الأونكتاد: اليمن من بين الدول الأكثر تعرضاً لنتائج طويلة الأمد لعدم الاستقرار في مضيق هرمز – شاشوف


رغم استعادة الملاحة في مضيق هرمز وتراجع أسعار النفط، يحذر الأونكتاد من تداعيات اقتصادية خطيرة لم تظهر بعد. بينما تعود أسواق الطاقة للتوازن، تستمر أزمة الغذاء وسلاسل الإمداد، خاصة في البلدان النامية. يمثل اليمن نموذجًا لاقتصادات هشة تعتمد بشدة على الواردات، مما يجعلها عرضة لمزيد من الضغوط. التكاليف المرتفعة للإنتاج والنقل ستستمر، مما يؤثر سلبًا على مستويات المعيشة والأمن الغذائي. يتطلب التعافي دعمًا دوليًا خاصًا للدول الأكثر هشاشة، حيث إن استقرار أسعار النفط ليس كافيًا لضمان تحسين الظروف المعيشية.

تقارير | شاشوف

رغم عودة الحركة في مضيق هرمز بشكل تدريجي وتراجع أسعار النفط إلى مستويات قريبة من تلك التي كانت قبل الحرب، يحذر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) من أن أخطر التداعيات الاقتصادية للأزمة لم تظهر بعد.

بينما استعادت أسواق الطاقة جزءاً كبيراً من توازنها، لا تزال أسواق الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية تعاني من آثار قد تستمر لعدة أشهر، إن لم يكن لسنوات، مع توقع استمرار ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج الزراعي في العديد من الدول النامية.

يشير التقرير الذي اطلع عليه “شاشوف” إلى أن الدول ذات الاقتصادات الضعيفة ستكون الأكثر تأثراً بهذه التداعيات، حيث حدد الأونكتاد 61 اقتصاداً معرضاً لصدمة متزامنة في واردات النفط والحبوب، منها 35 دولة من الأقل نمواً و26 دولة جزرية صغيرة نامية، مع وجود 7 دول تنتمي إلى الفئتين معاً. ويشير التقرير إلى أن هذه الاقتصادات تفتقر إلى القدرة المالية اللازمة لامتصاص ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مما يجعل أي اضطراب في التجارة العالمية يتحول سريعاً إلى أزمة معيشية تمتد آثارها إلى ملايين الأشخاص.

في طليعة هذه الدول يأتي اليمن، الذي يعاني اقتصادياً نتيجة سنوات من الصراع، ويعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والوقود، مما يجعله من بين الدول الأكثر عرضة لاستمرار موجة الغلاء حتى بعد استقرار أسواق النفط العالمية.

التحذير يستند إلى الاضطرابات التي استمرت لأكثر من 100 يوم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يعبر منه في الأحوال الطبيعية نحو 20% من تجارة النفط العالمية وكميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. يرى الأونكتاد أن طول الفترة التي استمر فيها الاضطراب تجعل آثار الأزمة الحالية تختلف عن الصدمات القصيرة الأمد التي تعرضت لها الأسواق سابقاً.

لهذا، يعتبر الأونكتاد أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل بداية مرحلة التعافي لأسواق الطاقة، لكنها لا تعني انتهاء الضغوط التي ستؤثر على أسعار الغذاء، وتكاليف النقل، ومستويات المعيشة، خاصة في الدول منخفضة الدخل التي تفتقر إلى هوامش مالية تستطيع بها مواجهة الصدمات.

النفط يتعافى بسرعة… لكن الغذاء والنقل يحتاجان وقتاً أطول لاستعادة التوازن

حسب قراءة شاشوف، فإن القطاع الأول الذي استفاد من إعادة فتح مضيق هرمز هو أسواق الطاقة، حيث تراجع خام برنت إلى نحو 73 دولاراً للبرميل بعد انحسار المخاوف من تعطل الإمدادات.

لكن المنظمة تؤكد أن هذا التراجع لا يشير إلى انتهاء الأزمة الاقتصادية، لأن تكاليف إنتاج الغذاء ونقله لا تزال متأثرة بارتفاع أسعار الوقود والغاز والأسمدة ورسوم الشحن التي تراكمت خلال أكثر من 100 يوم من الاضطرابات في أحد أهم الممرات البحرية. 

كما يشير التقرير إلى أن شركات الشحن والموردين اضطُروا خلال الأزمة إلى إعادة تنظيم مسارات التجارة العالمية، وتحمل تكاليف إضافية مرتبطة بالتأمين والنقل والتخزين، وهي أعباء لا تختفي بمجرد عودة السفن إلى المرور عبر المضيق. ولهذا، من المتوقع أن يستغرق تعافي سلاسل الإمداد وقتاً أطول بكثير من تعافي أسواق النفط، مما يعني استمرار الضغوط على أسعار السلع الأساسية في العديد من الأسواق.

يحذر الأونكتاد من أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، حتى بمعدلات محدودة، قد يحمل آثاراً اجتماعية وإنسانية واسعة، إذ تشير تقديرات المنظمة إلى أن زيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة 5% فقط كفيلة برفع مخاطر سوء التغذية والهزال بين الأطفال في الدول الأكثر فقراً، مما يجعل تداعيات الأزمة تتجاوز الجانب الاقتصادي لتلامس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في العديد من الدول.

اليمن و61 اقتصاداً هشة في مواجهة الصدمة… لماذا لا تنتهي الأزمة بانخفاض أسعار النفط؟

يصنف الأونكتاد ما لا يقل عن 61 اقتصاداً هشا في الفئة الأكثر عرضة لتداعيات اضطرابات مضيق هرمز، نتيجة اعتمادها الكبير على استيراد النفط والحبوب والسلع الأساسية.

ويبرز اليمن بشكل خاص وفق اطلاع شاشوف، إذ إن صافي واردات الحبوب ومنتجاتها يعادل في المتوسط 10.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة عالية بين الاقتصادات الهشة، مما يجعل أي ارتفاع متزامن في أسعار الحبوب والوقود والشحن يشكل ضغطاً مباشراً على الأمن الغذائي ومستويات المعيشة.

يشير الأونكتاد إلى أن أزمة اليمن لا ترتبط فقط بالاعتماد الكبير على الواردات، بل تتزامن أيضاً مع ضغوط مالية أخرى تشمل محدودية الموارد العامة، ومخاطر تقلبات سعر الصرف، وارتفاع أعباء خدمة الدين، وتراجع المساعدات الخارجية والتحويلات المالية. يرى التقرير أن اجتماع هذه العوامل يقلص قدرة الحكومة والأسر على استيعاب أي زيادة جديدة في أسعار الغذاء أو الوقود، حتى لو بدأت أسعار النفط العالمية بالهروب.

ولا ترتبط هشاشة اليمن بارتفاع أسعار السلع في الأسواق العالمية فحسب، بل بارتفاع تكلفة إيصالها إلى الداخل. فمعظم الواردات الغذائية تصل عبر النقل البحري، وأي زيادة في رسوم الشحن أو التأمين البحري تنعكس مباشرة على أسعار الدقيق والقمح والزيوت والوقود. كما أن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف النقل الداخلي وتشغيل المخابز والأنشطة الزراعية، مما يزيد الضغوط على ملايين الأسر التي تعاني أصلاً من انخفاض القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.

يحذر التقرير من أن استمرار هذه الضغوط قد يفاقم أوضاع الأمن الغذائي في الدول الهشة، خاصة تلك التي تعتمد على المساعدات الإنسانية أو الواردات التجارية لتلبية احتياجاتها الأساسية. وفي حالة اليمن، فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار الغذاء أو تكاليف النقل قد يفرض أعباءً جديدة على الأسر، ويزيد من صعوبة حصول الفئات الأكثر ضعفاً على الغذاء، حتى لو عادت أسواق النفط العالمية إلى مستوياتها الطبيعية.

التعافي يحتاج أكثر من إعادة فتح المضيق

يؤكد الأونكتاد أن إعادة فتح مضيق هرمز تعد خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار في التجارة العالمية، لكنها ليست كافية لمعالجة التداعيات التي خلفتها أشهر من الاضطرابات في حركة الملاحة.

فالمنظمة ترى أن التعافي الحقيقي يتطلب استعادة كفاءة سلاسل الإمداد العالمية، واستقرار تكاليف الشحن والتأمين، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية إلى الأسواق الأكثر اعتماداً على الاستيراد، وهي عملية قد تستغرق وقتاً أطول مما تتوقعه الأسواق المالية.

لهذا، دعا التقرير إلى تقديم دعم دولي للدول الأكثر هشاشة، بما فيها اليمن، سواء عبر برامج تمويلية تساعدها على تحمل ارتفاع فاتورة الواردات، أو من خلال تعزيز الأمن الغذائي وتوفير آليات تخفف من آثار تقلبات أسعار الطاقة والغذاء. ويشير التقرير إلى أن الاقتصادات التي تعاني من قيود مالية ستكون الأكثر حاجة إلى هذا الدعم، لأن قدرتها على التدخل المالي لحماية المستهلكين محدودة مقارنة بالدول الغنية.

تظهر تقديرات الأونكتاد أن نهاية الأزمة العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية آثارها الاقتصادية، فتعافي أسعار النفط لا يقابل بالضرورة تعافي معيشة السكان في الدول الفقيرة.

بينما استعادت أسواق الطاقة جزءاً كبيراً من استقرارها، لا تزال أسواق الغذاء والنقل تواجه تداعيات قد تستمر لفترة أطول، مما يضع ضغوطاً على معدلات التضخم والأمن الغذائي.

بالنسبة لليمن، تبدو هذه التحذيرات أكثر إلحاحاً، لأن أي اضطراب في أسعار الغذاء أو الوقود ينعكس مباشرة على بلد يعتمد بشكل كبير على الواردات ويواجه تحديات اقتصادية وإنسانية متراكمة.

لذا، فإن نجاح التعافي العالمي لا يقاس فقط باستقرار أسعار النفط، ولكن أيضاً بمدى قدرة الدول الأكثر هشاشة على تجاوز الآثار الممتدة لأزمة مضيق هرمز دون أن تتحول إلى أزمة معيشية طويلة الأمد.