اندلع حريق هائل في مجمع ‘وانغ فوك كورت’ في هونغ كونغ، مما أسفر عن وفاة 55 شخصاً وترك 279 مفقوداً. وقع الحريق أثناء مشروع تجديد بقيمة 54.5 مليون دولار أمريكي، وعزت التحقيقات سرعة انتشاره إلى مواد غير مقاومة للحريق وسقالات مصنوعة من الخيزران. واجه رجال الإطفاء صعوبات في الوصول إلى المناطق المحترقة، مما استدعى تعبئة طارئة تاريخية. تم القبض على ستة مشبوهين بتهم الإهمال. كما أدت الكارثة إلى تراجع أسهم شركات التأمين وتأثرت قطاعات البناء والمال. يُتوقع فرض لوائح جديدة لسلامة مشاريع البناء في المستقبل.
تقارير | شاشوف
في “هونغ كونغ”، التي يتجاوز حجم اقتصادها 428 مليار دولار، وقعت واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخها الحديث، حيث اندلع حريق ضخم التهم سبعة من الأبراج السكنية، من أصل ثمانية، في مجمع “وانغ فوك كورت” بمنطقة تاي بو، مما أعاد للذاكرة أسوأ حرائق ستينيات القرن الماضي.
اندلع الحريق أثناء مشروع تجديد ضخم بقيمة 42.43 مليون دولار هونغ كونغ (54.5 مليون دولار أمريكي) وفقاً لمصادر شاشوف، ما زاد من حجم الخسائر المادية وأثار تساؤلات حول جودة المواد المستخدمة وسرعة انتشار النيران التي اجتاحت الواجهات الخارجية في دقائق معدودة.
كيف نشأ الحريق؟
تشير التحقيقات الأولية التي قامت بها شاشوف إلى أن انتشار النار كان مرتبطاً بعوامل متعددة، منها السقالات الخيزرانية التي كانت تغطي الأبراج، إضافةً إلى الشِباك البلاستيكية غير المقاومة للاشتعال، وهو ما خلق مساراً سهلاً لانتقال النيران بين الأبراج السبعة.
كما عُثر على مواد غير آمنة مثل الشبكات الواقية و”ستايروفوم” على النوافذ، مما زاد من الشكوك حول وجود إهمال جسيم خلال تنفيذ مشروع الترميم.
فوق ذلك، ساهمت الظروف المناخية القاسية في تفاقم الكارثة، إذ شهدت المدينة موجة جفاف منذ يوم الإثنين، وكانت مستويات التحذير من الحرائق في أعلى درجاتها.
الضحايا
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، أكدت السلطات وفاة ما لا يقل عن 55 شخصًا، بما في ذلك رجل إطفاء قضى خلال عمليات الإنقاذ، بينما لا يزال نحو 279 شخصًا مفقودًا، حيث تواصل فرق الطوارئ البحث في مئات الشقق التي دمرتها النيران.
أما المصابون، فقد بلغ عددهم 66 شخصًا تم نقلهم إلى المستشفيات، بينهم 17 في حالة حرجة و24 في حالة خطيرة، فيما فارق أربعة الحياة بعد وصولهم إلى مرافق الطوارئ.
اضطر مئات السكان إلى إخلاء فوري، حيث فتحت السلطات مراكز إيواء مؤقتة لاستقبال نحو 900 شخص في الساعات الأولى، وتواصل عمليات الإجلاء من الأبراج غير الآمنة.
رغم الجهود المستمرة، واجه رجال الإطفاء صعوبات بالغة في الوصول إلى الطوابق العليا بسبب الحرارة الشديدة والحطام المتساقط، مما شكل خطرًا على حياتهم.
وذكر نائب مدير خدمات الإطفاء، ديريك أرمسترونغ تشان، أن بعض الشقق كانت غير قابلة للوصول تمامًا، وأكد أن الفرق ستواصل محاولاتها للوصول إلى السكان المحاصرين رغم المخاطر.
استدعى الحريق أكبر تعبئة طارئة في هونغ كونغ منذ عقود، حيث شارك أكثر من 1200 عنصر من وحدات الإطفاء والإسعاف، ولا تزال ألسنة اللهب مشتعلة في بعض الأبراج بعد مرور وقت طويل على الحادث.
ومن الناحية الجنائية، ألقت الشرطة القبض على ستة أشخاص، تتراوح أعمارهم بين 52 و68 عامًا، بينهم مديران من شركة “برستيج” للإنشاءات والهندسة، ومستشار هندسي، وثلاثة عمال، لمشتبه بهم في الإهمال الجسيم والقتل غير العمد.
وأكدت المفتشة الكبرى إيلين تشونغ أن لدى الشرطة أسبابًا قوية للاعتقاد بأن الإهمال ساهم بشكل مباشر في انتشار النيران، وقد تمت عمليات الاعتقال في وقت مبكر من الصباح في مناطق تاي بو ونغاو تاو كوك وسان بو كونغ.
تتزايد الانتقادات الموجهة للشركة المنفذة للمشروع، خاصة بعدما تم العثور على مواد غير مقاومة للحريق واستخدام السقالات بشكل غير آمن.
تداعيات اقتصادية
تجاوزت آثار الحريق الجانب الإنساني لتؤثر كذلك على القطاع المالي، حيث سجلت أسهم شركة “تشاينا تايبينغ إنشورنس هولدينغز” انخفاضًا بنسبة 8.1% بعد فتح التداول، وسط مخاوف من موجة مطالبات تأمينية قد تمتد لسنوات.
عاد السهم ليستقر لاحقًا عند 18.21 دولار هونغ كونغ، لكنه بقي منخفضًا بشكل ملحوظ، مما يوضح حالة عدم اليقين في السوق.
إلى جانب خسائر التأمين، يُتوقع أن تتحمل الحكومة تكاليف ضخمة لإعادة الإعمار وإعادة إسكان المتضررين، نظرًا لأن خسائر مشروع الترميم وحده تتجاوز 54.5 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية.
ويكشف قطاع التأمين في هونغ كونغ عن توقعات بموجة من المطالبات، ليس فقط للأرواح والممتلكات، بل للأضرار الهيكلية، مما قد يؤثر على سيولة بعض شركات التأمين المحلية.
قطاع البناء والعقارات هو القطاع الأكثر تضرراً، حيث أظهر الحريق وجود خلل كبير في أعمال تجديد المباني. من الممكن أن يكون هذا الحادث نهاية لحقبة “سقالات الخيزران”، التي لطالما اعتُبرت رمزًا لهونغ كونغ بسبب تكلفتها المنخفضة، مما قد يدفع الحكومة لحظرها أو فرض قيود صارمة، مما سيرفع تكاليف البناء بنسبة تصل إلى 30-50% عند التحول للأنظمة الأكثر أمانًا.
ردًا على الحادثة، تبرع الرئيس الصيني بمبلغ مليوني يوان (حوالي 282 ألف دولار) عبر جمعية الصليب الأحمر الصينية، كما قدمت شركات كبرى مثل شاومي وتينسنت ومجموعة أنتا حوالي 6.4 مليون دولار لدعم عمليات الإغاثة.
امتدت موجة التضامن بين المواطنين في الصين، حيث تجاوزت منشورات الحريق على وسائل التواصل الاجتماعي مليار مشاهدة، بالتزامن مع مبادرات فردية لتوفير الماء والخبز والكمامات للمشردين.
مراجعات أمنية شاملة
تتجه الأنظار الآن نحو التداعيات المستقبلية لهذه الكارثة، حيث يُتوقع فرض الحكومة لوائح جديدة أكثر صرامة بشأن استخدام السقالات والشبكات البلاستيكية القابلة للاشتعال، إضافة إلى مراجعة شاملة لمعايير السلامة في مشاريع الترميم والبناء.
سوف تواجه شركات الإنشاءات والرقابة الهندسية ضغوطًا أكبر لضمان الالتزام بمعايير مقاومة الحريق، خصوصًا في مجمعات الإسكان العام ذات الكثافة السكانية العالية. ومع تضرر ثقة الجمهور في قدرة السلطات على حماية السكان، قد تشهد هونغ كونغ نقاشًا أوسع حول نماذج البناء الحالية، ومستوى استعدادها لمواجهة كوارث مشابهة، وتطوير البنية التحتية للسلامة.
تم نسخ الرابط
