عدن: تحسن نظري في سعر الصرف دون تأثير على الحياة اليومية.. كيف تم تفسير فرق الأسعار؟ – شاشوف


رغم التحسن الملحوظ في سعر صرف الريال اليمني، تظل الأسعار مرتفعة، مما يكشف عن أزمة اقتصادية معقدة. انهار الريال في “حكومة عدن” ليصل إلى 2,900 ريال للدولار، قبل أن يتحسن إلى 1,558. ومع ذلك، لم يؤثر هذا التحسن على القدرة الشرائية، حيث استمر ارتفاع الأسعار، خاصة للسلع الأساسية، بدلاً من خفضها. يواجه السوق تحديات تتعلق بتعدد الأسعار والجبايات غير القانونية، ما يعكس خللاً بنيوياً. وزارات الصناعة والتجارة تحاول مواجهة الانتقادات بإجراءات تفتيش، لكن المواطنين يرون أن هذه الجهود غير كافية. الأزمة الاقتصادية تؤثر سلباً على الحياة اليومية للمواطنين.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

على الرغم من التحسن المُعلن في سعر الصرف خلال الفترة الأخيرة، فإن الوضع في الأسواق وحياة المواطنين اليومية لا يزال بعيدًا عن التحسن الفعلي، حيث استمرت الأسعار في الارتفاع، وهو ما يعكس أزمة مركّبة تمتد من سعر الصرف إلى هيكل الاقتصاد وتشوهات السوق.

وفقًا لمتابعات “شاشوف”، شهد الريال اليمني تدهوراً في مناطق “حكومة عدن” لعدة أشهر حتى يوليو 2025، حيث وصل إلى مستوى 2,900 ريال يمني لكل دولار، قبل أن يتحسن في نهاية الشهر إلى حوالي 1,617 ريال، وواصل التعافي بنسبة إضافية بلغت 3.65% بحلول فبراير 2026 ليستقر عند 1,558 للشراء و1,573 للبيع، مما يشير إلى مسار تعافٍ إجمالي يتجاوز 40%. وقد جاء هذا التحسن بالتزامن مع الحزمة الأخيرة من التمويل السعودي التي بلغت 1.3 مليار ريال سعودي، والتي تم توقيع اتفاق بشأنها في السعودية، بالإضافة إلى تشكيل حكومة جديدة مما ساهم في تعزيز استقرار العملة نظرياً.

لكن في الواقع، لم ينعكس ذلك على الأسعار أو القدرة الشرائية، وظهرت فجوة كبيرة بين المؤشرات النقدية والواقع المعيشي. وتزامن انهيار النظام النقدي الحالي مع موجة غلاء طالت السلع الأساسية بنسبة تجاوزت 10% في أسبوعين فقط، وفق معلومات شاشوف، مدفوعة بعدد من العوامل المحلية، حيث استمر التجار في تسعير السلع بناءً على سعر الصرف غير المبرر الذي يتراوح بين 650 و750 ريالاً يمنياً مقابل الريال السعودي، متجاهلين السعر الرسمي المستقر عند 410 ريالات لكل ريال سعودي.

لذلك، تركزت الأزمة في أسواق عدن حول وجود “سعرين للصرف”، هما السعر الرسمي المستقر، والسعر “التجاري” المتضخم. فتسعير السلع بناءً على سعر صرف مرتفع يعني أن المواطن يدفع زيادة غير قانونية تصل إلى 70% من قيمة السلعة الحقيقية.

كما أن عنصر استغلال الظروف الموسمية أصبح واضحًا، إذ شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعًا في أسعار مستلزمات شهر رمضان وملابس العيد والسلع الاستهلاكية، مما جعل تكاليف المعيشة تفوق قدرة الموظفين، الذين يعانون من تأخر الرواتب ومستوى محدود يتناسب مع الغلاء المعيشي، وفي هذا السياق تُوجّه أصابع الاتهام لوزارة الصناعة والتجارة ومكاتبها في المحافظات والسلطات المحلية، لما وصفته بالفشل في تنفيذ حملات رقابية حقيقية، واكتفائها بدور المتفرج أمام فوضى الأسواق.

تبرير رسمي: التكاليف مرتفعة

صرح المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة “فارس النجار” في تصريحات صحفية مؤخرًا بأن الأسعار في اليمن لا تتحدد فقط بسعر الصرف، بل بواسطة منظومة معقدة من التكاليف، موضحًا أن “الأسعار لا تتحدد بناءً على سعر الصرف اللحظي، بل تتأثر بتكاليف الشحن والتأمين والنقل والرسوم غير القانونية”، مشيرًا إلى أن هذه الرسوم تمثل “ضريبة مستترة” تضاف إلى السعر النهائي ما يمنع انعكاس أي تحسن في العملة على الأسعار.

كما اعتبر أن تحسن سعر الصرف هو “شرط ضروري لكنه غير كافٍ”، في ظل استمرار هذه التكاليف المرتفعة، بالإضافة إلى ضعف المنافسة، وآلية “الدولار الجمركي” التي تُسعر بها بعض السلع بسعر أعلى من السوق، مما يمنح التجار هوامش ربح إضافية.

وفقًا لبعض التجار، فإن تكاليف الاستيراد لم تنخفض كما كان متوقعًا، نتيجة لارتفاع الرسوم الجمركية والضرائب وتكاليف النقل والشحن، مما يجعل خفض الأسعار أمرًا صعبًا دون تكبد خسائر.

خلل في بنية السوق: أرباح محتجزة بدل خفض الأسعار

إلى جانب التكاليف، تكشف المعطيات عن خلل بنيوي في السوق، حيث يقول تجار إن بعض المورّدين يقومون بتسعير السلع بالريال السعودي للحفاظ على هوامش ربح مرتفعة، بغض النظر عن تحسن العملة المحلية. مثلاً، ارتفع سعر كيس السكر (50 كجم) من 120 ريالاً سعودياً إلى ما بين 135 و150 ريالاً، على الرغم من تحسن سعر الصرف، مما يعكس انفصال التسعير عن التكلفة الحقيقية.

وتتفاقم المشكلة بسبب الجبايات غير القانونية المنتشرة على طرق النقل، التي وصفها فارس النجار بأنها “تكلفة خفية” تضاف إلى الأسعار.

وفي السياق ذاته، يقول عضو الغرفة التجارية في عدن جمال محفوظ بلفقيه، إن تعدد الرسوم والتعقيدات الإدارية يزيد من ما يمكن تسميته التكلفة المخفية للسلع، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأسعار، بل بالبيئة التنظيمية التي تسمح بتراكم هذه الأعباء دون رقابة فعالة.

تعبر هذه المعطيات عما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الريع التجاري”، حيث تتحول مكاسب تحسن العملة إلى أرباح ضيقة لفئة محدودة من كبار الموردين، بدلاً من الوصول إلى المستهلك.

ويعيش السوق حالة من الترقب والحذر، بحسب عضو الغرفة التجارية بعدن، الذين يتجنبون خفض الأسعار خوفًا من تقلبات مفاجئة في سعر الصرف، قائلًا: “لا يوجد استعداد لخفض الأسعار بشكل جوهري قبل التأكد من استقرار التحسن النقدي”.

يؤكد هذا السلوك على وجود أزمة ثقة عميقة بشأن استدامة التعافي، مما يقود التجار نحو اعتماد سياسات تسعير احترازية تظل الأسعار مرتفعة. ويعترف “فارس النجار” بضعف الرقابة، مؤكدًا أن المؤسسات لم تتمكن من فرض رقابة فعالة أو ضمان تسعير عادل، في ظل غياب أدوات رصد حديثة وعدم تفعيل دور الجهات التنفيذية.

في السياق ذاته، وجه الصحفي فتحي بن لزرق انتقادات حادة للتجار والجهات الرسمية، قائلاً في منشور اطلع عليه شاشوف: “كان التجار يبررون ارتفاع الأسعار بسبب شراء العملة من السوق السوداء. الآن العملة متوفرة، فلماذا لا تزال الأسعار مرتفعة؟”. وأضاف: “أين دور وزارة الصناعة والتجارة؟ لن نترككم إلا بالنزول الميداني والمراقبة المستمرة لإلزام التجار بخفض الأسعار”.

من جانبها، حاولت وزارة الصناعة والتجارة الدفاع عن نفسها أمام الاتهامات المستمرة بالتقصير وانعدام الرقابة، حيث قالت في توضيح حصلت عليه شاشوف، يوم الجمعة الماضية (03 أبريل)، إن نشاطها الميداني متواصل ومتصاعد في عدن ومحافظات حكومة عدن “عبر حملات تفتيش يومية تستهدف الأسواق ومنافذ البيع لضبط المخالفات، ومراقبة الأسعار، والتحقق من الالتزام بالجودة والاشتراطات القانونية”، وذكرت أنها تستجيب فورًا للبلاغات والمخالفات، وهو ما ينفيه المواطنون.

وأرجعت الوزارة ما وصفته بـ”الارتفاعات الطفيفة” في أسعار “بعض السلع الأساسية والاستهلاكية” إلى “التغيرات في البورصات العالمية والتوترات الإقليمية الراهنة، وما نتج عنها من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمدادات”، مضيفةً: “ومع ذلك، تؤكد الوزارة أن العديد من السلع لا تزال مستقرة”.

أزمة ارتفاع الأسعار كشفت عن عمق الاختلالات البنيوية الناتجة عن تداخل عدة عوامل مثل ارتفاع التكاليف والجبايات وتشوهات السوق وضعف المنافسة وغياب الرقابة الفعالة وتفاقم أزمة الثقة في أداء الحكومة، بالإضافة إلى ضعف السياسات النقدية التي أدت إلى أزمة السيولة المحلية المقلقة والمستمرة منذ أشهر، وبالتالي يصبح تحسن سعر الصرف مكسبًا نظريًا فقط، ويبقى المواطن خارج دائرة الاستفادة.


تم نسخ الرابط