زلزال حرب إيران يؤثر على الاقتصاد الإماراتي: المركزي يضخ 8 مليارات دولار لإنقاذ القطاع المصرفي من الانهيار – شاشوف


تأثرت الاقتصادات العربية بشدة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي سلطت الضوء على الضعف المالي في المنطقة، خصوصاً مع انهيار الاقتصاد الإماراتي. أظهرت تقارير ضخ البنك المركزي الإماراتي أكثر من 30 مليار درهم (8.2 مليار دولار) كإجراء طارئ لتجنب انهيار النظام المصرفي. أداء القطاع المصرفي تراجع، ما أدى إلى انهيار الاستثمار والسياحة. تسارع الحرب يهدد سمعة الإمارات كمركز مالي، فيما تعاني دول الخليج الأخرى من تداعيات مشابهة. هذه الأوضاع قد تؤدي إلى تدهور اقتصادي خطير، إذا لم تُحل الأزمات المستمرة.

الاقتصاد العربي | شاشوف

لم تعد آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مقتصرة على النيران والبارود في مياه الخليج، بل امتدت لتؤثر بشدة على العصب المالي لدول المنطقة، كاشفةً عن هشاشة مريبة في هياكل اقتصادات كانت تعتبر حتى وقت قريب كـ’ملاذات آمنة’.

في مقدمة هذه الاقتصادات المتأثرة يأتي الاقتصاد الإماراتي، الذي وجد نفسه فجأة في مركز العاصفة. فقد أظهر تقرير اطّلع عليه “شاشوف” من شبكة “بلومبيرغ” أن مصرف الإمارات المركزي قام بضخ سيولة إسعافية عاجلة تفوق 30 مليار درهم (حوالي 8.2 مليار دولار) في شرايين القطاع المصرفي، في محاولة يائسة لتفادي انهيارات محتملة وامتصاص الصدمات الناتجة عن هذه الحرب المدمرة التي تعصف بالمنطقة.

هذا التدخل الملياري غير المسبوق في توقيته وحجمه، والذي رصدته تحليلات مجموعة “جيفريز فايننشال غروب”، يعكس حقيقة الأضرار الكبيرة التي يتكبدها الاقتصاد الإماراتي بعيداً عن التصريحات الرسمية المطمئنة.

فالإمارات، التي أَسّست نموذجها الاقتصادي، وخاصة في دبي، على الانفتاح التجاري، والخدمات اللوجستية عبر موانئ جبل علي، والسياحة الفاخرة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، تواجه انهياراً تدريجياً لهذه الركائز. فمع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتحول المنطقة إلى ساحة عمليات عسكرية، توقفت سلاسل الإمداد، وارتفعت تكاليف التأمين البحري والجوي إلى مستويات مرتفعة، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية التي تعتبر شريان الحياة للاقتصاد المحلي.

البيانات المصرفية التي حللها ناريش بيلانداني، رئيس أبحاث الأسهم لمنطقة الشرق الأوسط في مجموعة “جيفريز” المالية الأمريكية، تشير بوضوح إلى لجوء البنوك التجارية الإماراتية إلى تفعيل “تسهيلات تأمين السيولة الطارئة”. هذه الأداة، التي وُضعت للتعامل مع الأزمات الهيكلية العميقة، تُظهر أن البنوك تعاني من ضغوط حقيقة على سحب السيولة وخوفاً من تعثر قطاعات واسعة من الشركات في سداد قروضها.

اضطرار البنوك لرهن أصولها لدى المركزي مقابل الحصول على ‘الكاش’ الفوري يعكس أزمة الثقة المتزايدة، وحالة من الذعر المكتوم بين المستثمرين الذين بدأوا في تسييل محافظهم الاستثمارية بحثاً عن وجهات أكثر أمانًا بعيداً عن مناطق النزاع.

نزيف السيولة وضربة قاتلة لنموذج “المركز المالي”

في قلب هذا الوضع القاتم، تتجلّى خطورة استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على بنية الائتمان داخل الدولة. ووفقاً لمصادر وتقارير تابعها “شاشوف” في ذات السياق، فإن حزمة الدعم التي أطلقها المصرف المركزي الإماراتي في مارس الماضي لزيادة قدرة الإقراض جاءت قبل المتوقع لموجة من إفلاسات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لم تعد قادرة على تحمل تكاليف التشغيل في ظل توقف التصدير وتراجع الاستهلاك المحلي.

هذا النزيف المستمر في السيولة يعني أن البنوك ستتوقف عن تمويل مشاريع البنية التحتية والعقارات، مما يهدد بإدخال قطاع العقارات، المحرك الرئيسي لاقتصاد دبي، في ركود عميق قد يفوق في قسوة أزمة عام 2008.

الخطر الأكبر يكمن في تآكل سمعة الإمارات كمركز مالي آمن، فعلى الرغم من محاولات بعض صناديق التحوط إصدار بيانات تطمينية، إلا أن رأس المال بطبعه ‘جبان’. استمرار تساقط الصواريخ والطائرات المسيرة في الإقليم الإيراني المجاور، والتهديدات المستمرة بإغلاق المنافذ البحرية، يدفع رؤوس الأموال الأجنبية، وحتى المحلية، للهروب نحو أسواق بديلة.

أداة “تسهيلات السيولة الطارئة” التي تتيح تمويلاً يمتد لشهر أو أكثر، هي مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج المشكلة الجذرية المتمثلة في انعدام اليقين الجيوسياسي الذي يطرد الاستثمار ويثبط الاستهلاك.

علاوة على ذلك، فإن الاعتماد المكثف للقطاع المصرفي الإماراتي على التمويل الخارجي والودائع الأجنبية يجعله ضعيفاً أمام أي تصنيف ائتماني سلبي. إذا استمرت هذه الحرب، فمن المرجح أن تقوم وكالات التصنيف الائتماني العالمية بتخفيض نظرتها المستقبلية للقطاع المصرفي الإماراتي، مما سيرفع من تكلفة الاقتراض على البنوك والحكومة على حد سواء.

هذا السيناريو سيفرض على المركزي الإماراتي معضلة حقيقية: إما الاستمرار في استنزاف احتياطياته الأجنبية لدعم البنوك، أو ترك البنوك تواجه مصيرها في سوق تعاني من نقص السيولة، وكلا الخيارين يحمل تكاليف اقتصادية مرتفعة.

تداعيات إقليمية ومخاوف من نفاد الصناديق السيادية

لم يقتصر الضرر الاقتصادي على الإمارات فقط، بل انتشر كعدوى سريعة في النظام المالي الخليجي. فقد أسرعت دول مجاورة لاتخاذ تدابير مشابهة للنجاة من طوفان “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”.

مصرف قطر المركزي، على سبيل المثال، لجأ إلى تأجيل سداد القروض، وخفض متطلبات الاحتياطي الإلزامي، وتوفير سيولة مفتوحة عبر عمليات إعادة الشراء (الريبو). هذا التزامن في الإجراءات الطارئة يؤكد أن النظام المصرفي الخليجي بالكامل يقف على أرض غير مستقرة، وأن الروابط المالية بين دول المجلس تجعل من انهيار أي قطاع مصرفي في بلد ما مقدمة لتداعيات مماثلة في بقية الدول.

صحيح أن الحكومات الخليجية، ومنها الإمارات، تفتخر دائماً -كما تفيد التحليلات- بامتلاك احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي وصناديق ثروة سيادية عملاقة (مثل جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة) التي يمكن أن تمتص الضغوط، لكن اللجوء إلى تسييل أصول هذه الصناديق في الخارج لضخها في الداخل لإغاثة البنوك يُعتبر انتحاراً استراتيجياً.

فهذه الصناديق صُممت لضمان مستقبل الأجيال القادمة في مرحلة ما بعد النفط، وليس للعب دور ‘المنقذ المالي’ لقطاع مصرفي يتهاوى بسبب الصراعات الجيوسياسية. كما أن تسييل الأصول في ظل أزمة عالمية يعني بيعها بأسعار منخفضة، مما يزيد من حجم الخسائر الوطنية.

ووفق تحليلات شاشوف، فإن استمرار هذه الحرب لأسابيع أو حتى أشهر قادمة سيضع ‘متانة الاقتصادات الخليجية’ المزعومة أمام اختبار قاسٍ لم يسبق له مثيل. فمهما كانت قوة الصناديق السيادية، فهي لا تستطيع تعويض الخسائر الناجمة عن توقف عجلة الاقتصاد الحقيقي، وتعطل التجارة، وانهيار قطاعات السياحة والخدمات.

ضخ 8 مليارات دولار اليوم قد يكون كافياً لتهدئة صفارات الإنذار في غرف التداول لشهر واحد، لكنه بالتأكيد لن يمنع الانهيار الاقتصادي الشامل إذا استمرت آلة الحرب في طحن موارد المنطقة وإغلاق شرايينها الحيوية.


تم نسخ الرابط

(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));