إيران تعتمد على اتفاق مؤقت بينما تزايد الحرب يزيد من مخاطر التضخم العالمي – شاشوف
تسعى إيران لتكوين اتفاق مؤقت مع الولايات المتحدة لتحسين وضعها الاقتصادي بدون تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي. تسعى طهران لتحقيق مكاسب مالية، مثل استعادة عائدات النفط المجمدة، بينما تحاول تجنب تصعيد المواجهات. في المقابل، تواجه إدارة ترامب ضغوطًا داخلية لتخفيف الأسعار وتعزيز الاستقرار. رغم تأثير الحرب على التضخم العالمي، تشير التوقعات إلى أن آثارها أقل من أزمة الحرب الروسية الأوكرانية. صندوق النقد الدولي يحذر من تفاقم الأوضاع الاقتصادية، متوقعًا تراجع النمو وارتفاع التضخم في السنوات المقبلة، مع تأكيد على أهمية مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تشير تقارير حديثة إلى أن إيران تسعى لاستغلال حالة الجمود الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها بهدف الوصول إلى اتفاق محدود ومؤقت مع الولايات المتحدة يخفف الضغوط الاقتصادية المتزايدة، ويتيح لها فرصة مالية وسياسية دون تقديم تنازلات هامة في الملف النووي. وفي الوقت نفسه، تؤكد تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي من خلال اضطرابات في الطاقة ومخاطر التضخم، رغم أن التقديرات تشير إلى أن آثارها أقل وطأة من الصدمة التي تلت الحرب الأوكرانية عام 2022.
وذكر تقرير تم الاطلاع عليه من قبل “شاشوف” لوكالة رويترز أن إيران تروج لعقد تفاهم مؤقت مع واشنطن، يهدف في أساسه إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، مع الحفاظ على شروطها الحمراء المتعلقة بالبرنامج النووي.
ونقلت الوكالة عن ثلاثة مصادر إيرانية قريبة من دوائر صنع القرار، أن هذا التوجه يتماشى مع استراتيجية إيرانية متكررة تعتمد على امتصاص الضغوط، والحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة، وتجنب تقديم تنازلات يصعب التراجع عنها في المستقبل.
وترى طهران في هذا الاتفاق المحدود وسيلة لكسب الوقت، والحصول على سيولة مالية، وتخفيف الضغوط الداخلية الناجمة عن التدهور الاقتصادي، دون الدخول في تسويات شاملة بشأن القضايا النووية الأكثر حساسية.
وقد خفضت كل من واشنطن وطهران سقف توقعاتهما المتعلقة بإمكانية الوصول إلى اتفاق شامل، وبدءا في دراسة صيغة أقرب إلى “مذكرة تفاهم مؤقتة” تهدف إلى تجنب العودة للاشتباكات العسكرية المباشرة وتأجيل الملفات الخلافية الكبرى.
مكاسب اقتصادية دون تنازلات نووية
وفقاً لوكالة رويترز، فإن الهدف الإيراني الرئيسي يتمثل في تحويل الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى مكاسب مالية فورية.
تسعى طهران لإنهاء الأعمال العدائية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، والحصول على مليارات الدولارات من عائدات النفط المجمدة أو المحجوزة، وانتزاع إعفاءات تسمح باستمرار صادرات النفط الخام، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، مع الحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز.
وفي المقابل، لا يتوقع أن يتناول الاتفاق المؤقت القضايا النووية الأساسية، إذ سيتم تأجيل النقاش حول قدرات التخصيب الإيرانية ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بما في ذلك المواد المخصبة بنسبة 60%.
أصبحت الحسابات الإيرانية مدفوعة بشكل أكبر بالضغوط الاقتصادية وحالة عدم اليقين، حيث تعتقد طهران أن الحوار المحدود يبقى أفضل من الاستمرار في الاستنزاف الاقتصادي الذي قد يقوض قدرتها على إدارة البلاد والحفاظ على نفوذها الإقليمي، وفقاً لوكالة رويترز.
ضغوط متبادلة على واشنطن وطهران
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً داخلية لإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الوقود في السوق الأمريكية، التي تجاوزت 4 دولارات للجالون و6 دولارات للجالون في بعض الولايات مثل كاليفورنيا، بالتزامن مع انتقادات من التيار المتشدد داخل الحزب الجمهوري الذي يرفض أي تنازلات لإيران.
من جهة أخرى، تواجه القيادة الإيرانية تحديات اقتصادية متزايدة تتمثل في ارتفاع التضخم، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وتدهور مستويات المعيشة نتيجة سنوات من العقوبات والصراعات.
أشارت المصادر التي تحدثت لوكالة رويترز إلى أن تدفق الأموال على المدى القصير يمثل أولوية قصوى لطهران، لأنه سيكون له دور في إبقاء الاقتصاد في حالة تشغيل، وتخفيف الضغوط الاجتماعية، وتقليل احتمالات تجدد الاضطرابات الداخلية.
ورأى البعض أن أي تفاهم مؤقت يمكن أن يساعد النظام الإيراني على تعزيز قدرته على الصمود من خلال تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية وفتح المجال أمام إعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار الداخلي.
مضيق هرمز.. ورقة النفوذ الأهم
يظل مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية في أي تفاهم محتمل بين إيران والولايات المتحدة.
وتقول المصادر إن طهران تنظر إلى المضيق ليس فقط كأداة تفاوضية مؤقتة، بل كأصل استراتيجي طويل الأمد، لذا تسعى إلى اتفاق يسمح باستئناف حركة الشحن والتجارة دون التخلي عن ورقة الضغط التي توفرها لها السيطرة على الممر البحري.
وترى مصادر وكالة رويترز أن الاتفاق المحدود قد يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب مع الحفاظ على النفوذ الإيراني في المضيق، حيث يبقى استقرار الملاحة البحرية مرتبطاً بمسار المفاوضات السياسية في المستقبل.
أقل من صدمة أوكرانيا.. الحرب ترفع التضخم العالمي
في تحليل آخر رصده شاشوف، ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد رفعت توقعات التضخم العالمي وأضعفت آفاق النمو، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الصدمة الاقتصادية التي سببتها الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
أظهر تحليل الصحيفة أنه منذ بداية الحرب على إيران، ارتفع متوسط توقعات التضخم العالمي بنحو 0.8 نقطة مئوية، مقارنة بارتفاع قدره 2.3 نقطة مئوية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حرب أوكرانيا.
كما قام المحللون بتخفيض توقعات النمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.3 نقطة مئوية فقط، مقارنة بتخفيض بلغ 0.9 نقطة مئوية في نفس الفترة خلال أزمة عام 2022.
أما لماذا تبدو الصدمة الحالية أقل حدة، فيعتقد الاقتصاديون أن الاقتصاد العالمي دخل أزمة 2026 في ظروف مختلفة تماماً عن تلك التي تلت جائحة كورونا.
ففي عام 2022، كان الطلب الاستهلاكي العالمي مرتفعًا بشكل استثنائي، وكانت سلاسل الإمداد تعاني من اختناقات واسعة، إضافة إلى أن أوروبا كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي.
اليوم، تبدو أسواق العمل أكثر توازناً، كما أن أسعار الغاز الأوروبية تبقى بعيدة عن المستويات القياسية التي تم تسجيلها في عام 2022، فضلاً عن أن الطفرة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والاستثمارات التكنولوجية ساهمت في دعم النمو العالمي.
رغم تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل بعد بداية الحرب، إلا أن الأسعار تراجعت لاحقًا مع ظهور مؤشرات على محادثات أمريكية إيرانية لاستمرار وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز.
كما سجل سعر الغاز الأوروبي هذا العام نحو 60 يورو (70 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة، وظل دون 50 يورو (58 دولاراً) لفترات طويلة، مقارنة بأكثر من 300 يورو (349 دولاراً) خلال ذروة أزمة الطاقة في صيف 2022 وفقاً لمراجعة شاشوف.
صندوق النقد يحذر من سيناريوهات أكثر خطورة
حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب أو توسعها قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية أكبر، وتوقع الصندوق تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% في 2026 و3.2% في 2027، مقارنة بنحو 3.4% خلال عامي 2024 و2025، وبمتوسط تاريخي بلغ 3.7% بين عامي 2000 و2019. كما يتوقع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.4% خلال 2026 قبل أن يتراجع إلى 3.7% في 2027.
في السيناريو السلبي، قد ينخفض النمو العالمي إلى 2.5% مع ارتفاع التضخم إلى 5.4%، بينما من المتوقع أن يتجاوز النمو في السيناريو الأكثر تشاؤماً 2% ويصل التضخم إلى 6% في حال استمرار الاضطرابات حتى عام 2027.
ويصنّف صندوق النقد الحرب كصدمة عرض عالمية تعمل عبر ثلاث قنوات رئيسية هي ارتفاع أسعار السلع، وانتقال هذه الزيادات إلى توقعات التضخم والأجور، وتضييق الأوضاع المالية بسبب ارتفاع علاوات المخاطر وتراجع شهية المستثمرين.
يتوقع الصندوق ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 19% خلال 2026، وزيادة أسعار النفط بنسبة 21.4% نتيجة اضطرابات الإنتاج والنقل في الشرق الأوسط، بمعدل متوقع لأسعار النفط يصل إلى 82 دولاراً للبرميل.
كما ارتفعت أسعار النفط بنسبة 57.6% بين أغسطس 2025 ومارس 2026 لتصل إلى 105.8 دولارات للبرميل، بعد تعطل نحو 8.5 ملايين برميل يومياً من صادرات الخام بسبب اضطرابات مضيق هرمز.
يبقى المضيق أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي، منها 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام، ما يجعل أي تعطيل مطول للملاحة فيه أحد أكبر التهديدات للتضخم والنمو الاقتصادي العالمي.