اقتصادات الخليج في ظل ‘اللاسلم واللاحرب’: واقع جديد وإعادة هيكلة لخرائط الاستثمار – شاشوف
منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دخلت الشرق الأوسط في حالة من عدم اليقين، مما أثر سلبًا على تدفق الاستثمارات. المؤسسات المالية تتوقع تراجعًا كبيرًا في الاستثمارات الخارجية، مما يدفع الدول الخليجية لتبني استراتيجيات دفاعية وزيادة التركيز على الاقتصاد المحلي. تزايدت متطلبات ‘الضمانات السيادية’ التي تضع عبئًا على الميزانيات الحكومية. أزمة مضيق هرمز تشكل تهديدًا كبيرًا على التجارة الدولية، حيث يعتمد الاقتصاد الخليجي على النفط. رغم هذه التحديات، تحتفظ دول الخليج باحتياطيات نقدية قوية، مما يعزز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الأزمات شريطة ضرورة تنويع مصادر الدخل.
الاقتصاد العربي | شاشوف
منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قبل أكثر من شهرين، وجدت منطقة الشرق الأوسط نفسها في حالة من عدم الاستقرار تحت وطأة ‘اللاسلم واللاحرب’، مما أدى إلى بيئة جيوسياسية غامضة أدت إلى زيادة معدلات عدم اليقين بشكل غير مسبوق.
تشير المؤسسات المالية الدولية إلى أن هذا الجمود المتواصل سوف يستمر لفترة ليست بالقصيرة، حتى مع حدوث اتفاقيات مبدئية هشة، مما يضع استراتيجيات التنويع الاقتصادي والمشاريع الكبرى في دول الخليج أمام اختبار صعب، حيث بدأت قرارات الاستثمار الأجنبي تتأثر بالخوف من المخاطر الأمنية أكثر من حسابات الأرباح.
وتظهر أولى التأثيرات المباشرة لهذه الأزمة في التراجع الكبير في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الربع الأول من عام 2026؛ إذ أظهرت بيانات وتحليلات السوق التي رصدها شاشوف أن الشركات الكبرى ومتعددة الجنسيات قد قررت تجميد خططها التوسعية وتعليق مشاريعها في المنطقة.
كما فرضت هذه الظروف الاستثنائية على صندوق النقد الدولي إعادة تقييم كاملة لتوقعاته بشأن النمو الاستثماري في المنطقة، مشيراً إلى الزيادة الملحوظة في تكلفة بوالص التأمين ضد المخاطر السياسية والأمنية، والتي باتت تشكل عبئاً إضافياً يعرقل مسار التمويل.
رداً على هذه التحديات، لم تتردد الحكومات الخليجية في اتخاذ خطوات دفاعية، حيث سعت إلى تقليص الانكشاف الخارجي وتحويل التركيز نحو الداخل. وفي هذا السياق، برزت الخطوة الاستراتيجية لصندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي أعاد صياغة خطته الانتقالية (2026–2030) ليخصص 80% من استثماراته الضخمة للاقتصاد المحلي، تاركاً فقط 20% للأسواق الخارجية؛ في خطوة استباقية تهدف إلى حماية المشاريع التنموية الحيوية من صدمات سلاسل الإمداد العالمية وتقلبات السوق الدولية.
شبح الانكماش وشروط “الضمانات السيادية”
تعكس الأرقام واقعاً معقداً، حيث تشير تقديرات بنوك الاستثمار العالمية إلى احتمال تراجع التدفقات الرأسمالية إلى الخليج بنسبة تتراوح بين 60% و70% خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، وفقاً لمتابعة شاشوف.
هذا الانخفاض الخطير يعكس حالة من الحذر العميق لدى المستثمرين المؤسسيين تجاه استدامة المشاريع المليارية المستقبلية، مثل مدينة “نيوم” ومبادرات البنية التحتية الذكية، خاصة مع تكرر الاستهدافات لمنشآت الطاقة الحيوية، مما حول البيئة الاستثمارية من مكان آمن للتطور إلى منطقة مليئة بالمخاطر تتطلب تقييمات دقيقة.
لمواجهة أزمة الثقة هذه، بدأت الجهات التمويلية في المطالبة بـ “ضمانات سيادية” صارمة كشرط أساسي للمضي قدماً في أي شراكات استراتيجية.
كما فقدت الحوافز التقليدية، مثل الإعفاءات الضريبية والتسهيلات التشريعية، قيمتها أمام تهديدات “القوة القاهرة”؛ وأصبح المستثمرون يطلبون التزامات قانونية مباشرة من الدول المضيفة لتعويضهم عن أي خسائر محتملة قد تنجم عن العمليات العسكرية، أو تعطيل التحويلات المالية، أو التدمير المادي للأصول الاستثمارية.
على الرغم من أن هذه الضمانات السيادية تمثل طوق النجاة الوحيد للحفاظ على تدفق التمويل نحو قطاعات حيوية مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، فإنها تضع ضغوطاً محاسبية كبيرة.
فالمؤسسات الدولية كبنك الدولي ووكالات التصنيف الائتماني ترى هذه الضمانات كالتزامات مالية محتملة قد تثقل كاهل الميزانيات الحكومية وتزيد من تكلفة الاقتراض السيادي، مما يدفع الشركات العالمية إلى التفكير في استراتيجيات “نقل الاستثمارات إلى دول حليفة ومستقرة” (Friendshoring)، وبالتالي تكاليف جديدة للحفاظ على تنافسية الاقتصاد الخليجي.
مضيق هرمز.. الشريان المختنق واختبار المتانة
في خضم هذا التوتر، تبرز أزمة مضيق هرمز كأحد أكبر التهديدات الاستراتيجية للاقتصادات في المنطقة؛ حيث وجدت دول الخليج نفسها ضحية غير مباشرة للصراعات بين واشنطن وتل أبيب وطهران.
تؤكد تصريحات خبراء اقتصاديين بارزين اطلع عليها شاشوف أن توقف حركة الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي قد أثر بشكل كبير على شريان التجارة الدولية، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتأخير مجموعة واسعة من المشاريع المرتبطة بالصناعة البتروكيماوية والذكاء الاصطناعي والسياحة، والتي تمثل جزءاً أساسياً من رؤى التنويع الاقتصادي الخليجية.
تتركز الكارثة الحقيقية في الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، حيث يمر من خلاله يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، ما يمثل خُمس الاستهلاك العالمي، بجانب ثلث إمدادات الغاز و25% من حجم التجارة الدولية.
إغلاق هذا الممر لم يُغير فقط من قيمة المخاطر الجيوسياسية، بل هدد أيضاً بتجميد العائدات النفطية التي تعتمد عليها دول الخليج لتمويل خططها الطموحة، مما يجعل من الضروري تأمين طرق بديلة وإعادة تقييم التصنيفات الائتمانية في ظل بيئة استثمارية تزداد شراسة.
ومع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل، فاقتصادات الخليج تمتلك نقاط قوة واضحة تتمثل في احتياطياتها النقدية الضخمة وصناديقها السيادية التي تصنف من بين الأكبر عالمياً. هذه الاستدامة المالية تمنحها قدرة استثنائية على مواجهة الصدمات الأولية للحرب وتوفير الغطاء التأميني المطلوب للمشاريع القائمة. إلا أن الإدارة الاقتصادية الحالية، كما تشير التحليلات، قد تحولت من التركيز على التوسع والنمو السريع إلى إدارة الأزمات وضمان المخاطر الجيوسياسية حتى تنقشع غيوم هذه المواجهة المفتوحة.
لكن الدرس الأهم الذي سيتعلمه دول مجلس التعاون الخليجي من هذه الأزمة هو الحاجة لتسريع التحول الجذري نحو نماذج اقتصادية أكثر مرونة. فقد أثبتت صدمة 2026 بشكل قاطع أن الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية والممرات البحرية التقليدية يمثل ثغرة استراتيجية خطيرة، مما يدعو صُناع القرار لإعادة صياغة سياساتهم الاقتصادية لضمان تنويع حقيقي وعميق لمصادر الدخل، يحصّن المنطقة ضد أي تقلبات جيوسياسية أو ‘هزات’ أمنية مستقبلية قد تؤثر على استقرارها المالي.