تناقض الطاقة: فائض في أمريكا ونقص عالمي – بقلم قش


تشهد أسواق الطاقة العالمية تناقضًا حادًا، حيث يعاني العالم من شحّ الغاز الطبيعي بينما تعاني الولايات المتحدة من فائض كبير. أدت الحرب على إيران إلى اختناق الإمدادات عالميًا، مما دفع الدول للبحث عن بدائل وتقنين الاستخدام. في المقابل، تراجع سعر الغاز في أمريكا بسبب تخمة المعروض، مما أدى إلى تداعيات سلبية على الأسعار العالمية. تتزايد الضغوط على الشركات الأمريكية في حوض برميان، مع ارتفاع معدلات حرق الغاز. هذا الوضع يعكس اختلالًا كبيرًا في السوق، مع مخاطر على الاقتصاد العالمي، بينما تستفيد الولايات المتحدة من انخفاض أسعار الغاز في بعض القطاعات.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تكشف التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة عن تناقض واضح، حيث يواجه العالم نقصًا في الغاز الطبيعي في مناطق واسعة، بينما تعاني الولايات المتحدة من فائض غير مسبوق. وفقًا لتقرير لوكالة ‘بلومبيرغ’، فإن الحرب على إيران أدت إلى خنق إمدادات الغاز عالميًا، مما دفع دولًا في آسيا وأوروبا وبعض مناطق أفريقيا للبحث عن بدائل وتقنين استهلاك الطاقة، وسط قلق متزايد من أزمة طاقة حادة مع اقتراب مواسم الذروة.

على النقيض، تعيش الولايات المتحدة حالة مغايرة حيث يتوفر الغاز بكميات ضخمة تفوق القدرة على الاستهلاك أو التصدير، مما أدى إلى تراجع الأسعار إلى مستويات منخفضة للغاية، بل وحتى سلبية في بعض المناطق، مما يعكس اختلالًا هيكليًا في السوق العالمية.

في قلب هذا التناقض يقع حوض برميان، أحد أكبر مراكز إنتاج النفط والغاز عالميًا، الممتد عبر ولايتي تكساس ونيو مكسيكو. وفقًا لتقارير بلومبيرغ، فإن زيادة إنتاج الغاز، الذي يأتي غالبًا كمنتج ثانوي لاستخراج النفط، أدت إلى فائض في المعروض.

لكن المشكلة تكمن في الإنتاج والبنية التحتية أيضًا، إذ تعجز خطوط الأنابيب عن استيعاب الكميات المتزايدة، مما يعيق المنتجين عن نقل الغاز إلى الأسواق أو مرافئ التصدير. نتيجة لذلك، انهارت الأسعار في مركز ‘واها’ إلى ما دون الصفر، مما يعني أن المنتجين بدأوا يدفعون للمشترين للتخلص من الغاز.

فجوة الأسعار العالمية.. سوقان منفصلان

بينما تراجعت الأسعار الأمريكية تقريبًا بنسبة 10% منذ بداية الحرب، ارتفعت الأسعار في أوروبا بنحو 40%، وفي آسيا بأكثر من 50% وفقًا لقراءة شاشوف، نتيجة التنافس على الإمدادات المحدودة. هذا التفاوت يعكس خللاً عميقًا، حيث يصعب نقل الغاز من المناطق الفائضة إلى المناطق الناقصة، بسبب القيود اللوجستية وسعات التسييل والتصدير المحدودة، ما يجعل السوق العالمية تشبه أسواق إقليمية منفصلة بدلاً من سوق موحدة.

تمتد آثار هذه الأزمة إلى كل اقتصاد العالم، فارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال يؤدي إلى زيادة تكاليف الكهرباء والتدفئة والتصنيع، مما ينعكس مباشرةً على معدلات التضخم. وتشير تقديرات بلومبيرغ إلى أن ارتفاع أسعار الغاز بنسبة 10% يمكن أن يضيف نحو 8 نقاط أساس إلى التضخم العالمي، مما يضغط على النمو الاقتصادي ويزيد من احتمالات تباطؤه، خاصة في الدول الصناعية المعتمدة على الطاقة.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، بدأت تداعيات الأزمة تتجلى في القطاع الصناعي، حيث اضطرت شركات في أوروبا وآسيا إلى خفض أو إيقاف الإنتاج بسبب ارتفاع تكاليف الغاز، الذي يعد مادة أساسية في صناعات مثل الأسمدة والبتروكيماويات.

وأوضحت بلومبيرغ أن شركات مثل منتجي الأمونيا في أوروبا والهند بدأت فعلاً تقليص الإنتاج، ما يشير إلى تحول أزمة الطاقة إلى أزمة صناعية أوسع قد تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.

وفي المقابل، يمنح انخفاض أسعار الغاز في الولايات المتحدة ميزة تنافسية كبيرة لاقتصادها، وخاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. تستفيد الصناعات الأمريكية، مثل البتروكيماويات، من انخفاض تكاليف الإنتاج، مما يعزز قدرتها التنافسية عالميًا.

كما أن توافر طاقة رخيصة يعزز التوسع في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يتطلب كميات هائلة من الكهرباء، مما يمنح الولايات المتحدة أفضلية إضافية في سباق التكنولوجيا العالمي.

ضغوط على المنتجين المحليين

رغم هذه المزايا، لا يخلو الوضع من تحديات داخلية، حيث يواجه منتجو الغاز الأمريكيون، وخاصة في حوض برميان، ضغوطًا مالية نتيجة انخفاض الأسعار. اضطرت بعض الشركات لتعديل استراتيجياتها أو خفض الإنتاج للتكيف مع السوق. وفقًا لقراءة شاشوف، بدأت بعض الشركات الابتعاد عن مراكز التسعير المنخفضة أو البحث عن أسواق بديلة بأسعار أعلى لتقليل الخسائر.

ومن أبرز مظاهر الاختلال في السوق الأمريكية، ارتفاع معدلات حرق الغاز، حيث يتم التخلص من الفائض عبر إحراقه مباشرة في مواقع الإنتاج. وارتفعت عمليات الحرق في حوض برميان إلى أعلى مستوياتها الموسمية منذ سنوات وفقًا لبلومبيرغ، مما يمثل هدرًا اقتصاديًا وبيئيًا في آن واحد، إذ يتم إتلاف مورد طاقة يحتاجه العالم بشدة، مع انبعاث كميات كبيرة من الغازات الملوثة.

أدت الفجوات السعرية الكبيرة بين المناطق إلى خلق فرص ربح كبيرة للمتداولين، لكنها تنطوي أيضًا على مخاطر عالية، إذ يمكن أن تؤدي الأعطال أو أعمال الصيانة في خطوط الأنابيب إلى خسائر ضخمة، حيث يضطر المتداولون لبيع الغاز بأسعار منخفضة في مناطق الفائض وشرائه بأسعار مرتفعة في مناطق الطلب.

على المدى المتوسط، قد تسهم مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة في تخفيف هذه الاختناقات، فمن المتوقع دخول عدة خطوط جديدة الخدمة بحلول 2028، مما سيضيف سعات نقل كبيرة ويساعد على ربط مناطق الإنتاج بالأسواق.

مع ذلك، تشير بلومبيرغ إلى أن الأسعار الأمريكية قد تبقى منخفضة نسبيًا مقارنة بالأسواق العالمية، بسبب استمرار وفرة الموارد ومحدودية القدرة التصديرية.

يخلص التقرير إلى أن العالم يواجه نقصًا حادًا في الإمدادات وارتفاعًا في الأسعار، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها في وضع فائض يصعب استغلاله، مما يلخص اختلال التوازن في نظام الطاقة العالمي.