متلازمة ‘الصاروخ والريشة’: متى سيعود المستهلك الأمريكي إلى عافيته بعد تأثيرات حرب النفط الإيرانية؟ – شاشوف


تواجه أمريكا تحديات اقتصادية مع تراجع أسعار النفط الخام، بينما لا تزال أسعار البنزين مرتفعة. رغم بدء هدنة الحرب الإيرانية، التقارير تشير إلى أن انخفاض الأسعار المحلي قد يستغرق أسابيع. سعر البنزين بلغ 4.16 دولار للغالون منذ الحرب، ومن المتوقع أن يتطلب الخفض إلى 4 دولارات وقتًا أطول بسبب مخاوف الملاحة ودمار البنية التحتية. بفضل عدم الاعتماد المباشر على واردات مضيق هرمز، إلا أن أسواقها الداخلية حساسة للتقلبات الجيوسياسية. التسعير المعقد للبنزين يظهر كيف تتأخر التخفيضات حتى عندما تتراجع الأسعار العالمية، مما يعكس تحديات أكبر في سلسلة الإمداد.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في تناقض اقتصادي يسلط الضوء على تعقيدات أسواق الطاقة العالمية، تواجه الولايات المتحدة تحدياً مزدوجاً يتمثل في تراجع أسعار العقود الآجلة للنفط الخام وثبات أسعار التجزئة في محطات الوقود. ومع بدء سريان الهدنة الممتدة لأسابيع لإنهاء النزاع مع إيران، تتوجه الأنظار نحو تأثير هذا الوضع على جيوب المستهلكين. فقد أظهر تقرير شامل اطلع عليه «شاشوف» من شبكة «CNN» أن الانخفاض الملحوظ في أسعار البنزين محلياً قد يستغرق عدة أسابيع أو حتى شهور، رغم المؤشرات الإيجابية التي طرأت على التطورات الإقليمية.

وقد أحدثت أنباء وقف إطلاق النار واحتمالية إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي ارتباكاً في الأسواق، مما أدى إلى انهيار سريع في أسعار النفط في ليلتي الثلاثاء والأربعاء الماضيين. ورغم هذا التراجع الأولي، عادت الأسعار للارتفاع قليلاً لتستقر عند مستوى 98.2 دولار للبرميل بحلول يوم الخميس، وهو مستوى لا يزال منخفضاً بنحو عشرين دولاراً مقارنةً بمتوسط الأسعار المسجلة لخام برنت ومؤشرات الأسواق في الأسبوع الذي سبق، مما يعكس حالة من الحذر في تسعير المخاطر الجيوسياسية المتبقية.

لكن هذا الانخفاض في الأسواق لم يتحول بعد إلى تخفيف العبء عن المستهلكين. فقد قفز متوسط سعر غالون البنزين في أمريكا إلى 4.16 دولار منذ نشوب الحرب في 27 فبراير، محققاً زيادة كبيرة بلغت 1.18 دولار وفقًا لبيانات اطلع عليها شاشوف من جمعية السيارات الأمريكية. حتى مع التوقعات المتفائلة، فإن مجرد تسجيل انخفاض طفيف ليعود السعر إلى حدود 4 دولارات للغالون قد يستغرق من أسبوع إلى أسبوعين، مما يؤكد أن الانتعاش الكامل للأسعار والعودة إلى مستويات ما قبل الحرب تتطلب وقتاً كبيراً وعوامل هيكلية معقدة.

تعقيدات الإمداد ومخاوف الملاحة في مضيق هرمز

تظهر المعضلة اللوجستية كعقبة رئيسية أمام استقرار الأسواق، حيث أن إعادة أسعار النفط إلى مستويات أواخر فبراير تعتمد بشكل كبير على استعادة التدفق الطبيعي والمستدام للشحنات عبر مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً لنحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط.

وفي هذا السياق، نقلت شبكة «CNN» عن مات سميث، كبير محللي القطاع التجاري في شركة «كبلر»، تأكيده على حالة من التردد والحذر الشديدين لدى شركات الشحن بشأن استئناف عبور المضيق، مشيراً إلى أن استعادة الثقة في أمن الملاحة ستتطلب وقتاً طويلاً أكثر بكثير من مجرد إعلان سياسي بوقف إطلاق النار.

ولا تقتصر التحديات على المخاوف الأمنية، بل تشمل أيضاً الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في منطقة الخليج العربي خلال أسابيع الحرب الستة.

تشير تقديرات تتبعها شاشوف لإدارة معلومات الطاقة في أمريكا إلى أن تعطل الإمدادات خلال شهر مارس أثر على طاقة إنتاجية تصل إلى 7.5 مليون برميل يومياً. إن هذا الدمار يعني أن استئناف التصدير بكامل طاقته السابقة يتطلب جهوداً مكثفة للإصلاح، مما يبطئ من وتيرة ضخ المعروض الإضافي في الأسواق لتهدئة الأسعار.

تتضح هذه الصورة المعقدة في تصريحات بوب ماكنالي، رئيس مجموعة «رابيدان» للطاقة، الذي أوضح أن الأسواق كانت تتطلع لأي أخبار إيجابية، لكن الرهان الحقيقي يبقى على الفتح الكامل والآمن لمضيق هرمز.

رغم أن الولايات المتحدة تُعتبر من أكبر منتجي النفط على مستوى العالم ولا تعتمد بشكل مباشر على واردات المضيق بشكل كبير، إلا أن الطبيعة العالمية لتسعير النفط تجعل أسواقها الداخلية عرضة لتأثيرات أي نقص في الإمدادات الدولية، مما يربط مصير أسعار البنزين المحلي بمخرجات المفاوضات الإقليمية الجارية.

آليات تسعير التجزئة وفخ الهوامش الربحية

لفهم التباطؤ في تراجع أسعار البنزين، يجب الغوص في آليات التسعير المعقدة. يلخص توم كلوزا، محلل النفط المستقل، هذه الظاهرة الاقتصادية بمثل يتردد صداه في أروقة وول ستريت: «أسعار البنزين ترتفع كالصاعقة وتنخفض كالريشة».

يعود هذا السلوك التسعيري إلى طبيعة العلاقة بين أسعار الجملة المتقلبة وأسعار التجزئة في المحطات، حيث يسارع أصحاب المحطات إلى رفع الأسعار بمجرد ورود أنباء الحرب لحماية أنفسهم من تكاليف الاستبدال العالية، بينما يتباطؤون في خفضها عند تراجع أسعار الخام لتعظيم هوامش الربح.

تتوقع مؤسسة «غاز بادي»، المتخصصة في تتبع أسعار الوقود، أن يبدأ المستهلكون في أمريكا بتلمس انخفاضات تدريجية طفيفة لا تتجاوز بضعة سنتات يومياً خلال 48 ساعة من تفاعل أسواق الجملة مع اتفاق وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، فإن رحلة العودة إلى أسعار تقل عن 3 دولارات للغالون -وهي المستويات التي سادت قبل نشوب الحرب- تتطلب استقراراً جيوسياسياً مستداماً وتدفقاً مستمراً للإمدادات، وهي عملية قد تستغرق شهوراً في ظل الأزمة الحالية التي تفتقر إلى الضمانات الثابتة.

من جانبه، يشرح جيف لينارد، المتحدث باسم الرابطة الوطنية لمتاجر التجزئة، الديناميكية الخفية وراء هذه الظاهرة، موضحاً أن تجار التجزئة عادةً ما يضطرون إلى تقليص هوامش ربحهم للحفاظ على تنافسيتهم عندما ترتفع أسعار الجملة بشكل كبير.

حالياً، لا يتجاوز متوسط ربح محطات الوقود 15 سنتاً في الغالون الواحد حسب معلومات شاشوف. لذا، عندما تنخفض تكاليف الجملة، يصر هؤلاء التجار على الحفاظ على الأسعار المرتفعة لأطول فترة ممكنة لتعويض خسائرهم، مما يجعل المستهلك النهائي يتحمل العبء الأكبر من هذه الدورة الاقتصادية.

ختاماً، يمكن القول إن الاقتصاد الأمريكي لا يزال تحت تأثير تقلبات جيوسياسية تتجاوز حدوده الجغرافية. إن الفجوة الزمنية بين إعلانات الهدنة السياسية وتداعياتها الفعلية على أسعار المضخات تكشف هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وتعقيدات التسعير المحلي. وإذا انهارت هذه الهدنة الهشة وتجددت الحرب، فإن جميع التوقعات الإيجابية ستتبخر، وستعود الأسواق إلى مربع الصدمات الأولى بشكل أقسى مع تداعيات أكثر شدة على معدلات التضخم.


تم نسخ الرابط