اقتصادات الضعف الشديد: تأثير أزمة الطاقة على قارة آسيا – شاشوف


تعاني اقتصادات آسيا الناشئة من أزمة طاقة حادة بسبب الحرب على إيران، مما أسفر عن خفض توقعات النمو إلى 4.7% في 2026 و4.8% في 2027. تدهور النشاط الاقتصادي يزيد من التضخم، مما يضغط على الاستهلاك والاستثمار. لجأت الحكومات إلى سياسات دعم أسعار الوقود بتكلفة كبيرة على الموازنات العامة. دول جنوب آسيا، مثل باكستان، تواجه ضغوطًا شديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة. بينما تحاول بعض الدول تنويع مصادر الطاقة، يبقى الاعتماد على مضيق هرمز خطرًا، مما يتطلب تغييرات استراتيجية طويلة الأجل لمواجهة الأزمات المتزايدة.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تُظهر التحليلات الأخيرة لوكالة ‘رويترز’ أن أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب على إيران تُعتبر اختباراً شاملاً لقدرة اقتصادات قارة آسيا، وخصوصاً الناشئة، على مواجهتها في ظل اضطرابات طويلة الأمد في إمدادات الطاقة العالمية.

تتمثل أولى علامات الأزمة في التدهور المتزامن لمؤشرات الاقتصاد الكلي، حيث خفّض بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو الدول النامية في آسيا والمحيط الهادئ إلى 4.7% لعام 2026 و4.8% لعام 2027، بعد أن كانت 5.1% في التقديرات السابقة، كما رفع توقعاته للتضخم إلى 5.2%.

يواجه الاقتصاد الآسيوي تباطؤًا في النشاط الاقتصادي بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، مما يُشكل تحديًا يُؤثر على الاستهلاك والاستثمار معًا، ويضع الحكومات في مأزق بين دعم النمو وكبح التضخم.

تشير البيانات التي تتبعها شاشوف من شركة ‘كبلر’ أن واردات آسيا من النفط الخام، التي تشكل 85% من صادرات الخليج، قد انخفضت بنسبة 30% في أبريل، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2015، ويأتي ذلك بعد شهرين من الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.

الدعم الحكومي.. خط الدفاع الأول المكلف

في مواجهة هذه الصدمة، لجأت الحكومات الآسيوية إلى ‘سياسات الاحتواء المالي’ من خلال دعم أسعار الوقود وخفض الرسوم الجمركية، حيث توضح مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال أن هذه الإجراءات تمثل ‘خط الدفاع الأول’ لامتصاص الصدمة.

لكن هذه السياسات تكلفتها مرتفعة، إذ تنفق الحكومات مليارات الدولارات للحفاظ على استقرار الأسعار، مما يشكل ضغطًا على الميزانيات العامة ويهدد بزيادة العجز المالي، خصوصًا في دول جنوب آسيا ذات الموارد المحدودة.

في الهند، على سبيل المثال، تتحمل شركات التكرير الحكومية خسائر مباشرة للحفاظ على أسعار الوقود، مما يُظهر سياسة تأجيل الأزمة بدلاً من حلها، مع توقعات بارتفاع الأسعار لاحقًا.

كما طالت الأزمة الأسواق المالية، حيث شهدت عملات الأسواق الناشئة في آسيا تراجعًا ملحوظًا أمام الدولار. فقد انخفض البيزو الفلبيني بأكثر من 5%، والروبية الهندية والبات التايلاندي بأكثر من 3%، والروبية الإندونيسية بنحو 2.5%، مما يُعكس هروب رؤوس الأموال وزيادة فواتير الواردات، وبالتالي زيادة الضغط على الاحتياطيات الأجنبية والمخاطر المالية.

على الجانب الآخر، برز اليوان الصيني كواحد من أكثر العملات استقراراً، مستفيداً من السياسات الحكومية المشددة والاحتياطيات الضخمة، بينما تدخلت اليابان لدعم عملتها، مما يشير إلى أن الاقتصادات المتقدمة ليست بمعزل عن الأزمة.

اقتصادات هشة

تُعتبر دول جنوب آسيا، مثل باكستان وبنجلادش وسريلانكا، الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة، كما تقول تحليلات رويترز، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة وضعف احتياطياتها المالية.

في باكستان، على سبيل المثال، اضطرت الحكومة إلى العودة لشراء الغاز الطبيعي المسال بأسعار مرتفعة تصل إلى 18.88 دولار لكل مليون وحدة حرارية، أي بزيادة تقدر بنحو 30 مليون دولار لكل شحنة مقارنة بما قبل الحرب، مما يعكس الضغط الكبير الذي تواجهه الدول ذات الموارد المحدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

تختلف استجابات الدول الآسيوية بحسب قدراتها الاقتصادية، فإندونيسيا أعادت توجيه إنتاجها للسوق المحلية وأقامت قيوداً على صادرات الغاز، وتسعى لاستيراد النفط من أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى خطط لشراء 150 مليون برميل من روسيا.

أما تايلاند فقد أوقفت شراء النفط مؤقتاً وفرضت قيوداً على الصادرات، بينما كثفت اليابان وارداتها من النفط الأمريكي، رغم ارتفاع تكاليف الشحن وطول فترة النقل، كما بدأت في السحب من احتياطياتها النفطية، حيث أطلقت 36 مليون برميل كخطوة طارئة. واعتمدت الصين على احتياطياتها الضخمة وتنوع مصادرها، مما مكّنها من استيعاب جزء كبير من الصدمة مقارنة بالدول الأخرى.

رغم أن بعض المؤسسات المالية، مثل بنك الاستثمار الأمريكي ‘غولدمان ساكس’، ترى أن تأثير الأزمة أقل حدة مما كان متوقعًا، إلا أنها تطرح سؤالاً جوهريًا: هل يعكس هذا الصمود قوة هيكلية حقيقية، أم أنه مجرد نتيجة لاستخدام مكثف وغير مستدام للاحتياطيات؟

يفتح هذا السؤال الباب أمام سيناريو أكثر تعقيدًا، حيث قد تواجه آسيا موجة ثانية من الأزمة إذا استمرت الحرب، بعد استنزاف أدواتها الدفاعية الحالية.

تظهر الأزمة أن آسيا، رغم قوتها الاقتصادية، لا تزال تعتمد بشكل كبير على ممرات الطاقة التقليدية، وبالأخص مضيق هرمز. ومع تعطل هذا الشريان الحيوي، بدأت ملامح تحول استراتيجي تظهر، تعتمد على تنويع مصادر الطاقة جغرافياً وتعزيز المخزونات الاستراتيجية وإعادة هيكلة سياسات الدعم والاستثمار في بدائل الطاقة، لكن هذه التغيرات قد تأخذ وقتًا طويلاً، بينما الأزمة الحالية تتفاقم بسرعة تفوق قدرة التكيف.