بلومبيرغ: العالم يواجه شبح ركود اقتصادي عميق هذا العام – بقلم قش


تشير تقديرات ‘بلومبيرغ’ إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة من التباطؤ الحاد، مع توقع تراجع النمو إلى 2.9% في 2026 وارتفاع التضخم إلى 4.2%. يستند هذا التوقع إلى الضغوط الناجمة عن الحرب على إيران وتأثيراتها على أسعار الطاقة. تشير السيناريوهات المحتملة إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى 170 دولاراً، مما قد يخفض النمو إلى 2.2%. في المقابل، قد يساهم استقرار النفط عند 65 دولاراً في تعزيز النمو إلى 3.1%. الدول الكبرى تعاني من تبعات ارتفاع الأسعار، بينما يعد الاقتصاد السعودي الأكثر صموداً في هذا السياق، رغم المخاطر الأمنية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تتوقع تقديرات “بلومبيرغ” أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة تباطؤ حاد مصحوبة بزيادة في التضخم، في ظل التداعيات السريعة للحرب على إيران، بينما يستمر وقف إطلاق النار في حالة من الهشاشة، وأسواق الطاقة تعيش حالة ترقب بين سيناريوهات التهدئة والتصعيد.

وحسب تحديثات “شاشوف” للسيناريو الأساسي لـ”بلومبيرغ”، يُتوقع أن ينخفض النمو العالمي إلى 2.9% في عام 2026، مقارنة بـ3.4% في 2025، مما يمثل أضعف أداء منذ جائحة كورونا. كما يُنتظر أن يرتفع التضخم العالمي إلى 4.2% بحلول الربع الرابع من العام، صعودًا من 3.1% بنهاية العام الماضي. تعكس هذه التغيرات ما تصفه الوكالة بـ”الصدمة المزدوجة”، حيث يسبب ارتفاع أسعار الطاقة كبح النمو الاقتصادي من جهة، ويدفع الأسعار لتصاعد من جهة أخرى، مما يزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي.

يعتبر مسار أسعار النفط العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد العالمي، ففي حين حافظ وقف إطلاق النار الهش على الأسعار تحت 100 دولار للبرميل، تعرض “بلومبيرغ” سيناريوهين متناقضين، الأول هو سيناريو التصعيد: إذ سترتفع أسعار النفط إلى 170 دولاراً للبرميل، مما يؤدي إلى نمو عالمي قدره 2.2% فقط، والثاني سيناريو التهدئة: حيث ينخفض النفط إلى 65 دولاراً، مما يعزز النمو إلى 3.1%.

تشير التقديرات إلى أن الفارق بين هذين السيناريوهين يزيد عن تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو يعادل تقريبًا اقتصاد دولة بحجم سويسرا.

بداية التباطؤ: مارس نقطة التحول

تكشف بيانات “بلومبيرغ إيكونوميكس” عن تباطؤ حاد بدأ بالفعل في مارس 2026، بالتوازي مع اندلاع الحرب، حيث أظهر متتبع النمو العالمي -المعتمد على 18 اقتصاداً- انعكاسًا سريعًا في الأداء بعد بداية قوية للعام. وفي المقابل، بدأت مؤشرات التضخم تتصاعد، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، مدفوعة بارتفاع تكاليف الوقود، التي تنعكس بدورها على أسعار النقل والخدمات والسلع الصناعية.

تؤكد التقديرات أن أسعار النفط المرتفعة لها تأثير ممتد يتجاوز الوقود، لتصل إلى سلاسل الإمداد كاملة، بما في ذلك الخدمات اللوجستية، والبلاستيك، والأسمدة، ومدخلات الإنتاج. في السيناريو الأساسي، يصل التضخم إلى 4.2%، بينما قد يرتفع إلى 5.4% في حال التصعيد، وهو أعلى مستوى منذ منتصف 2024. أما إذا استقرت الأوضاع، فقد يبقى عند حدود 3.7% باعتباره موجة مؤقتة.

تتجه البنوك المركزية العالمية إلى اتباع نهج حذر في التعامل مع الصدمة، حيث يُتوقع تثبيت أسعار الفائدة خلال الربع الثاني من 2026 ثم خفضها تدريجيًا لاحقًا. في السيناريو الأساسي، يستقر متوسط الفائدة العالمية عند 5% قبل أن ينخفض إلى 4.7% بنهاية العام، بينما في حالة التصعيد، قد ترتفع إلى 5.3%، بينما تنخفض إلى 4.6% في سيناريو التهدئة.

الاقتصادات الكبرى تحت الضغط

يتوقع أن يتراجع نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 1.8% في 2026، متأثرًا بارتفاع أسعار الوقود وتشديد الأوضاع المالية، بالرغم من استمرار دعم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والإنفاق الدفاعي.

أما في منطقة اليورو، فمن المتوقع أن ينخفض النمو إلى 0.7% فقط، مع زيادة التضخم إلى 2.9%، بفعل تأثير مزدوج من أسعار الطاقة والرسوم الأمريكية. تواجه بريطانيا مزيجًا من النمو الضعيف (0.5%) والتضخم المرتفع (3.3%)، مما يضعها في حالة “ركود تضخمي” واضحة، بينما يتراجع النمو في اليابان إلى 0.2% مع ارتفاع التضخم إلى نحو 5%، مما يدفع بنك اليابان إلى رفع الفائدة بوتيرة أسرع.

بدورها، تحتفظ الصين بقدر من المرونة بفضل احتياطيات الطاقة، لكن استمرار الحرب يهدد صادراتها، مما قد يضغط على النمو ضمن نطاق 4.5% إلى 5%، في حين يتراجع النمو في الهند إلى 5.9% مقارنة بـ7.5% سابقًا، مع زيادة التضخم إلى 4.6% نتيجة صدمة الطاقة واضطرابات التجارة.

وعلى عكس معظم الاقتصادات، يُظهر الاقتصاد السعودي قدرًا نسبيًا من الصمود، مع توقع نمو عند 2.9% في 2026 وفقًا لبيانات بلومبيرغ، مدعومًا بارتفاع أسعار النفط واستمرار تدفقه عبر خطوط بديلة تتجاوز مضيق هرمز. ورغم انخفاض الكميات المصدرة بنحو 30% منذ بداية الحرب، إلا أن ارتفاع الأسعار يعوض ذلك، مما يعزز الإيرادات. رغم ذلك، تبقى المخاطر الأمنية، خاصة في البحر الأحمر، التهديد الأكبر.

تدرك تقديرات بلومبيرغ أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أصبحت عامل ضغط يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وبين تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وتذبذب أسعار الطاقة، يقف العالم أمام مفترق طرق اقتصادي سيحدد مساره مستقبل الصراع، فإما احتواء نسبي يعيد الاستقرار تدريجيًا، أو تصعيد واسع قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو فترة أكثر اضطرابًا وكلفة.


تم نسخ الرابط