استطلاع عالمي: المصارف المركزية تبدأ لأول مرة في تقليل احتياطيات الدولار وزيادة الذهب والعملات الأخرى – شاشوف
كشف استطلاع دولي حديث عن تراجع ثقة البنوك المركزية في الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية، حيث تخطط العديد منها لتقليص احتياطياتها من الدولار في السنوات المقبلة. في المقابل، تزداد حيازات الذهب، ويعزز استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة المحافظ الاستثمارية. يُظهر الاستطلاع أن 79% من البنوك المركزية تتوقع انتقال النظام النقدي إلى عالم متعدد الأقطاب، حيث تتزايد الرغبة في تنويع العملات الاحتياطية مثل الكرونة النرويجية واليوان الصيني. ورغم احتفاظ الدولار بمكانته الحالية، فإن التحولات تشير إلى إعادة تقييم لاستراتيجيات الاحتياطي في ظل البيئة الاقتصادية المتقلبة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
أظهر استطلاع دولي حديث تغيراً مهماً في توجهات البنوك المركزية حول العالم، حيث تخطط عدد متزايد منها لتقليص احتياطياتها من الدولار الأمريكي خلال السنوات القادمة، وهو ما يعد مؤشراً واضحاً على تراجع الثقة بالدولار كأهم عملة احتياطية في العالم، مع تصاعد المخاطر السياسية والجيوسياسية وتزايد الحديث عن انتقال النظام النقدي العالمي نحو تعددية أكبر.
الاستطلاع الذي اطلع عليه “شاشوف” وأجراه المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية (OMFIF) ونشرته وكالة “رويترز”، أشار إلى أن هذا التحول يتزامن مع زيادة البنوك المركزية في احتياطيات الذهب، وتوسعها في استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة المحافظ الاستثمارية، في ظل بيئة اقتصادية عالمية أصبحت أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ.
وفقًا لنتائج الاستطلاع، يرغب عدد كبير من البنوك المركزية في تقليل حيازاتها من الدولار الأمريكي بدلاً من زيادتها على مدى العقد المقبل، وهذه هي المرة الأولى التي يتكشف فيها هذا التحول منذ بدء الاستطلاع. ويعكس هذا التغيير زيادة المخاطر السياسية المرتبطة بالولايات المتحدة، إلى جانب عدم اليقين بشأن السياسات الأمريكية، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية التي دفعت مديري الاحتياطيات لإعادة تقييم توزيع أصولهم.
كما يأتي ذلك في وقت يشهد فيه العالم نقاشاً متزايداً حول مستقبل الدولار كعملة احتياط رئيسية، مع سعي العديد من الدول إلى تنويع احتياطياتها والحد من اعتمادها على العملة الأمريكية.
تضمن الاستطلاع 90 بنكاً مركزياً وصندوقاً سيادياً وصندوقاً عاماً للمعاشات التقاعدية، تدير جميعها أصولاً قدرها نحو 10 تريليونات دولار. وأظهرت النتائج أن المؤسسات المشاركة تنظر إلى التقلبات الاقتصادية والمالية كواقع دائم بدلاً من كونه مرحلة مؤقتة، مما يدفعها لتبني أدوات وأساليب جديدة لإدارة المخاطر.
قالت كبيرة الاقتصاديين في المنتدى، يارا عزيز، إن الافتراض التقليدي بإمكانية انتظار عودة الأسواق إلى الوضع الطبيعي أصبح أقل واقعية، مشيرة إلى أن المستثمرين في القطاع العام مضطرون للتكيف مع بيئة عالمية تتسم بعدم الاستقرار المستمر.
نحو عالم متعدد الأقطاب
على الرغم من تحول توجهات البنوك المركزية، لا يزال الدولار الأمريكي يحتفظ بمكانته المهيمنة، حيث شهد ارتفاعًا بنحو 3% منذ بداية العام، بدعم من استقرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، بالإضافة إلى الإقبال الكبير على الأصول الأمريكية وموجة البحث عن ملاذات آمنة نتيجة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
إلا أن هذه القوة الحالية لم تحقق للبنوك المركزية الاستقرار في هيكل احتياطياتها على المدى الطويل، تحسباً لتغيرات محتملة في النظام المالي العالمي. وأظهر الاستطلاع أن نحو 79% من البنوك المركزية و60% من الصناديق العامة يعتقدون أن النظام النقدي العالمي في مرحلة انتقالية نحو عالم ‘متعدد الأقطاب’، حيث تتراجع الهيمنة المطلقة للدولار تدريجياً لصالح تنوع أكبر في العملات الاحتياطية.
في هذا الإطار، بدأت عملات خارج قائمة العملات الاحتياطية التقليدية تنال اهتماماً متزايداً، حيث أعربت البنوك المركزية عن رغبتها في زيادة حيازاتها من الكرونة النرويجية والدولار النيوزيلندي، كما زاد الاهتمام بالجنيه الإسترليني.
بينما أعلن المشاركون أيضاً عن رغبتهم في زيادة الاحتفاظ باليورو واليوان الصيني، أشاروا إلى أن التحديات الهيكلية لا تزال تعيق قدرة هاتين العملتين على منافسة الدولار بشكل كامل، ورغم هذه التحديات، اعتبر معظم المشاركين أن اليوان الصيني يعد أداة فعالة لتنويع المحافظ الاستثمارية والحد من الاعتماد على الدولار.
الذهب يتصدر استراتيجية البنوك المركزية
أكد الاستطلاع أن الذهب أصبح عنصراً محورياً في استراتيجيات إدارة الاحتياطيات لدى البنوك المركزية، بعدما واصل تحقيق مستويات قياسية في الأسعار مؤخرًا. ووفقاً لتحليل شاشوف، فإن 82% من البنوك المركزية تحتفظ بالفعل بالذهب ضمن احتياطياتها، بينما يُعتبر المعدن النفيس الأصل الأكثر ترجيحًا لزيادة حيازاته خلال العامين المقبلين.
تخطط 30% من المؤسسات المشاركة لزيادة احتياطياتها من الذهب خلال العام أو العامين القادمين، وهو أعلى معدل بين جميع الأصول الاحتياطية الأخرى، مما يعكس تزايد الاعتماد عليه كملاذ آمن في ظل الاضطرابات العالمية.
بالإضافة إلى إعادة هيكلة الاحتياطيات، كشف التقرير عن توجه واسع لدى البنوك المركزية لتوسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الأصول وتحليل المخاطر. وأفاد الاستطلاع بأن أكثر من 66% من البنوك المركزية تخطط لزيادة دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، في ظل قناعة متزايدة بأن الأدوات التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التقلبات المستمرة.
أظهرت النتائج أن أيًا من البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة لا تشعر بالرضا الكامل عن مستوى استخدام الذكاء الاصطناعي حالياً، حيث بلغت نسبة الرضا بين جميع البنوك المركزية المشاركة نحو 9% فقط، مما يشير إلى وجود توجه قوي للاستثمار في هذه التقنيات خلال السنوات المقبلة.
عموماً، تعكس نتائج الاستطلاع مؤشرات على تغييرات تدريجية في بنية النظام النقدي العالمي. إذ لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته كأهم عملة احتياطية، لكنه يواجه للمرة الأولى توجهاً متزايداً لدى البنوك المركزية لتقليل الاعتماد عليه، مقابل تعزيز احتياطيات الذهب وتنويع العملات المستخدمة، بجانب الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة الاحتياطيات في عالم يتميز بارتفاع المخاطر وتزايد التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.