2.2 مليون العام الماضي. الصحة والتعليم يتدهوران بسبب نقص الأدوية وهجرة الأطباء، بينما يعيش 89% من السكان في فقر مدقع. بالإضافة إلى ذلك، تلوح في الأفق احتمالية فرض حصار بحري أمريكي، مما يزيد الضغوط على كوبا ويعجل من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تواجه كوبا اليوم واحدة من أكثر فترات الأزمات حدة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث تكشف التطورات السريعة خلال الأسابيع الأخيرة أن الجزيرة تقبع تحت حصار اقتصادي أمريكي يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، ويستهدف شريان الطاقة بشكل محدد منذ 09 يناير الماضي، مما يهدد بإغراق البلاد في ظلام شامل وانهیار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.
بدأت الأزمة في الظهور مع إعلان هافانا قرب نفاد مخزون وقود الطائرات، مما يعد إشارة خطيرة على اختناق إمدادات النفط وفقاً لمتابعات مرصد “شاشوف”، لكن آثار هذا النقص لم تقتصر على قطاع الطيران، بل امتدت سريعاً إلى الكهرباء والنقل والصناعة والسياحة.
تعاني كوبا اليوم من انقطاعات كهربائية كبيرة، وتوقف في محطات توليد الطاقة، وانخفاض حاد في الإنتاج الصناعي، حيث تتسع الفجوة بين الإنتاج المحلي المحدود من الطاقة والاحتياجات اليومية بشكل مطرد، بينما تبدو قدرة الحكومة الكوبية على التعويض شبه معدومة في ظل القيود المفروضة على وصول شحنات النفط.
لا يقتصر الضغط الأمريكي، وفق المعطيات المتاحة، على العقوبات التقليدية، بل يشمل أيضاً منع تدفق النفط الفنزويلي المهم إلى كوبا والتهديد بفرض رسوم أو عقوبات على أي دولة أو شركة تزود الجزيرة بالوقود، مما يجعل ملف الطاقة أداة خنق جيوسياسية مباشرة تضرب العمود الفقري للاقتصاد الكوبي.
السياحة على رأس الضحايا
تُعتبر السياحة شريان الحياة لكوبا في الحصول على العملات الأجنبية، لكن هذا الشريان بدأ يختنق سريعاً. وتشير بيانات “شاشوف” إلى أن منتجع فاراديرو، الذي كان يُعتبر رمز السياحة الكوبية، باتت شواطئه شبه فارغة، ومع إعلان نفاد وقود الطائرات، أوقفت شركات طيران كبرى مثل وست جت وترانسات رحلاتها، مما أدى إلى إلغاء مئات وآلاف الرحلات حتى نهاية موسم الشتاء.
السياحة التي حققت حوالي 1.3 مليار دولار من النقد الأجنبي في عام 2024، أي ما يعادل قرابة 10% من عائدات التصدير وفق معلومات جمعها شاشوف، تواجه الآن شبح الانهيار الكامل.
تراجع عدد الزوار إلى 1.8 مليون في 2025 مقارنة بـ2.2 مليون في العام السابق، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عشرين عاماً، ومع توقف الرحلات من روسيا وكندا، يُتوقع أن ينخفض العدد أكثر، مما يحرم الاقتصاد من آخر مصادر العملات الصعبة المنتظمة.
ويعتبر انهيار السياحة بداية لتوقف سلسلة واسعة من الأنشطة مثل الفنادق، المطاعم، النقل، السياحة، والخدمات اللوجستية، وكل ذلك يحدث في اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش بلغ 11% خلال خمس سنوات.
تآكل الصحة والتعليم.. والفقر مدقع
طوال فترة طويلة، قدمت كوبا نفسها كنموذج في الرعاية الصحية والتعليم المجاني، وهما الركيزتان اللتان ارتبطتا باسم “فيدل كاسترو”، ولكن التقارير الأخيرة التي تابعها شاشوف، بما في ذلك ما نشرته صحيفة “إل بايس” الإسبانية، ترسم صورة مختلفة تماماً.
تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية، والمستلزمات الأساسية، وهجرة الكوادر الطبية، حيث تراجعت نسبة الأطباء من طبيب لكل 350 شخصاً في الثمانينيات إلى طبيب لكل 1500 شخص حالياً.
كما قامت الجامعات بتقليص برامجها ومنحها بسبب أزمة الطاقة، وتعطلت العملية التعليمية في العديد من المناطق نتيجة الانقطاعات الكهربائية.
يُضغط على كوبا من جانب الولايات المتحدة لتقليل تدفقات العملات الأجنبية، حيث تعيد عدة دول النظر في اتفاقيات استقبال الأطباء الكوبيين تحت ضغط واشنطن. يُعتبر إرسال البعثات الطبية إلى الخارج مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية، حيث بلغ الدخل المحول من هؤلاء 7 مليارات دولار عام 2025 وفق الأرقام الرسمية.
تشير كوبا إلى أن 24 ألف من مواطنيها العاملين في مجال الرعاية الصحية كانوا يعملون في 56 دولة العام الماضي، أكثر من نصفهم (13 ألفاً) في فنزويلا.
الأرقام الاجتماعية أكثر قسوة، حيث تشير التقديرات إلى أن 89% من السكان يعيشون في فقر مدقع، بمتوسط رواتب لا يتجاوز 15 دولاراً شهرياً، وترافق هذا الواقع مع موجة هجرة غير مسبوقة، حيث انخفض عدد السكان من 11 مليون إلى 8.5 ملايين بين 2022 و2024. وقد فقدت الدولة تقريباً ربع سكانها خلال عامين، مما يعني خسارة لرأس المال البشري ومستقبلها الديموغرافي.
شبح الحصار البحري
وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حذر في تصريحات اليوم الأربعاء من خطط لفرض حصار بحري كامل على الجزيرة، داعياً الولايات المتحدة إلى التفاوض بدلاً من التصعيد، وذلك خلال لقاء لافروف مع نظيره الكوبي في موسكو.
إعادة الحديث عن حصار بحري أمريكي تذكر بأزمات الحرب الباردة، وتعيد كوبا إلى قلب صراع النفوذ الدولي، لكن الفارق أن الاقتصاد الكوبي اليوم أكثر هشاشة، والعالم أكثر تشابكاً، مما يجعل أدوات الضغط المالي واللوجستي أكثر فاعلية.
يحذر دبلوماسيون ومسؤولو الأمم المتحدة في الجزيرة من مخاطر تفشي الأمراض واتساع نطاق الجوع، في ظل تعطل الخدمات الأساسية. ومن جانبها، أبدت الحكومة الكوبية استعداداً للحوار، حيث أعلن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مؤخراً أن بلاده منفتحة على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة “من دون شروط مسبقة ومن موقع الند للند”.
يمكن تفسير الأحداث الجارية كاستراتيجية ضغط متعددة المستويات تستهدف الطاقة (منع تدفق النفط وإرباك سلاسل الإمداد)، والسياحة (قطع شرايين العملات الصعبة)، والاستقرار الاجتماعي (زيادة مستويات الفقر والهجرة والجريمة).
تخلق هذه المقاربة بيئة ضغط داخلي تدفعها إلى تقديم تنازلات سياسية، لكن التاريخ يظهر أن مثل هذه الاستراتيجيات غالباً ما تثقل على المجتمعات أكثر مما تغيّر الأنظمة.
يصف بعض الاقتصاديين الكوبيين الوضع الراهن بأنه “أسوأ بكثير من الفترة الخاصة”، فالبلاد تشهد انقطاعاً شمولياً للطاقة، وشللاً في السياحة، وتراجعاً في الخدمات الأساسية، وتفككاً اجتماعياً، وهجرة جماعية، وكل ذلك—وفق التقارير—يحدث في وقت واحد.
فداحة الحصار الأمريكي على كوبا اليوم لا تقاس فقط بحجم الخسائر الاقتصادية، بل عمق التشققات التي تُحدثها في بنية المجتمع والدولة معاً، حيث أن خنق جزيرة كاملة عبر شريان الطاقة يعيد الأزمة من اقتصادية إلى وجودية تمس حياة الملايين يومياً، ويضع بلداً بأكمله على حافة مستقبل غامض.
تم نسخ الرابط
