اجتماعات الربيع في واشنطن: مثال واضح على إخفاق المؤسسات المالية في مواجهة الأزمات العالمية – بقلم شاشوف


هيمنت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، التي أظهرت اختلالات كبيرة في النظام الاقتصادي العالمي. لم يعد النقاش يتعلق بالسياسات المالية التقليدية بل بتقارير عن حركة السفن ومخاطر الإغلاق في مضيق هرمز، ما يعكس تحول الثقل إلى الجغرافيا السياسية. رغم إعلان حزمة تمويل بقيمة 150 مليار دولار لدعم الدول النامية، بقيت القدرة على التأثير محدودة. كما انخفضت توقعات النمو إلى 3.1%، مما يزيد الضغوط على الأسواق. تدعو بعض الدول إلى تعزيز التجارة الإقليمية لتخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري لتحسين القدرة على الصمود.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تأثرت اجتماعات الربيع التي اختتمها صندوق النقد والبنك الدوليَّين في واشنطن بشدة بتداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ظهر التشاؤم في الأجواء. تكشف هذه الاجتماعات عن افتقارها للقدرة على توجيه الأسواق كما كان يحدث سابقًا، لتصبح في موقف المتلقي لتداعيات أزمة تتجاوز نطاقها. أصبحت الأنظار موجهة نحو مضيق هرمز، الذي صار مركز القرار الفعلي المؤثر في اتجاهات الاقتصاد العالمي، في ظل تداخل غير مسبوق بين السياسة والطاقة والتجارة.

داخل قاعات الاجتماعات، لم يكن النقاش يدور حول أسعار الفائدة أو سياسات التحفيز أو أدوات الاستقرار المالي، بل كان مرتبطًا بتقارير ميدانية حول حركة السفن، واحتمالات فتح أو إغلاق المضيق، ومستوى المخاطر الأمنية في الخليج، وفق تتبُّعات مرصد “شاشوف”. ويعبر هذا المشهد عن انتقال مركز الثقل الجغرافي إلى السياسة، حيث أصبحت القرارات المتخذة في ميادين الصراع أكثر تأثيرًا من تلك التي تصدر عن البنوك.

وقد تلخص هذا الواقع من خلال تصريحات عدد من الخبراء الذين أشاروا إلى أن القرارات الاقتصادية الأكثر أهمية لم تعد تُتخذ خلال هذه الاجتماعات، مما يدل على أن مسار الاقتصاد العالمي بات يُرسم خارج الأطر التقليدية.

مؤسسات محدودة القدرات أمام صدمة جيوسياسية

على الرغم من إعلان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن حزمة تمويل تصل إلى 150 مليار دولار لدعم الدول النامية الأكثر تضررًا من أزمة الطاقة، فإن هذه الخطوة بدت كأنها محاولة احتواء جزئي للأزمة، وليس لحل جذورها. فالمشكلة الحقيقية ليست نقص السيولة، بل في تدهور تدفقات الطاقة نفسها، وهو عامل خارج نطاق تأثير هذه المؤسسات، مما أفقد الأدوات التقليدية كالقروض الطارئة أو برامج الدعم فعاليتها في ظل الأزمات المدفوعة بالجغرافيا السياسية.

كما حذرت هذه المؤسسات من اتخاذ الدول لسياسات قد تزيد من تفاقم الأزمة، مثل تخزين النفط أو تقديم دعم غير موجه لأسعار الوقود، نظراً للانعكاسات المالية الكبيرة والتشوهات في الأسواق. لكن يبقى واقع أن قدرة المؤسسات الدولية على التأثير المباشر في مجريات الأزمة محدودة، مع الهيمنة السياسية والعسكرية.

ومن أبرز ما تبين من الاجتماعات هو تراجع الثقة في قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على القيادة كما كانت في السابق، حيث أقر عدد من المسؤولين بأن الاعتماد على واشنطن في حل الأزمات لم يعد خيارًا موثوقًا، خاصة بسبب ارتباطها المباشر بالصراع الحالي.

وقد تجسدت أزمة الثقة من خلال الرسائل التي نقلها مسؤولون أوروبيون، مطالبين الولايات المتحدة باتخاذ خطوات فعالة لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يُعتبر مفتاح الاستقرار للأسواق، مما يعكس قلقًا دوليًا متزايدًا حول الأضرار الاقتصادية المحتملة من استمرار الصراع.

أزمة الطاقة وتوقعات النمو تحت الضغط

وأوضحت التصريحات التي جمعها “شاشوف” من كبار المسؤولين أن ملف الطاقة عاد ليتصدر أولويات الاقتصاد العالمي، حيث ربط وزير المالية السعودي “محمد الجدعان” أي تحسن اقتصادي بعودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، مع توفر التأمين وانخفاض الأسعار، مؤكدًا أن هذا العامل وحده كفيل بتغيير السيناريو العام. من جهته، شدد الوزير الفرنسي “رولان ليسكور” على أن “عقدة الصراع” تكمن في هذا الممر البحري، مشيرًا إلى ارتباط استقرار الاقتصاد العالمي بأمن الطاقة بشكل مباشر.

يعيد هذا الطرح إلى الذاكرة العلاقة القديمة بين الطاقة والنمو، لكن في سياق أكثر تعقيدًا، حيث ترتبط الأسعار وأمن الإمدادات واستمرارية التدفقات. ومع ارتفاع المخاطر في الممرات البحرية، أصبحت تكلفة التأمين والنقل عاملين إضافيين يزيدان من الضغوط على الأسواق، مما يوسع تأثير الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية.

فيما يخص التوقعات، قدم صندوق النقد الدولي صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد العالمي، حيث خُفضت توقعات النمو لعام 2026 إلى نحو 3.1% في أفضل السيناريوهات، مع تحذيرات من احتمال تراجعها إلى 2.5% في حال استمرار الأزمة، وفق قراءة “شاشوف”. تعكس هذه الأرقام تغيرًا في المزاج الاقتصادي نحو الحذر والقلق من دخول مرحلة ركود.

الأهم من ذلك، أن هذه التوقعات نفسها عُرضة للتقادم السريع بسبب تسارع الأحداث، مما يعني أن أي تقدير اقتصادي قد يصبح غير دقيق خلال فترة قصيرة، مما يمثل تحديًا جديدًا لصانعي السياسات، يتمثل في صعوبة بناء استراتيجيات طويلة الأمد في بيئة غير مستقرة.

إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية

في مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض الدول إعادة التفكير في أولوياتها الاقتصادية، إذ برزت دعوات لتعزيز التجارة الإقليمية، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما طُرحت أفكار لتوسيع القواعد الضريبية والاستفادة من الموارد المحلية، في محاولة لتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

لكن كل ذلك يحتاج إلى الوقت لتحقيق نتائج ملموسة، بينما الأزمة الحالية تضغط بشكل فوري على الاقتصادات، خصوصًا النامية، التي تجد نفسها محاصَرة بين ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع النمو.

بصورة دقيقة، كشفت اجتماعات الربيع عن واقع جديد يتسم بتراجع فعالية الأدوات الاقتصادية التقليدية أمام صدمات جيوسياسية متسارعة، ففي الوقت الذي تمتلك فيه المؤسسات المالية الدولية خبرة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية، تواجه تحديًا غير مسبوق، حيث تكمن جذور الأزمة خارج نطاق الاقتصاد. مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، وتزايد الاعتماد على القرارات السياسية والعسكرية في تشكيل مسار الأسواق، يدخل العالم مرحلة جديدة يصبح فيها الاستقرار الاقتصادي رهينة لتوازنات القوة، وليس لسياسات التمويل.