أكثر من 60 منظمة تحذر من أزمة اقتصادية شاملة في اليمن تدفع الأسر لبيع أراضيها ومنازلها من أجل البقاء – شاشوف


أكثر من 60 منظمة إنسانية حذرت من كارثة اقتصادية وغذائية غير مسبوقة في اليمن، حيث يعاني 18 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي. تراجع التمويل الدولي أدى إلى تقليص المساعدات الغذائية إلى 1.2 مليون شخص فقط. العائلات فقدت مصادر دخلها وتضطر لبيع ممتلكاتها الأساسية، مما يهدد بقاءها. الاقتصاد انكمش بأكثر من 58% منذ 2015، ويعيش 74% من السكان تحت خط الفقر. الأزمات الاقتصادية العالمية والصراعات الإقليمية تزيد الضغوط، فيما تعاني 40% من المرافق الصحية من توقف. المنظمات تدعو إلى تمويل عاجل وتسهيل المساعدات الإنسانية.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

أصدرت أكثر من 60 منظمة إنسانية محلية ودولية تحذيرًا بشأن الوضع الاقتصادي والغذائي في اليمن، حيث يُعاني 18 مليون شخص، أي أكثر من 53% من السكان، من انعدام حاد في الأمن الغذائي. يأتي ذلك في ظل انهيار شبه كامل لنظام الدعم الإنساني وتراجع التمويل الدولي إلى مستويات غير مسبوقة.

جاء هذا التحذير في بيان مشترك اطلع عليه ‘شاشوف’، من بين المنظمات الموقعة عليه أوكسفام، أطباء بلا حدود، منظمة إنقاذ الطفولة، المجلس النرويجي للاجئين، لجنة الإنقاذ الدولية، وميرسي كوربس، مع العديد من المنظمات المحلية اليمنية. أكد البيان أن ‘الوقت ينفد لمنع انهيار كامل’ في بلد يعاني من أكثر من عشر سنوات من الحرب والتدهور الاقتصادي المستمر.

بيان ‘لم تعد هناك خيارات’ كشف عن أرقام مقلقة تعكس عمق الانهيار الاقتصادي في اليمن. حتى الآن، لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 سوى أقل من 15% من التمويل المطلوب، مما أدى إلى تقليص حاد في المساعدات الغذائية لتصل إلى 1.2 مليون شخص فقط، وبحصص لا تمثل سوى جزء بسيط من الحصة الغذائية القياسية.

تأتي هذه الأزمة في وقت يُعاني فيه 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة و1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة من سوء تغذية حاد، مما يعني أن جيلاً كاملاً من اليمنيين يواجه أضرارًا صحية وجسدية لا يمكن عكسها. وتشير بيانات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) التي رصدها ‘شاشوف’ في يوليو 2026 إلى أن الاحتياجات الغذائية الطارئة ستصل ذروتها من يوليو إلى سبتمبر، حيث يُتوقع أن يحتاج بين 15 و16 مليون شخص لمساعدات غذائية عاجلة.

تعقيد الأزمة اليمنية يعود إلى تداخل العوامل الاقتصادية المحلية مع الأزمات الإقليمية والدولية. اليمن، البلد الذي يستورد حوالي 85% من احتياجاته الغذائية وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يواجه ارتفاع أسعار الغذاء والوقود عالميًا، واضطراب الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق هرمز بسبب التصعيد العسكري، وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن البحري إلى مستويات قياسية. هذه العوامل زادت من كلفة الواردات وعكست تأثيرها على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، مما جعلها بعيدة المنال بالنسبة لملايين الأسر اليمنية التي فقدت مصادر دخلها.

اقتصاد منهار يدفع الأسر نحو خيارات لا رجعة فيها

يكشف البيان المشترك عن واقع اقتصادي مأساوي للأسر اليمنية التي استنفدت جميع وسائل التكيف الممكنة. أصبحت العائلات مضطرة لبيع أصولها المنزلية الأساسية وأراضيها الزراعية ومنازلها، مما يعني فقدان آخر أدواتها للبقاء الاقتصادي. كما تُخرج الأسر أطفالها من المدارس لإلحاقهم بسوق العمل، وتتخلى عن وجبات كاملة يوميًا، مما يتحمله النساء والفتيات بشكل أكبر، حيث يقدمن احتياجات باقي أفراد الأسرة على احتياجاتهن الأساسية، مما يعرضهن لسوء التغذية والأمراض المرتبطة.

الأبعاد الاقتصادية العامة للأزمة ليست أقل خطورة من أبعادها الإنسانية. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بأكثر من 58% منذ عام 2015، وفق تقديرات البنك الدولي، حيث يُظهر أن حوالي 74% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الدولي. اليمن مُقسم فعليًا إلى منطقتين اقتصاديتين متنافستين مع مؤسسات مالية ونقدية منفصلة، مما يعوق أي سياسة مالية أو نقدية موحدة.

وفي مناطق حكومة عدن، فقد الريال اليمني نحو 63% من قيمته مقارنة بالعام السابق ليصل إلى 1553 ريالًا مقابل الدولار في مايو 2026، وفق بيانات الأمم المتحدة، بينما تعاني مناطق سلطات صنعاء من شح حاد في السيولة النقدية وتدهور بيئة الأعمال، إضافة إلى انخفاض الطاقة الاستيعابية لموانئ البحر الأحمر التي تضررت من الصراع مع إسرائيل منذ أواخر 2024.

فوق ذلك، فإن 40% من المرافق الصحية في اليمن إما متوقفة عن العمل أو تعمل جزئيًا، مما يعني تراجعًا حادًا في قدرة الكشف عن سوء التغذية وعلاجه. كما أن 31 مديرية من أصل 68 ذات أولوية إنسانية تعاني من مستويات طارئة من الجوع وحاجات متعددة، وتبقى خارج نطاق أي برامج إغاثية فعّالة. هذا الفراغ في التغطية الإنسانية يؤدي إلى ترك مئات الآلاف من الأسر لمواجهة مصيرها بدون أي شبكة أمان اقتصادي أو اجتماعي.

صدمات خارجية تُضاعف كلفة البقاء على قيد الحياة

لا يمكن فصل الأزمة الغذائية في اليمن عن التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية التي زادت من كلفة الاستيراد والمعيشة. التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وخاصة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، أدى إلى زيادة حادة في رسوم الشحن الإضافية وأقساط التأمين، مما أثر مباشرة على أسعار الغذاء والوقود المستورد إلى اليمن.

تشير تقديرات شبكة (FEWS NET) إلى أن هذه الضغوط السعرية العالمية ستستمر حتى يناير 2027، مع توقعات بأن تبقى أسعار السلع الأساسية أعلى كثيرًا مما كانت عليه في السنوات الخمس الماضية وأعلى من مستويات ما قبل الحرب.

تتفاقم هذه الضغوط الاقتصادية الخارجية بفعل ظواهر مناخية قاسية أضرت باليمن في أوائل 2026، حيث تسببت سيول مفاجئة وتفشي آفات زراعية في أضرار جسيمة بالمحاصيل المحلية، في الوقت الذي وصلت فيه المساعدات الدولية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

هذا يعني أن المصادر الرئيسية للغذاء في اليمن، سواء من الاستيراد أو الإنتاج المحلي، تواجه ضغوطًا متزامنة. كما أن ارتفاع أسعار الوقود يزيد من تكاليف المياه المنقولة تجاريًا، مما يُجبر الأسر على الاختيار بين شراء مياه آمنة أو غذاء أساسي، مما يضع العبء الأكبر على النساء والفتيات المسؤولات عن جلب المياه.

طالبت المنظمات الموقعة على البيان المانحين الدوليين بتمويل الاستجابة الإنسانية بشكل عاجل، من خلال تقديم تمويل مرن وطويل الأمد يجمع بين مساعدات الأمن الغذائي وتدخلات التغذية والمياه والصحة. كما دعت إلى تعزيز التأهب للمخاطر المناخية وتمويل التخزين المسبق لإمدادات الطوارئ، وتقديم دعم زراعي موجّه لحماية ما تبقى من المحاصيل.

وناشدت أطراف النزاع ضمان وصول المساعدات الإنسانية بأمان ودون عوائق، وحماية العاملين في المجال الإنساني، مشيرة إلى قدرتها التشغيلية والشبكات المحلية لتوسيع عملياتها فورًا لتشمل المناطق المحرومة، لكن نقص التمويل والقيود المتعلقة بالوصول تعرقل ذلك.