تجدد أزمة هرمز: إيران تركز على المضيق بدلاً من القضية النووية وواشنطن تزيد من التوترات العسكرية – شاشوف


أدخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، حيث أصبحت السيطرة على الممر البحري محوراً رئيسياً للنزاع. تعزز إيران موقفها بأن إعادة فتح المضيق يتطلب توقف التدخلات الأمريكية والاعتراف بدورها في إدارة الملاحة، بينما تواصل الولايات المتحدة تنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية. وقد أدت هذه التطورات إلى تراجع حركة الملاحة وزيادة تكاليف التأمين. تتباين المواقف حول اتفاق وقف القتال، مما يزيد التوترات. يُظهر المشهد تصاعد استخدام مضيق هرمز كوسيلة ضغط استراتيجية إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة، مع تأثيرات سلبية على حركة السفن وأسعار التأمين البحري.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، حيث أصبحت السيطرة على الممر البحري محور المواجهة الأبرز بين إيران والولايات المتحدة، متجاوزةً في أهميتها حتى الملف النووي وفق تحليل اطلع عليه “شاشوف” لوكالة رويترز.

تؤكد إيران أن إعادة فتح المضيق بشكل كامل تتوقف على وقف التدخلات الأمريكية والاعتراف بدورها في إدارة الملاحة، بينما تواصل واشنطن تنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية بحجة حماية السفن التجارية، وهو ما انعكس سلباً على حركة الملاحة العالمية وأسعار التأمين البحري.

أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أن الضربات الأمريكية الأخيرة، بالإضافة إلى ما وصفته بالتدخل في تعديل مسارات الملاحة داخل المضيق، تعرقل عملية إعادة فتح الممر البحري تدريجياً، محذرة من أن استمرار تلك التدخلات يمثل تهديداً لمصالح جميع الدول التي تعتمد على المضيق.

وأشار الحرس الثوري، حسب قراءة شاشوف، إلى أن الطاقة التشغيلية للعبور ارتفعت خلال الأسبوعين الماضيين إلى حوالي 50% من مستويات ما قبل الحرب، إلا أن المرور لا يزال يقتصر على السفن التي تحصل على تصاريح مسبقة لاستخدام المسارات التي تحددها السلطات الإيرانية، مع تحذير بأن أي تدخل أمريكي جديد سيقابل بـ”رد قاسٍ”.

هرمز يتقدم على الملف النووي في حسابات طهران

تفيد تحليلات رويترز، بناءً على تصريحات مسؤوليين إيرانيين رفيعين، أن مضيق هرمز أصبح “السلاح الذهبي” في الاستراتيجية الإيرانية، وورقة تفاوضية تتقدم حتى على البرنامج النووي الذي كان محور الصراع بين طهران والغرب لعقود.

ترى القيادة الإيرانية أن السيطرة على المضيق هي السبب وراء إنهاء الولايات المتحدة الحرب، ولذلك ترفض تقديم أي تنازل بشأنه قبل أن تعترف واشنطن عملياً بما تصفه طهران بـ”النظام الجديد” لإدارة الملاحة في هرمز.

تشير المصادر إلى أن إيران لم تعد تعتبر إغلاق المضيق خياراً رادعاً أخيراً كما كان سابقاً، بل باتت تنظر إلى التحكم في حركة العبور كوسيلة استراتيجية دائمة لتعزيز نفوذها الإقليمي وفرض شروطها السياسية.

كما نقلت رويترز عن مصدرين إيرانيين أن القيادة الإيرانية تعتقد أن أي تراجع في ملف هرمز سيفتح الطريق لمطالب أمريكية إضافية تتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية، وهو ما تعتبره طهران “استسلاماً” غير مقبول.

خلاف على تفسير اتفاق وقف القتال

تدور الأزمة حول اختلاف تفسير مذكرة التفاهم التي أنهت المواجهة العسكرية مؤقتاً بين الطرفين.

تنص المذكرة، حسب اطلاع شاشوف، على أن إيران “ستتخذ الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون فرض رسوم لمدة 60 يوماً”، إلا أن طهران تعتبر هذه الصياغة اعترافاً أمريكياً ضمنياً بحقها في إدارة المضيق، مع تعليق فرض الرسوم فقط خلال الفترة الانتقالية.

في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة ودول الخليج أن الاتفاق لا يمنح إيران أي صلاحيات إضافية، بل يلتزمها بضمان سلامة الملاحة وعدم استخدام القوة ضد السفن التجارية.

هذا التباين يفسر التصعيد الأخير، حيث تعرضت سفن لعبور المضيق دون التنسيق مع إيران، مما أدى إلى هجمات أعادت التوتر إلى المنطقة وأضعفت الهدنة الحالية.

تراجع حاد في حركة الملاحة

أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها وكالة بلومبيرغ أن حركة الملاحة في مضيق هرمز اقتربت من التوقف التام في اليومين الماضيين، عقب الضربات الأمريكية والإيرانية المتبادلة.

انخفض عدد السفن التجارية التي عبرت إلى 14 سفينة فقط يوم الأربعاء، مقارنةً بذروة بلغت 59 سفينة في 24 يونيو حسب مراجعة شاشوف، بينما بلغ متوسط الحركة اليومية بعد توقيع الاتفاق المؤقت نحو 34 سفينة، مما يعكس تراجعاً كبيراً في النشاط الملاحي.

كما توقفت حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال بالكامل، حيث تركزت معظم السفن التي استمرت في المرور داخل المسار البحري الذي تديره إيران بالقرب من الساحل الشمالي للمضيق، بينما ظل الممر البحري العماني المدعوم أمريكياً شبه خالٍ من الحركة.

كما أشارت البيانات إلى عودة عمليات التشويش الإلكتروني التي أثرت على أنظمة تحديد مواقع السفن وأجهزة الإرسال والاستقبال، مما يزيد من تعقيد حركة الملاحة ويصعب تتبع السفن بشكل دقيق.

ارتفاع كبير في تكاليف التأمين البحري

انعكس تدهور الوضع الأمني سريعاً على سوق التأمين البحري، إذ أفادت مصادر في القطاع لوكالة رويترز بأن العلاوات الإضافية لتأمين السفن العابرة لمضيق هرمز ارتفعت بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة.

تراوحت الأقساط الإضافية الجديدة بين 1% و5% من قيمة السفينة، بينما أكدت عدة شركات أن المعدلات الفعلية وصلت إلى 5% في بعض الحالات، مقارنةً بنحو 2% قبل موجة التصعيد الأخيرة، فيما أشارت مصادر أخرى إلى إمكانية منح خصومات لشركات الشحن إذا استقرت الأوضاع الأمنية.

يعكس هذا الارتفاع حجم المخاطر التي تقدرها شركات التأمين لعبور المضيق، خاصة بعد استهداف سفن تجارية وعودة العمليات العسكرية الأمريكية.

واشنطن توسع عملياتها العسكرية

في المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سينتكوم” انتهاء موجة ثانية من الضربات العسكرية التي استهدفت نحو 90 موقعاً عسكرياً إيرانياً، شملت منظومات للدفاع الجوي ومواقع مراقبة ساحلية ومستودعات صواريخ وطائرات مسيرة وقدرات بحرية وبنية لوجستية على الساحل الإيراني.

ذكرت القيادة الأمريكية أن الضربات جاءت لهدف تقويض قدرة إيران على استهداف السفن التجارية والبحارة المدنيين في مضيق هرمز، بعد أن كانت القوات الأمريكية قد استهدفت قبل ذلك بأيام أكثر من 80 هدفاً عسكرياً، بينها عشرات الزوارق التابعة للحرس الثوري.

ورغم إعلانه قبل يوم واحد انتهاء الاتفاق المؤقت لوقف الحرب، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران تواصلت مع واشنطن وأبدت رغبتها في التوصل إلى اتفاق جديد.

أشار ترامب إلى أن الضربات الأمريكية جاءت رداً على استهداف إيران للسفن التجارية، محذراً من أن أي هجمات جديدة ستقابل برد أقوى، لكنه في الوقت ذاته قال إنه لا يتوقع اندلاع حرب واسعة مجدداً، رغم تشكيكه في نوايا القيادة الإيرانية واستعداده لمواصلة الضغوط العسكرية إذا لزم الأمر.

تبرز هذه التصريحات التناقض الذي يميز الوضع الحالي، حيث تتواصل الضربات العسكرية الأمريكية، بينما لا تزال القنوات السياسية مفتوحة، وسط جهود لإحياء مسار تفاوضي جديد.

تشير التطورات إلى أن مضيق هرمز أصبح أداة ضغط استراتيجية تستخدمها إيران لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة، حيث تسعى طهران إلى فرض اعتراف عملي بدورها في إدارة الملاحة، وتحاول واشنطن منع تحول هذا الواقع إلى واقع دائم من خلال الضغوط العسكرية وحماية خطوط التجارة الدولية.

مع استمرار الهجمات المتبادلة، وتراجع حركة السفن، وارتفاع تكاليف التأمين، يبقى مستقبل الملاحة في المضيق مرتبطاً بنتائج هذه المواجهة السياسية والعسكرية، التي أصبحت تمثل اليوم جوهر الصراع الأمريكي الإيراني أكثر من الملف النووي ذاته.