استنزاف الموارد المالية والذخائر الأمريكية: حرب إيران تكشف النقطة الإستراتيجية الأكثر خطرًا في واشنطن – شاشوف
تواجه إدارة ترامب تحدياً كبيراً بشأن مخزونات الذخائر الأمريكية، حيث أظهرت التقارير استنزافاً غير مسبوق نتيجة دعم أوكرانيا وحرب إيران. رغم تأكيد ترامب على وجود مخزونات كافية، تشير البيانات إلى تراجع كبير في أنواع متعددة من الذخائر الدقيقة. انخفضت المخزونات إلى مستويات مقلقة، مما دفع الإدارة لطلب تمويل إضافي بمقدار 70 مليار دولار. ومع ذلك، يواجه الطلب معارضة في الكونغرس. تسعى إدارة ترامب جاهدة لتسريع الإنتاج والتوسع في القدرات العسكرية، إلا أن ذلك يحتاج لسنوات من الاستثمار، الأمر الذي يثير قلقاً بشأن القدرة على مواجهة تهديدات كبيرة من الصين أو روسيا.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
باتت قضية مخزونات الذخائر الأمريكية إحدى أبرز التحديات العسكرية والاستراتيجية التي تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب. بينما يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك ‘أكثر بكثير مما تحتاج’، تشير التقارير والدراسات إلى أن الحرب مع إيران والدعم العسكري الكبير الذي قُدم لأوكرانيا أديا إلى استنزاف غير مسبوق لبعض من أهم الصواريخ والأسلحة الدقيقة.
أدى ذلك إلى اتخاذ الإدارة الأمريكية خطوات لإعادة بناء المخزونات وتسريع الإنتاج، على الرغم من العقبات المالية والتشريعية والصناعية التي قد تستغرق سنوات لتجاوزها.
نفى ترامب وجود نقص في مخزون الذخائر، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تملك ذخائر ‘أكثر بكثير من أي دولة أخرى في العالم’، وحتى أكثر مما قد تحتاجه في المستقبل.
أوضح ترامب، في تصريحات حديثة تابعها ‘شاشوف’، أن إدارة بايدن منحت أوكرانيا كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة، مما استوجب إعادة ملء المخزونات الأمريكية، مؤكدًا أن بلاده تمتلك احتياطيات كبيرة من الذخائر متوسطة المدى وتسعى لزيادتها خلال السنوات المقبلة.
جاءت تصريحات ترامب ردًا على تقارير إعلامية أشارت إلى تراجع مخزون الأسلحة الأمريكية، وربطت ذلك بقرار الإدارة بالابتعاد عن توسيع الحرب ضد إيران.
لكن وسائل إعلام أمريكية، مثل وول ستريت جورنال، نقلت وجهة نظر مختلفة، مشيرة إلى أن تفضيل الإدارة الأمريكية للتهدئة مع إيران لم يكن مرتبطًا فقط بالسماح للمسار الدبلوماسي، وإنما أيضًا بالقلق من استنزاف مخزونات الذخائر، خصوصًا أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ البعيدة المدى.
وفقًا لقناة NBC News، بدأ الجيش الأمريكي بالفعل في اتخاذ قرارات أكثر انتقائية في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بسبب انخفاض مخزون الدفاع الجوي، مما يعكس حساسية الوضع اللوجستي الذي يواجهه البنتاغون.
كما ذكرت صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ أن ترامب رفض أي تصعيد عسكري واسع ضد إيران في ظل المخاوف المتعلقة بتقليص مخزونات الأسلحة، ورغبة في منح فرصة للمسار الدبلوماسي.
حربان استنزفتا الترسانة الأمريكية
تشير التقارير إلى أن استنزاف الذخائر جاء نتيجة الدعم العسكري الكبير الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ بداية الحرب مع روسيا في فبراير 2022.
وقد اتهم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إدارة بايدن بعدم تخصيص التمويل الكافي لتعويض الأسلحة التي أُرسلت إلى أوكرانيا، بينما وافقت الإدارة السابقة على خمس حزم إضافية لنقل الأسلحة، مما أدى إلى تراجع كبير في مخزونات عدد من الأسلحة الحيوية.
وكما يظهر تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الذي اطلع عليه ‘شاشوف’، فقد تم استنزاف أكثر من نصف مخزونات ما قبل الحرب من بعض أنواع الذخائر الدقيقة، مما دفع إدارة ترامب للمطالبة بزيادة الإنفاق العسكري وإعادة بناء القدرات الصناعية الدفاعية.
أرقام تكشف حجم الاستنزاف
تعكس الأرقام الضغوط التي تعرضت لها الترسانة الأمريكية في الأشهر الأخيرة، فبنهاية يونيو الماضي، استهلكت الولايات المتحدة نحو 1100 صاروخ كروز بعيد المدى، وهو رقم يقترب من إجمالي المخزون المتبقي من هذا النوع. أطلقت أكثر من 1000 صاروخ توماهوك، أي ما يعادل تقريبًا عشرة أضعاف الكمية التي تنتجها أو تشتريها سنويًا.
استخدم الجيش الأمريكي أيضًا أكثر من 1200 صاروخ باتريوت اعتراضي، حيث تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد 4 ملايين دولار، وتم استهلاك أكثر من 1000 صاروخ أرضي من طرازي PrSM (بريسيجن سترايك) وATACMS (أتاكمز)، مما أدى إلى تقليص المخزونات إلى مستويات اعتبرتها تقديرات داخلية في وزارة الدفاع الأمريكية ‘مقلقة’.
تتراوح التقديرات الأخرى لاستخدام الصواريخ الاعتراضية خلال الحرب بين 1500 و2000 صاروخ، حيث تصل تكلفة صاروخ THAAD (ثاد) إلى حوالي 15 مليون دولار.
قيمة الذخائر المستخدمة خلال اليومين الأولين فقط من الحرب تجاوزت 5.6 مليارات دولار، وفق الملاحظات السابقة لـ’شاشوف’.
الخطر الحقيقي.. ما علاقة الصين؟
رغم تأكيد قادة القيادة المركزية الأمريكية أن الجيش يمتلك ما يكفي من الذخائر إذا تقرر استئناف الحرب مع إيران، فإن المخاوف الحقيقية تتركز على قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب كبرى في المستقبل.
حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن استنزاف المخزونات أحدث ‘ثغرة أمنية’ قد تؤثر على قدرة واشنطن على مواجهة خصوم من مستوى الصين.
وفقًا للخبير العسكري الأمريكي سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في المركز نفسه، فإن الولايات المتحدة لا تمتلك ما يكفي من الذخائر بعيدة المدى أو أنظمة الدفاع الجوي اللازمة لخوض صراع طويل مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية.
يشير إلى أن الصين تمتلك قاعدة صناعية عسكرية ضخمة قادرة على إنتاج آلاف الصواريخ الفرط صوتية وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى ملايين الطائرات المسيّرة، مما يجعل الفجوة الصناعية الأمريكية أكثر وضوحًا.
يؤكد جونز أن واشنطن بحاجة عاجلة إلى زيادة مخزون الذخائر بعيدة المدى، والأنظمة غير المأهولة، وأنظمة الدفاع الجوي، فضلاً عن تعزيز قواعدها العسكرية في المحيطين الهندي والهادئ بملاجئ للطائرات ومخازن ذخيرة إضافية وخزانات وقود وأنظمة حماية متطورة.
خطة لإعادة بناء المخزونات
دفعت هذه الظروف إدارة ترامب للتحرك على عدة مسارات لإعادة بناء القدرات العسكرية، حيث ضغط الرئيس وكبار مسؤولي البنتاغون على شركات الصناعات الدفاعية لتسريع إنتاج الصواريخ والأنظمة التي استُنفدت خلال الحرب، كما طالبت الإدارة الكونغرس بتخصيص 70 مليار دولار إضافية لتغطية تكاليف الحرب مع إيران وإعادة تعويض الذخائر.
إلا أن هذا الطلب واجه معارضة قوية داخل الكونغرس، خاصة من الديمقراطيين الذين أعلنوا أن الإدارة لم تقدم تبريرات كافية للحرب أو تقديرات واضحة لتكاليفها، ورفضوا تخصيص أموال إضافية لصراع لا يحظى بتأييدهم.
في الوقت نفسه، طلبت إدارة ترامب ميزانية دفاعية ضخمة تبلغ 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027 لتعزيز القدرات القتالية وإعادة بناء المخزونات، لكن مجلس النواب أقر ميزانية أقل حوالي 1.15 تريليون دولار.
رغم تعهدات شركات الصناعات الدفاعية بزيادة الإنتاج، تظهر التقارير أن التوسع الفعلي لا يزال محدودًا.
أعلنت شركة رايثيون زيادة إنتاج صواريخ توماهوك إلى 1000 صاروخ سنويًا، بعد أن كان الإنتاج لا يتجاوز 90 صاروخًا، لكنها احتاجت إلى إيجاد موردين جدد للهياكل المعدنية الخاصة بالصواريخ.
كما دخلت الشركة في شراكة مع شركة دايفرجنت المتخصصة في الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنشاء منشأة جديدة لتصنيع هياكل الصواريخ وقطع الغيار ابتداءً من العام المقبل.
على الجانب الآخر، وصف مسؤولون في قطاع الصناعات الدفاعية التوسع الحالي بأنه ‘متواضع’، مؤكدين أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية ستتطلب سنوات من الاستثمار.
ناقشت قمة إعادة التصنيع في مدينة ديترويت سبل الاستفادة من خبرات قطاع صناعة السيارات في الإنتاج الكمي للذخائر، وأعلنت شركتا لوكهيد مارتن وجي إم ديفنس توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في زيادة إنتاج الذخائر والمعدات العسكرية.
معضلة الصناعة الدفاعية
تواجه إدارة ترامب تحديًا إضافيًا يتمثل في بطء إجراءات التعاقد والإنتاج ضمن القاعدة الصناعية الدفاعية.
اعتبرت الرئيسة التنفيذية لشركة إير المتخصصة في البرمجيات الدفاعية، تارا مورفي دوهرتي، أن الولايات المتحدة تواجه ‘فجوة خطيرة بين احتياجات المقاتلين وقدرات منظومة الأمن القومي’، مُعزّزة ذلك ببطء برامج التسليح وتعقيد أنظمة المشتريات الحكومية، وتقادم بعض آليات الإنتاج.
يضغط البنتاغون كذلك على شركات الصناعات العسكرية للاستثمار في مصانع جديدة بدلاً من توجيه الأرباح لإعادة شراء الأسهم أو توزيع الأرباح على المساهمين، بل إن لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ وافقت على مشروع قانون قد يمنع شركات الدفاع من إعادة شراء أسهمها أو توزيع أرباحها دون موافقة وزارة الدفاع.
ويوحي الوضع بتناقض بين الخطاب والواقع، فرغم تأكيد ترامب بأن الولايات المتحدة تمتلك المزيد من الذخائر مقارنة بأي دولة أخرى، فإن الإجراءات التي اتخذتها إدارته في الأشهر الماضية تعكس إدراكًا واضحًا لحجم المشكلة.
طلبت الإدارة تمويلًا إضافيًا، وضغطت على الكونغرس، واجتمعت مع كبار مصنعي الأسلحة، وأطلقت خططاً لتوسيع خطوط الإنتاج، كما حذرت تقارير رسمية من أن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق سنوات.
بينما تبدو الولايات المتحدة قادرة على تلبية احتياجاتها العسكرية الحالية، تشير غالبية التقديرات العسكرية إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في المحافظة على جاهزيتها لحرب طويلة وعالية الكثافة مع قوة عظمى مثل الصين، وهو تحدٍ يصعب حله بسرعة، ويتطلب سنوات من الاستثمار وإعادة بناء القاعدة الصناعية العسكرية الأمريكية.