بعيداً عن استسلام إيران: ما سبب تغيير واشنطن لموقفها والبدء في التفاوض مع طهران بشأن هرمز؟ – شاشوف
بعد أكثر من شهرين من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تظهر إدارة ترامب تراجعًا في تصريحاتها حول إسقاط النظام الإيراني، مركزةً بدلاً من ذلك على وقف الحرب وتأمين الملاحة في مضيق هرمز. الانتقال من التهديد إلى التفاوض أثار تساؤلات حول استراتيجيتها. إيران، التي صمدت عسكريًا، تستغل الوضع للتفاوض من موقع قوي مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة. الإدارة الأمريكية تضطر لتعديل أولوياتها نحو فتح مضيق هرمز، بينما تتجه المفاوضات نحو قضايا جديدة.特朗普 يبدو راغبًا في تقليل الخسائر السياسية بينما تستمر الضغوط الاقتصادية.
تقارير | شاشوف
بعد مرور أكثر من شهرين على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، فقدت التصريحات الصادرة عن إدارة ترامب الثقة المبدئية بشأن إمكانية إسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلام شامل. وقد أصبحت هذه التصريحات تركز بشكل متزايد على ضرورة إنهاء الحرب وتأمين الملاحة في مضيق هرمز وتجنب الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية.
وقد أثار التباين الواضح في تصريحات ترامب خلال الأسابيع الماضية ارتباكاً كبيراً بين المراقبين، حيث انتقلت تصريحاته من تهديد بتدمير إيران بالكامل إلى الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، مما دفع الكثيرين للقلق بشأن الاتجاه الفعلي للإدارة الأمريكية.
تبين التحليلات التي نظر فيها “شاشوف” أن هذا التقلب يمكن فهمه في إطار ما يُعرف بـ”ضباب الحرب”، وهو مفهوم ابتكره المنظّر العسكري البروسي كلاوس فيتز لوصف الغموض والتضليل المرتبط بالحروب، حيث يتم استخدام التصريحات المتناقضة لإرباك الخصوم وطمأنة الحلفاء وإخفاء النوايا الحقيقية.
يُعتبر تتبُّع “أنماط السلوك الفعلي” أكثر أهمية من متابعة التصريحات المتقلبة، لأن الحقائق الميدانية والاقتصادية تكشف تدريجياً عن حدود القوة الأمريكية وقدرتها على فرض شروطها.
قبل اندلاع الحرب، كانت واشنطن تعول على أن العقوبات الاقتصادية الصارمة ستدفع إيران لقبول قيود إضافية على برنامجها النووي تتجاوز ما تحقق في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
تشير التقديرات إلى أن طهران كانت قد أبدت استعداداً لخفض مستويات تخصيب اليورانيوم ونقل جزء من مخزونها عالي التخصيب إلى الخارج، بالإضافة إلى فتح المجال لاستثمارات أمريكية مقابل رفع تدريجي للعقوبات والاعتراف بحقها في التخصيب السلمي.
لكن واشنطن وتل أبيب انتقلتا لاحقاً إلى خيار الحرب بعد أن اعتقدتا أن النظام الإيراني بات ضعيفاً ويمكن إسقاطه من خلال ضربة مركزة تستهدف القيادة العليا، خاصة بعد تجارب سابقة اعتُبرت مؤشرات على تفضيل إيران تجنب المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة.
ومن هنا، تمت إعادة صياغة المطالب الأمريكية، لتتحول من فرض قيود إضافية على البرنامج النووي إلى السعي لإنهائه بالكامل، إلى جانب تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية وإنهاء دعم الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران في المنطقة.
فشل رهان “الضربة الحاسمة”
ومع ذلك، لم تسر الحرب، وفقاً للمؤشرات الحالية، كما خططت لها واشنطن وتل أبيب. بدلاً من انهيار النظام الإيراني أو قبوله الاستسلام بسرعة، واصلت إيران القتال، وتمكنت من تحويل مضيق هرمز إلى مركز ضغط عالمي من خلال تعطيل الملاحة وإرباك أسواق الطاقة.
أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والشحن البحري، مما أثر بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الوقود والمعيشة داخله، وهو ما بدأ يثير قلقاً سياسياً داخل إدارة ترامب مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.
وقد أدرك ترامب ربما أن استمرار الحرب لفترة أطول يهدد شعبيته ويمنح الديمقراطيين فرصة لاستعادة السيطرة على الكونغرس، مما قد يؤثر سلباً على سياساته الداخلية والخارجية.
وبدا أن إدارة ترامب مضطرة لتعديل أولوياتها بشكل جوهري، حيث انتقل التركيز من التفاوض حول تفكيك المشروع النووي الإيراني إلى إعادة فتح مضيق هرمز وضمان تدفق الطاقة العالمية، حتى وإن تطلب ذلك تخفيفاً جزئياً للعقوبات المفروضة على طهران.
تقوم الوساطة الباكستانية الجارية بين واشنطن وطهران على مذكرة تفاهم تنص على إنهاء الحرب والدخول في مفاوضات تستمر ثلاثين يوماً حول القضايا الخلافية، مقابل إعادة فتح المضيق والسماح بحرية أكبر لحركة السفن النفطية الإيرانية، مما يعني عملياً فصل ملف العقوبات عن الملف النووي.
برود دبلوماسي إيراني لكسر الإملاءات الأمريكية
تشير التحليلات إلى أن إيران انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع فرض شروط تفاوضية جديدة، تشمل المطالبة بالسيادة والإشراف على الملاحة في مضيق هرمز، وفتح نقاش حول الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وحتى المطالبة بتعويضات عن الأضرار الناتجة عن الحرب.
وليس ذلك فحسب، بل تظهر إيران حالياً ببرود دبلوماسي، حيث تجاوزت المهلة الزمنية التي حددتها واشنطن لتسليم ردها على مقترحات إنهاء الحرب، في خطوة اعتُبرت استبدالاً لـ”دبلوماسية المهل” الأمريكية بـ”دبلوماسية الانتظار” الإيرانية. وقد قال متحدث وزارة الخارجية الإيرانية “علي بقائي” وفق ما أوردته “شاشوف”: “نحن نقوم بعملنا دون الاكتراث إلى هذه الآجال”.
تهدف إيران من خلال هذا البرود الدبلوماسي إلى خوض حرب نفسية تكسر هيبة الإملاءات الأمريكية وتثبت استقلاليتها في القرار، خاصة مع إدراكها حاجة إدارة ترامب الملحة لإنهاء الأزمة بسبب الضغوط الاقتصادية وسخط الشارع الأمريكي نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود، مما حفز طهران على المماطلة لإظهار قدرتها في السيطرة على العملية التفاوضية.
تستند الإستراتيجية الإيرانية في إطالة أمد الترقب إلى المراهنة على سلاح الطاقة وهشاشة الموقف الأمريكي تجاه أسواق النفط، إذ تعتقد أن بإمكانها الصمود لأشهر إضافية في وجه الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي قد تجبر واشنطن على تقديم تنازلات أوسع لضمان استقرار التجارة الدولية.
وبذلك، فإن الحرب التي كان يُفترض أن تُضعف الموقف الإيراني، انتهت بحسب هذا التصور إلى تقليص قدرة واشنطن على فرض شروطها السابقة، ودفعها للتفاوض حول قضايا لم تكن مطروحة قبل بدء الحرب.
إغلاق مقابل إغلاق
بعدما فقدت واشنطن القدرة على استخدام العقوبات وحدها كورقة ضغط فعالة، حاولت الرد على إغلاق إيران لمضيق هرمز عبر فرض حصار موازٍ، ليصبح الوضع “إغلاقاً مقابل إغلاق”.
كان رهان الأمريكيين يقوم على أن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحصار ستجبر إيران على التراجع، لكن طهران، وفق تقديرات، اعتقدت أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الداخل الأمريكي سيكون أكثر إيلاماً لترامب من تأثير الحصار على الاقتصاد الإيراني.
يتزايد هذا الضغط مع اقتراب الولايات المتحدة من استضافة بطولة كأس العالم الشهر المقبل، وسط مخاوف من تحول الحدث العالمي إلى منصة احتجاج واسعة ضد سياسات ترامب الداخلية والخارجية إذا استمرت الحرب وتفاقمت أزمة الوقود وأسعار السلع.
كما تكشف التطورات عن تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب حول مستقبل الحرب، حيث يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لمواصلة الحرب أو إبقاء العقوبات القصوى لخنق إيران اقتصادياً، بينما يبدو ترامب أكثر ميلاً لاحتواء الخسائر السياسية والاقتصادية الناتجة عن استمرار الحرب.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الحرب قد دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها واشنطن تسعى إلى استسلام إيران بقدر ما تحاول منع تحول أزمة هرمز إلى كارثة اقتصادية عالمية. في حين تستمر الجهود الدبلوماسية والوساطات الإقليمية، تُظهر المؤشرات أن الحرب تتجه نحو مرحلة أطول من الضغوط الاقتصادية والمساومات.