انهيار المؤسسات المالية: ما واقع ‘الانتعاش الاقتصادي’ الذي تروج له حكومة عدن؟ – شاشوف
تواجه الحكومة اليمنية في عدن تحديات اقتصادية حادة رغم تأكيدها على ‘التعافي الاقتصادي’. تشير التحليلات إلى أن المؤسسات الإيرادية تكافح نتيجة الفساد الهيكلي، مع عجز موازنة يصل إلى 48% لعام 2025. ورغم سعي وزارة المالية إلى تطوير خطة قصيرة المدى، يبقى نجاحها مشكوكاً فيه بسبب ضعف الأداء وغياب البيئة السياسية المستقرة. يبرز الخبير علي المسبحي الوضع الكارثي للاقتصاد، مع انكماش كبير في الإيرادات العامة، وانخفاض الإيرادات النفطية إلى صفر. يُعتبر الفساد والمصالح الشخصية سبباً رئيسياً لتدهور الأداء، مما يستدعي إعادة هيكلة شاملة ومحاسبة فعالة.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
في الوقت الذي تواصل فيه حكومة عدن التأكيد على ‘التعافي الاقتصادي’ وطرحها خطط استراتيجية لتعزيز الإيرادات، تكشف أحدث التحليلات الاقتصادية أن النظام المالي يمر بفترة صعبة للغاية، بسبب تآكل المؤسسات الإيرادية، وتفشي الفساد الهيكلي، واستمرار العجز السيادي في جباية وتوريد الأموال من المحافظات الحيوية إلى بنك عدن المركزي. وقد بلغت نسبة العجز في الموازنة العامة نحو 48% لعام 2025.
وفقاً للاطلاع الذي قامت به “شاشوف” على آخر المنشورات الرسمية، عقدت وزارة المالية في عدن اجتماعاً لمناقشة تنفيذ الخطة قصيرة المدى للفترة 2026-2027، التي تركز على برامج وإجراءات تهدف إلى تنمية الموارد العامة للدولة.
وأشارت الوزارة إلى وجود قصور واختلالات في أدائها خلال هذه المرحلة التي تحتاج إلى معالجة، مؤكدةً على أهمية العمل وفق خطط الإصلاح الاقتصادية الشاملة وترشيد الإنفاق وتفعيل دور السلطات الرقابية على كافة مؤسسات الدولة الإيرادية، لتعزيز ثقة المانحين والشركاء الإقليميين والدوليين.
لكن الخطط المطروحة لا تزال محط شك في أذهان المراقبين الذين يرون أن حكومة عدن تفتقر إلى الأدوات التنفيذية والبيئة السياسية المستقرة اللازمة لتنفيذ هذه الإجراءات على أرض الواقع.
نغمة “التعافي الاقتصادي” مقابل تدهور المؤسسات الإيرادية
في ظل الرواية الحكومية، يستنكر العديد من الخبراء الاقتصاديين التعاطي الرسمي، مثل الخبير النفطي “علي المسبحي”، الذي يعتبر الحديث عن ‘التعافي الاقتصادي’ في الإعلام الحكومي مجرد مغالطة ودعاية سياسية دون أساس واقعي.
ويؤكد المسبحي أن الأوضاع الاقتصادية لا تزال كارثية وفق المؤشرات والبيانات، مشيراً إلى أن ‘التعافي الاقتصادي’ المُروج له حكومياً ليس سوى دعم خارجي قدمته حكومة عدن من السعودية، مما ساهم في إنقاذ قطاعات مثل الكهرباء والرواتب، إضافة إلى رفع قيمة الدولار الجمركي بأكثر من 106%.
تعاني المؤسسات الإيرادية والسيادية من تدهور عميق، حيث تحولت العديد منها – حسب المسبحي – بعد عام 2015 إلى بؤر نفوذ تديرها شبكات مصالح شخصية وعصابات تدير الأمور وفقًا للأهواء والمتبادلات، مما أدى إلى ترسيخ توظيفات مناطقية وترقيات مبنية على المحسوبية التي أضعفت الهياكل التنظيمية الرسمية.
امتد ذلك إلى الفساد المالي، حيث تم تخصيص أموال لمشاريع غير ناضجة ومشتريات مخالفة لقانون المناقصات تتم بموجب الأمر المباشر وطرق تحايلية، وفق تعبير المسبحي.
ونتيجة لهذا الضعف التشغيلي والإضراب المستمر، باتت نفقات بعض المؤسسات تتجاوز إيراداتها المحصلة، مما أدى إلى الدخول في عجز مستمر يستدعي الاستدانة من البنوك أو بيع بعض الأصول لتغطية النفقات الثابتة والأجور التشغيلية للموظفين.
انكماش الإيرادات العامة
حسب مراجعة شاشوف، تُظهر المؤشرات تراجعاً كبيراً في إجمالي الإيرادات العامة للدولة، حيث انخفضت من حوالي 2066 مليار ريال في عام 2024 بنسبة 31%، لتصل إلى نحو 1435 مليار ريال فقط في عام 2025 بسبب ضعف كفاءة المؤسسات الإيرادية.
في السياق ذاته، تراجعت إيرادات مؤسسات الدولة غير الضريبية، بما في ذلك الرسوم وتحويلات أرباح المؤسسات ومبيعات الغاز محلياً، إلى مستويات غير مسبوقة، فقد انخفضت هذه الإيرادات من حوالي 217 مليار ريال في عام 2016 تدريجياً لتصل إلى حوالي 121 مليار ريال فقط في عام 2024 نتيجة لتدهور القدرة التحصيلية للموارد.
ويعتبر المسبحي أن الوضع الأسوأ في المنظومة المالية يتمثل في وصول الإيرادات النفطية السيادية إلى ‘صفر’ في عام 2024، مقابل نحو 39 مليار ريال تم تحصيلها في عام 2023.
كما يمثل العجز عن بسط النفوذ المالي والسيادي على المحافظات مؤشراً بارزاً لفشل إدارة حكومة عدن، حيث تواصل محافظات حيوية مثل حضرموت والمهرة وتعز احتفاظها بكتلتها الإيرادية محلياً والامتناع عن توريد العائدات المحلية والسيادية إلى بنك عدن المركزي، مما يفقد الدولة موارد مهمة من المنافذ البرية والبحرية والضرائب المباشرة.
ضمن هذا السياق، تظل محافظة مأرب أبرز مثال للخروج عن السيطرة الاقتصادية والمالية على مدى سنوات، ورغم الآمال المتعلقة مؤخراً بربط فرع بنك مأرب بشبكة مع بنك عدن المركزي، إلا أن هذا الإجراء المتأخر يُعتبر دليلاً على عجز الحكومة عن فرض هيبتها، كما لا يُعتبر مؤشراً كافياً على السيطرة الفعالة الكاملة حتى الآن.
يؤكد الواقع الاقتصادي أنه لم تعد المعالجات السطحية والاجتماعات لم تعد كافية لوقف النزيف المالي المستمر، إذ يتعين على حكومة عدن الانتقال من مرحلة التبرير والتحضير على المنح الخارجية إلى اتخاذ قرارات مصيرية تشمل إعادة هيكلة المؤسسات الإيرادية على أسس علمية، وتفعيل التدوير الوظيفي، ومعالجة تضخم العمالة، ومحاربة شبكات الفساد، وإيجاد آلية صارمة تضمن التزام كافة الجهات الإيرادية بإدارة مالية مركزية وتوريد الموارد.