إيران تسيطر على مضيق هرمز: أداة للنفوذ تؤثر على الواقع وتقلب أسواق الطاقة – شاشوف


يشهد مضيق هرمز تغييرات جذرية نتيجة الهيمنة الإيرانية، مما أدى إلى إعادة تشكيل قواعد الملاحة. إيران فرضت مسارات جديدة للسفن الحكومية بسبب مخاوف من الألغام، فيما تعاني حركة الشحن من التوقف بسبب متطلبات الحصول على تصريحات للعبور. هذا الوضع رفع أسعار النفط مجددًا وأدى لتقليص الإمدادات العالمية، مما يؤثر على دول متعددة، خاصة في آسيا. في سياق أزمة الغاز، ارتفعت الأسعار بنسبة 80% بسبب التعطيل، مما أثر سلبًا على الدول الفقيرة المصدرة. يشير ذلك إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة لزيادة المرونة.

أخبار الشحن | شاشوف

يشهد مضيق هرمز تحولاً غير مسبوق في طبيعته ووظيفته بعد أن عززت إيران من مستوى حضورها فيه. واستفادت من الحرب الأمريكية والإسرائيلية التي تعرضت لها، بالإضافة إلى الهدنة المؤقتة مع الولايات المتحدة. رغم أن هدنة وقف إطلاق النار كان من المفترض أن تشكل فرصة لضبط الأوضاع، فإن التطورات تكشف عن إعادة تنظيم عميقة لقواعد الملاحة، وانتقال فعلي للسيطرة من الإطار الدولي إلى الهيمنة الإيرانية المباشرة.

أعلنت قوات الحرس الثوري الإيراني عن تحديد مسارين بديلين لعبور السفن، بالتوازي مع تحذيرات واضحة من وجود ألغام بحرية في المسار التقليدي للمضيق، المصنف كـ”منطقة خطر”. المسار الأول مخصص للسفن القادمة من خليج عمان نحو الخليج العربي، حيث يمر شمال جزيرة لارك بمحاذاة السواحل الإيرانية، بينما خُصص المسار الثاني للسفن المغادرة من الخليج نحو خليج عمان عبر جنوب الجزيرة نفسها وفقاً لمصادر “شاشوف”.

رغم دخول هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، ظل نشاط الشحن عبر المضيق شبه متوقف، حيث تتعامل شركات الملاحة الدولية بحذر شديد في مواجهة الواقع الجديد، وسط غموض القواعد التشغيلية وزيادة المخاطر. هذا الأمر أدى لتكدس عشرات ناقلات النفط قبالة مدخل المضيق، خاصة قرب السواحل الإماراتية، في انتظار الحصول على تصاريح العبور.

توقف الحركة هذا انعكس مباشرة على أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط مجدداً لتتجاوز 98 دولاراً للبرميل في الأسواق العالمية، بعد تقلبات حادة في الأيام الأخيرة.

الواقع الإيراني الجديد

في العمق، ترتبط المخاطر الأمنية بشروط عبور جديدة فرضتها طهران، إذ تشترط على جميع السفن التنسيق المسبق مع قواتها المسلحة للحصول على إذن المرور. هذه الخطوة تسجل تحول المضيق من ممر دولي مفتوح إلى ممر خاضع لإدارة سيادية، مما يعني أن نحو 130 سفينة يومياً، وهو متوسط الحركة قبل اندلاع الحرب بحسب تقارير “شاشوف”، ملزمة بالحصول على موافقات فردية، مما يؤدي لخلق اختناقات لوجستية حادة.

إيران لم تكتفِ بفرض الشروط، بل فرضت أيضاً رسوم عبور على بعض الناقلات، قد تصل في بعض الحالات إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، مع معلومات تشير إلى الطلب بالدفع بعملات بديلة مثل اليوان الصيني أو العملات المشفرة بدلاً من الدولار. يعكس هذا التوجه محاولة لتحويل المضيق إلى مصدر إيرادات مباشر، بالإضافة إلى كونه أداة ضغط سياسي.

كما حددت طهران سقفاً لعدد السفن المسموح لها بالعبور، بحيث لا تتجاوز 12 سفينة يومياً، وهو عدد ضئيل مقارنة بالحركة الطبيعية، مما يؤدي إلى تقنين تدفق النفط والغاز عبر أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم. فعلياً، سُمح بمرور أربع سفن فقط في أحد الأيام، وهو أدنى مستوى مسجل مؤخراً.

هذا الواقع الجديد دفع شركات الشحن العالمية إلى التريث، حيث أكدت شركات كبرى أنها لن تستأنف عملياتها بشكل طبيعي قبل التأكد من وجود “استقرار مستدام”، محذرة من احتمال تحول الإجراءات المؤقتة إلى قواعد دائمة، خصوصاً مع علامات تدل على سعي إيران لترسيخ دورها كـ”حارس فعلي” للمضيق.

على الأرض، يبرز هذا التحول في مشهد تكدس الناقلات، حيث تنتظر سفن صينية وهندية وسعودية قبالة المضيق، بعضها محمّل بالكامل، في وضع يُظهر حالة عدم اليقين. اقتربت بعض السفن من العبور قبل أن تتراجع في اللحظات الأخيرة، مما يوضح حجم المخاطر والتعقيدات التشغيلية.

اقتصادياً، أدى هذا الوضع إلى نقص ملحوظ في الإمدادات العالمية من النفط، مما أجبر بعض الدول المنتجة على تقليص الإنتاج بملايين البراميل يومياً. كما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين بشكل كبير، مما يدل على أن الأزمة ليست محصورة في الإقليم بل تحولت إلى أزمة عالمية تهدد استقرار أسواق الطاقة.

سياسياً، تثير هذه التطورات قلقاً واسعاً لدى الدول المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا، وكذلك المنتجين في الخليج، الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على المضيق لتصدير نفطهم. كما أن استمرار الدور الإيراني في إدارة الممر المائي يطرح تساؤلات حول مستقبل النظام الملاحي الدولي.

اهتزاز الثقة العالمية في الغاز المسال

في خضم هذه الأزمة، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 80% منذ بدء الحرب، مدفوعةً بتعطل سلاسل التوريد عبر المضيق الذي يُمرر نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز المسال. رغم أن الإمدادات العالمية لا تزال متوفرة من حيث الكميات، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في البنية اللوجستية المعقدة التي يعتمد عليها هذا القطاع، والتي تشمل أساطيل متخصصة، وممرات بحرية آمنة، وتدفقات منتظمة يصعب تعويضها سريعاً عند حدوث اضطرابات.

تشير وكالة “رويترز” في تقرير رصده “شاشوف”، إلى أن هذا الخلل البنيوي أدى إلى ما يمكن وصفه بـ”أزمة سلسلة توريد” أكثر منه نقصاً فعلياً في الإنتاج، حيث تتجه الشحنات نحو المشترين القادرين على دفع أسعار أعلى، بينما تجد الدول الأقل قدرة نفسها خارج المنافسة. في هذا السياق، كانت الدول الآسيوية الفقيرة الأكثر تضرراً، إذ تعتمد بشكل كبير على الغاز المسال كبديل عن الفحم، مما يجعلها عرضة لصدمات الأسعار والانقطاعات المفاجئة.

كشفت الأزمة عن خلل متكرر في استقرار هذا السوق، إذ تعد هذه المرة الثانية خلال أربع سنوات التي تواجه فيها آسيا صدمة كبيرة في أسعار الغاز، بعد أزمة عام 2022 المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. هذا التكرار السريع للأزمات بدأ يقوض الثقة في الغاز الطبيعي المسال كخيار آمن للتحول الطاقي، ما دفع بعض الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها.

في هذا الإطار، بدأت مؤشرات التحول تظهر فعلياً، حيث أعلنت شركات في آسيا، مثل شركة فيتنامية، تخليها عن مشاريع ضخمة لتوليد الطاقة بالغاز المسال، والتوجه بدلاً من ذلك للاستثمار في الطاقة المتجددة، نتيجة المخاطر المتزايدة المرتبطة بتقلب الأسعار وعدم استقرار الإمدادات.

وعلى مستوى أعمق، طالت الأزمة سمعة المنتجين، خاصة في منطقة الخليج. فقد أظهرت الحرب أن تركّز إنتاج الطاقة، سواء الغاز أو النفط أو المشتقات، في منطقة جغرافية واحدة يمثل نقطة ضعف استراتيجية. مع تعرض بعض منشآت الغاز لأضرار مباشرة، واحتياجها لفترات طويلة لإعادة التشغيل، تصاعدت المخاوف بشأن قدرة هذه الدول على الحفاظ على سجلها التاريخي في الالتزام بالإمدادات.

تبرز قطر في هذا السياق كحالة خاصة، حيث تُعتبر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالمياً، وقد بنت سمعة استثنائية على مدى ثلاثة عقود في تسليم الشحنات في مواعيدها دون انقطاع. لكن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بالإضافة إلى تعقيدات النقل وارتفاع تكاليف الشحن، بدأت تثير تساؤلات غير مسبوقة حول استمرارية هذا الأداء.

إعادة تشغيل المنشآت المتضررة لن تكون سريعة، إذ تشير التقديرات إلى أن الإصلاح الكامل قد يستغرق سنوات في بعض الحالات، بينما يظل التعافي الجزئي مقيداً بسعة النقل وارتفاع التكاليف التشغيلية، مما يعني استمرار الضغوط على السوق لفترة ممتدة.

ومع تزايد الشكوك، واتجاه بعض الدول نحو تسريع الاستثمار في البدائل المتجددة، يبدو أن الحرب لم تغيّر فقط توازنات العرض والطلب، بل أعادت صياغة مفهوم أمن الطاقة نفسه، من الاعتماد على وفرة الموارد إلى التركيز على مرونة سلاسل التوريد وتوزيع المخاطر جغرافياً.


تم نسخ الرابط