ترامب يتراجع وسياساته تضر الملاحة العالمية.. الحركة البحرية في هرمز تدفع ثمن أكبر فشل أمريكي – بقلم قش
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تضمن حرية الملاحة والتجارة العالمية، لكن هذا الدور أصبح مهدداً في ظل التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران. الإدارة الأمريكية تضغط لإلغاء حماية الشحنات التجارية، مما يهدد التجارة العالمية التي تقدر بحوالي 35 تريليون دولار. تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز بشكل كبير، مما أثر سلباً على صادرات النفط والغاز. الدول الحليفة، مثل الإمارات وبريطانيا، تبحث عن بدائل أمنية، بينما يتزايد القلق في آسيا وأوروبا من عواقب التراجع الأمريكي على الأمن البحري والاقتصاد العالمي.
الاقتصاد العالمي |شاشوف
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة الضامن الرئيسي لحرية الملاحة والتجارة في محيطات العالم وبحاره. لكن اليوم، يبدو أن هذا اليقين الاستراتيجي يتلاشى بسرعة. في خضم تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ظهر تهديد غير مسبوق، ليس من المدافع بل من البيت الأبيض، حيث ألمح الرئيس دونالد ترامب إلى احتمال انسحاب واشنطن من مسؤولياتها التاريخية في تأمين مياه الخليج العربي.
حسب تقرير لشبكة ‘بلومبيرغ’، تنظر الإدارة الأمريكية في دفع الدول المستفيدة لتحمل مسؤولية حماية شحناتها التجارية، مما يهدد أساسيات التجارة العالمية التي استمرت لعقود.
لا يمكن تجاهل الكارثة الاقتصادية المحتملة إذا تم رفع الحماية عن هذا الممر المائي الحيوي. فمضيق هرمز يمثل شريان الطاقة الأهم على الأرض، حيث يعبر منه ما يقرب من خُمس الاستهلاك العالمي من النفط إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
وبما أن حجم التجارة العالمية التي تعتمد على الممرات البحرية الآمنة يقارب 35 تريليون دولار، فإن مجرد الإشارة إلى انسحاب الدعم الأمني الأمريكي أثارت موجات من الذعر في أسواق الطاقة، مما تسبب في تقلبات عنيفة في الأسعار وزيادة المخاوف من أزمة إمدادات قد تؤدي إلى شلل في الاقتصادات الصناعية الكبرى.
هذا التحول في العقيدة الأمنية الأمريكية يعكس نهجاً نفعياً يؤكد أهمية الحسابات المالية قصيرة الأجل على حساب النفوذ الاستراتيجي العالمي. إن التردد الأمريكي في فرض الردع وحماية المضيق خلال تصاعد الحرب على إيران يبعث برسالة خطيرة للحلفاء والخصوم، مفادها أن حقبة الالتزام الأمريكي المطلق بضمان انسيابية الملاحة العالمية قد تقترب من نهايتها، مما يترك فراغاً أمنياً تتسابق القوى الإقليمية لملئه وفقاً لقوانينها الخاصة.
تداعيات التخلي الأمريكي وخنق شريان الطاقة العالمي
على الأرض، أو بالتحديد على سطح الماء، تبدو التداعيات كارثية ومباشرة. فقد انخفضت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، التي تتبعها “شاشوف”، من متوسط 135 سفينة يومياً إلى عدد محدود للغاية. وقد فرضت طهران سيطرة فعلية على الممر، حيث تسمح بمرور صادراتها وصادرات الدول الحليفة فقط. وكما أبرزت ‘بلومبيرغ’، لم تكتفِ إيران بالسيطرة الميدانية، بل تسعى لفرض رسوم عبور رسمية قد تصل إلى ملايين الدولارات على كل سفينة، مما يضع التجارة الدولية تحت ضغوط مالية وسياسية.
وقد بدأت هذه الضغوط تؤثر بشكل حاد على كبار منتجي النفط في المنطقة. فعلى سبيل المثال، شهد العراق انخفاضاً حاداً في صادراته النفطية، بينما اضطرت السعودية إلى تغيير مسار ملايين البراميل عبر خط أنابيب “شرق-غرب” ليعمل بأقصى طاقته الاستيعابية.
في الوقت نفسه، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل كبير، مما يجعل الإبحار عبر المضيق مخاطرة تجارية حتى مع تراجع حدة الاشتباكات العسكرية.
مع هذا الغموض والانسحاب التكتيكي الأمريكي، تجد الدول الحليفة نفسها مضطرة للبحث عن بدائل أمنية ودبلوماسية لحماية اقتصاداتها. وقد تجلى ذلك في دعوة دولة الإمارات المتحدة للأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات حازمة لإعادة فتح المضيق.
كما قامت المملكة المتحدة بجمع ممثلي أكثر من 40 دولة لصياغة استراتيجيات متعددة الأطراف للضغط على طهران. هذه التحركات تؤكد أن الاعتماد الحصري على واشنطن لم يعد خياراً آمناً لضمان استمرار تدفق شريان الحياة الاقتصادي.
ارتدادات جيوسياسية: من مياه الخليج إلى بحر الصين
تتجاوز خطورة الوضع الحالي حدود الشرق الأوسط لتؤثر بشكل مباشر على القانون البحري الدولي. فإن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تكفل حق المرور العابر، لكن الفشل في كبح الإجراءات الإيرانية قد يخلق سابقة بالغة الخطورة. فإذا عجزت الولايات المتحدة عن ضمان حرية الملاحة في هرمز فلنخبر بذلك إشارة لتسامحها مع عمليات تقييد الممرات المائية الحيوية، مما يحفز قوى أخرى على تبني نفس النموذج في مناطق توتر بحرية أخرى.
من المحتمل أن تكون القارة الآسيوية أكثر اهتماماً بهذا التراجع الأمريكي، ولا سيما بكين. إذ قد يفسر الرئيس الصيني، الذي يمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، التردد الأمريكي في الخليج كإشارة لتوسيع نفوذه العسكري في بحر الصين الجنوبي. وقد تحذر التحليلات الآسيوية من أن فشل واشنطن في استعادة النظام في مضيق هرمز قد يضر بمصداقيتها في ضمان الأمن في المحيط الهادئ.
أوروبا أيضاً تعيد تقييم استراتيجياتها بسبب هذه التحولات، حيث أن استقرارها الاقتصادي يعتمد على انسيابية سلاسل الإمدادات العالمية. تعبر العواصم الأوروبية عن مخاوفها من أن واشنطن قد تكون غير قادرة أو غير راغبة في مواجهة تداعيات النزاعات الحالية.
هذا الإدراك يضغط أوروبا للتفكير في كيفية تعزيز قدراتها البحرية لتأمين مصالحها التجارية في نقاط التوتر الأخرى، مثل البحر الأحمر ومضيق ملقا، دون الاعتماد على المظلة الأمريكية.
تم نسخ الرابط