إصلاحات أم تفاقم للأزمة؟ محافظ بنك عدن المركزي يبرر قرارات تحرير سعر الدولار الجمركي وتقليل الدعم – شاشوف
محافظ بنك عدن المركزي، أحمد غالب، دافع عن القرارات الاقتصادية الأخيرة، مثل تحرير الدولار الجمركي وزيادة الرسوم، كإصلاحات ضرورية لعلاج الاختلالات المالية، مؤكدًا أن هذه الإصلاحات تهدف إلى تحسين الخدمات وضمان صرف الرواتب. لكن الخبراء، مثل الاقتصادي أحمد الحمادي، حذروا من أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة تكاليف المعيشة، خاصة في بلد يعتمد على الاستيراد. رغم الحاجة إلى دعم خارجي كالسعودي، يشير النقاد إلى أن الإصلاحات الحالية لا تعالج الأسباب الهيكلية للأزمة وتزيد من الأعباء على المواطن. الاستقرار المالي يتطلب جهودًا أوسع تشمل إصلاحات مؤسسية ومراقبة فعالة.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
دافع محافظ بنك عدن المركزي، أحمد غالب، عن مجموعة القرارات الاقتصادية الأخيرة، معتبرًا أنها تمثل إصلاحات ضرورية لمعالجة الاختلالات المالية واستعادة التوازنات العامة. وأكد أن تحرير الدولار الجمركي، ورفع بعض الرسوم، وإعادة هيكلة الإيرادات، ستساعد في تحسين الخدمات وضمان انتظام صرف الرواتب وتعزيز الاستقرار المالي.
وأشار إلى أن القرارات و’الإجراءات الإصلاحية’ المصاحبة كانت تهدف إلى ضمان موارد إضافية تساعد الدولة على مواصلة تقديم الخدمات الأساسية، وتحسين مستوى معيشة منتسبي الخدمة العامة من المدنيين والعسكريين، وضمان صرف مستحقاتهم بصورة منتظمة وفي مواعيدها المحددة.
واعتبر في تصريحات اطلع عليها ‘شاشوف’ لصحيفة عكاظ السعودية أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب تكامل الجهود بين مختلف مؤسسات الدولة، واستمرار الدعم من القيادة وحكومة عدن، بالإضافة إلى تعاون المواطنين والقطاع الخاص والشركاء الإقليميين والدوليين. مشيرًا إلى أهمية الدعم السعودي المستمر لليمن.
ولكن، وبقراءة متأنية، تشير تناولات ‘شاشوف’ إلى أن المشكلة تكمن في أن الإجراءات الحالية تركز بشكل رئيسي على زيادة الإيرادات من جيب المستهلك والمستورد، دون معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة، مثل ضعف التحصيل وتشتت الموارد بين السلطات المحلية والفاقد الكبير في المؤسسات العامة وتراجع النشاط الاقتصادي.
تحرير الدولار الجمركي ليس مورداً مجانياً
تعتبر حكومة عدن تحرير الدولار الجمركي وسيلة لتعزيز الإيرادات العامة، وهذا صحيح من الناحية المحاسبية على المدى القصير، لكنه يحمل آثارًا تضخمية شبه مؤكدة.
ويقول المحلل الاقتصادي ‘أحمد الحمادي’، في حديث لـ’شاشوف’، إنه عندما ترتفع القيمة الجمركية للسلع المستوردة تزداد معها تكلفة الاستيراد، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية. وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد بنسبة 90% مثل اليمن، تكون النتيجة النهائية زيادة إضافية في تكلفة المعيشة.
لهذا السبب عادةً ما تشترط المؤسسات الدولية، عند تنفيذ مثل هذه الإجراءات، وجود شبكات حماية اجتماعية فعالة لتعويض الفئات الأكثر فقرًا. وقد شدد صندوق النقد الدولي بالفعل على ضرورة إعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي أثناء تنفيذ إصلاحات المالية العامة والطاقة.
لكن الحمادي أشار إلى أن حكومة عدن تتجه نحو تطبيق إجراءات حساسة استجابةً لشروط صندوق النقد الدولي، كخطوة أساسية للحصول على قرض بقيمة مليار دولار قبل نهاية العام الجاري. وأوضح أن قطاع الكهرباء هو الركيزة الأساسية لشروط صندوق النقد الدولي، نظرًا للعبء المالي الضخم الذي يضيفه على الموازنة العامة، حيث تنفق الحكومة أكثر من 1.2 مليار دولار سنويًا لدعمه.
وتتضمن خطة حكومة عدن إلغاء الدعم تدريجيًا، ورفع تعرفة الكهرباء المنزلية من 9 ريالات إلى 50 ريالاً للكيلووات/ساعة، وتعرفة الشركات والمصانع إلى 180 ريالًا، بالإضافة إلى التوسع في استخدام العدادات الرقمية مسبقة الدفع وإلغاء عقود شراء الطاقة المجحفة للحد من الهدر المالي.
ورغم مراهنة حكومة عدن على أن هذه الإجراءات، التي تشمل تحرير الدولار الجمركي بأكثر من 106% وتوسيع دور القطاع الخاص، ستساعد في استعادة التوازن المالي وتحسين فرص التمويل الدولي، إلا أن المسؤولين يقرون بآثارها القاسية على المدى القصير.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى زيادة معدلات الفقر وارتفاع فواتير الطاقة وتكاليف الإنتاج، مما يزيد العبء المعيشي على المواطنين ويعزز من حدة الاحتقان الشعبي.
كما تشير هذه الإجراءات إلى توجه حكومة عدن وبنك عدن المركزي نحو تحميل المواطن البسيط العبء الأكبر للأزمة المالية عبر سياسة ‘الجرعات السعرية’ ورفع الدعم، في محاولة لتغطية العجز المالي وتلبية شروط التمويل الخارجي، هروبًا نحو الحلول السهلة المتمثلة في الجباية المباشرة من معيشة المواطنين المرهقين أصلًا.
وعلى الرغم من هذا التشدد في فرض الأعباء على المواطن، يبدو الفشل حليفًا لحكومة وبنك عدن في تطبيق قرارات وإصلاحات هيكلية تعتبر من الناحية النظرية أكثر أهمية وأسهل تنفيذًا من الجرعات السعرية المجحفة. ويأتي في مقدمة هذا الإخفاق العجز التام عن ضبط وتوحيد الإيرادات العامة من بقية المحافظات الواقعة تحت نفوذها، حيث فشل البنك في إلزام محافظات حيوية مثل مأرب وحضرموت وغيرها بتوريد عائداتها إلى المركزي، مما يمثل معضلة كبرى تكشف عن هشاشة السياسة المالية وانتقائيتها في الضغط على المواطن الأعزل.
ربط الإصلاحات بتحسين الخدمات يحتاج إلى إثبات
يرى محافظ بنك عدن المركزي، أحمد غالب، أن الموارد الإضافية ستذهب لتحسين الخدمات وصرف الرواتب بانتظام، لكن التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية توضح أن زيادة الإيرادات لا تؤدي تلقائيًا إلى تحسن الخدمات ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية وإدارية ورقابية واسعة.
وتشير تقارير حكومية ورقابية اطلع عليها ‘شاشوف’ إلى تراكم مديونيات الكهرباء وضعف التحصيل وارتفاع الفاقد الفني والتجاري، وهي مشكلات لا يمكن حلها فقط برفع الأسعار، إذ تحتاج أيضًا إلى إصلاح الإدارة والبنية التحتية ومكافحة الهدر والفساد.
يوحي الخطاب الرسمي بأن هذه الإجراءات ستدعم الاستقرار النقدي، لكن استقرار العملة اليمنية يعتمد بدرجة أكبر على تدفقات النقد الأجنبي وليس مجرد فرض الإجراءات المالية الداخلية. فصندوق النقد نفسه يربط التعافي الاقتصادي اليمني بعوامل أخرى أهمها استعادة الصادرات، واستمرار التمويل الخارجي، ودعم الشركاء الإقليميين، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الإيرادات غير النفطية.
وبالتالي، فإن رفع الرسوم والضرائب وحده لا يكفي لتحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف إذا استمرت مشكلة شح العملات الأجنبية.
وأشار المحافظ غالب إلى أهمية الدعم السعودي، وهو توصيف يتفق مع تقييم المؤسسات الدولية التي اعتبرت التمويل الخارجي عاملًا رئيسيًا في الحد من انهيار المالية العامة خلال السنوات الماضية.
إلا أن الاعتماد المستمر على المنح والودائع الخارجية لا يمثل حلاً دائمًا، لأن الاستدامة المالية، وفق اقتصاديين، تتطلب بناء مصادر إيرادات مستقرة وإعادة تنشيط الاقتصاد والإنتاج والصادرات.
وتستند تصريحات محافظ بنك عدن المركزي إلى مشكلة حقيقية تتمثل في الانهيار الحاد للإيرادات الحكومية بعد توقف صادرات النفط الذي حرم حكومة عدن من 65% من دخلها العام، وهي مشكلة أقرتها الحكومة وصندوق النقد الدولي على حد سواء. غير أن تصوير الإجراءات الأخيرة باعتبارها حلاً مباشرًا لتحسين الخدمات والمعيشة يبقى محل نقاش اقتصادي.
فالقرارات الحالية قد تحقق زيادة في الإيرادات العامة وتخفف الضغوط المالية على المدى القصير، لكنها في المقابل تحمل كلفة اجتماعية وتضخمية مرتفعة، خصوصًا إذا لم تترافق مع تحسين فعلي للخدمات العامة وإصلاحات مؤسسية ورقابية عميقة ومكافحة الهدر والفساد وحماية الفئات الفقيرة واستعادة موارد النقد الأجنبي وفي مقدمتها عائدات الصادرات.