تشاتام هاوس: تراجع تدريجي لقيمة الدولار لكن انهياره لا يزال غير مرجح – بقلم قش
يستمر الجدل حول مستقبل الدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي، خاصةً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. يشير تحليل معهد ‘تشاتام هاوس’ إلى وجود اتجاهين، أحدهما يعتقد بقرب انتهاء هيمنة الدولار، بينما يرى الآخر أن للولايات المتحدة القوة الكافية لاستمرار هيمنة عملتها. تجارب التاريخ، مثل الجنيه الإسترليني، توضح أن العملات المهيمنة لا تسقط فجأة، بل تتعرض لتراجع تدريجي. على الرغم من استمرارية الدولار، توجد إشارات للضغط عليه بسبب عوامل اقتصادية وعسكرية. قد يواجه الدولار مرحلة تراجع طويلة، مشابهة لتراجع الجنيه الإسترليني خلال القرن العشرين.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
الجدل مستمر في الأوساط الاقتصادية والمالية العالمية حول مستقبل الدولار الأمريكي ومكانته في النظام النقدي الدولي، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وزيادة الدعوات في عدد من الاقتصادات الكبرى للحد من الاعتماد على العملة الأمريكية في التجارة والاحتياطيات الدولية. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن قرب انتهاء هيمنة الدولار، ترى تحليلات أن هذه التوقعات تغفل طبيعة التحولات التاريخية التي مر بها النظام المالي العالمي، وأن العملات المهيمنة لا تنهار فجأة، بل تتراجع تدريجياً على مدى فترات طويلة.
في تحليل نشره معهد ‘تشاتام هاوس’ البريطاني، يشير المحلل الاقتصادي ‘ديفيد رونيكل’ إلى أن النقاش الحالي ينقسم إلى اتجاهين: الأول يعتقد أن العالم يقترب من مرحلة تحول تاريخية ستقود إلى التخلي عن الدولار كعملة احتياط رئيسية، بينما يرى الثاني أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك القوة الاقتصادية والمؤسسية والمالية الكافية للحفاظ على هيمنة عملتها لعقود قادمة، لكن كلا الرأيين يتجاهلان عاملاً مهماً هو التاريخ وتجارب العملات العالمية وكيفية انتقال النفوذ المالي من عملة إلى أخرى.
الجنيه الإسترليني يقدم نموذجاً تاريخياً للمقارنة
يعتمد التحليل على تجربة الجنيه الإسترليني الذي كان عنصراً أساسياً في النظام المالي العالمي خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقد كانت المملكة المتحدة تستحوذ على نحو 30% من التجارة العالمية، بينما كانت حوالي 60% من المعاملات التجارية الدولية تتم تسويتها بالجنيه الإسترليني. ورغم هذه المكانة، لم يفقد الإسترليني مكانته العالمية بصورة مفاجئة مع صعود الولايات المتحدة اقتصادياً، بل كانت عملية انتقال النفوذ المالي العالمي إلى الدولار تدريجية، واستمر الجنيه في لعب دور مهم في النظام النقدي الدولي حتى السبعينيات.
يشير رونيكل إلى أن هذه التجربة تظهر أن العملات المهيمنة لا تنهار لمجرد ظهور منافسين أقوياء أو تراجع نسبي في القوة الاقتصادية للدولة التي تصدرها، بل تبقى مدعومة بشبكات معقدة من العلاقات التجارية والاستثمارية والمؤسسات المالية العالمية، ما يجعل أي تحول فيما يتعلق بالعملات عملية بطيئة وزمنية.
رغم استمرار الدولار في الصدارة، فإن البيانات التي تم تناولها سابقاً تشير إلى تراجع تدريجي في حصته من الاحتياطيات النقدية العالمية خلال العقود الأخيرة، إذ كانت العملة الأمريكية تمثل نحو 75% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وانخفضت حصتها إلى أقل من 60% خلال ربع القرن الماضي. في المقابل، حافظ اليورو على حصة مستقرة تقارب 20%، بينما تسعى الصين لتعزيز دور اليوان في التجارة والأسواق المالية.
يعتقد رونيكل أن الحديث عن عدم وجود بديل للدولار ليس دقيقاً تماماً، إذ يُظهر التاريخ أن العملات المهيمنة دائماً ما واجهت منافسين، حتى في أوج هيمنة الجنيه الإسترليني كانت هناك عملات أخرى مثل الفرنك الفرنسي والمارك الألماني تلعب أدواراً مهمة. واليوم، تتمتع كل من منطقة اليورو والصين بوزن اقتصادي وتجاري كبير يمكن أن يساعد عملتيهما في توسيع حضورهما العالمي إذا نجحتا في تعميق أسواقهما المالية وكسب ثقة المستثمرين الدوليين.
التكنولوجيا لا تحسم المعركة
وفقاً لقراءة شاشوف، يحذر التحليل من المبالغة في تقدير تأثير التكنولوجيا المالية والعملات الرقمية المرتبطة بالدولار على مستقبل الهيمنة الأمريكية، فالابتكارات التكنولوجية ليست كافية لضمان استمرار النفوذ النقدي، لأن العامل الحاسم يبقى قدرة الدولة المصدرة للعملة على توفير أصول آمنة وموثوقة يرغب المستثمرون في الاحتفاظ بها.
يؤكد أن جوهر قوة الدولار يتجاوز الاستخدام الواسع في المدفوعات والتجارة، بل يتجلى في كونه يمثل المرجعية الرئيسية للأصول الآمنة في العالم، وعلى رأسها سندات الخزانة الأمريكية التي تعد من أكبر وأعمق الأسواق المالية العالمية. لذا، تبقى الثقة بالمؤسسات الأمريكية واستقرار الاقتصاد الأمريكي من أهم أعمدة قوة الدولار.
رغم هذه العوامل، يرى رونيكل أن هناك مؤشرات متزايدة على تعرض الدولار لضغوط غير مسبوقة في السابق، فقد شهدت الأسواق المالية خلال بعض الأزمات الحديثة تراجعاً متزامناً في الأسهم الأمريكية والدولار، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات. وهذا نمط غير معتاد في الفترات التي استفاد فيها الدولار تلقائياً من الأزمات كونه الملاذ الآمن الأول للمستثمرين.
ويركز على أن بعض العوامل التي أدت إلى تراجع الجنيه الإسترليني بدأت تظهر بشكل متدرج في الحالة الأمريكية، منها التراجع النسبي في الوزن الاقتصادي والعسكري مقارنة بالصعود السريع لقوى دولية أخرى، بالإضافة إلى تصاعد الخلافات التجارية والمالية بين الولايات المتحدة وشركائها الرئيسيين.
يخلص التحليل إلى أن الدولار لا يواجه خطر الانهيار الفوري أو فقدان مكانته بشكل مفاجئ، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن العالم قد يكون في طريقه لمرحلة طويلة من التراجع النسبي للنفوذ الأمريكي في النظام النقدي الدولي، وقد يشبه مستقبل الدولار المسار الذي سلكه الجنيه الإسترليني قبل قرن من الزمن بفضل التراجع التدريجي في النفوذ العالمي.