الأمن الغذائي في اليمن: تحسن جزئي موسمي في ظل تدهور الاقتصاد – شاشوف
توقع تقرير صادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) استمرار أزمة الأمن الغذائي في اليمن حتى يناير 2027، مع وجود 15-15.99 مليون شخص بحاجة للمساعدات الغذائية بين يوليو وسبتمبر 2026. يتأثر الوضع بشكل كبير بالصراع المستمر والانهيار الاقتصادي، مما يجعل الفئات الضعيفة، مثل النازحين وأسر النساء، الأكثر عرضة للخطر. وبينما قد يتحسن إنتاج الزراعات سنوياً، فإن هذا لن ينهي الأزمة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة ونقص السيولة. يحذر التقرير من تداعيات الفيضانات وارتفاع الأسعار العالمية على الوضع الغذائي، مما يستدعي مستويات أعلى من الدعم الإنساني للحفاظ على الأمن الغذائي.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
يبرز تقرير جديد اطلعت عليه ‘شاشوف’، صادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، أن اليمن سيعيش واحدة من أسوأ أزمات الأمن الغذائي في العالم خلال الفترة من يونيو 2026 إلى يناير 2027. التقرير يشير إلى أن التحسن الموسمي المتوقع في الإنتاج الزراعي لن يكون كافياً لإنقاذ ملايين اليمنيين من الجوع، في ظل استمرار الحرب والإنهيار الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية.
أوضح التقرير أن محافظات الحديدة وحجة وتعز ستظل في وضع الطوارئ (المرحلة الرابعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC) طوال تلك الفترة، بينما ستبقى بقية المحافظات في حالة أزمة (المرحلة الثالثة)، مع وجود جيوب واسعة من الأسر التي تواجه ظروفًا أقرب إلى الطوارئ، خصوصًا بين النازحين داخليًا في محافظات الحديدة وحجة وعمران.
ويتوقع التقرير أن يصل عدد المحتاجين للمساعدات الغذائية الإنسانية إلى ذروته خلال موسم العجاف بين يوليو وسبتمبر 2026، حيث سيتراوح العدد ما بين 15 و15.99 مليون شخص. وعلى الرغم من التراجع الطفيف المتوقع مع بداية موسم حصاد الحبوب وزيادة الطلب الموسمي على العمالة الزراعية، يورد التقرير أن هذا التحسن سيكون محدودًا ولن يغير الصورة العامة للأزمة، بسبب استمرار تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
أكثر الفئات عرضة للخطر تشمل النازحين داخليًا، والأسر التي تعولها النساء، والسكان المقيمين على خطوط التماس، بالإضافة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تأثرت من الفيضانات التي ضربت البلاد هذا العام، حيث تواجه هذه الفئات صعوبات متزايدة في تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية.
اقتصاد منهك يفاقم أزمة الغذاء
يربط التقرير بين استمرار انعدام الأمن الغذائي والانكماش الحاد في الاقتصاد منذ سنوات، موضحًا أن المنافسة على الفرص المحدودة للعمل لا تزال تحد بشدة من دخول الأسر الفقيرة. في حين أصبح ملايين اليمنيين غير قادرين على شراء الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية.
كما يحذر التقرير من أن الفيضانات الأخيرة والتوقعات المناخية السلبية ستؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة وتقليل الإنتاج الزراعي، الأمر الذي سينعكس على الطلب على العمالة الزراعية التي تعد المصدر الرئيسي للدخل للعديد من الأسر الريفية.
وفي مناطق حكومة صنعاء، أشار التقرير إلى أن تدهور بيئة الأعمال وتراجع النشاط في موانئ البحر الأحمر سيؤديان إلى تقليص فرص العمل والدخل. بينما تواجه مناطق حكومة عدن ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتغير السياسات الجمركية.
كما توقع التقرير استمرار انتقال آثار ارتفاع الأسعار العالمية إلى السوق اليمنية، خصوصًا في ما يتعلق بالوقود والأسمدة والمواد الغذائية المستوردة، بالإضافة إلى تأثير رسوم الشحن البحري والتأمين ضد مخاطر الحرب، مما يزيد الضغوط التضخمية ويضعف القوة الشرائية للأسر.
وسيؤدي إلغاء سعر الصرف الجمركي وفرض رسوم جديدة على واردات دقيق القمح في مناطق حكومة عدن إلى ضغوط إضافية على أسعار الغذاء، بينما إجراءات ضبط الأسعار في مناطق حكومة صنعاء قد تقلل من ارتفاع الأسعار لكنها لن تمنعها بالكامل.
عقد من الحرب غيّر الاقتصاد اليمني
استعرض التقرير الخلفية الاقتصادية للأزمة، موضحًا أن الحرب منذ مارس 2015 أدت إلى انكماش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بأكثر من 58%، مع تضرر واسع للبنية التحتية وتراجع النشاط التجاري والاستثماري.
وأشار إلى أن استهداف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022 أدى إلى انهيار أحد مصادر الإيرادات الحكومية الرئيسية والعملات الأجنبية. في وقت انقسم فيه الاقتصاد اليمني فعليًا إلى منطقتين ماليتين ونقديتين منفصلتين، لكل منهما مؤسساته وسياساته الاقتصادية.
قال التقرير إن حكومة صنعاء لا تستطيع إصدار عملة جديدة، مما أدى إلى شح السيولة النقدية وتداول أوراق نقدية متهالكة، بينما تعاني مناطق حكومة عدن من تقلبات مستمرة في أسعار الصرف والتضخم، رغم الإجراءات النقدية التي اتخذها بنك عدن المركزي خلال عام 2025 للحد من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم تلك الإجراءات، أكد التقرير أن أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية لا تزال أعلى بكثير من متوسط السنوات الخمس الماضية، وكذلك أعلى من مستويات ما قبل الحرب.
كما يعتمد اليمن على الاستيراد لتأمين نحو 85% من احتياجاته الغذائية، مما يجعله شديد الحساسية لأي اضطرابات في التجارة الدولية أو النقل البحري.
شهدت السنوات الأخيرة تحول معظم الواردات نحو موانئ البحر الأحمر، إلا أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للموانئ نتيجة الصراع منذ أواخر عام 2024 أدت إلى انخفاض حجم الواردات، وتراجع الإيرادات الجمركية، وتقليص فرص العمل المرتبطة بالموانئ.
البطالة والفقر يفاقمان الأزمة
بيّن التقرير أن سوق العمل اليمنية لا تزال تعاني من ركود شديد، إذ يبلغ معدل البطالة الرسمي نحو 17%، إلا أن المشاركة الفعلية في سوق العمل تعد من بين الأدنى عالميًا، حيث يعمل حوالي ثلث السكان في سن العمل فقط، بسبب ضعف النشاط الاقتصادي وعدم قدرة الاقتصاد على استيعاب المزيد من العمالة.
تشير تقديرات راجعها شاشوف من البنك الدولي إلى أن غالبية السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر الدولي بحلول عام 2022. بينما يعتمد العاملون في المدن على أعمال غير مستقرة مثل البناء والنقل والتجارة الصغيرة، وهي أنشطة لم تعد توفر دخلاً يكفي لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء.
يرى التقرير أن تآكل مصادر الدخل، وارتفاع معدلات الفقر، واستمرار التضخم، جعلت الأسر اليمنية أكثر عرضة لأي صدمة جديدة سواء كانت اقتصادية أو مناخية أو مرتبطة باستمرار النزاع.
على الرغم من أن القطاع الزراعي لا يزال يمثل أحد أهم مصادر الغذاء والدخل في الريف، فإن التقرير يؤكد أنه يواجه تحديات متزايدة نتيجة نقص المياه، وتراجع إمكانية الوصول إلى الأراضي الزراعية، وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، بالإضافة إلى آثار الحرب والفيضانات.
قبل اندلاع الحرب، كانت الزراعة تمثل نحو 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014، ولكن لا توجد تقديرات حديثة لحجم مساهمتها بعد سنوات الحرب.
يشير التقرير إلى أن المرتفعات الشمالية والوسطى، التي تضم معظم الأراضي الزراعية، تعتمد بشكل رئيسي على إنتاج الحبوب والفواكه والخضروات والقات، بينما تنتج المناطق الساحلية والمنخفضة الحبوب المروية بالإضافة إلى الخضروات والفواكه. يعتمد مربو الثروة الحيوانية على مواسم الأمطار لتحسين المراعي وزيادة الإنتاج.
تراجع المساعدات الإنسانية يزيد الضغوط
أكد التقرير أن المساعدات الغذائية كانت تلعب دورًا محوريًا في الحد من المجاعة، ولكن نقص التمويل أدى إلى تقليصها تدريجيًا منذ نهاية عام 2021، وحتى توقفت تمامًا في مناطق حكومة صنعاء منذ سبتمبر 2025، مما تسبب في اتساع فجوات الغذاء لدى ملايين السكان.
يخلص التقرير إلى أن التحسن الموسمي المتوقع في الإنتاج الزراعي خلال النصف الثاني من عام 2026 لن يكون كافياً لتغيير مسار الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار الحرب والانقسام الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتراجع التمويل الإنساني، مما يعني بقاء ملايين اليمنيين في مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.