الإنفاق الدفاعي يؤثر على الاقتصاد العالمي: ما سبب التنافس في التسلح؟ – شاشوف


تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري عالمياً للعام الحادي عشر، متجاوزاً 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025. يأتي ذلك في ظل تصاعد الصراعات والتوترات الجيوسياسية. تجد الحكومات نفسها تواجه تحديات مالية متزايدة، حيث يتم تمويل الزيادات الدفاعية بشكل كبير عن طريق الاقتراض، مما يساهم في ارتفاع الدين العام. رغم دعم المواطنين لزيادة الإنفاق الدفاعي، تظهر دراسة صندوق النقد الدولي أن تأثيره على النمو الاقتصادي ليس مضموناً. يجب على الدول تحقيق توازن بين الأمن واحتياجات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في السنوات المقبلة.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تظهر الإحصائيات الأخيرة التي حصل عليها ‘شاشوف’ من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام ‘سيبري’ أن الإنفاق العسكري العالمي استمر في الارتفاع للسنة الحادية عشر على التوالي، ليصل في عام 2025 إلى أعلى مستوياته منذ 2009، حيث تجاوز 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. يعكس هذا الارتفاع الاتجاه المتزايد للحكومات نحو تعزيز قدراتها الدفاعية في إطار دولي يتسم بازدياد الصراعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.

تواجه الاقتصادات العالمية في ظل سباق التسلح تحديات مالية متزايدة، أبرزها الارتفاع المستمر في مستويات الدين العام وتباطؤ النمو الاقتصادي في العديد من الدول. بينما تواصل الحكومات زيادة ميزانياتها الدفاعية، فإنها تسعى في الوقت نفسه للحفاظ على مستوى الإنفاق الاجتماعي والخدمات العامة، مما يضع الضغوط المتزايدة على الميزانيات الحكومية ويعقّد إدارة السياسات المالية.

تشير الباحثة الاقتصادية ريبيكا باترسون إلى أن الحروب المستمرة في أوروبا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى تزايد التوترات الجيوسياسية العالمية وانخفاض الثقة في بعض التحالفات التقليدية، دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية. وقد تجلى ذلك بوضوح في أوروبا، التي زادت إنفاقها العسكري بنسبة 14% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، فيما ارتفع الإنفاق العسكري في آسيا بنحو 8.1%.

تشمل هذه الزيادة عدداً من الدول التي تعتبر أن البيئة الدولية أصبحت أكثر اضطراباً وأقل قابلاً للتنبؤ، كما أن وصول عدد النزاعات والصراعات المسلحة إلى أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد عزز من قناعة العديد من الحكومات بأن الإنفاق الدفاعي لم يعد خياراً سياسياً بل ضرورة استراتيجية.

معضلة ‘المدافع والزبدة’

على الرغم من الدعم النسبي لزيادة الإنفاق العسكري من قبل العديد من المواطنين، تواجه الحكومات معضلة اقتصادية معروفة تتمثل في كيفية تمويل سياسة ‘المدافع والزبدة’، أي الجمع بين زيادة الإنفاق العسكري والحفاظ على برامج الرعاية الاجتماعية والدعم والخدمات العامة.

تشير استطلاعات الرأي التي اطلع عليها ‘شاشوف’ إلى أن المواطنين غالباً ما يدعمون تعزيز الإنفاق الدفاعي عند شعورهم بتهديدات أمنية، لكن هذا الدعم يتراجع عند الحديث عن تكاليف هذه الزيادات عبر رفع الضرائب أو خفض الإنفاق على مجالات أخرى. في بريطانيا، على سبيل المثال، أيد نحو 49% من المشاركين في استطلاع أجرته مؤسسة ‘يوغوف’ زيادة الإنفاق الدفاعي، بينما عارض 57% رفع الضرائب لتمويل ذلك، كما أن 53% عارضوا تقليل الإنفاق الحكومي في مجالات أخرى.

ومع صعوبة العثور على مصادر تمويل جديدة، اتجهت العديد من الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الزيادات الدفاعية. ووفقاً لدراسة حديثة لصندوق النقد الدولي اطلع عليها ‘شاشوف’، فإن نحو ثلثي الزيادات الأخيرة في الإنفاق الدفاعي تم تمويلها عبر العجز المالي والديون، مما أسهم في ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو سبع نقاط مئوية خلال نفس الفترة.

تثير هذه الاتجاهات القلق المتزايد لدى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين، خاصة مع اقتراب الدين الحكومي العالمي من مستوى يعادل 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. فاستمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل الإنفاق العسكري قد يؤدي إلى ارتفاع هيكلي في تكاليف التمويل ويزيد من احتمالية التعرض لأزمات مالية في المستقبل، خاصة إذا لم تترافق هذه الزيادات مع إصلاحات مالية أو نمو اقتصادي قوي.

الناتو والولايات المتحدة يقودان موجة الإنفاق الجديدة

من أبرز مؤشرات استمرار هذا الاتجاه هو موافقة معظم الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي خلال قمة الناتو لعام 2025 على زيادة الإنفاق الدفاعي تدريجياً إلى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ الحلف الحديث.

في أمريكا، تم اقتراح ميزانية الدفاع من قبل البيت الأبيض للسنة المالية 2027 بقيمة تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وهو ما يمثل زيادة تقارب 40% مقارنة بالموازنات السابقة. وإذا تم اعتماد هذه الميزانية، ستكون الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، مما يعكس حجم التحول الذي تمر به السياسات الدفاعية الأمريكية في ظل البيئة الأمنية الدولية الجديدة.

كما أعلنت اليابان عن استمرار مسارها التاريخي في زيادة الإنفاق العسكري، مما يعكس تغييراً جذرياً في العقيدة الدفاعية التي اتبعتها طوكيو لعقود بعد الحرب العالمية الثانية.

تتزامن موجة التوسع العسكري مع استمرار الضغوط التضخمية العالمية، التي عادت مجدداً نتيجة تداعيات الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية المرتبطة بها. على الرغم من تراجع معدلات التضخم مقارنة بالذروة التي شهدها عام 2022، إلا أنها لا تزال أعلى من المستويات المستهدفة في عدد من الاقتصادات المتقدمة.

هذا الوضع دفع العديد من البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً، خلافاً للتوقعات السابقة التي كانت تتوقع بدء دورة واسعة من خفض الفائدة خلال عام 2026. ويعني ذلك أن الحكومات التي تسعى لتمويل إنفاقها العسكري المتزايد ستضطر إلى الاقتراض بتكاليف أعلى، مما يرفع أعباء خدمة الدين العام ويستنزف جزءاً أكبر من الميزانيات الحكومية.

هل يحقق الإنفاق العسكري نمواً اقتصادياً؟

يرى صندوق النقد الدولي أن العلاقة بين الإنفاق الدفاعي والنمو الاقتصادي ليست تلقائية أو مضمونة. فالأثر الاقتصادي لأي زيادة في الإنفاق العسكري يعتمد على عدة عوامل، منها نسبة الإنفاق الموجه إلى الصناعات المحلية مقارنة بالمشتريات الخارجية، وحجم الأموال المخصصة للبحث والتطوير، ومدى قدرة سوق العمل على استيعاب النشاط الاقتصادي الناتج عن هذه الاستثمارات.

لذا، يدعو الصندوق إلى التحلي بالحذر عند تقدير المكاسب الاقتصادية المحتملة من التوسع العسكري، مشدداً على أن زيادة الإنفاق الدفاعي لا تعني بالضرورة تحقيق معدلات نمو أعلى، بل قد تؤدي في بعض الحالات إلى زيادة الضغوط المالية إذا لم تُدار بشكل متوازن.

ومع استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي عالمياً وزيادة الاعتماد على الاقتراض لتمويله، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط على الموازنات العامة وأسواق المال، لذا سيظل إيجاد توازن مستدام بين متطلبات الأمن واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية أحد أبرز التحديات التي سيواجهها صناع القرار حول العالم خلال العقد القادم.