تواجه أسواق الطاقة العالمية حالة من ترقب غير مسبوقة بسبب التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، مما قد يؤثر على مضيق هرمز، والذي يمر عبره ربع صادرات النفط والغاز عالمياً. التقديرات تشير إلى أن أي تعطّل في حركة الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. رغم البدائل المحدودة لمضيق هرمز، لا تزال السوق مرتبطة بفائض المعروض، مما يعزز من احتمالية عدم تحقيق قفزات سعرية كبيرة. من المتوقع أن تبقي ‘أوبك+’ على مستويات الإنتاج ثابتة حتى بعد منتصف عام 2026، في ظل تزايد الإنتاج الفنزويلي وتباطؤ الطلب.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الترقّب غير المسبوق، في ظل تصاعد التهديدات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، التي قد تؤثر على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وهو مضيق هرمز.
إذا حدث ذلك، فقد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في حركة تجارة النفط والغاز، وفق تحليل شاشوف المستند إلى أحدث بيانات بلومبيرغ، مما يرسم أمام الأسواق اختبارًا صعبًا بين مخاطر الإمدادات وفائض المعروض المحتمل.
يمر عبر مضيق هرمز حوالي ربع صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميًا، مما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأي توتر عسكري في المنطقة. وتقدر التقارير التي تتابعها شاشوف أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته عبرت هذا المضيق خلال الربع الأول من عام 2025، وهو ما يعادل حوالي خُمس الاستهلاك العالمي اليومي.
لذا، فإن أي تعطّل جزئي في حركة الملاحة هناك قد يؤثر فورًا على الأسعار، من خلال توسيع ما يُعرف بـ’علاوة المخاطر الجيوسياسية’.
بدائل محدودة لمضيق لا بديل حقيقي له
على الرغم من وجود خطوط أنابيب بديلة، مثل خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، وخط أنابيب الإمارات المؤدي إلى ميناء الفجيرة، تبقى القدرة التشغيلية الفعلية لهذه المسارات محدودة.
فالطاقة النظرية التي تتجاوز 6 ملايين برميل يوميًا لا تترجم عمليًا إلا إلى ما بين 2 و3 ملايين برميل يوميًا، وفق اطلاع شاشوف، وهو حجم غير كافٍ لتعويض أي توقف كبير في صادرات تمر عبر مضيق هرمز. هذا الواقع يعزز احتمالات حدوث قفزات سعرية حادة إذا تطورت المواجهة إلى مستوى من النزاع العسكري المفتوح.
وعلى الرغم من تصاعد التوترات، فإن أسعار النفط لا تعكس حتى الآن حجم المخاطر الكامنة. فقد تم تداول خام غرب تكساس الوسيط بخصم ملحوظ مقارنة بفترات سابقة، مما يشير إلى أن الأسواق لا تزال مشغولة أكثر بهاجس فائض المعروض، بدلاً من بندرة الإمدادات. ويعكس ذلك قناعة متزايدة بأن أي صدمة جيوسياسية قد تُقابلها زيادة في الإنتاج من قبل المنتجين الرئيسيين.
تاريخيًا، تراوحت علاوة المخاطر على أسعار النفط بين 25 و30 دولارًا للبرميل خلال فترات النزاعات الكبرى منذ عام 2016.
لكن المشهد الحالي يبدو مختلفًا، حيث تتزامن التوترات السياسية مع بيئة اقتصادية عالمية هشة، يتصدرها تباطؤ النمو في الصين، وتدهور مؤشرات سوق العمل في الولايات المتحدة، إلى جانب امتلاك تحالف ‘أوبك+’ طاقة إنتاج فائضة يمكن استغلالها عند الحاجة.
سقف الارتفاعات المتوقعة للأسعار
في ضوء هذه المعطيات، تُرجّح التقديرات أن تكون الزيادات السعرية المحتملة محدودة نسبيًا، مقارنة بما شهدته الأسواق في أزمات سابقة. فبدلاً من أن تقفز الأسعار إلى مستويات قريبة من 90 أو 100 دولار للبرميل، قد تقتصر علاوة المخاطر الإضافية على حدود تتراوح بين 10 و15 دولارًا للبرميل، مما يجعل سقف الأسعار المحتمل عند حدود تقل عن 80 دولارًا وفق قراءة شاشوف، حتى في حال تصاعد التوترات.
واحد من أبرز العوامل التي تحد من أي ارتفاع حاد في الأسعار هو عودة النفط الفنزويلي إلى الأسواق العالمية. ومع توقعات بتدفق استثمارات أجنبية جديدة إلى قطاع الاستكشاف والإنتاج في البلاد، يُنتظر أن يشهد الإنتاج الفنزويلي تعافيًا تدريجيًا خلال العامين المقبلين.
تشير التوقعات إلى أن صادرات فنزويلا قد ترتفع إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا بنهاية عام 2026، ثم إلى 1.5 مليون برميل يوميًا في عام 2027، وصولاً إلى قرابة مليوني برميل يوميًا بحلول نهاية 2028. هذا المسار التصاعدي، إذا تحقق، سيضيف كميات مؤثرة إلى السوق العالمية، خصوصًا أن فنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم.
«أوبك+» بين استعادة السيطرة وتفادي التخمة
في المقابل، يعكس قرار تحالف ‘أوبك+’ تعليق زيادات الإنتاج خلال الربع الأول من العام الجاري نهجًا أكثر حذرًا في إدارة السوق. فبعد أن ضخ التحالف حوالي 2.88 مليون برميل يوميًا إضافية خلال عام 2025، أصبح شبح فائض المعروض يفرض نفسه بقوة، مما استدعى إعادة ضبط إيقاع الإنتاج.
ومن المرجح أن يُبقي التحالف مستويات الإنتاج مستقرة حتى ما بعد منتصف عام 2026، في انتظار اتضاح أثر ثلاثة عوامل رئيسية: تطورات الطلب العالمي ولا سيما في الصين، وتأثير السياسات التجارية والرسوم الجمركية الأمريكية، وحجم الإمدادات الإضافية القادمة من فنزويلا.
في المحصلة، تقف سوق النفط العالمية عند تقاطع حساس بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلي.
فبينما يحمل أي تصعيد عسكري في الخليج مخاطر فورية على الإمدادات والأسعار، فإن وفرة الإنتاج المحتملة، وتباطؤ الطلب في الاقتصادات الكبرى، يشكلان كوابح قوية أمام انفلات الأسعار، وبين هذين المسارين المتناقضين تبدو المرحلة المقبلة محكومة بإدارة دقيقة للتوازن، حيث لا يكفي عامل واحد وحده لترجيح كفة السوق.
تم نسخ الرابط
