عودة الوقود المهجور: كيف أعادت أزمة الطاقة الفحم إلى مركز الاهتمام العالمي؟ – بقلم شاشوف
تسببت حرب الطاقة الأخيرة في عودة الدول إلى الفحم، بعد أن كان يُعتقد أن العالم يبتعد عنه. رغم الترويج للغاز الطبيعي كبديل أنظف، تراجع هذا الخيار مع الظروف الجيوسياسية. تُظهر الدول الآسيوية، مثل اليابان والهند، اعتماداً متزايداً على الفحم لتأمين الطاقة. في أوروبا، رغم الجهود السابقة للتخلص من الفحم، تفكر دول مثل هولندا وألمانيا في زيادة استخدامه نتيجة ارتفاع أسعار الغاز. بينما في الولايات المتحدة، يدفع الدعم السياسي لإعادة إحياء صناعة الفحم، رغم الاستقرار النسبي في أسعار النفط والغاز. هذه العودة تعني زيادة الانبعاثات وتراجع الجهود لمكافحة التغير المناخي.
منوعات | شاشوف
في الوقت الذي كان فيه العالم يعتقد أنه يودع الفحم للأبد، جاءت حرب الطاقة الأخيرة لتغيير المعادلة كليًا، حيث عادت الدول شرقًا وغربًا إلى أكثر مصادر الطاقة تلويثًا بدلًا من التوجه نحو الطاقة النظيفة.
على مدار سنوات، تم الترويج للغاز الطبيعي كحل وسطي للطاقة النظيفة، بوصفه أقل تلويثًا من الفحم وأكثر استقرارًا من الطاقات المتجددة؛ لكن هذا الجسر تعرَّض للانهيار مع أولى الأزمات الكبرى، ليشهد انهيارًا شبه كامل مع تصاعد الأحداث في الخليج، وفق تقرير لبلومبيرغ استند إليه موقع شاشوف، مما أعاد الفحم كخيار ضروري.
يحدث التحول الأكبر في آسيا، حيث تؤثر ثلاثة عوامل: الاعتماد الكبير على واردات الطاقة، والنمو الاقتصادي السريع، وضعف القدرة على تحمل الأسعار المرتفعة. وفي اليابان، إحدى أكبر مستوردي الغاز في العالم، أعلنت الحكومة عن توسيع استخدام محطات الفحم، حتى الأقل كفاءة، مما يعكس أولوية تأمين الكهرباء على حساب البيئة.
في الهند وبنغلادش، أصبح الفحم بالفعل العمود الفقري لتوليد الطاقة، حيث تمت إعادة تشغيل محطات متوقفة لمواجهة ذروة الطلب الصيفي. في الهند، على سبيل المثال، أُعيد تشغيل محطات ضخمة كانت متوقفة، مما دفع بأسهم شركات الفحم إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، ليصبح الفحم ضرورة استراتيجية للتعويض عن نقص النفط والغاز.
حتى الصناعات الثقيلة، مثل الإسمنت، بدأت تعيد تقييم خياراتها مع تزايد الاعتماد على الفحم كمصدر أكثر استقرارًا من البدائل المتقلبة.
المفارقة الكبرى تحدث في أوروبا، التي كانت تقود جهود التخلص من الفحم لعقد كامل، حيث انخفضت قدرات الفحم فيها بنحو 45% منذ عام 2015، مع توسع كبير في استخدام الطاقة المتجددة. لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات كبيرة، فمع ارتفاع أسعار الغاز، تدرس دول مثل هولندا وبولندا والتشيك تعزيز استخدام الفحم، بينما تفكر ألمانيا في إعادة تشغيل محطات كانت قد أُغلقت، وفق متابعة موقع شاشوف، مع توقعات بزيادة توليد الكهرباء من الفحم في أوروبا بنسبة 20% هذا الصيف مقارنة بالعام الماضي.
في الصين، أكبر مستهلك للفحم في العالم، يبدو الوضع أكثر توازنًا، إذ استطاعت بكين تقليل اعتمادها على الواردات بفضل استثمارات ضخمة في الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الطاقة، مما منحها مساحة أكبر للمناورة.
أما في الولايات المتحدة، فالوضع مختلف تمامًا. إن الإنتاج الضخم من النفط والغاز الصخري حافظ على استقرار نسبي للأسعار، مما قلل الحاجة للعودة إلى الفحم. ومع ذلك، فإن الدعم السياسي أعاد هذا القطاع إلى الواجهة، حيث شهدت البلاد الإعلان عن مشاريع جديدة للفحم لأول مرة منذ أكثر من عقد، مما يشير إلى أن الاعتبارات السياسية قد تكون مؤثرة بشكل كبير.
سوق الفحم ينتعش والبيئة تدفع الثمن
تجسدت هذه التحولات سريعًا في الأسواق، إذ ارتفعت أسعار الفحم العالمية بشكل ملحوظ، خاصة في آسيا، حيث وصلت العقود القياسية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2024، وارتفع الطلب العالمي بعد أن كانت التوقعات تشير إلى تراجعه خلال هذا العقد. بدلًا من انخفاض الاستهلاك، تشير التوقعات، وفق تتبع موقع شاشوف، إلى استمرار ارتفاعه حتى عام 2027 على الأقل.
لكن هذا الانتعاش يأتي مع تكاليف باهظة تتمثل في زيادة الانبعاثات وتراجع الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لأهداف اتفاقيات المناخ.
في أوقات الاستقرار، تميل الدول إلى تبني سياسات خضراء طموحة، لكن في أوقات الأزمات، تعود الأولويات الأساسية – الكهرباء، الصناعة، والاستقرار الاقتصادي – لتفرض نفسها، حتى وإن كان الثمن بيئيًا. وفقًا لفاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، فإن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع الجميع – حكومات، وشركات، وأسر – للبحث عن بدائل، حتى لو كانت أكثر تلويثًا.
تم نسخ الرابط