عواقب تتواصل لعقود.. أزمة الطاقة كشرارة لواقع اقتصادي مختلف – شاشوف
أزمة مضيق هرمز أظهرت ضعف منظومة الطاقة العالمية، خصوصاً مع السيطرة الإيرانية المحتملة على المنطقة. رغم جهود السوق لامتصاص صدمة فقدان الإمدادات، فإن أسعار النفط بقيت عالية، مما أثر سلباً على الاقتصاد العالمي. آسيا كانت الأكثر تأثراً، حيث اضطرت دولها لتقنين استهلاك الوقود وإغلاق بعض المنشآت. انخفضت المخزونات النفطية العالمية بشكل حاد، مما أكد على عدم كفاءة الاحتياطات الاستراتيجية للتعامل مع الأزمات الكبرى. يتوقع التحليل تغيير سياسات الطاقة والتجارة لدى الدول، مع توجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. الأزمة تمثل تحذيراً من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على ممرات مائية استراتيجية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
بعد أن أظهرت أزمة مضيق هرمز ضعف النظام العالمي للطاقة، خاصة عقب احتلاله فعلياً من قِبل إيران، تشير أحدث التحليلات إلى أن العواقب الناجمة عن إغلاق المضيق أثناء الحرب على إيران قد تستمر لسنوات وربما لعقود، متجاوزة تأثيرها المباشر على أسعار النفط لتشمل تغييرات في سياسات الطاقة والتجارة والأمن في عدد من الدول.
وحسبما أفادت ‘شاشوف’، يعتبر معهد أكسفورد للطاقة أن الأزمة قد أظهرت بشكل غير مسبوق خطورة الاعتماد العالمي على ممر بحري ضيق تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة والمواد الأولية الأساسية. أدت حالة الإغلاق إلى فقدان الأسواق العالمية كميات ضخمة من هذه السلع، مما أسفر عن اضطرابات من آسيا إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.
كانت القارة الآسيوية هي الأكثر تأثراً، نظراً لأنها تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين حوالي 60% من وارداتها النفطية، ودفع ذلك العديد من الحكومات الآسيوية إلى اتخاذ تدابير استثنائية كما ذُكر في ‘شاشوف’، بما في ذلك تقنين استهلاك الوقود وتقليص ساعات العمل، والحد من استخدام أجهزة التكييف، وإغلاق بعض المصانع والمدارس. كما واجه قطاع الطيران أزمة وقود أجبرت شركات الطيران على تقليص عدد الرحلات ورفع أسعار التذاكر بشكل كبير.
النفط فوق 100 دولار رغم امتصاص جزء من الصدمة
وفقاً لمعهد أكسفورد للطاقة، كانت التقديرات داخل البيت الأبيض تشير إلى إمكانية وصول أسعار النفط إلى نحو 200 دولار للبرميل إذا فقدت حوالي 15% من الإمدادات العالمية، ومع ذلك أظهرت السوق قدرة أكبر على امتصاص الصدمة بفضل الفوائض الموجودة قبل بداية الحرب.
ورغم ذلك، استمر خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال ذروة الأزمة، قبل أن يتراجع إلى مستويات 80 دولاراً بعد الإعلان عن اتفاق التهدئة بين واشنطن وطهران. كما قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن مخزونات النفط العالمية انخفضت بمعدل 8.5 ملايين برميل يومياً خلال الربع الثاني من عام 2026، مما دفع متوسط أسعار خام برنت إلى حوالي 106 دولارات للبرميل خلال شهري مايو ويونيو وفق متابعات ‘شاشوف’.
اختفت 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية خلال الأزمة، كما ألحقت الأضرار الكبيرة بالمنشآت الغازية في الشرق الأوسط، وخصوصاً في قطر، التي قد تستغرق شهوراً أو حتى سنوات لإصلاحها بالكامل.
تشمل المشاكل التي لا تزال تؤثر على الإمدادات آبار النفط المتوقفة، ومحطات التصدير المتضررة، والألغام البحرية، وارتفاع تكاليف التأمين البحري. وهذا يعني أن الضغوط على أسواق الطاقة قد تستمر حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية بشكل رسمي، ويحذر معهد أكسفورد من أن هذه التداعيات ستؤثر تدريجياً على معدلات التضخم العالمية وأسعار الغذاء والنقل والسلع الصناعية.
استنزاف غير مسبوق للمخزونات العالمية
أبرزت الأزمة أيضاً المحدودية في فعالية الاحتياطيات الاستراتيجية التي تحتفظ بها الحكومات لمواجهة الطوارئ. وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية التي اطلعت عليها ‘شاشوف’، خسرت المخزونات النفطية العالمية المرصودة حوالي 143 مليون برميل في مايو 2026 بعد فقدان 74 مليون برميل في أبريل، مما يعني أن متوسط السحب من المخزونات منذ بداية الحرب بلغ حوالي 3.8 مليون برميل يومياً، منها 2.4 مليون برميل من النفط الخام و1.4 مليون برميل من المنتجات النفطية.
كما تراجعت مخزونات حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمقدار 163 مليون برميل منذ بداية الحرب، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1990، وهذا ما اعتبرته التحليلات إشارة على أن أدوات الطوارئ التقليدية أصبحت أقل فعالية في مواجهة الصدمات الكبرى في سوق الطاقة العالمي.
تحمل الأزمة الحالية رسالة أوسع من مجرد اضطراب مؤقت في الإمدادات، إذ تعكس عودة الطاقة إلى موقعها التقليدي كأداة نفوذ وضغط سياسي. فكما استخدمت روسيا الطاقة كورقة استراتيجية خلال حرب أوكرانيا، أثبتت أزمة هرمز أن مجرد التهديد بإغلاق ممر بحري استراتيجي قادر على إحداث صدمات اقتصادية عالمية حتى بدون السيطرة على إنتاج الطاقة العالمي.
من بين النتائج المتوقعة للأزمة، إعادة النظر في نموذج الاعتماد المتبادل الذي هيمن على الاقتصاد العالمي لعقود. بدلاً من اعتبار التجارة العالمية مصدراً للمرونة والقوة، بدأت الحكومات تنظر إليها بشكل متزايد كمصدر للمخاطر.
يتوقع معهد أكسفورد أن تتجه الدول خلال السنوات المقبلة لتعزيز الإنتاج المحلي للطاقة، وتوسيع الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير بنية تحتية احتياطية، وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، لكن هذا التحول سيكون له تكلفة مالية مرتفعة، حيث يتطلب استثمارات ضخمة في وقت تواجه فيه الموازنات الحكومية ضغوطاً متزايدة.
تشير جميع المؤشرات إلى أن أزمة مضيق هرمز لن تُقاس فقط بحجم الخسائر التي تبعتها خلال أشهر الحرب، بل أيضاً بالتحولات الاستراتيجية التي ستُخلّفها، فالعالم الذي كان يعتقد أنه قد تجاوز هشاشة أزمات النفط التقليدية وجد نفسه مجدداً أمام حقيقة أن ممراً بحرياً واحداً قادر على تهديد الاقتصاد العالمي بأكمله.